رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحدثت في مقال الأسبوع الماضي عن أن منطقتنا على صفيح ساخن، ونشهد اليوم سباقا بين التصعيد العسكري والتصريحات المتضاربة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران حول الشروط المرتفعة السقف التي تضعها إدارة ترامب للالتزام بها لتجنب عملية عسكرية واسعة ضد إيران. وآخرها إعلان الرئيس ترامب في افتتاح الجلسة الأولى لمجلس السلام العالمي الخميس الماضي في واشنطن أن إيران لديها 10-15 يوماً للاستجابة والتوصل لاتفاق بطريقة أو أخرى أو أشياء سيئة ستحدث لإيران.
ويشترط الجانب الأمريكي التوصل لصفقة متكاملة لجميع الملفات مع إيران، تشمل صفر تخصيب - وقفا كاملا للتخصيب، والحد من مدى الصواريخ الإيرانية لمسافة لا تتجاوز 300 كلم، ووقف دعم حلفاء وأذرع إيران في المنطقة. شروط ترفضها إيران-لأنها بمثابة استسلام كامل والتنازل عن جميع أوراق إيران وقدراتها الدفاعية الردع البعيد المتمثل بأكبر ترسانة صاروخية متنوعة القدرات والمسافات لردع عدوان إسرائيل على إيران. وتكبيد إسرائيل كلفة بتعميق عقلية الحصار. والواقع طالت قدرات إيران الصاروخية أهدافا حيوية في تل ابيب وحيفا وبئر السبع. وألحقت أضرارا واسعة، وأجبرت ملايين الإسرائيليين على البقاء في الملاجئ. وكبدتها خسائر كبيرة في البنى التحتية وماليا ومعنويا.
وكان لافتا تأكيد نتنياهو شروطا تعجيزية برفع السقف عاليا لعلمه أن إيران سترفضها، ويروج أن الطرف الأمريكي يتفهم تجاوز خطوط إيران وترامب الحمراء، وهذا يُعقّد المفاوضات الصعبة أصلا. وهي:
1: نقل جميع كميات اليورانيوم المخصب خارج إيران والمقدرة بحوالي 400 كلغ من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% وتخزينه في دولة ثالثة-مقترح إلى روسيا أو إلى تركيا.
فيما يؤكد وزير الخارجية عباس عراقجي، أنه «لا حل عسكريا لبرنامجنا النووي وطورنا برنامجنا بأنفسنا وبجهود علمائنا ولا يمكن تدميره بالقصف أو بالإجراءات العسكرية». والطريق الوحيد لحل مسألة برنامجنا النووي والتأكيد من بقائه سلميا هو التفاوض والحل الدبلوماسي.
2-وقف كلي لتخصيب اليورانيوم وتفكيك جميع المعدات وبنى البرنامج النووي الإيراني كليا. فيما تكرر إيران بأن أمريكا لم تطرح وقف التخصيب الصفري في جولتي المفاوضات. وهذا خط أحمر غير قابل للتفاوض-لأنه من حق جميع الدول تخصيب اليورانيوم وتطوير برنامج نووي سلمي للطاقة.
3-تقييد البرنامج الصاروخي الإيراني-باستثناء الصواريخ التي لا يتجاوز مداها مسافة 300 كلم…يعني مداها لا يطول كيان الاحتلال.
4-تفكيك «محور الشر» كما يصفه نتنياهو-الذي تقوده إيران.
بات واضحاً أن محور إيران الذي كان يُعرف بمحور المقاومة والممانعة تعرض لانتكاسات كبيرة وغير مسبوقة خلال العامين الماضيين فنظام الأسد سقط وانتهى، وتعرض حزب الله لضربات مؤلمة وغير مسبوقة قضت على قياداته السياسية والنخبة العسكرية، وتم احتواء وتحييد الجماعات العسكرية الموالية لإيران في العراق، وتفاوضت إدارة ترامب مع الحوثيين بشكل غير مباشر وأوقفوا استهداف السفن المدنية والعسكرية الأمريكية في البحر الأحمر وبحر العرب. ويدعي نتنياهو أن إيران تسعى لإعادة بناء قدراتها وقدرات أذرعها.
والواقع ترفض إيران جميع شروط نتنياهو، وتقدم تعديلات معقولة حول التخصيب والصواريخ...لكن نتنياهو سيوظف الرفض ليحرض ويبرر ضرورة شن حرب اختيار جديدة- مثل حرب الأسد الناهض في يونيو الماضي على إيران. بانتظار وصول حاملة الطائرات جيرالد فورد التي تقترب من البحر الأبيض، قادمة من البحر الكاريبي. والسؤال هل ستشارك إسرائيل بالحرب على إيران، وخاصة باستهداف مصانع الصواريخ البالستية؟
يكرر المرشد الأعلى علي خامنئي صاحب الكلمة الفصل، رداً على حشود ترامب العسكرية وتهديداته بعد وصول حاملة الطائرات الثانية الأكبر «جيرالد فورد» إلى البحر الأبيض، لتنضم لحاملة الطائرات إبراهام لنكولن في بحر العرب، في موقف واضح لفرض آلية تردع إيران وأذرعها من عواقب مغامرة عسكرية-حذر المرشد «الأخطر من وجود أساطيل وسفن حربية هو السلاح الذي يُغرق تلك الأساطيل لعمق البحر»!. محذراً سنرد على أي اعتداء-»بقبضة قوية»ـ وجميع الخيارات على الطاولة، وستتحول الحرب لحرب إقليمية تشمل المنطقة بأكملها.
يتزامن ذلك التصعيد مع نهاية الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بدءا في مسقط-مطلع فبراير، والجولة الثانية الأسبوع الماضي في قنصلية سلطنة عمان في جنيف. وبرغم أجواء وتعليقات الوفدين عن مفاوضات إيجابية-إلا أنه لم نشهد اختراقا حقيقيا في المفاوضات المعقدة، التي تتزامن مع تصاعد حشد مزيد من القوات والمقاتلات وخزانات وقود طائرات وأصول عسكرية إلى قواعد عسكرية أمريكية في المنطقة.
فيما أجرى الحرس الثوري الإيراني مناورات عسكرية ومناورات قادمة مع القوات الروسية التي تنتقد وترفض التصعيد والحشد العسكري. وللمرة الأولى أغلقت مناورات الحرس الثوري جزءا من مضيق هرمز- الممر الحيوي والشريان الرئيسي لحوالي 20 مليون برميل نفط تعادل خُمس استهلاك النفط اليومي العالمي. ونذكر دأبت إيران على التلميح في حال الاعتداء عليها، ومنع تصدير نفطها، فإغلاق مضيق هرمز من الخيارات.
بناء على تلك المعطيات، وبرغم استمرار المفاوضات، وبدخول المنطقة حالة استنفار وحافة هاوية تصعيد وتحريض، وقرع طبول حرب وخشية حسابات خاطئة، السؤال الذي يفرض نفسه، هل يمكن تجنب حرب بتداعيات كارثية على أمن واستقرار إيران ومنطقتنا معاً؟.
لذلك بات اليوم مطلوبا وبإلحاح مضاعفة دور الوسطاء وخاصة دولة قطر وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية ومصر وتركيا بين الطرفين. واللافت مشاركة جميع الوسطاء في أول جلسة لمجلس السلام العالمي برئاسة ترامب في واشنطن. والتحذير من خطورة حرب مدمرة!! ونقل رسائل طمأنة بين إدارة ترامب وإيران لتقريب وجهات النظر. لاحتواء ووقف تصاعد مناخ الحرب والتهديدات المتبادلة، حتى التحذير من ضربات محدودة قد تخرج عن السيطرة. ومهم احتواء تحريضات نتنياهو المتعطش لشن الحرب بما يخدم أجندته ومشروعه. على أمل النجاح بالتوصل لصفقة تمنع حرباً عبثية تهدد أمننا واستقرار منطقتنا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4515
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4062
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
2145
| 05 مايو 2026