رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ خمسين عاماً أتابع الحياة السياسية في وطني تونس وفي العالم العربي وفي أوروبا ربما بالوراثة لأن والدي كان وطنيا دستوريا على قد حاله وكان يقرأ الصحف ويسمع الراديو ويساهم في الحركة التحريرية بما يقدر عليه من أضعف الإيمان أي أننا في عائلتنا كنا نخفي أحد المقاومين المسلحين عثمان سعيد وكان من أصهارنا وهو يلجأ لنا لأن دارنا قليلا ما يتطرق إليها الشك هربا من عصابة اليد الحمراء عميلة الاستعمار ومصفية المقاومين. كان ذلك سنة 1952 مع انطلاق الثورة المسلحة وعثمان سعيد كان لديه رشاش طالما تلمسته بزهو وخوف وكان يشارك في العمل المسلح ثم عند استقلال البلاد سنة 1956 عينه بورقيبة ضابطا في الحرس الوطني. كانت تلك صلتي بالسياسة ثم إن والدي سجلنا في مدرسة الفتح القرآنية التي كان المدرسون فيها كلهم من الوطنيين الدستوريين ومؤسسي الحزب الدستوري أمثال محمد بودخان والطاهر عطاء الله وكانوا يقضون أيامهم إما يعلموننا في الفصول أو يعانون في السجون فتعلمنا منهم محبة الوطن الحر رحمهم الله وطيب ثراهم. ثم جاء عهد الاستقلال وقامت مدينة القيروان بأول حركة تمرد على بورقيبة في يناير جانفي 1961 وشارك فيها طلاب المعهد الثانوي وكنت من بينهم احتجاجا عنيفا على نفي إمام جامعنا الأعظم ومدير معهدنا الشيخ الفاضل عبدالرحمن خليف واستشهد في ذلك اليوم خمسة متظاهرين وتم قمع القيروان وضرب الحصار عليها. وبعد سنوات من حكم الزعيم بورقيبة استقرت له السلطة المطلقة وأحاطت به بطانة لم تصدقه النصيحة ما عدا قلة نادرة من الوطنيين آثر بعضهم النأي بنفسه من الإذلال وقبل أغلبهم الإذعان لشخصية الزعيم النرجسية ولم ينبسوا ببنت شفة نصرة لحق أو دفاعا عن مظلوم. ومن السبعينيات بدأ غرق الزعيم في لجة الأمراض والهلوسات وبلغ الأمر أن حكمت تونس في أواسط الثمانينيات امرأة جاهلة محدودة المدارك هي ابنة أخته، فطرد الزعيم الخرف زوجته وسيلة من القصر وابنه الوحيد من حياته ووزيره الأول محمد مزالي من قصر الحكومة ونفاه إلى الخارج هاربا بجلده، ثم طرد من قصر قرطاج رفيق دربه سكرتيره لمدة ستين عاما علالة العويتي وبدأ التوانسة يفكرون في خلافة بورقيبة إلى أن دبر رئيس حكومته زين العابدين بن علي حيلة الفصل 57 من الدستور وغادر الزعيم قصره وعصره ثم لم تتأخر رئاسة ابن علي عن اللحاق المبكر بملحمة سقوط بورقيبة وتصورت بعض النخب أن عهد 7 نوفمبر مستمر إلى عقود إلى أن جاء التغيير الكبير على أيدي شباب يائس معطل عن العمل وناس عاديين يتوقون للكرامة ونخبة تطمح للحرية وكنت أنا أتساءل مع غيري في قناة الجزيرة أو في مؤتمرات دولية أو في مقالاتي وكتبي المتواضعة منذ منفاي الطويل عن سر خروج العرب من التاريخ بسبب ما سماه المفكر الأمريكي من أصل هندي فريد زكريا "الاستثناء العربي" حين يتشبث الزعماء العرب بالسلطة إلى درجة الهوس والجنون والإبادة؟ وباركت مع من بارك المشير عبدالرحمن سوار الذهب عندما تولى الحكم في السودان بعد الطاغية جعفر النميري ثم أوفى بوعده وغادر الرئاسة بعد سنة بالضبط وطالما تحادثت مع هذا الرجل المثقف في ندوات جمعتنا ثم باركت مع من بارك تخلي صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني عن إمارة قطر متنازلا لابنه الشيخ تميم وهو موفور الصحة وفي تمام العافية معتقدا أن بعد الحكم توجد حياة وتوجد سعادة غفل عنهما أغلب حكامنا العرب. ثم إني عشت سنوات المنفى في فرنسا وتعرفت في مقر تلفزيون فرنسا 24 على الرئيس الأسبق للاتحاد الأوروبي السيد جاك ديلور الذي كان مؤهلا للرئاسة في انتخابات 2002 وحاصلا على أكبر نسبة نوايا الاقتراع وإذا بالرجل الشهم يقول: "لن أترشح لأن لدي حديقة صغيرة فيها أزهار جميلة سوف أخصص زمن تقاعدي لتشذيبها وريها وترتيبها ولكل جيل رجال" ثم طالما التقيت بمحض الصدفة بالرئيس الأسبق فاليري جسكار دستان في محطة القطار مون بارناس بباريس وهو يجر حقيبته كأي مسافر مجهول ويحظى بتحيات المواطنين العاديين الذين يعرفونه من خلال التلفزيون فيسلمون عليه بأدب واحترام. وفي ساحة البنتيون قرب حديقة اللكسمبور حيث كنت أسكن لفترة قصيرة، كم مرة أقف في الطابور عند الخباز لأقتني الكرواسون (أكلة الصباح لدى الفرنسيين) فأجد أمامي السيد لوران فابيوس رئيس الحكومة الأسبق في عهد الرئيس ميتران ورئيس البرلمان بعد ذلك ووزير الخارجية الحالي منتظرا في الطابور دوره ليشتري الكرواسون الطازج مثلي ومثل أغلب الناس وهو آمن متمتع بتقدير الجيران.
وتعود لذاكرتي مآسي القادة العرب حين تنغرس كراسيهم في الأرض بعروق وجذور أشبه بالأشجار القوية الراسخة فلا يتصورون حياتهم إلا فوق هذه الكراسي ومحاطين بالبطانة التي تقول لهم ما يعجبهم وتزين لهم أعمالهم وتخدعهم حتى تعصف بهم عواصف الدهر وهم غافلون فتصبح البطانة أول المنقلبين عليهم وهكذا تشابهت سيناريوهات الثورات فيتم إخراج صدام حسين من حفرة في عزبة بالعراق ويشنقه خصومه في صباح عيد الأضحى كما يتم قتل العقيد القذافي بطريقة وحشية لا تشرف من ارتكبها مهما بلغت جرائم هذا الرجل المهووس بالحكم وكذلك يؤخذ محمد حسني مبارك من غرفة نومه إلى نقالة في قفص أشبه بأقفاص حيوانات السيرك وينجو علي عبدالله صالح من عدة محاولات اغتيال لكنه يعيش اليوم بوجه مشوه بالحرق في اليمن مضمونا بالتزام خليجي ولا يزال مصير بشار الأسد مجهولا إلى اليوم لكنه ربما لن يختلف عن السيناريو العربي الذي تعودناه.
يقول الله تعالى في تنزيله الحكيم:" وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" - النحل: 112- هذه آية من آيات الرحمن تعبر أصدق تعبير عن وضع بعض الزعماء العرب الذين نددنا منذ عقود بكفرهم بأنعم الله بعد أن كانوا وكانت بلدانهم آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فغفلوا عن مغادرة الحكم بعد زمن معقول ولم يعدوا للسلطة جيلا جديدا ولم يعودوا الناس على التداول السلمي والديمقراطي على الحكم وهنا جاء عقاب الله (مع عقاب الأمة) فأذاقهم سبحانه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون.
عودة وساطة الخير والسلام القطرية
عندما كنت بصدد تحرير مقالي واخترت عنوانه فوجئت كما فوجئتم جميعا بعودة الاشتباكات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران... اقرأ المزيد
168
| 04 سبتمبر 2026
الغرب المنتقل من حكم القانون إلى الشعبوية (1)
الشعبوية بطبعها مناقضة للأمن والسلام وجلابة للعنف بين الدول وهو ما يجرنا للإشارة الى جهود دولة قطر بتوجيه... اقرأ المزيد
297
| 27 أغسطس 2026
فقدان إسرائيل السند تلو السند
حينما تكتب (واشنطن بوست): مع اقتراب الانتخابات الحاسمة في الولايات المتحدة وإسرائيل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس... اقرأ المزيد
231
| 20 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3207
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026