رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

اليسار التونسي بين إنقاذ الرأسمالية وإنقاذ البلاد

مآزق سياسية، إرهاب مستوطن، أزمة اقتصادية ومالية خانقة، انخفاض القوة الشرائية للمواطن، براكين اجتماعية بسبب معاناة الناس في تونس من تفاقم صعوبات المعيشة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، والبطالة، وسياسات التخصيص في التعليم والصحة، وخصخصة القطاع العام، هذه هي المشاكل المزمنة التي تعاني منها تونس. إضافة إلى كل ذلك، طرح رئيس الدولة السيد الباجي قائد السبسي قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، الذي يتعارض مع الفقرة التاسعة من الفصل 148 الذي ينزل منظومة العدالة الانتقالية ومدتها منزلة دستورية، ويقفز على الفصل 14 من القانون الأساسي المتعلق بتحقيق العدالة الانتقالية والهادف إلى «تفكيك منظومة الفساد والقمع والاستبداد ومعالجتها بشكل يضمن عدم تكرار الانتهاكات واحترام حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون». ويعتبر اليسار التونسي ومنظمات المجتمع المدني أن المصالحة الوطنية يفترض أن تكون تتويجا لمسار كامل لا أن تكون منطلقا لهذا المسار، هذا فضلا عن الإشكالات الدستورية العديدة التي يثيرها مشروع القانون المتعلق بالمصالحة في المجالين الاقتصادي والمالي، لاسيَّما فيما يتعلق بالهيئة التي سيتم إحداثها بمقتضي القانون المذكور للقيام بالمصالحة والتسويات المالية. فالهيئة الإدارية يجب أن تعمل وفق قواعد الشفافية كما ينص على ذلك الفصل 15 من الدستور، وبالمقابل لا يجوز نزع قضايا هي من صلاحيات «هيئة الحقيقة والكرامة »المعنية بتحقيق العدالة الانتقالية، وإحالتها إلى هيئة لا نعرف طبيعتها القانونية، فذلك يعد بمنزلة المس بمبدأ الفصل بين السلطة الذي تم تكريسه في التوطئة وهي جزء لا يتجزأ من الدستور. وفيما أن المصالحة الوطنية، كما جاء في قانون العدالة الانتقالية تهدف إلى «تعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة »، أصبح الرأي العام التونسي يرى في قانون المصالحة المقدم من رئيس الجمهورية والذي سيصادق عليه مجلس النواب قريباً، بأنه يتناقض مع قانون المصالحة الوطنية، فضلاً عن أنه لا يحترم أسس العدالة الانتقالية ويكرّس عدم المحاسبة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات في حق البلاد واقتصادها واستولوا على المال العام، ولا يدعم ثقة المواطن في القانون، ويقدم هدية للأغنياء ورجال الأعمال الفاسدين والنهابين للمال العام المقدر بنحو 700مليار دينار(حوالي 4.6 مليار دولار)، الأمر الذي سيزيد في تأجيج الغضب الشعبي ليتيح الفرصة لليسار التونسي للاستفادة منه. ولكن يبدو أن اليسار أصيب بالعجز، حيث أخذ على حين غرة، في اللحظة نفسها التي بات مُطَالِباً منه بالتغني بمحاسن الليبرالية الاقتصادية. وفي ظل تقاسم الأدوار والوظيفة السياسية بين الرئيس الباجي قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، دفاعاً عن التوافقية بفهمها المحدود للديمقراطية، تشكلت في تونس إقطاعيات حزبية في مؤسسات الدولة، قوضت إمكانية «المحاسبة» التي تمثل عنصراً أساسيا لأي نظام ديمقراطي. فاقتسام الدولة إلى إقطاعيات بين النداء وبقية أحزاب الرباعي الحاكم، يعني بالضرورة اتفاقاً على حصانة كل قوة بالتحرك في مجالها. ولأن البرلمان نفسه صار جزءاً من نظام الإقطاعيات، فإنّه فقد دوره كهيئة رقابة ومحاسبة، بل وبات الرمز الأول للفساد في نظر الكثير من التونسيين. ويساند الغرب التحول الديمقراطي في تونس، ويدعم الشراكة في الحكم بين أحزاب «نداء تونس»، و«النهضة»، و«آفاق تونس»، و«الاتحاد الوطني الحر»، التي تشكل الائتلاف الحكومي بقيادة رئيس الحكومة السيد الحبيب الصيد، وهي أحزاب جميعها تدافع عن النيوليبرالية في الاقتصاد، وعن الشراكة الجديدة مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وعن ضمان تطوير اقتصاد السوق كي يستمر ويزدهر ويفرض نفسه. رغم أن تونس دفعت الثمن غاليًا في عهد الديكتاتورية، حين رَوَّجَ لها الغرب بأنها تمثل نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا، واسْتُخْدِمَتْ مختبراً متميزاً للتجارب النيوليبرالية، حيث كان من شأن الجشع المالي، والفساد المتغلغل داخل شرائح البرجوازية الطفيلية المسيطرة، والنهب المنظم للمال العام من قبل رجال الأعمال الفاسدين المتحالفين مع العصابات المافياوية التي كانت تتحكم في النظام السابق، أن جعل من تونس البلد الذي تنطلق منه «ثورة الربيع العربي»، بوصفها المنطقة الأكثر اهتزازاً في العالم العربي على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وفيما كان اليسار التونسي بجميع تشكيلاته وفصائله المنظمة في أحزاب وتنظيمات سياسية، أو الثقافة اليسارية المسيطرة على منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والنخب الفكرية المبعدة عن السلطة، ينادي تجسيد القطيعة مع نموذج التنمية السابق الذي وصل إلى مأزقه المحتوم، نجد الحكومة التونسية الحالية المدعومة من الائتلاف الرباعي الحاكم، تطبق سياسة الإصلاحات المالية التي فرضها كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تؤازرهما سياسة التبادل الحر المعتمدة في منظمة التجارة العالمية. وقد بدا اليسار متمثلاً بالجبهة الشعبية في حالة انهزام، إما عبر تحوله إلى النموذج السائد في أوروبا، وإما لحال العجز التي يعيشها عن مقاومة الهجوم الكاسح الذي تقوم به الحكومة اليمينية المندمجة في نظام العولمة الليبرالية المتوحشة، والتي تريد من الشعب التونسي أن يدفع ثمن الجشع الرأسمالي الذي انطلق بلا حدود، وبلا كوابح، لاسيَّما حين طرح رئيس الجمهورية قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي يتناقض مع مسار العدالة الانتقالية، والذي يريد تبييض جرائم رجال الأعمال الموسومين بتهم الفساد وسرقة المال العام، بهدف إبرام تسوية مع هؤلاء لاسترجاع الدولة لما أخذ منها ووضع حد للإهدار والفساد وسوء التصرّف والابتزاز السياسي عبر توظيف هذه الملفات العالقة. وقد وجدت النقابات نفسها متمثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل في موقع دفاعي في مواجهة سياسة النيوليبرالية التي تريد من الشعب التونسي أن يدفع ثمن نتيجة استشراء البطالة، وتقلص أو زوال الضمانات والخدمات الاجتماعية، والسلع المدعمة من الدولة، ونتيجة انخفاض الأجور.علما أن الطبقات الشعبية (المتكونة من العمال، والموظفين، والأساتذة، والمعلمين، والفلاحين المتوسطين والفقراء، والمتقاعدين،)هي التي تدفع للدولة الضرائب، بينما كبار رجال الأعمال والشرائح الغنية من الطبقة المتوسطة: أصحاب المهن الحرة(الأطباء، المحامون، المهندسون)، يتهربون جميعا من دفع الـضرائب، ويمارسون الاختلاس الضريبي المتفشي بشكل كبير، بحرمان الدولة من مئات المليارات من الدنانير سنويا، من خلال إعلانهم عن دخل سنوي «أقرب إلى الحد الأدنى لأجور العمال». وهكذا يكون العمال والموظفون والأساتذة والمعلمون والمتقاعدون هم الأكثر ثراء في تونس، بالنسبة لوزارة المالية. النيوليبرالية حظيت بنفس جديد في ظل الحكومة التونسية الحالية، التي ترفض محاربة الفساد الكبير والفساد الصغير، وترفض محاربة التهرب الضريبي، لأنها إلى حد الآن لم تتخذ أي إجراءات تقنية لتعزيز المراقبة على رجال الأعمال الفاسدين، وعلى الشركات الكبرى والمتوسطة والصغرى التي لا تحصى، وعلى أصحاب المهن الحرة. وبالمقابل عملت هذه الحكومة على ضخ مئات المليارات من الدنانير لإنقاذ البنوك المفلسة، وقطاع السياحة، والمشاريع الرأسمالية المنهارة ومؤسساتها، ومنحت النواب زيادة بقيمة 900 دينار شهريا كتعويض عن الإقامة في الفنادق، في حين رفضت زيادة رواتب الأساتذة والمعلمين، وهي تماطل بصدد دفع المساعدة للعاطلين عن العمل بقيمة 200 دينار. وتشهد تونس اليوم إعادة إنتاج النظام السابق، في شكل ديمقراطي زائف، حيث تسير الحكومة في نفس الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رفضها الشعب التونسي حين أسقط الديكتاتورية في بداية سنة 2011، وهي تريد من اليسار المتمثل في البرلمان بنحو 15 نائبا هم عدد نواب الجبهة الشعبية، أن يكتفي بالفرجة على الرأسمالية الطفيلية التي نهبت المال العام، وتوحشت في بذخها من خلال إقامة الفلل الفاخرة والقصور، والسفر في اليخوت، وبعثرت النقود في الحفلات والأعراس، وصنعت البؤس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعب، وفرضت القمع السياسي بواسطة أجهزة البوليس السياسي، تلك العوامل مجتمعة هي التي صنعت التربة المناسبة لنمو الإرهاب واستشرائه في تونس. وهاهي الطبقة السياسية الحاكمة بعد الثورة تُطالب الشعب التونسي بإنقاذ الرأسمالية الطفيلية، وتقتطع من لحم وعرق حياة الرجال والنساء والأطفال في سبيل ذلك. وفي الحقيقة لا يمكن الفصل بين انتصار النيوليبرالية ومشروعها التسلطي الجديد في تونس، وبين قضاء الديكتاتورية البوليسية السابقة على مكونات اليسار، رغم عراقة هذا الأخير في النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية، ومعارضته للرأسمالية الطفيلية، ومعارضته أيضاً للشركات العابرة للأوطان وسياساتها. وفي ظل العجز التاريخي لليسار عن قيادة الثورة الشعبية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، لاسيَّما في مجال بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية من الموقع الخاضع للسيادة الرأسمالية العالمية متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي إلى الموقع المتمرد على هذه السيادة، فقدت الدولة التونسية في مرحلة الانتقال الديمقراطي المتعثر استقلالها الحقيقي، وباتت رهينة حسابات ومصالح المؤسسات الدولية المانحة والشركات المتعددة الجنسية التي، سواء أكانت أوروبية أم أمريكية، عمدت إلى إخضاع أجهزة الدولة وترويضها. فهذه الأخيرة استغلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعاني منها تونس، من أجل الحصول أو الحفاظ على بعض الأسواق والتنازلات. وهذا التدخل من جانب الشركات المتعددة الجنسية، والمؤسسات الدولية المانحة، على أساس قواعد نظام العولمة الليبرالية، في شؤون الدوائر الرسمية التونسية قد ولد خلطاً بين القانون العام والقانون الخاص. وفي الإجمال، فإن الدولة التونسية أصيبت أكثر فأكثر بالضعف، بسبب تنامي الإرهاب، واحتداد الأزمة الاقتصادية والمالية من جهة، وبسبب تدخلات صندوق النقد الدولي الشركات المتعددة الجنسية من جهة أخرى، وتريد الرأسمالية الطفيلية المندمجة في نظام العولمة الليبرالية أن تُحَمِّلَ الشعب التونسي، والقوى اليسارية العبء الأكبر للمصائب التي تعيشها البلاد. والحقيقة إذن هي أنه لا الشعب التونسي، ولا اليسار، لهما مصلحة في انهيار البلاد، أو في حدوث كساد شامل وعميق يدوم سنوات، أوفي إفلاس مئات الآلاف من المؤسسات الرأسمالية. بمعنى آخر يعني هذا أن مصلحة اليسار في المرحلة الحالية هي أن تحول دون أن ينهار النظام الرأسمالي القائم الآن، بل أن تُساهم في إنقاذه. هذه هي الحقيقة المُرّة التي أصبحت تُواجه القوى اليسارية المنضوية في إطار الجبهة الشعبية. الطبقة السياسية الحاكمة المدافعة عن الرأسمالية الطفيلية، ورجال الأعمال الفاسدين، تريد من خلال طرح الوضع الكارثي الذي تعيشه البلاد على جميع الصعد، أن يساهم اليسار في عملية إنقاذ الرأسمالية بشروطها، ومن دون أن تتم تعديلات في طريقة سريان الرأسمالية واتجاهاتها، في النظم التي تعمل في إطارها، أي معارضتها للإضرابات والاحتجاجات والتحركات الاجتماعية، ووقف الضغوط التي تمارسها منظمات المجتمع المدني.. لذلك أصبح على اليسار أن يعيش مفارقة غريبة: فهو التيار المناهض للرأسمالية من الناحية النظرية والأيديولوجية، لكن عليه في الوقت عينه أن يفكر في الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الخانقة التي تعيشها تونس الآن، وأن يقبل السياسات النيوليبرالية التي تريد الحكومة الحالية تطبيقها في المجال الاقتصادي، طبقاً لمتطلبات وشروط صندوق النقد الدولي. ينبغي على اليسار التونسي أن يُحدد أثناء هذه الفترة، موقفه بدقة، هل هو يريد أن يُساهم بتفكيره وسياساته وتحركاته في إنعاش الاقتصاد الرأسمالي مع فرض القيود اللازمة لتغيير الاتجاه الذي سار عليه، أم إنه مطالب ببناء يسار اجتماعي وسياسي وسط التوترات الشديدة والمخاطر، وبلورة برنامج سياسي ونموذج جديد للتنمية يدافع عن مصالح العمال والفلاحين، والموظفين، والحرفيين والمثقفين والفئات المتوسطة في المجتمع، للوصول إلى السلطة والانتقال التدريجي إلى عصر ما بعد النيوليبرالية. وما سيحدد الوجه الحقيقي لهذا اليسار هو طريقة عمله الملموسة على الأرض. فهل ستقدم الندوة الوطنية للجبهة الشعبية إجابات حقيقية على هذه التساؤلات؟

648

| 28 أغسطس 2015

المصالحة والعدالة تقفان على طرفي نقيض في تونس

تتحدث مصادر تونسية قريبة من دائرة القرار السياسي أن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، الذي جاء بمبادرة من رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي في شهر مارس 2015، والذي أصبح مثيراً للجدل السياسي الكبير في تونس، تقرّر عرضه ومناقشته أمام الجلسة العامة بمجلس نواب الشعب خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر القادم، وهو الآن قيد معالجة مختلف فصوله من طرف اللجان المعنية بمجلس النواب مع وجود رغبة قويّة في الإسراع باستكمال عمل تلك اللجان حتى يكون المشروع جاهزا للنقاش والتصويت عليه من طرف الجلسة العامة للبرلمان التونسي. تعيش تونس اليوم في ظل ديمقراطية متعثرة، ومآزق سياسية، وبراكين اجتماعية، لا سيما أن بداية مسار الديمقراطية التونسية بعد استكمال الانتخابات الرئاسية في نهاية السنة الماضية، بدا أكثر مأساوية، بسبب تنامي خطر الإرهاب وتهديده للأمن العام ولأمن المواطن وللجمهورية وللدولة وللمجتمع بأسره، إضافة للأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة التي تعيشها البلاد. فخطر الإرهاب، وخطر الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة، كانا سيدخلان البلاد في حرب أهلية، لكن الاستثناء التونسي الذي برهن عن جدارته في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة، استطاع أن يحافظ بصعوبة بالغة على مكتسبات الدولة المدنيّة التي بناها التونسيون بمؤسّساتها الوطنية ونظامها الجمهوري التقدّمي، وأن يحول دون وقوع تونس في براثن التفتيت لكيانها الوطني، كما هو جار في العديد من البلدان العربية. غير أن الربيع الديمقراطي في تونس باهر بحرية التعبير، لكنه مضروب بسوسة العادات السياسية الطاغية التي لم يكن الديكتاتور السابق بن علي إلا رمزها الأكثر بروزاً للعيان، فالرئيس الباجي قائد السبسي لم يتمكن من إيجاد الحلول للمشكلات الاقتصادية الاجتماعية، والفروقات الاجتماعية والطبقية، والفساد الكبير الذي يمارسه رجال الأعمال، وسلطة الأوليغارشية العقارية والتجارية والمالية التي لا ينافسها إلا شبكات التهريب المافياوية. وقد لجأ مؤخرا من خلال طرحه لمشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية إلى إيجاد تسوية مصالح تخدم البرجوازية التونسية بشرائحها المختلفة، أكثر منها تسوية سياسية تخدم المصالحة الوطنية، التي لن تتحقق بصورة فعلية إلا في ضوء تحقيق العدالة الانتقالية بمضمونها التقدمي، الذي يقوم على تجسيد القطع مع الماضي الديكتاتوري والمرور إلى مرحلة السلم. فالعدالة الانتقالية تشكل حجر الأساس لبناء الديمقراطية ولا يمكن الحديث عن تحوّل فعلي نحو الديمقراطية بمعزل عن العدالة الانتقالية. وفي ظل تأخر تحقيق العدالة الانتقالية في تونس، رغم مرور أكثر من أربع سنوات على الثورة التونسية، أحدث قانون المصالحة الاقتصادية الذي طرحه رئيس الجمهورية التونسية شرخًا كبيراً داخل المجتمع التونسي، بين المدافعين عنه، وبين المعارضين له، وكل طرف يدلو بدلوه في هذا الجدال الساخن. وتتلخص وجهة نظر المدافعين عن قانون المصالحة الاقتصادية، في الأمور التالية: أولاً: مادامت تونس تمر بأوضاع صعبة وتحديات غير مسبوقة، وتواجه أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، إضافة إلى تعطل عملية الإنتاج، واحتداد حدة التوترات الاجتماعية إلى درجة انعدمت فيها الحلول التوافقية، فإن المشاكل العديدة التي تعاني منها البلاد لا يمكن إيجاد حلول لها من دون طَي صفحة الماضي والتوجه نحو المستقبل واستعادة الوحدة الوطنية والتضامن بين التونسيين مهما كان موقعهم في الفترات السابقة وذلك دون تبادل للتهم ودون حقد أو تشهير إلا من إدانة القضاء أو ثبتت مسؤوليته في تجاوزات يحاسب عليها كفرد أمام القانون. ثانياً: إن المصالحة الوطنية هي البوابة الأساسية لتحريك مخزون المجتمع الذي تستقر فيه قيم التسامح، والتآخي، والتآزر، والتضامن والعدل والإنصاف، والتشارك في تحمل الأعباء، وفي العمل، كما في التضحيات والمنافع. والمصالحة الوطنية بهذا المعنى تستمد مشروعيتها من مبادئ الجمهورية وقيمها، ومن الجمهورية الثانية بالتحديد التي أخذت هوية اجتماعية تضامنية. لذلك لا يمكن لها أن تكون جزئية أو فوقية، بل ينبغي أن تكون شاملة وعامة وتعالج في هذا السياق سويا وضع رجال الأعمال ووضع الشعب، وتتقدم بحلول معقولة ومقبولة للجهتين، وبما أن المصالحة تهدف إلى تحقيق التعبئة العامة فهي مطالبة بأن تتناول ملف رجال الأعمال على أساس مدى تحملهم لمسؤولياتهم الوطنية والمجتمعية وتسديدهم ديونهم للمجموعة الوطنية والضرائب المخلدة بذمتهم على أساس تسوية عامة تكون فيها مشاركتهم في المجهود الوطني بينة على الواجهتين: مواجهة الأزمة والحرب على الإرهاب والالتزام بالانخراط في التنمية الاجتماعية الشاملة وعدم العودة إلى مربع السنوات السابقة. ثالثاً: إن المصالحة الوطنية يجب أن تسهم في تعبئة الشعب لكي يتحمل مسؤوليته في العمل وفي إنتاج الثروة. وبهذا المعنى يصبح العمل قيمة اجتماعية ووطنية إلى جانب ما يمثله من قيمة اقتصادية. وبالمقابل، ترى الأحزاب السياسية اليسارية والقومية والديمقراطية، والعديد من منظمات المجتمع المدني، أن على رئاسة الجمهورية والحكومة سحب مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، بوصفه قانوناً غير دستوري، ويدخل في سياق تبييض الأموال، الذي يذكرنا بتبييض الجرائم. ولا تتمتع تونس بموروث حقيقي في مجال العدالة الانتقالية، وهذا ما يفسر انقسام التونسيين باستمرار وإلى الآن حول هذه المسألة وبحثهم عن نماذج من الخارج للاستئناس بها (جنوب إفريقيا – المغرب – دول أوروبا الشرقية.). ووفقا للتجارب السابقة في العديد من الدول، فإن مفهوم العدالة الانتقالية يقوم أصلا على ست دعائم رئيسة ومترابطة تشكل آليات وأهدافا ستة لها في الوقت ذاته، هي: أولاً: «معرفة الحقيقة»، من أهم حقوق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان معرفة الحقيقة حول الأسباب والظروف التي ارتكبت خلالها التجاوزات والجرائم التي ترتب عليها إلحاق الضرر بهم بكل صوره المادية والمعنوية. ويتسع هذا الحق خلال فترات العدالة الانتقالية ليشمل المجتمع كله. فأول أهداف العدالة الانتقالية هو كشف الحقيقة، ومعرفة طبيعة ما وقع من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة الاستبداد أو القمع، مع تحديد المسؤول عنها، باعتبار ذلك حقا لكل مواطن. ومن أفضل التجارب في اتباع آليات معرفة الحقيقة لاجتياز المرحلة الانتقالية، هي تجربة جنوب إفريقيا، التي اعتمدت على إنشاء لجنة تقصي الحقائق التي حملت الاسم التالي: «هيئة معرفة الحقيقة وتحقيق المصالحة»، والتي كانت مخصصة للتحقيق في الجرائم المرتكبة في ظل النظام العنصري السابق - في غضون المدة من مارس 1960 إلى مايو 1994، بهدف تجاوز الماضي، وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة. ثانياً: «المحاسبة والقصاص»، أي إجراء محاكمات جنائية للمسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان في تونس، وغيرها من جرائم أخرى ضد الشعب والوطن، سواء تمت عن طريق محاكم وطنية، أو دولية، أو مختلطة. ولا يخفي على القارئ أنه من بين أسباب اندلاع الثورة التونسية الاحتجاج على ممارسات البوليس السياسي، أي أجهزة أمن الدولة التي نعتها الناشطون الحقوقيون بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدت انتهاكات النظام البائد لتصيب شباب الثورة أنفسهم، فمات منهم من مات، وجرح من جرح، ولم تتمكن منظومة العدالة الجنائية الحالية في تونس من توفير محاسبة حقيقية، أو قصاص عادل، مما زاد من احتقان الشارع التونسي.. ولكي تتم محاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبها البوليس السياسي التونسي في حق المناضلين على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والسياسية، يجب الاسترشاد بمفاهيم العدالة الانتقالية. ثالثاً.. التعويض وجبر الضرر: من أهم مرتكزات مفهوم العدالة الانتقالية تعويض ضحايا القمع للمناضلين السياسيين والنقابيين ونشطاء حقوق الإنسان، وجبر ما لحق بهم من أضرار، وإعادة تأهيلهم، وتخليد ذكراهم. ومن المهم اتباع وسائل وإجراءات سليمة وناجزه لتحديد الشهداء والضحايا، وتأمين حصولهم على التعويضات المناسبة، والإرضاء الكافي لأسرهم في حالة استشهادهم.. إن عدم جبر أضرار الضحايا ومن أصيب بضرر من ذويهم أو المحيطين بهم قد يؤدي إلى المزيد من التوتر والاحتقان في المجتمع. ذلك أن الضحايا المقصودين بآليات العدالة الانتقالية ليسوا هم فقط المجني عليهم ممن قتلوا وأصيبوا خلال تلك الأحداث، بل إن الأمر يمتد لأسرهم وأهاليهم ممن فقدوا أبناءهم وذويهم.لذا فإن ما نعيشه الآن يعتبر مرحلة مفصلية وفارقة في تاريخنا الاجتماعي والسياسي، فإما التأسيس للعدل أو تواصل مسار الانتقام الذي سيولد بدوره انتقاما آخر ومظالم جديدة. رابعاً.. محاسبة الفاسدين واسترجاع الأموال المنهوبة من الدولة: ليس من اللازم أن تقتصر إجراءات المحاسبة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بل يجب أن تتعداها لتشمل جرائم الفساد، والجرائم الاقتصادية، كما حدث في كوريا الجنوبية عام 1987 بالنسبة لرجال الدولة الفاسدين، وهو الأمر المنطبق على مرحلة العدالة الانتقالية في تونس، بينما يتغاضى مشروع المصالحة المطروح حاليا عن محاسبة أعظم جرائم النظام السابق التي تقع في الحقل الاقتصادي، أي الفساد، لا سيما بالنسبة لرجال الأعمال الذين استفادوا من المال العام دون وجه حق في كل الأوقات، والتي تتجاوز 7 مليارات دينار. لابد من الوضوح فيما يتعلق بالفساد وبكل أشكاله، وضوحا يكون بتطبيق القانون وليس برمي التهم جزافا على البعض وبتنزيه البعض الآخر، فهل كان الفساد حكرا على العائلة الحاكمة وأتباعها في النظام السابق وأن هناك رجال أعمال مظلومين؟ المسألة لا تتحمل التأويل أو تفصيل قوانين على مقاس أشخاص أو فئات معينة، فبهذه الطريقة نفتح قضية الفساد ومحاسبة المتهمين على اعتبار أن البلاد في حاجة أكيدة إلى أموال واستثمارات، بينما ينادي المنطق بوجوب تطبيق القوانين والمساواة بين الجميع؛ فعلى رجال الأعمال أن يعيدوا ما لقيصر لقيصر، وعلى الدولة أن تحكم استغلال ما سيقع استرجاعه وألا يقع العبث به كما حصل ويحصل حاليا مع الأملاك المصادرة التي خسرناها بفعل ما طالها من إهمال وسوء تصرف. خامساً: إن المصالحة الوطنية تبقى بلا معنى إذا لم تعتن الدولة بقطاع الشباب، الذي يحتاج إلى العمل والحياة الكريمة، والتعليم الجيد الذي يعيد إليه الاعتبار اجتماعيا ومعرفيا وعلميا، كما أن المصالحة الوطنية لا يمكنها أن تنجح دون إشراك المرأة في العمل على تجاوز الأزمة الاقتصادية، وفي الحرب على الإرهاب، وإذا لم تتناول وضعها ومكاسبها بحق بعيدا عما نسميه بالتوظيف السياسي. إذ لا يختلف اثنان في الدور الذي لعبته المرأة في مختلف مراحل النضال من أجل الديمقراطية والدفاع عن الدستور أمام المشروع الاستبدادي، وفي الانتخابات التشريعية والرئاسية، في الوقت الذي أصبحت ترى فيه مكاسبها، التي هي مكاسب المجتمع التونسي، مهددة من قبل الحركات الإسلامية. سادساً: إن المصالحة الوطنية هي الشرط الأساسي لتنمية المحافظات الداخلية المهمشة والمحرومة تاريخيا من مشاريع الاستثمار والتنمية، وكذلك المناطق الحدودية التي تمثل حبل النجاة لتونس، فالخطر الأكبر اليوم الذي تواجهه تونس هو الإرهاب الذي ينتعش في مناخات الفقر والاحتقان بين التونسيين. إن الفقر هو أكبر ضامن للإرهابيين خاصّة في المحافظات الداخلية: باجة والكاف وجندوبة والقصرين وسيدي بوزيد وقفصة وتوزر وقبلي وتطاوين ومدنين، حيث يشعر سكان هذه المحافظات بالغبن، وبأن الدولة تخلّت عن مسؤولياتها المعنوية والمادية تجاههم، ولابد أن تستعيد دورها وهذا لن يتم إلا بطي صفحة الماضي وإنجاز المصالحة الوطنية لأن البلاد لا تتحمل مزيدا من الاحتقان ومزيدا من التجاذبات.

401

| 21 أغسطس 2015

التراجع عن التعريب في الجزائر يخدم الفرانكوفونية

عقدت وزارة التربية الجزائرية مؤتمراً في 21 يوليو الماضي، بمشاركة خبراء في التعليم، انتهى برفع توصيات إلى الوزيرة، أهم ما فيها تدريس أطفال المرحلة العمرية 5سنوات و 6 سنوات اللهجات العامية الدارجة، بحسب المناطق التي يقيمون بها، بحجة أن الأطفال الصغار لا يستوعبون اللغة العربية في هذا السن، وبأن تحضيرهم لتعلمها في السنة الثانية ابتدائي يمر حتماً عبر دعم رصيدهم من اللغة العامية. وقد تبنت وزيرة التربية الجزائرية نورية بن غبريط توصيات المؤتمر، وحولتها إلى قرار حكومي، رغم أن القرار لم يصدر عن رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة شخصياً، الذي يُخَوِلُ له الدستور اتخاذ القرارات التي تحسم توجه المجتمع والدولة، ما ألقى ظلالاً من الشك حول إمكانية ترجمة قرار الوزيرة في الوقت الحالي. ومع ذلك، فقد أثار قرار وزيرة التربية الجزائرية المتعلق بإمكانية إدراج «العامية» في الأقسام الإبتدائية جدلاً ساخناً في الجزائر، بين دعاة التعريب والمدافعين عن اللغة العربية في مختلف مراحل التعليم، وبين دعاة الفرانكوفونية من المثقفين المتفرنسين والحركة البربرية، الذين يعتبرون أوروبا وفرنسا تحديداً مرجعية في الاقتصاد والإدارة وتسيير شؤون الدولة الجزائرية. وقد طرح قرار وزيرة التربية الجزائرية مسألتين في غاية الأهمية، ولكنهما مترابطتان: الأولى: لقد تحول الدفاع عن خيار التعريب إلى مسألة قومية لها علاقة عضوية بالهوية العربية الاسلامية للجزائر، وتحولت مقاومة التعريب إلى دفاع عن اللغة الفرنسية في شكل دفاع عن «الثقافة الشعبية» من جانب الحركة البربرية، التي هي صنيع الفرانكوفونية في الجزائر. الثانية: خيار التعريب وعلاقته بسياسة الدولة في مجال التعليم والاقتصاد والسياســة عامة. فالحركة البربرية التي أسست لخدمة الفرانكوفونية أكثر من خمسة أحزاب سياسية إلى حد الآن في الجزائر، هي التي تناصب العداء لخيار التعريب، وما حققه من استقلال لغوي وثقافي عن اللغة الفرنسية في جميع مراحل التعليم وتخصصاته. الحقيقة أن موضوع التعريب كان ولا يزال موضوع صراع بين طرفين متصادمين في تكوينهما الثقافي والأيديولوجي والسياسي، وفي رؤيتهما للمشروع الثقافي على صعيد الجزائر، وفي جو خلا من الحوار الموضوعي والديمقراطي طيلة السنوات الطويلة الماضية، تحول النقاش إلى حوار طرشان، وبحجج أيديولوجية مسبقة وجاهزة يغلب عليها الطابع العاطفي، إذ إن كل طرف ينشد بوعي أو من دونه وبما يتوقعه أنه يخدم المصلحة العامة، على صعيد الثقافة الشعبية. ومن الواضح أن الدفاع عن خيار التعريب باعتباره خياراً قومياً وديمقراطياً، بصرف النظر عن الجهات التي تقف وراءه وخلفياتها الأيديولوجية والسياسية – هل هي منساقة ومنخرطة مع هذا الخيار أم هي تستخدمه لأغراض سياسية – قد قابله مجموعة من التيارات المقاومة لخيار التعريب الذي يصب في المحصلة النهائية في موقع الدفاع عن اللغة الفرنسية في شكل الدفاع عن الثقافة الشعبية، خاصة من الأحزاب السياسية البربرية، وأبرزها «حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية». إن خيار التعريب في الجزائر يهم الشعب العربي والأمة العربية بأسرها، وكل قواها الوطنية والديمقراطية والاسلامية، و هذا يقتضي توضيح المسائل التالية: أولاً: إن اللغة الفرنسية أدخلها الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر باعتبارها إحدى أسلحته الإيديولوجية والثقافية ، لتسلخ الشعب الجزائري عن لغته الوطنية العربية، وحرمانه طيلة أكثر من قرن، الأمر الذي جعل الجزائر تعيش حالة من الانقطاع التاريخي على صعيد التواصل الثقافي والوطني .ومن هذا المنطلق فاللغة الفرنسية التي تمكنت من الاستحواذ على قسم مهم من أبناء الشعب الجزائري، بوساطة حرمانهم من ثقافتهم ولغتهم الوطنية ألا وهي العربية، هي لغة دخيلة على الشعب الجزائري، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبارها جزءا ً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية . لأن الثقافة الشعبية، لا تتحقق بوساطة اللغة الأجنبية، لغة المستعمر الفرنسي، بل بوساطة اللغة العربية، باعتبارها اللغة الوطنية للشعب الجزائري، الذي هو جزء من الشعب العربي، حيث تمثل اللغة إحدى المقومات الأساسية للأمة العربية، وبالتالي كمكون لشخصيته و ثقافته القومية . وفضلا ًعن ذلك فإن اللغة الوطنية في الجزائر، والحال هذه العربية، هي اللغة التي تشمل باتساعها الجغرافي كل القطر الجزائري، وهي لغة الثقافة الوطنية. وتعمل الحركة الفرانكوفونية وأداتها المحلية على تحويل الصراع القائم بين اللغة العربية، باعتبارها اللغة الوطنية السائدة، وبين اللغة الفرنسية المحتلة، إلى صراع داخلي لا حصر له، بين اللغة العربية واللغات الوليدة والمستولدة في المحاضن الفرنسية، لحساب سيادة اللغة الفرنسية ، وتأييدها في البلاد . وهو سبب كل هذه التخطيطات الجهنمية منذ سنوات، على حد قول مثقف جزائري عروبي. وتجدر الإشارة هنا إلى الموقف الوطني المُشرّف الذي وقفه العلماء الجزائريون المنحدرون أصلا ً من البربر أي من الأمازيغ ضد الاستعمار الفرنسي، ومحاولة شطب الهوية العربية الاسلامية للجزائر، وهم العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس، والبشير الابراهيمي، والعربي التبسي الذين رفعوا شعار في إطار مقاومة الاستعمار الفرنسي « الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا » ، وهم الذين أقروا انتساب الشعب الجزائري للعروبة « شعب الجزائر مسلم، وإلى العروبة ينتسب » ، من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب ». ثانياً: إن تأجيل قانون التعريب، وبالتالي التراجع عن خطة التعريب من جانب الدولة الجزائرية، يخدم أحد أهداف الحلم الاستعماري الفرنسي الكبير في الجزائر، الذي كان ولا يزال يمارس ضغوطات متعددة على السلطة الجزائرية (بواسطة اللوبي المصنوع لهذا الهدف في الجزائر ألا وهي الحركة البربرية ) من أجل الإبقاء على سيادة اللغة الفرنسية في كل المرافق الاستراتيجية للدولة : الإدارية ، والاقتصادية ، والعلمية ، والإعلامية ، والعسكرية ، كما هو الحال للبلدان الإفريقية الفرانكوفونية أي الناطقة بالفرنسية كلغة رسمية سائدة، والتي اختارت لغة الإستعمار الفرنسي فجر استقلالها، لأنها لا تملك لغة وطنية سائدة على مستوى أقطارها. ومن هذا المنظار فإن خيار التعريب له علاقة عضوية مباشرة بخيار التعليم، ولأن التعليم إذا قيض له أن يسهم إسهاما ً حقيقيا ً في تكوين الإنسان من المدرسة إلى الجامعة، باعتباره إنتاجا ً للبشر، الذي لا يعطي ثمارا ً إلا بعد سنوات طويلة، حيث تمتص المجالات المتعددة الاقتصادية والسياسية و الثقافية كل الكوادر المقتدرة والموهوبة، يتطلب أن يكون ضمن سياسة وطنية ثورية وقومية ديمقراطية شاملة للحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والوطنية في الوطن العربي عامة، وفي بلدان المغرب العربي خاصة، أو لا يكون . ولما كان التعليم يهدف إلى تنمية الثروة البشرية، وتكوين الكوادر المتخصصة في الميادين المهنية، والمدنية، والسياسية،والثقافية، والخلقية، فإنه إما يكون عماد سياسة هذه الدولة الوطنية أو تلك، أو لا يكون . لأن الثورة الصناعية والتنمية الاقتصادية الهائلة في الغرب، سواء مع تفجر الثورة البرجوازية الديمقراطية أم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من ثورة علمية وتكنولوجية، يلقبونها في الغرب بالثورة الصناعية الثالثة، تحققت بفضل إعطاء الدولة الأولوية والعناية بالتعليم العالي الجامعي، ومراكز البحث العلمي في المجتمعات الغربية . إذ إن هذه الدول الصناعية الغربية قد اقامت امبراطوريتها الصناعية، وحققت تطورها المذهل في الإنتاج الزراعي، وفي الرخاء المادي، بفضل تطوير التعليم في مختلف مراحله، وتنمية الثروة البشرية، وإعلاء المستوى الثقافي للإنسان، ونشر المنهج العلمي في التفكير، وتنمية الخصب الثقافي من العلوم الانسانية على اختلافها، ونشرها في مختلف أوساط المجتمع . إذا ً، التعريب في البلاد العربية عامة، والمغرب العربي خاصة، هو مسألة لها علاقة عضوية مباشرة باهتمام الدولة الوطنية بسياسة المواطن ماديا، و فكريا، أولا وأساسا . فالتعريب ليس مجرد برنامج يطبقه هذا الوزير أو ذاك، بل هو اختيار إيديولوجي وسياسي وثقافي واع للأمة العربية، لكي تخوض المعركة الفكرية والثقافية والتعليمية، بين الثقافة العربية الإسلامية، والثقافة الغربية المهيمنة، علما أن سلاحنا في هذه المعركة (نحن دعاة التعريب ) ضعيف بحكم قانون التفاوت في التطور على صعيد الإمكانات الثقافية والحضارية بيننا وبين الغرب. ثالثا: إن طابع التخلف الذي يطبع لغتنا العربية عامة، وخيار التعريب في المغرب العربي خاصة، نابع بشكل أساس من التأخر التاريخي لمجتمعنا العربي. ولما كانت اللغة العربية، عبر مسارها التاريخي بنية تحتية أسست لظهور المجتمع المدني، وتبلور فكرة الأمة، ضد كل التوصيفات الماركسية التي تعتبرها جزءا من البنية الفوقية فقط، فإنها تشكل الآن أكثر من أي وقت سبق المعبر الرئيس الذي ينتقل به مجتمعنا من حالة التأخر التاريخي إلى التقدم، ومن القعود إلى النهوض . والحال هذه، فإن اللغة العربية ليست عاجزة عن استيعاب وتعلم العلوم الدقيقة، خاصة الرياضيات العليا، والفيزياء النووية، والهندسة الوراثية، والميكانيك المعقدة . لأن هذه العلوم والرياضيات عبارة عن مصطلحات وأرقام ورموز تترجم أحيانا ً الى اللغات الآخذة، وتنقل كما هي أحيانا ً أخرى من اللغات المأخوذة عندما تكون أسماء عالمية تستعمل بنفس اللفظ أو الرمز في جميع اللغات. واللغة العربية لكي تكتسب كل خصائص اللغات العلمية الحية والمعاصرة والحديثة ، وتدخل حلبة التنافس، تحتاج إلى التأهيل العلمي واللغة والمستوى العلمي مترابطان، إذن لا يمكن للإنسان العربي أن يعيش بعقله في جهل القرون الوسطى، وعصور الانحطاط، بينما في لسانه يعيش في عصر الذرة والكمبيوتر والإنترنت. فحياة اللغة العربية، مرتبطة بالتحرر الراديكالي للأمة العربية في كل مجالاتها أولا، و بحياة الفكر والثقافة المبدعين ثانيا ً . وهكذا تبدو حياة اللغة العربية مرتبطة بالثورة الفكرية والثقافية الشاملة، على الصعيد العربي، وبالثورة السياسية، التي تؤسس لبناء مجتمع مدني حديث، بالتلازم مع بناء دولة الحق والقانون . ومن هذا المنظار تصبح حياة اللغة العربية هي تحقيق تحرر وحرية الأمة العربية . إن خيار التعريب كل لا يتجزأ، فهو لا يتم في التعليم وحده، ولا في اللغة على انفراد، بل يتم في جميع مؤسسات المجتمع، تسيره قوانين حازمة بعيدة عن التمتع بالرخاوة البرجوازية والثقافة الأمريكية المهيمنة. إنه ليس سؤالا ً ثقافيا ً، ولا سؤال يهم فقط المثقفين العرب وفي مقدمتهم القائمون بعلم الاجتماع واللغة العربية، لكي تحقق قفزة نوعية في تطورها التاريخي، ولكي تتجاوز تأخرها التاريخي، حيث إن التعريب على صعيد المناهج العلمية والتكنولوجية، خيار واحد من المعضلات الأساسية التي تواجه القوى القومية، والديمقراطية العربية، ويتطلب حلا ً ثوريا ً صحيحا ً. هناك تلازم بين اللغة، باعتبارها أهم وأخطر أعضائنا العقلية، وبين محتواها الفكري والحضاري، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، ولهذا فإن اللغة والفكر، والمجتمع المدني، ودولة الحق والقانون مقولات تتقدم معا ً، وتتراجع معا ً أيضا. ولكي تسهم اللغة العربية في الإنتاج العلمي والتكنولوجي، يترتب على المثقفين العرب باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من اللغات الحية، أن لا تنحصر مهمتهم العلمية، في نقل المصطلحات الأجنبية وشرحها للطلاب فقط، بل إن مهمتهم الأساسية هي توخي استراتيجية للترجمة طويلة الأمد لنقل الروح العلمية والخلق التكنولوجي إلى اللغة العربية، لكي تصبح لغتنا العربية، بعد أن تهضم هذه الترجمة بالتوازي مع مواكبتها لتطور العلوم الدقيقة والتكنولوجية، قادرة على عملية التخليق العلمي والتكنولوجي، على الرغم من الصعوبات البنيوية الناتجة عن طبيعة مجتمعنا العربي المتأخر تاريخيا، والمتسم بالفوضى والإهمال...

2162

| 19 أغسطس 2015

عودة الصراع بين حزب العمال الكردستاني وتركيا

عادت المسألة الكردية في تركيا مجدداً إلى دائرة الجدل الساخن بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، بعد الإختراق الانتخابي الذي حققه أكراد تركيا، الممثلين سياسياً بـ«حزب الشعوب الديموقراطي»، الذي أكسبته الانتخابات الرئاسية الماضية، حين خاض رئيسه صلاح الدين ديمرطاش، جرأة مثيرة للدهشة، تبدّت في اندفاعة سياسية عبّر عنها قراره خوض الانتخابات التشريعية يوم 7يونيو 2015 ضمن قائمة حزبية، حصراً، أي من دون أي مرشحين مستقلين، وتجاوزهم عتبة / فخ العشرة في المئة، التي من دون الحصول عليها، كان يمكن للحزب الكردي أن يبقى خارج التمثيل البرلماني بالكامل. وشكل حصول «حزب الشعوب الديموقراطي» الكردي على 12.84 في المئة من الأصوات، جعله الرقم الصعب في المعادلات الداخلية والإقليمية لتركيا. لكن التحول المثير في المشهد السياسي والعسكري التركي، تمثل في قيام تنظيم «داعش »الإرهابي بعمليات داخل الأراضي التركية، الأمر الذي جعل السياسة التركية تقوم بانعطافة كبيرة بعد طول معاندة نحو التحالف مع الولايات المتحدة ضد «داعش»، وتقديم قاعدة إنجرليك الجوية لها للمرة الأولى منذ العام 2013، فيما بدا للوهلة الأولى، مقايضة أنقرة الاشتراك بضرب «داعش»، بالحد الأدنى ومن دون حماس كبير أو تكثيف الغارات على مواقع التنظيم لا سيما في ممر جرابلس منبج الباب، الذي يمنع اتصال كانتون عفرين، ببقية الكانتونات الكردية، فيما يقوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بضرب الأكراد و«حزب العمال الكردستاني» في العراق، بحماس منقطع النظير. بعد تردد طال عدة أشهر بدأت تركيا باستهداف «مواقع لتنظيم داعش»داخل الأراضي السورية ،ولكنها اغتنمت هذه الفرصة لتطال غاراتها الجوية مواقع «حزب العمال الكردستاني». وصنفت أنقرة الحملتين العسكريتين ضد «داعش» من جهة والأكراد من جهة أخرى في إطار واحد هو «الحرب على الإرهاب»، مع أن الطرفين المستهدفين يتواجهان أصلا في معارك شرسة . وأكد دايفيد رومانو أستاذ سياسات الشرق الأوسط في جامعة ميزوري أن الحملة العسكرية التركية تركز أساسا على حزب العمال الكردستاني وليس على «داعش» مشيرًا إلى أن تركيا وبعدما سمحت للولايات المتحدة باستخدام قاعدة انجرليك الجوية لشن غاراتها ضد «داعش»، تأمل أن تبادلها بالمثل عبر الابتعاد عن حزب الاتحاد الديموقراطي في سوريا. وبحسب المصدر نفسه فإن من شأن هذه «الحرب على الإرهاب» أن تخفف من حدة الصعوبات السياسية الداخلية في تركيا بعد الانتخابات، وبالتالي فإن احتمال إعادة اجراء الانتخابات يبدو واردًا جدا. وكتب المعلق جنكيز جندار في صحيفة «راديكال» الألكترونية أن أردوغان أراد «تشويه» صورة حزب الشعب الديمقراطي عبر ربطه بحزب العمال الكردستاني على أمل إحراز نتائج إيجابية في الانتخابات المقبلة . وأضاف إن حملة القضاء على تنظيم «داعش» مجرد ضغط في الانتخابات التركية . ومن جانبه أكد مارك بيانيري، الباحث في مركز كارنيغي أوروبا أن «الحكومة التركية وازنت بين حزب العمال الكردستاني وداعش، ومع أنهما كيانان متباينان إلى حد كبير، فإن هذا الأمر يخدم مصالح الحكومة في الانتخابات المقبلة. ويقول بيانيري أن حزب العمال الكردستاني «كيان متعدد» يتألف من ثلاثة عناصر أساسية هي حزب الشعب الديموقراطي وأوجلان والقيادة العسكرية في شمال العراق، إلا أنهم لا يعملون بانسجام دائما. ولأن السياسة الدولية هي فن إدارة التناقضات، تقوم الولايات المتحدة في الوقت نفسه، ومن قاعدة إنجرليك قريبا، بدعم ذراع العمال الكردستاني السورية، وتقديم مظلة جوية له ضد «داعش»، بما يتناقض مع المصالح التركية، إلى درجة ما، وبجرعة محددة. إذ قال وزير الدفاع آشتون كارتر ورئيس الاستخبارات الأسبق مايكل هايدن، إن أميركا لن تعمل على تقسيم سوريا. ومن الواضح أن حدود ذلك الحلف لن تذهب أبعد مما تريده واشنطن من استخدام مقاتلي «حزب الاتحاد الديموقراطي» المتمرسين والمنضبين والمتجانسين حزبيا وعرقيا، أكثر من أي مجموعة سورية معارضة مسلحة، كرأس حربة في قتال «داعش»، من دون المخاطرة بمواكبتهم نحو مشروع سياسي، يغضب الأتراك، ويتجاوز توقعات الأكراد السوريين أنفسهم، الذين باتوا يتمتعون بفائض قوة، تقض مضاجع أنقرة. وكان أردوغان أعلن في يوليو2009 أن حكومته تعمل على اتخاذ خطوات تهدف إلى حل المسألة الكردية،غير أن حكومته لم تكشف حتى الآن أية تفاصيل عن مبادرة السلام ، وإن يكن نواب من حزب العدالة والتنمية أفادوا أنها قد تعيد تسمية ألاف القرى الكردية التي تحمل أسماء تركية وتوسع تعليم اللغة الكردية. لا شك أن زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان ليس أسطورة نهاية هذا القرن فقط ، ولكنه تحول إلى بطل قومي بالنسبة للأكراد على غرار غاريبالدي في إيطاليا القرن التاسع عشر ، وإلى رمز وحد الوجدان الكردي في "الأسطورة" ما يجعل إحراق الأجساد من أجله ترويدة قومية . غير أن غياب أوجلان، لم يشكل نهاية المطاف بالنسبة إلى المسألة الكردية في تركيا، وكذلك الأمر أيضاً للحركة الكردية المسلحة . غير أن وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في أنقرة سنة 2002، غيّر من نظرته إلى الأكراد ، إذ اعترف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في سنة 2005، لدى زيارته مدينة ديار بكر، التي تقع في جنوب شرق تركيا و تسكنها أكثرية كردية ، بوجود مشكلة كردية ، حيث قال: «لقد وقعت أخطاء» في المواجهة مع الأكراد، ومن الضروري منحهم «المزيد من الديمقراطية»، والامتناع عن إتباع سياسة الاضطهاد ضدهم. غير أن هذا الموقف الشجاع من جانب أردوغان تجاه المسألة الكردية ، لم يسهم في تحقيق مطالب الأكراد، إذ عاد حزب العمال الكردستاني إلى ممارسة الكفاح المسلح في سنة 2005، انطلاقاً من جبال قنديل في شمال العراق. وبذلك، عادت المسألة الكردية في تركيا مجدداً إلى دائرة الجدل الساخن بين حزب العمال الكردستاني والدولة التركية، في ضوء الأزمة السورية، وتغيير تركيا محور سياستها الخارجية باتجاه الابتعاد عن الغرب والتقارب مع العالم العربي الإسلامي. إن حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا وعدد كبير من البلدان منظمة إرهابية، يخوض صراعاً مسلحاً منذ 1984 للدفاع عن حقوق الأكراد في تركيا، حيث أسفر الصراع هذا عن 45 ألف قتيل على الأقل. بيد أنه في الوقت الحاضر لم يعد حزب العمال الكردستاني يطالب بالانفصال عن تركيا، وبالتالي تكوين دولة كردية مستقلة، بل إنه أصبح يبحث عن تسوية سياسية قوامها الاعتراف بحقوق الأكراد الثقافية، وتحقيق الحكم الذاتي للأكراد داخل الدولة التركية الموحدة ديمقراطياً.

314

| 07 أغسطس 2015

تونس والحاجة إلى تنمية إقليمية مع الجزائر

رغم الإنجازات التي حققتها الثورة التونسية في مجال الحريات، وعملية التحول الديمقراطي، فإن الإنجاز الأهم الذي كان الشعب التونسي ينتظره ولا يزال، والمتمثل في تحول الدولة الوطنية من موقع خاضع للسيادة الرأسمالية المعولمة إلى موقع متمرد عليها، يبدو بعيد المنال،لأن النخب الحاكمة حاليا ليس على جدول أعمالها إنجاز ثورة تاريخية قادرة على الانعتاق من السيطرة الأمريكية –الأوروبية، من خلال بلورة نموذج جديد للتنمية المستدامة بوصفه الطريق الأمثل الذي يجب على تونس أن تتبناه من أجل بناء اقتصاد السوق الاجتماعي، أو العولمة العادلة التي تخدم مصالح الطبقات الشعبية الفقيرة، وتعمل على ترقية الاقتصاد التونسي وتأهيله، وتثبيته بصورة ناضجة على مسار العولمة. فقد كشفت العملية الإرهابية في مدينة سوسة الواقعة في الساحل الشرقي التونسي في 26 يونيو الماضي، هشاشة الاقتصاد التونسي القائم على السياحة، حيث كان للاعتداء الإرهابي وقع الصاعقة على القطاع السياحي، وأن الإرهابيين خططوا لضرب الاقتصاد وهم يعون تماماً أن إصابة الاقتصاد في مقتل تمر عبر قاطرة السياحة وهي قاطرة معطلة أصلاً. وتراجعت إيرادات السياحة التونسية خلال الربع الأول من العام الجاري بنسبة 6.8 بالمائة، بمقارنة سنوية، متأثرة بتراجع عدد الوافدين الأجانب خاصة بعد الاعتداء الإرهابي على متحف باردو في 18 مارس 2015. وكانت السلطات التونسية تتوقع تراجع الإيرادات السياحية بشكل قياسي خلال الموسم الحالي بنحو 15 بالمائة على أقلّ تقدير، لاسيَّما بعد إلغاء آلاف الحجوزات ومغادرة آلاف السياح الأجانب لتونس عقب الاعتداء الإرهابي الأخير.وكانت الحكومة التونسية تراهن قبل الاعتداءين الإرهابيين على المنشآت السياحية مثل متحف باردو وفندق ريو امبريال بسوسة، على نجاح الموسم السياحي الحالي، لتعويض جزء من الخسائر التي تكبدتها خلال المواسم الماضية.ويمثل قطاع السياحة نحو 7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويشغل حوالي 400 ألف شخص، ويوفر ما يصل إلى 20 بالمائة من إيرادات العملات الأجنبية، كما يوفر أعدادا كبيرة أخرى من فرص العمل المؤقت خلال الصيف. وعبر الجزائريون عن تضامنهم مع الشعب التونسي على إثر العمليتين الإرهابيتين اللتين تعرضت لهما البلاد خلال هذه السنة، ووعدت الحكومة الجزائرية بقدوم أكثر من مليوني سائح جزائري إلى تونس في هذا الصيف،للحجز في فنادقها،ومعظمهم في سوسة والمنستير ونابل والحمامات وجربة وتونس العاصمة.وبقدوم هذا العدد الكبير من السياح الجزائريين، فإنهم ينقذون الموسم السياحي التونسي.وبهذا الموقف التضامني، يكون المواطنون الجزائريون قد تجاوزوا «الحدود المصطنعة» بين الدولتين التونسية والجزائرية التي رسمها الاستعمار الفرنسي، رغم مرور أكثر من نصف قرن من الاستقلال للبلدين، وتنوع النظامين، واختلاف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهزيمة«القومية العربية»، وضعف «التضامن العربي». وكانت الدول المركزية الثلاث (تونس، الجزائر، والمغرب) تعتقد أن حل المشكلة الاقتصادية يتطلب النظر شمالاً نحو أوروبا، حيث إن 70 % من الصادرات تذهب إلى أوروبا، و60 % من الواردات تأتي من أوروبا. كما تقوم السياحة بالدرجة الأولى على الفرنسيين والإيطاليين والإسبان، وبدرجة ثانية على سائر الأوروبيين، وثالثة ورابعة على العرب الخليجيين. ورغم أن البلدان المغاربية منخرطة في سياسات الإصلاح الهيكلي، وقامت بخطوات كبيرة لتحرير وارداتها من الأسواق العالمية، وحققت خطوات مهمة على صعيد التجانس الضريبي والجمركي بما يسهم في تعزيز المبادلات المغاربية، فإن حرية تنقل السلع، ومرور المواطنين المغاربيين عبر الحدود ظلت محدودة.وهذا الوضع بحد ذاته يتناقض مع اتجاه بناء الاتحاد المغاربي الذي أنشئ في 17 فبراير 1989، ومع الاندماج في نظام العولمة الرأسمالية الليبرالية. فأمام إخفاق استراتيجيات التنمية للدول المغاربية، التي لم ترق إلـى مستوى الطموحات والآمال السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي علقت عليها الجماهير الشعبية في مرحلة ما بعد الاستقلال، وأمام استشراس ظاهرة الفوارق الطبقية في معظم البلدان المغاربية، فقد آن الأوان لكل من تونس والجزائر أن تطورا مشاريع التنمية على طرفي الحدود بين البلدين، بوصفها مناطق فقيرة، وحاضنة للجماعات الإرهابية.فالقاطن على خط الحدود التونسية – الجزائرية يدرك أن هذه الحدود قامت في كثير من الأحيان على فصل وتقسيم مناطق ذات خصائص جغرافية واحدة ونسيج اجتماعي متشابك، ومغاير في أحيان كثيرة لما هو موجود في العاصمتين التونسية والجزائرية. من الملاحظ أن الدولتين التونسية والجزائرية شديدتا المركزية حول العاصمتين تونس والجزائر، بل إنهما تسميان باسم هاتين العاصمتين.وكان الإفراط في المركزية في السياسة والتنمية أيضا أدى إلى جعل المحافظات الداخلية، ولاسيَّما الحدودية في البلدين كليهما«أطرافاً» هامشية وضعيفة التنمية،و بالتالي حاضنة للحركات الإرهابية. كما أن النسيج الاجتماعي في هذه المحافظات الحدودية جعلها عصية على الخضوع لسياسات الدولتين المركزيتين. وهكذا كلما اقتصرت التنمية على العاصمة، والمدن الساحلية، في كل من تونس والجزائر، ازدهرت أنواع التهريب المختلفة في المحافظات الحدودية، والتهريب حاضنة أساسية للإرهاب. إن تونس والجزائر اللتين تواجهان خطر الإرهاب المستوطن، وأزمات اقتصادية خانقة، وإخفاق تنموي حقيقي بالنسبة للمحافظات الداخلية وعلى الحدود بين البلدين، تحتاجان إلى استراتيجية إقليمية متكاملة للتنمية، تقوم على طرح بناء سوق مشتركة بين البلدين أو أي نوع آخر من التعاون، لاسيَّما في مجال حرية تنقل رؤوس الأموال، وحرية إقامة المشاريع الاستثمارية. وبما أن الجزائر تمتلك أكثر من 200 مليار دولار متأتية من عائدات النفط والغاز، فإنه بإمكانها أن تصرف هذه الأموال لإقامة مشاريع التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية داخل الجزائر لمعالجة الفوارق التنموية بين مناطق البلد الواحد بشكل حاسم، وإقامة مشاريع تنموية في المحافظات التونسية –الجزائرية المشتركة، تزيل الفوارق الإقليمية بين تونس العاصمة والمدن الداخلية والحدودية،وتحد من الهجرة المتجددة من الأرياف التونسية باتجاه تونس وسوسة وصفاقس، وانتشار الأحياء غير النظامية، التي أصبحت مرتعا للجماعات الإرهابية. فمن يريد حل مشكل البطالة في كل من تونس والجزائر، وبالتالي حل مشاكل العاصمتين المكتظتين بالسكان، عليه أن يتبنى استراتيجية إقليمية للتنمية، بوصفها الاستراتيجية الحقيقية المطلوبة في عصر العولمة الليبرالية، القادرة على إقامة بنى تحتية متطورة تربط بين العواصم والمدن الداخلية والحدودية بعضها ببعض، وتفسح في المجال لولادة أقطاب تنموية أساسية في كل من تونس والجزائر خارج نطاق العاصمتين،كما هي الحال عليه في كل من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي يتطلب تغييرا جذريا في نمط إدارة الدولة والمجتمع، بين المركز والأقاليم، أي نحو تحقيق اللامركزية السياسية والإدارية، أي تطوير الديمقراطية التشاركية عبر خلق المجالس المحلية في المحافظات الداخلية والحدودية لكي تتمتع بسلطات حقيقية، والانفتاح المحتوم للحدود بين البلدين، يتيح حرية تنقل السلع ورأس المال والمواطنين.

306

| 31 يوليو 2015

قانون المصالحة يقسم الطبقة السياسية التونسية

الديمقراطية لا تستقيم من دون حل المسألة الاجتماعية، وإرساء نموذج جديد للتنمية المستدامة في تونس قادر أن يتجاوز الاقتصاد الريعي، ودرجة فساد رجال الأعمال التونسيين في الفترة السابقة.. تلك هي انتظارات الشعب التونسي من الثورة، ومن السنوات الأربع العجاف التي عرفتها البلاد خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي المتعثرة، والتي أفرزت سلطة جديدة منتخبة مدعوة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية جديدة تستجيب لمطامح الشعب في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. لكن واقع الحال في تونس بعد الانتخابات، كأنه لم يتغير عن النظام السابق، لا سيما في مجال علاقة المال بالسياسة... وهكذا بدلاً من محاسبة طبقة رجال الأعمال الفاسدين الذين راكموا ثروات فاحشة طيلة المرحلة السابقة، وارتكبوا جرائم الاختلاس الضريبي، الذي بلغ حداً كبيرا يقدره الخبراء بنحو 9 مليارات دينار، أو ما يعادل 4.5 مليار دولار، وهو ما يمثل ثلث موازنة الدولة التونسية، بدلاً من كل ذلك، طرح رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي مشروع قانون المصالحة الاقتصادية منذ الاحتفال بعيد الاستقلال في 20 مارس الماضي، والذي وافق عليه مجلس الوزراء في 14 يوليو الجاري، في انتظار تمريره أمام البرلمان لإقراره، في ضوء حصوله على الأكثرية. وقد نص هذا المشروع على إجراءات خاصة بالمصالحة في المجال المالي والاقتصادي ولم يتعرض إلى المصالحة السياسية التي يبدو أنه وقع تركها لمسار العدالة الانتقالية ولهيئة الحقيقة والكرامة. حيث ورد في فصله الأول أنه « يندرج في إطار تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة ويهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيا وطي صفحة الماضي تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية السامية للعدالة الانتقالية». الدولة التونسية ليست شركة، إنها كائن ذو سيادة، والدولة لا يمكن أن تفلس، يبرز السؤال انطلاقا من هذا البعد الأساسي عن كل الهرج في الخطاب السياسي الرسمي عن إفلاس الدولة التونسية، وعن السياسات التي يجب اعتمادها في هذه المرحلة لتجاوز الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه تونس اليوم، من خلال طرح مشروع هذا القانون وهو مالي بالأساس: إنعاش الاقتصاد وتوفير أموال إضافية لخزينة الدولة وذلك من خلال الصلح مع كل من ثبت فساده وتجاوزاته واستيلاؤه على المال العام من أصحاب المال والأعمال. ولم يفصل القانون بين فترة ما قبل الثورة وما بعدها، وبالتالي فإن هذا القانون سيشمل كل من تعلقت بهم قضايا فساد مالي قبل أو بعد 14 يناير2011 ومنشورة اليوم أمام المحاكم. لكن يبدو أن النصيب الأوفر سيكون للفساد المسجل قبل الثروة باعتبار كثرة القضايا المتعلقة بها لدى المحاكم. إن التركيز على موضوع المصالحة الوطنية في هذا الظرف السياسي والتاريخي التي تمر به تونس، ليس بريئاً لأسباب داخلية وأخرى خارجية. فحزب «نداء تونس» وزعيمه التاريخي السيد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية يقع في نفس الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه حركة النهضة عندما استلمت السلطة عقب انتخابات 23أكتوبر 2011، وهو عدم إدراك أن الشعب التونسي الذي صنع ثورته، وأسقط النظام الديكتاتوري السابق، يحتاج إلى بناء دولة ديمقراطية تعددية، وخلق مجتمع جديد، وانتهاج خيار اقتصادي واجتماعي جديد يجسد القطيعة مع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المنحرفة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، والتي أدّت في الواقع إلى إثراء أقلية من العائلات المرتبطة بالسلطة، وكبار رجال الأعمال على حساب إفقار معظم طبقات الشعب التونسي، بما فيها الطبقة المتوسطة، التي تعتبر أكبر طبقة اجتماعية موجودة في تونس. لكن رؤية رئيس الجمهورية للمصالحة الوطنية تقوم على طي الملفات الكبرى التي لا تزال موضوع خلاف في المجتمع التونسي، بين فئة رجال الأعمال في العهد السابق المتهمين بالفساد والإثراء الفاحش في العهد الديكتاتوري السابق، والذين في معظمهم ينتمون إلى «حزب التجمع» المنحل، وفي الانتخابات الأخيرة ركبوا موجة «حزب النداء» الذي أصبح حاكمًا في البلاد، وبين طبقة سياسية جديدة استولت على السلطة بعد انتخابات23أكتوبر 2011، وأصبحت تلقب بطبقة «الأثرياء الجدد» المنبثقة من حركة الإسلام السياسي، والتي لم يكن لها نظرية للاقتصاد، بل هي انساقت في نهج الليبرالية الجديدة التي سقطت في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي غيرها من الدول الرأسمالية الغربية عقب وقوع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية سنة2008، ولم تقم بمراجعة نقدية للنموذج الرأسمالي الطفيلي الذي كان سائداً في تونس، حيث وصل إلى مأزقه المحتوم. فهناك المستفيدون من هذه المصالحة الوطنية، وهم من دون شك فئة رجال الأعمال الذين سيعودون إلى أعمالهم من دون محاسبة في انتظار أن يقول القضاء كلمته. ومن المنتظر أن يؤدي هذا القانون إلى خروج المتهمين في قضايا فساد مالي من السجون وإيقاف التتبعات في حقهم ورفع تحجير السفر عنهم بعد دفع ما يوجبهم عليهم قانون المصالحة من مبالغ مالية. وهناك المتضررون من هذه المصالحة الوطنية، وهم بكل تأكيد، الطبقات الشعبية والفقيرة والعاطلون عن العمل، والمساجين السياسيون السابقون في عهدي الديكتاتورية السابقة، ليس لأن هذه الفئات لا تريد المصالحة الوطنية، بل على العكس من ذلك، هذه الفئات تريد فعلا تحقيق المصالحة الوطنية لكنها شريطة أن تكون نتيجة لمسار كامل من تطبيق العدالة الانتقالية، يبدأ بتحديد المسؤوليات للذين ارتكبوا جرائم في العهد الديكتاتوري السابق، وعدم التسامح مع المذنبين والمجرمين والفاسدين السابقين في المجال المالي والاقتصادي، وعدم تمكينهم من الإفلات من العقاب، وأكثر من ذلك عدم تمكينهم من العودة إلى واجهة الشأن الوطني العام من خلال المناصب والامتيازات والترخيص لهم في ممارسة الأنشطة المختلفة.. كما يعتبر هؤلاء المتضررون أن قانون المصالحة الاقتصادية يمثل ضربًا لروح الثورة التي فتحت الأبواب أمام كثيرين لاسترجاع حقوق ضاعت منه أو تضررت أو انتزعت منهم بالقوة ودون وجه حق من قبل من كانوا نافذين أو مقربين من السلطة سابقا، وخاصة لاسترجاع المال العام المنهوب والذي كان بالإمكان أن يساهم في تنمية الجهات لكن وقع الاستيلاء عليه بطريقة أو بأخرى. لقد تصاعدت وتيرة الاحتجاجات ضدّ هذا القانون الذي يحظى بدعم ومساندة برلمانية قوية من أحزاب الائتلاف الحاكم تضمن تمريره والمصادقة عليه رغم أنه يقفز على مبدأ المحاسبة الذي يعدّ من أهم مبادئ العدالة الانتقالية ويمرّ مباشرة لتحقيق المصالحة.. فالنسبة لهيئة الحقيقة والكرامة ترى أن قانون العدالة الانتقالية الصادر في ديسمبر 2013 حدد بكل دقة شروط وإجراءات المحاسبة والمصالحة دون حاجة إلى قانون آخر فضلا عن أن العدالة الانتقالية منصوص عليها في الدستور وهي تعني وفق قانون 2013 المحاسبة والاعتراف ثم إمكانية المصالحة. وبالتالي لم تكن هناك في رأيها أية حاجة إلى إصدار هذا القانون حول المصالحة.. فالمصالحة ـ حسب هيئة الحقيقة والكرامة ـ موجودة بطبعها في قانون العدالة الانتقالية وسن قانون جديد يعني سحب جزء من صلاحياتها. ورأت هيئة الحقيقة والكرامة في ذلك بداية لا تبشّر بعلاقة تكامل وثقة بين السلطات الجديدة وبين الهيئة. وأعربت عن استيائها من عدم تشريكها في أعمال التفكير حول هذا المشروع. ولا شكّ أن الأيام القادمة سيكون هناك موقف حاسم من هيئة الحقيقة والكرامة التي ستتدافع بضراوة على صلاحياتها التي انتهكت بموجب هذا القانون رغم أنها الجهة الدستورية الوحيدة المخولة للبت في مثل هذه الملفات ذات الخصوصية. أما موقف الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه العمود الفقري للمجتمع المدني التونسي، وأهم منظمة وطنية في البلاد، فقد اعتبر أن مشروع قانون بهذا الحجم ويتعلّق بالمصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال يفترض أن يخضع لاستشارة وطنية موسعة تشمل جميع الأطراف لأنه شأن وطني يتجاوز الحكومة ورئيس الجمهورية ليشمل كل التونسيين الذين تضرّروا من حقبة حكم موسومة بالاستبداد السياسي والفساد المالي. على صعيد المعارضة السياسية الصّرفة، تظهر الجبهة الشعبية اليوم بمظهر المعارضة الحقيقية، أولا باعتبار تموقعها في اليسار أي في الجهة المقابلة للحكومة اليمينية الليبرالية، وثانيا من حيث مضامين تحركاتها التي ظلت في أغلبها منتقدة ورافضة لبعض سياسات وقرارات الحكومة منذ توليها مهامها قبل نحو ستة أشهر. وفيما يرى المراقبون أن موقف الجبهة المعارض يعتبر ظاهرة صحية في النظام الديمقراطي، وهو مطلوب، باعتباره جزءا من العملية الديمقراطية التعددية، وتعبيرا عن النضج السياسي، فإن آخرين يرون بأن موقف الجبهة الشعبية المعارض لقانون المصالحة الاقتصادية كان يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه البلاد، وما يتطلبه هذا الوضع الاستثنائي من مرونة في عمل المعارضة. ومن المعروف أن الجبهة الشعبية رفضت قانون حالة الطوارئ، الذي أقره رئيس الجمهورية مؤخرا، واستحسنه التونسيون في معظمهم بهدف محاربة الإرهاب المستوطن في البلاد، كما رفضت الجبهة قانون المصالحة الاقتصادية من خلال ما ذكره نائبها منجي الرحوي الذي دعا أيضا إلى تحريك الشارع من أجل إسقاطه واعتبره طعنا في توجه التونسيين لمكافحة الفساد والمجرمين وقائما على رسكلة الفاسدين وضربا لمنظومة العدالة الانتقالية، لكن من دون تقديم أي بديل من شأنه أن يحقق الغاية نفسها التي تضمنها هذا المشروع أي خلق معادلة بين محاسبة الفاسدين (ماليا) وإعادة الروح إلى الدورة الاقتصادية.

344

| 24 يوليو 2015

الرابحون والخاسرون من الاتفاق النووي

بعد أكثر من ثلاثة عقود من الصراع التاريخي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أن كانت كراهية الولايات المتحدة هي السمة الواضحة للدولة الإيرانية، حيث تجلت مظاهر هذه الكراهية من خلال الهتافات المتكررة للحشود الشعبية عقب صلاة كل يوم جمعة:« الموت لأمريكا»، «الموت لإسرائيل»، أبرمت الدول الخمس الكبرى +ألمانيا مع إيران يوم 14يوليو 2015، اتفاقاً تاريخياً في العاصمة النمساوية فيينا حول البرنامج النووي الإيراني بهدف ضمان طبيعته السلمية البحتة، مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة على طهران بصورة تدريجية. وبموجب هذا الاتفاق تعترف القوى الدولية رسميا بالبرنامج النووي السلمي لإيران وتحترم ممارسة الشعب الإيراني لحقوقه النووية في إطار المعاهدات الدولية، وسيتم رفع عنها العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها، ويفسح في المجال لتحرير الأرصدة الإيرانية، وعشرات مليارات الدولارات في المصارف الغربية. وكان الإيرانيون طالبوا بآلية قانونية مرنة لتقصير المهل، وإبلاغ المصارف بالاتفاق من أجل تحرير الأرصدة المجمدة في البنوك الغربية. وسيفتح هذا الاتفاق صفحة جديدة في علاقات لبناء الثقة بين إيران والغرب، وتعزيز السلام العالمي ويُثبت أن الدبلوماسية والتعاون قادران على إزالة عقود من التوتر. فقد أبرمت مجموعة «5+1» وإيران في فيينا، يوم الثلاثاء 15يوليو 2015، بعد 22 شهرا من المفاوضات المكثفة، اتفاقا تاريخيا حول البرنامج النووي الإيراني ويستمر حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران لمدة خمس سنوات، فيما لن ترفع العقوبات المتعلقة بتسليح إيران بالصواريخ إلا بعد مرور ثماني سنوات على توقيع الاتفاق، إلا أنه ينص على إلغاء جميع إجراءات الحظر الاقتصادية والمالية المفروضة على إيران دفعة واحدة، ومن بينها، إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على 800 شركة ومؤسسة تجارية واقتصادية وفي مقدمتها المصرف المركزي الإيراني والمصارف الإيرانية الأخرى، وشركة النفط الوطنية وشركة السفن والملاحة البحرية. من خلال إبرام هذا الاتفاق التاريخي، ستتحول إيران إلى قوة اقتصادية كبرى في منطقة الشرق الأوسط، وهي رهانات لن تجد طريقها إلى التحقق إلا بعد رفع العقوبات الاقتصادية على إيران.وجاء تعيين وزراء المجموعة الاقتصادية من ذوي التوجّه النيوليبرالي مقصوداً تماماً، لأن ذلك «سيرفع عوائق كثيرة من أمام ترطيب العلاقات الإيرانية - الأمريكية، بحيث يحصر الخلاف في نظرة كل من إيران وأمريكا للعالم والمنطقة بالمنظور السياسي فقط» (مصطفى اللباد - «السفير»: حكومة روحاني الجديدة تكشف انحيازاتها مبكراً 12/8/2013). بمعنى آخر، تراهن حكومة روحاني على السوق الإيراني الواعد بملايينه الثمانين وقدراتها الاقتصادية المتحررة من العقوبات للسيطرة على المنطقة من غير وسيلة السلاح النووي. وتملك إيران من الآن مشروعات جاهزة للعمل عليها للتحول إلى مركز «طريق الحرير الجديد»، عبر إنشاء مشروعات عملاقة تربط إيران بجيرانها الأقربين والأبعدين، مثل إقامة موانئ جديدة على بحر العرب وتوسيع المطارات القائمة لاجتذاب رحلات طيران مباشرة وسائحين من شرق آسيا، ومدّ خطوط أنابيب الغاز الطبيعي جنوباً إلى الهند وباكستان وشمالاً إلى تركيا وأوروبا وبالتوازي معها خطوط سكك حديدية في الاتجاهين. ورغم الخلافات السياسية القائمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فإن القيادة السياسية الإيرانية ستتعامل ببراغماتية عالية في المجال الاقتصادي مع الدول الكبرى الغربية، لاسيَّما الولايات المتحدة الأمريكية، التي سيسيل لعاب شركاتها العملاقة على الاستثمار في السوق الإيرانية الناشئة التي تعد 80 مليون مستهلكا، فضلاً عن الثروات البترولية والغازية التي تملكها إيران. وما يهم الشركات الأمريكية العملاقة، هو الاستثمار في قطاع الطاقة والذي تحتاجه إيران من أجل تطوير بنيتها التحتية في هذا المجال، وقد تصل الاستثمارات في قطاع الطاقة إلى مئات المليارات من الدولارات، وهو ما لا تقدر عليه سوى الشركات الأمريكية، التي تمتلك التكنولوجيا المتطورة ورأس المال. وبالمقابل هناك إجماع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار الإسرائيليّ بمُعارضة تحوّل إيران إلى دولةٍ نوويّة، لأنّ أحد أعمدة السياسة الإسرائيليّة منذ إقامتها على أنقاض الشعب الفلسطينيّ يقوم على منع الدول المُعادية من امتلاك أسلحة غير تقليديّة. ولم يبقَ أمام إسرائيل سوى ساحة الكونجرس كملعب وحيد للمواجهة، على أمل أنْ يساهم ذلك في عرقلة إقرار الاتفاق، كما قالت المصادر السياسيّة الإسرائيلية. وتقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طابور المنددين بالاتفاق، واصفاً إياه بـ«الخطأ التاريخي» وإنه سيبذل قصارى جهده «لعرقلة طموحات إيران النووية». وأضاف في بداية اجتماع مع وزير الخارجية الهولندي بيرت كوندرز الذي زار القدس المحتلة ورام الله في أواسط شهر يوليو 2015، «ستحصل إيران على مسار آمن ومؤكد نحو الأسلحة النووية. ستُرفع الكثير من القيود التي من المفترض أن تمنعها من الوصول إلى ذلك». وتابع نتنياهو «ستحصل إيران على الجائزة الكبرى. جائزة حجمها مئات المليارات من الدولارات ستمكنها من مواصلة متابعة عدوانها وإرهابها في المنطقة وفي العالم. هذا خطأ سيئ له أبعاد تاريخية». وشدد نتنياهو أمام الصحفيين على أن «إسرائيل غير ملزمة بهذا الاتفاق مع إيران، إسرائيل ليست ملزمة بهذا الاتفاق مع إيران، لأن إيران مازالت تسعى لتدميرنا»، مضيفاً: «سنواصل الدفاع عن أنفسنا». يجمع المحللون أن الشرق الأوسط ما قبل الاتفاق النووي، لن يكون كما بعده. وبين متفائل من الاتفاق، ومتشائم منه، ما هو مؤكد أن التسوية التاريخية التي حصلت في فيينا، ستتمخض عنها نتائج جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وستمثل محطة محورية لإعادة رسم المشهد الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط على المدى المنظور، إن على المستوى الداخلي في هذا البلد أو ذاك، أو على مستوى العلاقات العابرة لـ«حدود سايكس – بيكو» التي تزداد هشاشة يوماً بعد يوم. هكذا يجزم كثيرون بأن الاتفاق النووي ستترتب عليه نتائج جيوسياسية أكثر أهمية بكثير من خطوات أخرى توازيه في الأهمية اتخذها باراك أوباما بعد بدء ولايته الرئاسية (الانسحاب من العراق) وفي وسطها (الانسحاب من أفغانستان) ومع بدء العد العكسي لنهايتها (الاتفاق التاريخي مع كوبا)، وهو ما يوحي بإعادة ترتيب للسياسات الخارجية قبل أن يتسلم خلفه، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، مفاتيح البيت الأبيض بعد ما يقرب من العام ونصف العام. والواضح حتى الآن أن الاتفاق النووي يعني، من الناحية السياسية، اعترافاً مباشراً من قبل الولايات المتحدة بإيران كقوة إقليمية كبرى، ينبغي التنسيق معها في كل ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وهو ما يمنح، بطبيعة الحال، هامش مناورة سياساً واسعاً للجمهورية الإسلامية في مقاربة الكثير من الملفات الملتهبة. وربما يكون الميدانان السوري والعراقي الاختبار التطبيقي الأول للتحوّلات السياسية المترتبة على الاتفاق النووي. وفضلا عن ذلك فإن القضايا الكبرى التي تواجهها المنطقة، بدءاً من الصراع العربي – الصهيوني، ومروراً بالأزمتين العراقية والسورية، وانتهاء بالتسوية التاريخية حول البرنامج النووي الإيراني التي تعطي إيران دورا إقليميا بارزا، تؤكد ليس فقط الارتباط الإقليمي البنيوي المستجد الذي أصبح يربط بين هذه القضايا، ولكن أيضاً امتداداتها السلبية سواء بشكل مباشر، أم عبر تفرعاتها وتجلياتها، خصوصا السياسية والأيديولوجية والطائفية، إلى داخل المجتمعات العربية نفسها.

275

| 17 يوليو 2015

الانتصار للدولة المدنية في تونس

إثر العملية الإرهابية التي تعرضت لها مدينة سوسة السياحية مؤخرا، واستهدفت تدمير الاقتصاد التونسي، الذي يعتمد على السياحة، وعلى الصناعات التحويلية والزراعة، ونشر البؤس في أوساط المجتمع التونسي الذي يبدو مطلوباً إفقاره، اتخذت الحكومة التونسية بزعامة السيد الحبيب الصيد العديد من الإجراءات، منها إغلاق ثمانين مسجداً بعد مجزرة سوسة. ويرى المحللون أن هذا الإجراء كان من المفروض أن تتخذه الحكومة بعد عملية متحف باردو الإرهابية، التي حصلت يوم 18مارس 2015. إقفال «المساجد غير الشرعية» خطوة جريئة ولكنها غير كافية. ففي مقدمة الأخطاء التي ارتكبت في عهد الترويكا الحاكمة سابقا، السماح للمتشددين الاستيلاء على المساجد، فضلاً عن السماح لهم بنشر أفكارهم المتطرفة في أوساط الشباب التونسي الذي يعاني من مشكلة البطالة المستشرية في كلّ المناطق التونسية. ولم يعد سرًّا أن التونسيين يشكّلون أكبر نسبة من المقاتلين الأجانب في «داعش»، أكان ذلك في سوريا أو في العراق. لم يعد شيء يمنع من انتشار «داعش» وأخواته كالنار في الهشيم في شمال إفريقيا، ما دام هناك تهاون تونسي مع المساجد التي تروّج للتطرّف والتخلّف بكلّ أشكالهما.. وما دام الوضع في ليبيا على حاله. خلال السنوات الأربع الماضية ترعرع الإرهاب وترعرع «داعش» الذي بات قادراً على التحرّك بحرية في تونس وليبيا. ولم تفعل الحكومات المتعاقبة الكثير في مجال مكافحة الإرهاب والتطرّف. ولم تفعل شيئاً في مجال العثور على قتلة الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي ومحاكمتهم. وكان رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي أعلن حالة الطوارئ لثلاثين يوماً وهي خطوة ضرورية ولكنها قاصرة، وقد وجد رئيس الجمهورية نفسه مجبرا ـ حسب ما جاء في خطابه ـ على فرض حالة الطوارئ حتى يمنع الدولة من السقوط، بسبب تمادي الإرهاب وحواضنه في ضرب مكتسبات التجربة الديمقراطية الناجحة في العالم العربي، الأمر الذي كان يستوجب من كافة الأحزاب ومكونات المجتمع المدني تفهم هذا الإجراء الرئاسي من أجل درء الخطر المحدق بالدولة وضرورة دفعه والتصدي له من باب الوطنية. وفي غياب هذا الاقتناع تبقى الهوة بين الحكومة وبين بعض أطراف المعارضة عميقة ويظل همّ كل طرف أن يؤثر في الآخر ويضعفه. الأحزاب السياسية التونسية المؤمنة بمكافحة الإرهاب والتطرف، يجب عليها أن تنتصر لبناء الدولة المدنية، أي الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية. وإذا كانت تونس لا تزال قادرة على الصمود في وجه التطرّف والإرهاب وما تنشره المساجد غير المرخّص لها والمدارس التي تعلّم الصغار على العنف ورفض الآخر، فإنّ الفضل في ذلك يعود إلى ما زرعه بورقيبة في تونس، بما في ذلك حقوق المرأة التونسية. المرأة التونسية وقفت في طليعة المتصدّين للإرهاب والتطرّف، والمدافعة الأولى عن الدولة المدنية. وكانت حكومة الحبيب الصيد قد أعلنت عقب العملية الإجرامية في سوسة أنها ستشرع في اتخاذ إجراءات قانونية ضد الأحزاب والجمعيات المخالفة للدستور بما في ذلك إجراء الحل وآخر هذه القرارات منح رئاسة الحكومة مهلة لحزب التحرير من أجل تغيير قانونه الأساسي حتى يصبح مطابقا للقانون. ويشهد المجتمع المدني التونسي جدلا كبيرا حول مدى التزام الأحزاب الدينية بالدولة المدنية، بعد أن أصبحت هذه الأحزاب متهمة بأنها هي من كانت في الأساس يترعرع الإرهاب في أحضانها، خلال السنوات الماضية. لا يزال مفهوم الدولة المدنية حديث الاستعمال في الخطاب الفكري والسياسي العربي. فمفهوم الدولة المدنية طُرِحَ في سياق ما بات يُعْرَفُ بربيع الثورات العربية، للإشارة إلى رؤية جديدة لعملية الإصلاح، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم في المجتمعات العربية، التي أسقطت الديكتاتوريات العسكرية والبوليسية، التي كان قائمة.وفي هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الدولة المدنية غير متداول في الأدبيات الغربية وليس له وجود في المعاجم والقواميس السياسية في الغرب، لذلك فإن هذا المفهوم له مضامينه الخاصة في العالم العربي حيث طرح للتعبير عن تجربة خاصة بهذه المجتمعات العربية. فما هي مرتكزات الدولة المدنية؟ الدولة المدنية يجب أن تقوم على دستور ومنظومة من القواعد التشريعية والتنفيذية، فالدستور يبلور جملة القيم والأسس التي ارتضاها أفراد المجتمع لبناء نظامه السياسي والاجتماعي. والدولة المدنية هي أيضا دولة مؤسسات، وتقوم هذه المؤسسات على مبدأ التخصص فهي تمارس أعمالها بشكل مستقل وفق ما يعرف بمبدأ فصل السلطات، بحيث تقوم كل سلطة بممارسة مهامها ضمن مجالها المحدد ولا تتجاوزه إلا في حدود ما تقتضي ضرورات التعاون والتكامل بين هذه السلطات. ومن المعالم الأساسية للدولة المدنية وجود مجتمع مدني فاعل ومؤسسات مدنية فاعلة للنهوض بمستوى الوعي السياسي لدى أفراد المجتمع والمساعدة في فهم الواقع السياسي والاجتماعي فهماً صحيحاً والمشاركة في بناء مؤسسات ديمقراطية وممارسة الرقابة عليها من خلال التنظيمات المدنية المختلفة والوسائل الإعلامية والرقابية المتاحة. فالدولة المدنية هي استعادة حقيقية لبناء الدولة الوطنية والارتقاء بها إلى دولة ديمقراطية، أي إعادة إنتاج الدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون المعبرة عن الكلية الاجتماعية والقائمة على مبدأ المواطنة. وتشكل سيادة الشعب، العامل الحاسم في سيرورة التحول الديمقراطي في نطاق الدولة الوطنية. وتكمن المقدمة الأولى للدولة الوطنية وضمان تحولها إلى دولة ديمقراطية، في تحرر الأفراد من الروابط والعلاقات الطبيعية ما قبل الوطنية كالعشائرية، والعرقية، والمذهبية، والطائفية، واندماجهم في فضاء اجتماعي وثقافي وسياسي مشترك هو الفضاء الوطني. ولا يمكن للدولة المدنية أن تكون إلا دولة ديمقراطية التي تقوم على ما يلي: احترام حقوق الإنسان أولاً، وحقوق المواطن ثانياً، وفكرة الأكثرية الانتخابية الحرة التشكيلية، ثالثاً، وضمان التداول السلمي للسلطة على جميع المستويات وفي كافة مؤسسات الدولة.

263

| 10 يوليو 2015

من الذي جعل الشباب التونسي ينخرط في الإرهاب؟

هذا السؤال طُرِحَ بقوة في تونس على أثر العملية الإرهابية التي نفذها طالب تونسي يوم الجمعة الماضي، في المنتجع السياحي بسوسة، وذهب ضحيتها 38 سائحًا غربيًا، و39 جريحًا؟ تعكس الأهمية التي اكتسبها التوجه التكفيري لدى الجهاديين التونسيين وحضورهم الدموي في أفغانستان والعراق وسوريا وإيطاليا وإسبانيا وتونس، قطيعةً بين هذا الجناح المتطرف الذي أصبح مرتبطاً بتنظيم «القاعدة»، ولا حقا بتنظيم «داعش»،والإسلام التقليدي الراسخ في تونس منذ ما يربو على 14قرناً. فقد أكد انخراط الشباب التونسي في المواجهات المسلحة في العديد من البلدان، ومنها تونس، منذ ما يزيد عن عقدين من الزمن، عجز النظام الديكتاتوري السابق عن تأطير الشباب وحمايته مما يسميه التطرف الديني والإرهاب وخاض حزب«التجمع الدستوري الديمقراطي »الحاكم سابقاً، خلال العقدين الماضيين معارك عدة باسم الدين، بدأت بالأساس منذ مواجهته مع حركة النهضة في تسعينيات القرن الماضي حيث سعى إضافة إلى المواجهة الأمنية إلى إبراز أنه متدين ومحافظ على الدين أكثر من خصومه الإسلاميين ولم تقتصر معارك النظام الدينية على مواجهة خصم سياسي بل تجاوزتها إلى بعض الرموز الدينية من ذلك ما اصطلح على تسميته بمعركة الحجاب "الأزلية" ومعركة المساجد ومعركة مظاهر التدين عامة، وفي كل تلك المعارك عجز النظام على إنتاج خطاب ديني مقنع ولم يعالج النظام السابق تنامي ظاهرة التوجه السلفي من جانب الشباب التونسي،باعتبارها ظاهرة تعكس أزمة التصارع حول الدين في المجتمع التونسي، من خلال التخلي عن سياسة الانغلاق، والانفتاح على مختلف القوى المعارضة بما فيها حركة النهضة الإسلامية، والعمل على تفعيل دور المجتمع المدني وهذا ما طبع الدولة الناشئة بمنطق العنف كأداة مثلى لحسم الخلافات السياسية؛ وأرسى ثقافة سياسية تنبني على هذه المقوّمة.وأسهم الفراغ السياسي لدى شرائح الشباب التونسي لكي يعتنق الأفكار السلفية التكفيرية وحتى الإرهابية، بعد أن أظهر الشباب التونسي عزوفاً حقيقياً عن المشاركة في الانتخابات السياسية، والنشاط السياسي في الأحزاب القائمة، نظراً لانعدام الثقة في الأحزاب والمنظمات السياسية في البلاد ،لأنها لا تعبر في أغلب الأحيان عن هموم الشباب الحقيقية مثل البطالة. لابد من الإقرار بأن واقع عزوف الشباب عن العمل السياسي والجمعياتي أمر مفزع وخطير على اعتبار أن الانخراط في الأحزاب والمنظمات ضمانة تحصن الشباب من كل مظاهر التهميش والتطرف والانحراف..ولم يعمل النظام الديكتاتوري السابق على معالجة ظاهرة عزوف الشباب عن السياسة .وفي عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، انتهج النظام سياسية اقتصادية قوامها اندماج الاقتصاد التونسي في نظام العولمة . وكان من مظاهر سياسة الانفتاح هذه، تعمق الفوارق الاجتماعية بين الطبقات الاجتماعية، وتركز التنمية في المناطق الساحلية الشرقية وأهملت السلطة التونسية العديد من المحافظات الداخلية الواقعة في الشمال الغربي (باجة جندوبة الكاف)،والوسط الغربي(القصرين سيدي بوزيد)، والجنوب(قفصة ومنيين). لقد أسهم اشتداد الظلم الاجتماعي، وتكريس التفاوتات الشديدة في الدخل والثروة بين الفئات الاجتماعية، وبين المناطق الساحلية والمحافظات الداخلية الممتدة من الشمال الغربي إلى الجنوب، في تنامي الظاهرة الإرهابية في تونس. فقد اقترن حكم بن علي البوليسي بحالةٍ حادّة من الإخفاق التنمويّ الذي كاد يقضي على الكرامة الإنسانية للغالبية العظمى من الشعب التونسي. ويتجلّى هذا الإخفاق في عددٍ من الظواهر السلبيّة، مثل تفشّي البطالة في أوساط الشباب الحاصلين على شهادات جامعية، أو الذين تخرجوا مبكراً من المعاهد الثانوية ولم يلتحقوا بالجامعات، واستشراء الفقر، وما يترتّب عليهما من تفاقم الظلم في توزيع الدخل والثروة.

329

| 03 يوليو 2015

حاجة تونس إلى إستراتيجية وطنية لمحاربة الإرهاب

ضرب الإرهاب «الداعشي» من جديد فندقاً يستقبل سياحاً أجانب في مدينة سوسة الواقعة على الساحل الشرقي التونسي، ولم تنجح التدابير الأمنية المشددة، التي صرحت بها وزارة الداخلية التونسية بإجرائها منذ أكثر من ثلاثة أشهر، على أثر الهجوم الإرهابي الذي نفذه مسلحان على متحف باردو الشهير في العاصمة تونس في 18 مارس 2015، حين قتل 24 سائحاً أجنبياً ورجل أمن تونسياً ، وتبناه «داعش»، في حماية الفنادق والأماكن السياحية، من تسلل طالب تونسي مسلح برشاش كلاشنيكوف على فندق «إمبريال مرحبا» في منتجع مدينة سوسة السياحي على الساحل الشرقي التونسي يوم الجمعة 26 يونيو الجاري، بقتل 37 شخصاً بينهم سياح أجانب معظمهم بريطانيون وألمان، وجرح 36 سائحا، ما اعتبر الاعتداء الأكثر دموية في التاريخ الحديث للبلاد التي تشهد تصاعد عنف مجموعات متشددة مسلحة.وقد تزامن هذا الهجوم الإرهابي مع هجمات إرهابية أخرى حصلت في اليوم عينه في كل من فرنسا والكويت، ومع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لإعلان قيام «دولة الخلافة الإسلامية » في الموصل يوم 29 يونيو 2014، وهو ما جعل المحللين يؤكدون أن الإرهاب الداعشي الذي يتغطى بالشعار الإسلامي في مجال نشاطه الإجرامي، نسفاً وتقتيلاً وسبياً وتدميراً، أصبح متمدداً من أقصى المشرق العربي إلى منطقة المغرب العربي وها هو الآن يضيف الكويت إلى قائمة ضحاياه بعدما كان قد توسع في شبه الجزيرة العربية. وإرهاب «داعش» وأخواته، لا يميز بين المشرق والمغرب. ولا بين السنة والشيعة. لا بل إنه يقتل من السنة أكثر مما يوغل في دماء الشيعة وغيرهم من أبناء الطوائف الإسلامية والمسيحية والقوميات المتأصلة في هذه الأرض منذ مئات وآلاف السنين.يكشف لنا هذا الهجوم الإرهابي الجديد هزالة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التونسية، مقارنة بالتنامي الملفت لظاهرة الإرهاب الذي تغلغل منذ ثلاثة أعوام في تونس، بشكل جعله يدخل مرحلة محاربة وجود الدولة أصلاً، وهي من المراحل المتقدمة جدّاً للإرهاب.. فالإرهاب يستهدف ضرب السياحة أحد أعمدة الاقتصاد التونسي، إذ تشغل 400 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر وتساهم بنسبة 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وتدرُّ ما بين 18 و20 بالمئة من مداخيل تونس السنوية من العملات الأجنبية. ووصفت وزيرة السياحة سلمى الرقيق هجوم الجمعة، بأنه «كارثة وضربة كبيرة للاقتصاد والسياحة».فلا تزال المعالجات التونسية للملفات الساخنة والمطروحة بصورة ملحة دون المستوى المطلوب، لعل أهمها التهريب الذي استفحل وتفشّى بشكل خطير، ودخول كميات هامة من الأسلحة منذ سنة 2011، وتفشي الخطاب الديني التحريضي، والذي وصل فيه الأمر إلى حدّ «الاحتفاء» بالعمليات الإرهابية، على مرأى ومسمع من الدولة.وانتشار رياض الأطفال التي لا يستقيم الحديث عن كونها «قرآنية» في ظل ما ثبت من تورّطها في «غسل أدمغة» النشء، والتحريض على ما يوصف جهلا بالجهاد، كما بيّنت الأعوام الأخيرة، وتحوّل عدد من الجوامع إلى بؤر لتفريخ الإرهاب إضافة إلى العدد المهول من الجمعيات المرتبطة بظاهرة الإرهاب، فضلاً عن جرأة مؤسسات إعلامية في الدفاع عن الإرهاب، ووصل الأمر إلى المجلس الوطني التأسيسي الذي رفض سنّ قانون للإرهاب رغم تصاعد عدد ضحاياه، وتصاعد أخطاره المحدقة بالبلاد من كل حدب وصوب! هذا بالإضافة إلى ثبوت تعامل أعداد من موظفي الدولة وأعوانها مع الجماعات الإرهابية. ليس من شك أن للإرهاب في تونس ارتباطات داخلية وخارجية يستوجب التعامل معها وضع إستراتيجية وطنية شاملة لمحاربته. فعدم وجود رؤية إستراتيجية واضحة للمصالح الوطنية وغياب ثقافة خاصة للوطن يسندها الجميع سلطة ومعارضة فاقم من خطورة هذه الظاهرة، من دون أن ننسى أن معالجة الأسباب الداخلية الفعلية وفقا لسياسة تنموية وتربوية واضحة تعطي أولوية للولايات الفقيرة والمهمّشة هي خط الدفاع الأول ضد الإرهاب.ومع ذلك، فإن هذه الخطة تتطلب بلورة إستراتيجية وطنية، نرى خطوطها العريضة على النحو التالي: 1- يشكل الإرهاب والتطرف تهديداً مستمراً للسلم والأمن للمجتمع، وللدولة، الأمر الذي يقتضي التصدي له بصورة شاملة من خلال اعتماد إستراتيجية وطنية شاملة، فاعلة، أمنية، وعسكرية، وسياسية واقتصادية، وثقافية. 2-بصرف النظر عن أي ذريعة يسوقها الإرهابيون تبريراً لأعمالهم، فإن الإرهاب لا مبرر له. فطبيعة العنف التي يتميز بها الإرهاب تجبر الحكومة على التركيز على إجراءات للقضاء على المنظمات الإرهابية ومنع الأعمال الإرهابية، ومن ناحية أخرى، فمن الأهمية بمكان معالجة العوامل التي توفر أرضية خصبة لازدهار الإرهاب بغرض الإسهام في القضاء عليه. 3- ينبغي دعم جهود الإصلاح الوطني المبذولة من قبل القوى السياسية التونسية المؤمنة ببناء الدولة الديمقراطية التعددية، وتشجيع إصلاح القطاع الأمني سياسياً، ومالياً وتقنياً، خصوصاً من خلال إنشاء قوات أمن محترفة وتجنب تسييس إدارة هذه القوات،

283

| 28 يونيو 2015

جدلية الانتقال من الليبرالية إلى الديمقراطية

منذ أن تبلورت دولة القانون في القرون الكلاسيكية أنتجت على الصعيد الأيديولوجي أطروحات متناقضة حول الليبرالية والحرية والديمقراطية. فالليبرالية حركة أوروبية، غربية، أي أوروبية غربية المنشأ والمركز تعتبر خيراً كبيراً بالمقارنة، بالقياس مع القرون الوسطى. الليبرالية خير كبير مع ما سبقتها أو ما دونها، كذلك الرأسمالية التي تعتبر شراً كبيراً بالمقارنة مع الاشتراكية هي خير كبير بالمقارنة مع الإقطاعية، كذلك الرق، ومع روسيا السوفيتية المتأخرة، الوسطوية، المتناثرة، الفلاحية، الجاهلة، التوتاليتارية. ويمكن القول إن هناك ضلالاً سائداً في الفكر العربي الذي يرتكب خطأ مماثلة الرأسمالية بالليبرالية، واعتبار هذه الأخيرة الشكل النهائي للحكومة البشرية، له نوعان من المصادر، الأول اجتماعي - طبقي، والثاني غنوزيولوجي معرفي. فهذا الخطأ الذي يجب الاحتراز منه هو ربط الليبرالية كما تحددها مكوناتها التاريخية والديمقراطية بالرأسمالية في حين أن الليبرالية التي ارتبطت بحرية المشروع الاقتصادي أو بنظام الإنتاج الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، اتخذت في سيرورة تطورها وارتقائها خطين متعارضين أو منفصلين، أحدهما يرقي باتجاه الديمقراطية والديالكتيك، حيث بقي التعارض بين الليبرالية والديمقراطية حياً، واكتسب مزيداً من الجدية جراء بروز مكتسب توسع الاقتراع العام، والمشاركة في السلطة السياسية، ودخول الحركة العمالية إلى الحلبة السياسية، وهي حركة ظلت تزيد من استلهامها للمذاهب الاشتراكية، والماركسية وهذه الأخيرة كانت متناقضة مع الليبرالية.وثانيهما: ينسجم مع الوثنية الرأسمالية التي تشكل منذ نشأتها نظاماً رأسمالياً عالمياً مترابطاً ترابطاً بنيوياً، ويتسم باستقطابات واضحة، ويسعى إلى التراكم الرأسمالي المتعاظم، ولا تكافؤ التطور في ظل الصراع والتنافس، وتختزل الحرية في جانب واحد متمثلاً بالحرية الاقتصادية التي تشترط مسبقاً التزاماً صارماً بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وتمارس العلاقات البشرية مثل السلعة والمال، والرأسمال والنهب، والاستغلال لشعوب العالم الثالث، وتحصر الليبرالية في مستنقع الوضعانية، مفسحة في المجال لهيمنة التيارات اللاعقلانية والظلامية في مركز النظام الرأسمالي، حيث تشكل النازية والفاشية أشد صورها قتامة وفظاظة. لكن الحرية الليبرالية التي رفعت في قلب المجتمع الغربي، وفي عصر النهضة العربية الأولى، لم تعد من مسلمات ذلك المجتمع، وذلك العصر الليبرالي مع الحركة الوطنية العربية، بل سيكون نقد ذلك الشعار منطلقاً لطرح مسائل جوهرية حول الحرية كمفهوم مجرد مطلق على حد قول عبد الله العروي. الديمقراطية هي موقف اعترف بالكائن والواقع، بذات الواقع والتاريخ موقف اعتراف بالبشرية الأمية صانعة التاريخ، الديمقراطية كما يقول لينين حركة عوام، إنها ديمقراطية فلاحية وديمقراطية عمالية في روسيا، وعلى صعيد عربي، الديمقراطية هي اعتراف بجماهير هذه الأمة، وهي كتل كبيرة مهملة، ويجب أن تتحول إلى ذات تاريخية سياسية فاعلة. الديمقراطية ليست الليبرالية، ولكن يمكن تحديد مسار العلاقات بين الليبرالية والديمقراطية بالاستناد إلى ثلاث صيغ:1- التعايش بين الليبرالية والديمقراطية، بما يعني ذلك إمكانية وجود دولة تكون ليبرالية وديمقراطية في الوقت عينه، من دون استيعاب وجود دولة ليبرالية غير ديمقراطية، كما يراها الليبراليون المحافظون، ودولة ديمقراطية غير ليبرالية كما يراها الديمقراطيون الثوريون الراديكاليون.2- الديمقراطية في تناقض مع الليبرالية، أي أن الديمقراطية لا يمكن تحقيقها تحقيقاً كاملاً إلا في دولة تحقق العدالة الاجتماعية، وقبلت بالتخلي عن نموذج الدولة الليبرالية، وهذا هو رأي الديمقراطيين الثوريين الراديكاليين.3- الترابط الضروري بين الليبرالية والديمقراطية، بمعنى أن الديمقراطية وحدها هي القادرة على التحقيق الكامل للنموذج الليبرالي الأمثل، وأن الدولة الليبرالية هي القادرة على توفير فرص وضع الديمقراطية موضع التنفيذ. لقد شهدت المجتمعات الغربية الصناعية ولادة نموذج الدولة الليبرالية بوصفها نموذجاً لدولة القانون، التي سيطرت فيها الأيديولوجية الليبرالية التي ترتب السياسة على أساس مبدأ العقلانية وتنظيم حرية المشروع الاقتصادي والمتجر على قاعدة «العقلانية الاقتصادية»، والتي فكت ارتباطها بالعقلانية عموما في مرحلة الدولة الاستبدادية لرأس المال الاحتكاري، وما قادت إليه من اتجاهات لا عقلانية في المشروع الثقافي الغربي، ودولة القانون على صعيد السياسة.ومع ذلك ترتكز دولة القانون على المبادئ التالية: 1- الفصل بين الدولة والمجتمع المدني والذي يمكن تسميته بالانفصال الخارجي، بما يعني ذلك استقلالية الدولة تجاه المصالح العامة والطبقات والحياة الاقتصادية. 2- تحديد العلاقة القانونية بين الدولة والمجتمع بوساطة الانتخابات التي أصبحت حقا ديمقراطياً بالنسبة للمواطنين الذين يتعين عليهم انتخاب حكامهم، باعتبار أن الانتخابات الديمقراطية هي المصدر الحقيقي والأصلي لشرعية السلطة السياسية، فمشروعية السلطة لا يمكن أن تكون خارج الإرادة الشعبية والانتخابات بوصفها قاعدة للديمقراطية.3- المساواة أمام القانون: لما كانت الديمقراطية كمفهوم سياسي مدني ومديني، نسبة إلى المجتمع المدني والمديني في آن معاً، مرتبطة عضوياً بالعقلانية وبالحرية، بوصف الديمقراطية تشكل ممارسة الحرية، بما هي وعي الضرورة، فإن أحد أركان هذه الديمقراطية السياسية تقوم على المساواة أمام القانون لجميع المواطنين، بصرف النظر عن اللون والجنس والدين أو المذهب أو المعتقد أو الانتماء الفكري أو السياسي، باعتبار أن المساواة أمام القانون، وسيادة القانون على الحاكم والمحكومين، يشكلان مظهراً من مظاهر ممارسة السياسة بوصفها مجموعة من الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق المواطن الحر، هو عضو في الدولة السياسية وفي المجتمع المدني على حد سواء.4- تقوم دولة القانون على مبدأ المغايرة والاختلاف والتباين والتعدد وحق المعارضة، وتقبل بوجود هذه الحقيقة الواقعية، حقيقة المغايرة المقترنة بالاعتراف بحقيقة التعددية، للقوى والتيارات والأحزاب السياسية، والطبقات والفئات الاجتماعية والاتجاهات والمذاهب الفكرية والأيديولوجية واختلافها وتناقضها في إطار سيرورة وعي نسبية الحقيقة، وإمكان خطأ الذات ووعي الذات بدلالة الآخر كخطوة حاسمة في الطريق الصحيحة نحو المجتمع المدني. وهكذا تقبل دولة القانون الليبرالية بوجود كل الأحزاب على اختلاف مشاربها الفكرية والأيديولوجية، شريطة ألا تشكل هذه التعددية السياسية خروجاً عن إطار الدولة البرجوازية ذاتها التي تراه خروجاً عن القانون. ففي حال الأحزاب الماركسية التي يتمحور برنامجها في تحقيق سياسة اقتصادية واجتماعية تقوم على العدل الاجتماعي تدين الليبرالية الاقتصادية، وتناقض جذرياً مع الدولة الليبرالية، يصبح وجودها غير مرغوب فيه وليس عجباً أن تحرم بعض الدول الليبرالية وجود أحزاب شيوعية في بلادها، كالولايات المتحدة الأمريكية. 5- تقوم دولة القانون على مبدأ فصل السلطات، الذي يفرض على الأجهزة المستقلة عن بعضها تأمين مختلف الدولة. ويجمع الحقوقيون وعلماء السياسة أن دولة القانون التي عرفت في العهود الكلاسيكية الليبرالية، قد طرأ عليها تغيرات عميقة أدخلت عليها في مجال مفاهيم سيادة الديمقراطية، والمبدأ الانتخابي، وانفصال السلطات، واستقلالية القضاء، بسبب انتقال المجتمعات الصناعية الغربية من مرحلة الرأسمالية التنافسية، إلى مرحلة الرأسمالية الاحتكارية، وإن كانت الأشكال المؤسسة للدولة الرأسمالية الاحتكارية قد حافظت على أشكال الدولة الليبرالية.الثورة الديمقراطية البرجوازية في الغرب استطاعت أن تغير وجه التاريخ والعالم والأرض نفسها، وأن ترسي ديمقراطية اقترنت بظهور طبقة برجوازية ثورية جديدة، ولكنها لم تحقق كل حلمها التنويري الثوري، وإن كانت حققت تحولاً ثورياً، كان حتى هذا الوقت أكبر تحول ثوري حدث في التاريخ، لم يتم تجاوزه ديالكتيكياً من قبل الثورات البلشفية الروسية والصينية، وكرست قيماً جديدة كالحرية والمساواة أمام القانون، والحماية القانونية للفرد ولأمنه، وبنت دولة حق وقانون كأساس منطقي للديمقراطية. ذلك أن دولة الحق هي الشطر الرئيسي لولادة دولة ديمقراطية، فلا ديمقراطية بلا دولة حق التي تعني أولاً وأساساً سمو القانون بدءاً من الدستور مروراً بمعظم القوانين الأخرى. وإذا كانت دولة الحق أسست لفكرة سمو القانون والدولة والديمقراطية في الغرب، فإن الدولة العربية المعاصرة تتسم بسمات الفوضى والعسف والاستبداد واللاديمقراطية، وهي مخلوطة من الطبقات الكمبردورية والطوائف والعائلات والقبائل وهلمجرا.

3980

| 19 يونيو 2015

العرب من هزيمة يونيو إلى سيطرة «داعش»

في حرب 5 يونيو1967 الخاطفة حققت«إسرائيل» والولايات المتحدة الأمريكية نصراً كبيراً على الزعيم الراحل عبد الناصر والحركة القومية العربية. كانت «إسرائيل» هي التي اتخذت المبادرة بتدمير الطائرات المصرية وهي جاثمة في المطارات، هكذا بدأت «حربا استباقية» احتلّت «إسرائيل» في نهايتها أربعة أضعاف مساحة أراضيها، في الضفة الغربية والقدس الشرقية وسيناء والجولان. وتم تشريد 400 ألف لاجئ فلسطيني جديد. ورفضت «إسرائيل»إعادة الأراضي المحتلة، وأبقت تحت سلطتها شعباً فلسطينياً مقاوماً معتبرة أن اللجوء إلى القوة وحده يحلّ المشاكل، وهذا ما أغرقها في أزمة سياسية وأخلاقية عميقة، ليست فضائح الفساد المتكرر سوى واحدة من ظواهرها. ولا يزال العالم العربي يلملم الشظايا المتناثرة لتلك الهزيمة المدوية.. وحين نتذكر هزيمة يونيو 1967، نتذكر هزيمة « المشروع القومي العربي» بشقيه الناصري والبعثي، وهي هزيمة تاريخية عادلة، بسبب عدم ديمقراطيته. والواقع أن « المشروع القومي العربي» كان يعاني من تأخر الوعي الإيديولوجي السياسي للبلدان العربية التي رفعت لواء الحركة القومية العربية في مصر والمشرق العربي، إذ إن هذا التأخر التاريخي كان عاملاً حاسماً في استمرار الوعي المحافظ الامتثالي والتقليدي الذي يرفض تجسيد القطيعة المنهجية والمعرفية مع كل نزعة ماضوية وتقليدية في تطور مستقبل المسألة القومية العربية على أسس ديمقراطية، عقب الهزيمة العربية أمام الإمبريالية الغربية والكيان الصهيوني. علماً أنه من الناحية السياسية والتاريخية، كان العالم العربي من محيطه إلى خليجه منجذباً بحماسة عاطفية لأهداف الحركة القومية العربية في التحرر والاستقلال والوحدة، وكانت مصر الناصرية في مرحلة الستينيات من القرن الماضي مركزاً إقليمياً طليعياً من الناحيتين السياسية والتاريخية، ومرجعية قومية موثوقًاً بها وقادرة على تفعيل الحيوية الشعبية الكامنة، إذ حوّلت هزيمة حرب يونيو التلقف الطوعي، الذي ارتآه الرئيس عبد الناصر تعاطفاً دافئاً مع رغبة في المشاركة في التعدد وتصحيح الثغر التي من خلالها حصل النزف ومهد لمراجعات تبلورت في الصمود وحرب الاستنزاف. لكن الثقافة السياسية السائدة بعد هزيمة يونيو 1967 بقيت إلى حدٍ كبيرٍ مدمنة عدم المساءلة، وترفض عملية التحديث في البنية الفكرية والثقافية للدولة العربية المعاصرة، ذلك أن كل عملية تحررية ثورية حديثة تقتضي بلورة فكرية حديثة.فالتأكيد على الحداثة الفكرية، هي بمنزلة التأكيد على جذرية البرنامج السياسي، وبالتالي راديكالية العملية الثورية ذاتها في ظل عالم عربي متأخر. واستمر النقد للبنية الفكرية، وبالتالي« للمشروع القومي العربي»مشبوهاً بكونه معارضة يسارية أو تقدمية أو وطنية راديكالية، وحتى يومنا هذا لا تزال عملية نقد الذات حتى من موقع الالتزام مدخلاً لدى معظم السلطات العربية إلى التشكيك وبالتالي اعتبار النقد من موقع الالتزام بالمشروع القومي العربي نوعاً من التربص. فما الذي حدث، منذ هزيمة يونيو 1967وحتى الآن؟ على العرب أن يعترفوا بخطورة المشروع الصهيوني في المنطقة وأهدافه التي تتكشف كل يوم من تفكيك للمنطقة وعزلها وتجزئتها، ومنذ هزيمة 1967، انكفأت الدول العربية كل منها على ذاتها، وظهرت تيارات انعزالية تسيطر على تفكيرها، بحيث التفتت كل دولة لذاتها، وأسهم في ذلك ما يسمى بالعولمة التي ترمي في مصالح المخطط الأمريكي -الصهيوني، أبرزها المصالحة مع الكيان الصهيوني، بحيث تحول الأمر إلى أن بعض الدول أصبحت تابعة لـ«إسرائيل». لقد انتصر المشروع الصهيوني في حرب يونيو 1967، ونجح في إحداث الفرقة بين العرب، إذ بات يتصور بعضهم أن البعض الآخر يسرق ثروته. وباتت مفردات «النكسة» تعني الهزيمة في وجه «إسرائيل»، لقد طبعت هزيمة الجيوش المصرية والسورية والأردنية في مواجهة إسرائيل الهزيمة السياسية لجيلٍ راهن على التنمية والوحدة العربية والاشتراكية، ففقدت المجتمعات نقاط ارتكازها، وتحوّلت نحو الدين، وهكذا شاهدنا نشوء الحركات الإسلامية التي ازدادت قوّتها بقدر ما برهنت الدوائر الحاكمة عن عجزها وعن تسلّطها، دون هدف آخر سوى البقاء في السلطة. وشكل احتلال العراق في سنة 2003، هزيمة مدوية للمشروع القومي العربي الذي قولب منطقة الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الأولى، لأن الحركات القومية العربية التي عملت أو ادعت أنها بصدد بناء الدولة القومية، تراجعت في الميادين جميعها، ولاسيَّما في المواجهة مع الإمبريالية، والمشروع الصهيوني، وعلى الصعيد الدعوة والعمل للتغيير السياسي والاجتماعي لبناء الدولة الوطنية الديمقراطية، وعلى صعيد العمل الرسمي والسعي من أجل الوحدة العربية، حيث واكب ذلك انفصال وحدة 1958، وإخفاق المشاريع الوحدوية الأخرى، وحدوث انشقاقات وتصدعات في الحركات القومية. وفي ظل الاحتلال الأمريكي للعراق، وتدمير دولته الثاوية، انبعثت الهويات الإثنية –الدينية في بلدان الشرق الأوسط، وهي ليست سوى خلاصة موضوعية لبنى المجتمعات العربية، التي لا تزال جماعاتها الإثنية والمذهبية والطائفية والعشائرية متحاجزة ومتفاصلة، كالزيت والماء، وهو انبعاث تشجعه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وفيما كانت الدول العربية تهتز تحت وطأة الاضطرابات الداخلية لما يسمى «ربيع الثورات العربية»، خرج تنظيم«داعش» الابن الشرعي لـ«القاعدة» وهو الابن البار لـ«طالبان»، ومن قبلهما «المجاهدون الأفغان والعرب» الذين سددوا خدمات جلي للأمريكيين، ولكنهم أسقطوا البرجين في نيويورك، ليعلن في شهر يونيو 2014عن إنشاء«الدولة الإسلامية في العراق والشام »، بوصفها دولة الخلافة الإسلامية، ويدعو المسلمين إلى مبايعة أبي بكر البغدادي خليفة لهم.. وبمعزل عما إذا كانت هذه «الخلافة» قابلة للحياة والاستمرار، فإن مجرد الإعلان عن ولادتها، يعكس المدى الذي بلغه مشروع التطرف والتكفير الذي ترفعه الحركات الجهادية، على أنقاض مقولات الاعتدال والوسطية والعيش المشترك والتنوع. لقد استفاق العرب من جديد بدوله الحديثة على ظاهرة«داعش» الموصوفة بـ«العصابات المسلحة» الإرهابية والتكفيرية، وهي تعلن قيام دولة الخلافة في المناطق التي تسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، وهو ما يعني تدمير اتفاقيات سايكس بيكو لسنة 1916 التي قامت على أنقاضها الدول الحديثة التي استولدها الاستعمار الغربي. فاستفاقت إيران وتركيا، ومن بعدهما الإدارة الأمريكية والقيادة الروسية، على خطر جديد يهدد خريطة المنطقة بإعادة تقسيمها على أسس دينية ومذهبية وعرقية، بعد أن وصل انحدار ما كان يعرف في الأدب السياسي الحديث النظام الإقليمي العربي إلى مستوى الحضيض.الخريطة الحالية في العالم العربي تتمزق، لأن الحدود التي تُحَدِّدُ أراضي كل من العراق، وسوريا، ولبنان، وتركيا، واليمن، قابلة للاختراق والتغيير من الآن فصاعداً، وهي لا تعكس أبداً الواقع القائم على الأرض. ففي ظل «دولة الخلافة الإسلامية»-«داعش» التي لا تعترف بالحدود بين الدول العربية الموروثة من التقسيم الاستعماري الفرنسي والبريطاني، رأينا كيف أن الدول الحديثة الشرق أوسطية،لاسيَّما في العراق، وسوريا، واليمن، تقوضت أسسها رأساً على عقب، وبنيتها غير التوافقية، تحت تأثير ظاهرة الحرب الإرهابية التي تخوضها الحركات الجهادية ضد النظم الحاكمة.

282

| 05 يونيو 2015

alsharq
إلى من ينتظرون الفرد المخلص

سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...

8601

| 08 مارس 2026

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4254

| 09 مارس 2026

alsharq
إيران.. وإستراتيجية العدوان على الجيران

-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...

1263

| 07 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1218

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

987

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

948

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

837

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

723

| 11 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

648

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

612

| 12 مارس 2026

alsharq
قطر.. «جاهزية دولة» عند الأزمات

-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...

597

| 08 مارس 2026

alsharq
لماذا تتجه إيران صوب الانتحار؟

أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...

564

| 07 مارس 2026

أخبار محلية