رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد أكثر من ثلاثة عقود من الصراع التاريخي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، وبعد أن كانت كراهية الولايات المتحدة هي السمة الواضحة للدولة الإيرانية، حيث تجلت مظاهر هذه الكراهية من خلال الهتافات المتكررة للحشود الشعبية عقب صلاة كل يوم جمعة:« الموت لأمريكا»، «الموت لإسرائيل»، أبرمت الدول الخمس الكبرى +ألمانيا مع إيران يوم 14يوليو 2015، اتفاقاً تاريخياً في العاصمة النمساوية فيينا حول البرنامج النووي الإيراني بهدف ضمان طبيعته السلمية البحتة، مقابل رفع العقوبات الدولية المفروضة على طهران بصورة تدريجية. وبموجب هذا الاتفاق تعترف القوى الدولية رسميا بالبرنامج النووي السلمي لإيران وتحترم ممارسة الشعب الإيراني لحقوقه النووية في إطار المعاهدات الدولية، وسيتم رفع عنها العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة عليها، ويفسح في المجال لتحرير الأرصدة الإيرانية، وعشرات مليارات الدولارات في المصارف الغربية. وكان الإيرانيون طالبوا بآلية قانونية مرنة لتقصير المهل، وإبلاغ المصارف بالاتفاق من أجل تحرير الأرصدة المجمدة في البنوك الغربية. وسيفتح هذا الاتفاق صفحة جديدة في علاقات لبناء الثقة بين إيران والغرب، وتعزيز السلام العالمي ويُثبت أن الدبلوماسية والتعاون قادران على إزالة عقود من التوتر.
فقد أبرمت مجموعة «5+1» وإيران في فيينا، يوم الثلاثاء 15يوليو 2015، بعد 22 شهرا من المفاوضات المكثفة، اتفاقا تاريخيا حول البرنامج النووي الإيراني ويستمر حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على إيران لمدة خمس سنوات، فيما لن ترفع العقوبات المتعلقة بتسليح إيران بالصواريخ إلا بعد مرور ثماني سنوات على توقيع الاتفاق، إلا أنه ينص على إلغاء جميع إجراءات الحظر الاقتصادية والمالية المفروضة على إيران دفعة واحدة، ومن بينها، إلغاء العقوبات الاقتصادية المفروضة على 800 شركة ومؤسسة تجارية واقتصادية وفي مقدمتها المصرف المركزي الإيراني والمصارف الإيرانية الأخرى، وشركة النفط الوطنية وشركة السفن والملاحة البحرية.
من خلال إبرام هذا الاتفاق التاريخي، ستتحول إيران إلى قوة اقتصادية كبرى في منطقة الشرق الأوسط، وهي رهانات لن تجد طريقها إلى التحقق إلا بعد رفع العقوبات الاقتصادية على إيران.
وجاء تعيين وزراء المجموعة الاقتصادية من ذوي التوجّه النيوليبرالي مقصوداً تماماً، لأن ذلك «سيرفع عوائق كثيرة من أمام ترطيب العلاقات الإيرانية - الأمريكية، بحيث يحصر الخلاف في نظرة كل من إيران وأمريكا للعالم والمنطقة بالمنظور السياسي فقط» (مصطفى اللباد - «السفير»: حكومة روحاني الجديدة تكشف انحيازاتها مبكراً 12/8/2013).
بمعنى آخر، تراهن حكومة روحاني على السوق الإيراني الواعد بملايينه الثمانين وقدراتها الاقتصادية المتحررة من العقوبات للسيطرة على المنطقة من غير وسيلة السلاح النووي. وتملك إيران من الآن مشروعات جاهزة للعمل عليها للتحول إلى مركز «طريق الحرير الجديد»، عبر إنشاء مشروعات عملاقة تربط إيران بجيرانها الأقربين والأبعدين، مثل إقامة موانئ جديدة على بحر العرب وتوسيع المطارات القائمة لاجتذاب رحلات طيران مباشرة وسائحين من شرق آسيا، ومدّ خطوط أنابيب الغاز الطبيعي جنوباً إلى الهند وباكستان وشمالاً إلى تركيا وأوروبا وبالتوازي معها خطوط سكك حديدية في الاتجاهين.
ورغم الخلافات السياسية القائمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فإن القيادة السياسية الإيرانية ستتعامل ببراغماتية عالية في المجال الاقتصادي مع الدول الكبرى الغربية، لاسيَّما الولايات المتحدة الأمريكية، التي سيسيل لعاب شركاتها العملاقة على الاستثمار في السوق الإيرانية الناشئة التي تعد 80 مليون مستهلكا، فضلاً عن الثروات البترولية والغازية التي تملكها إيران. وما يهم الشركات الأمريكية العملاقة، هو الاستثمار في قطاع الطاقة والذي تحتاجه إيران من أجل تطوير بنيتها التحتية في هذا المجال، وقد تصل الاستثمارات في قطاع الطاقة إلى مئات المليارات من الدولارات، وهو ما لا تقدر عليه سوى الشركات الأمريكية، التي تمتلك التكنولوجيا المتطورة ورأس المال.
وبالمقابل هناك إجماع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار الإسرائيليّ بمُعارضة تحوّل إيران إلى دولةٍ نوويّة، لأنّ أحد أعمدة السياسة الإسرائيليّة منذ إقامتها على أنقاض الشعب الفلسطينيّ يقوم على منع الدول المُعادية من امتلاك أسلحة غير تقليديّة. ولم يبقَ أمام إسرائيل سوى ساحة الكونجرس كملعب وحيد للمواجهة، على أمل أنْ يساهم ذلك في عرقلة إقرار الاتفاق، كما قالت المصادر السياسيّة الإسرائيلية. وتقدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طابور المنددين بالاتفاق، واصفاً إياه بـ«الخطأ التاريخي» وإنه سيبذل قصارى جهده «لعرقلة طموحات إيران النووية». وأضاف في بداية اجتماع مع وزير الخارجية الهولندي بيرت كوندرز الذي زار القدس المحتلة ورام الله في أواسط شهر يوليو 2015، «ستحصل إيران على مسار آمن ومؤكد نحو الأسلحة النووية. ستُرفع الكثير من القيود التي من المفترض أن تمنعها من الوصول إلى ذلك». وتابع نتنياهو «ستحصل إيران على الجائزة الكبرى. جائزة حجمها مئات المليارات من الدولارات ستمكنها من مواصلة متابعة عدوانها وإرهابها في المنطقة وفي العالم. هذا خطأ سيئ له أبعاد تاريخية». وشدد نتنياهو أمام الصحفيين على أن «إسرائيل غير ملزمة بهذا الاتفاق مع إيران، إسرائيل ليست ملزمة بهذا الاتفاق مع إيران، لأن إيران مازالت تسعى لتدميرنا»، مضيفاً: «سنواصل الدفاع عن أنفسنا».
يجمع المحللون أن الشرق الأوسط ما قبل الاتفاق النووي، لن يكون كما بعده. وبين متفائل من الاتفاق، ومتشائم منه، ما هو مؤكد أن التسوية التاريخية التي حصلت في فيينا، ستتمخض عنها نتائج جيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وستمثل محطة محورية لإعادة رسم المشهد الجيوستراتيجي في الشرق الأوسط على المدى المنظور، إن على المستوى الداخلي في هذا البلد أو ذاك، أو على مستوى العلاقات العابرة لـ«حدود سايكس – بيكو» التي تزداد هشاشة يوماً بعد يوم. هكذا يجزم كثيرون بأن الاتفاق النووي ستترتب عليه نتائج جيوسياسية أكثر أهمية بكثير من خطوات أخرى توازيه في الأهمية اتخذها باراك أوباما بعد بدء ولايته الرئاسية (الانسحاب من العراق) وفي وسطها (الانسحاب من أفغانستان) ومع بدء العد العكسي لنهايتها (الاتفاق التاريخي مع كوبا)، وهو ما يوحي بإعادة ترتيب للسياسات الخارجية قبل أن يتسلم خلفه، ديمقراطياً كان أم جمهورياً، مفاتيح البيت الأبيض بعد ما يقرب من العام ونصف العام.
والواضح حتى الآن أن الاتفاق النووي يعني، من الناحية السياسية، اعترافاً مباشراً من قبل الولايات المتحدة بإيران كقوة إقليمية كبرى، ينبغي التنسيق معها في كل ما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، وهو ما يمنح، بطبيعة الحال، هامش مناورة سياساً واسعاً للجمهورية الإسلامية في مقاربة الكثير من الملفات الملتهبة. وربما يكون الميدانان السوري والعراقي الاختبار التطبيقي الأول للتحوّلات السياسية المترتبة على الاتفاق النووي.
وفضلا عن ذلك فإن القضايا الكبرى التي تواجهها المنطقة، بدءاً من الصراع العربي – الصهيوني، ومروراً بالأزمتين العراقية والسورية، وانتهاء بالتسوية التاريخية حول البرنامج النووي الإيراني التي تعطي إيران دورا إقليميا بارزا، تؤكد ليس فقط الارتباط الإقليمي البنيوي المستجد الذي أصبح يربط بين هذه القضايا، ولكن أيضاً امتداداتها السلبية سواء بشكل مباشر، أم عبر تفرعاتها وتجلياتها، خصوصا السياسية والأيديولوجية والطائفية، إلى داخل المجتمعات العربية نفسها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
حين نتحدث عن جيل يفتقر إلى الوعي والمسؤولية، سرعان ما يتجه الاتهام نحو الأسرة، وهذا في محله، وقد تناولنا هذا الجانب في العدد السابق هنا. لكن الأسرة لا تعيش في فراغ. هي جزء من منظومة أكبر تُشكّل الفرد وتصنع قناعاته وتحدد له ما يراه “طبيعيًا”. وهذه المنظومة اسمها المجتمع بكل مكوناته: الإعلام، والمحيط، والمؤسسات، والثقافة السائدة، وحتى الشارع الذي يمشي فيه الشاب كل يوم. لذلك لا يكفي أن نحاسب الآباء وحدهم، بينما نتجاهل البيئة التي شاركت في صناعة النتيجة. الشاب الذي لا يعرف ماهي الرؤية الوطنية لبلاده، ولا تاريخ بلاده، ولا حتى أبسط ما يتعلق بهويته… لايعرف حتى حدود الدول هذه من وضعها ولماذا وكيف … هذا الشاب لم يأتِ من فراغ. هذا الشاب صُنع ونشأ في بيئة تُكافئ السطحية وتمنحها الانتشار وتدفع بها إلى الواجهة، بينما تُقصي كل ما يتطلب جهدًا أو فكرًا. نشأ في مجتمع جعل الشهرة السريعة معيارًا والظهور غاية، والقراءة عبئًا والتفكير النقدي ترفًا لا ضرورة له. هذه ليست مصادفة هذه اختيارات مجتمع. لم يعد الإعلام اليوم مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح صانعًا للوعي… أو أداةً لتفريغه. وحين تمتلئ المساحة بمحتوى فارغ، ويُدفع به إلى الناس ليل نهار، فالمشكلة ليست في وجوده فقط، بل في الإقبال عليه. المجتمع لا يستهلك هذا المحتوى فقط، بل يرفعه، يشاركه، ويمنحه قيمته. وما يتصدر المشهد ليس الأفضل، بل الأكثر قبولًا. وهذه مسؤولية لا يمكن التهرب منها. وما يتعلمه الشاب في بيته، قد يُبنى أو يُهدم خارجه. فالمحيط الاجتماعي ليس عنصرًا هامشيًا، بل شريك أساسي في التشكيل. الأصدقاء، الأحياء، المجالس، كلها تصنع معايير غير مكتوبة. وحين يرى الشاب أن المجتمع يقدّر المظاهر أكثر من المضامين، ويرفع من لا قيمة له، ويسخر ممن يسعى للمعرفة، فإنه لا يحتاج إلى توجيه مباشر. الرسالة وصلته. وهو سيتكيّف معها. المجتمع الذي يشتكي من سطحية أبنائه، بينما يحتفي يوميًا بصناعة هذه السطحية، هو مجتمع يناقض نفسه. والذي يسخر من الجادين، ثم يتساءل عن غيابهم، هو من دفعهم إلى الانسحاب هو أبعدهم عن دائرة التأثير بعدما كانوا نماذج يحتذى بها. هنا لا نتحدث عن خلل عابر، بل عن ثقافة تتشكل وتُعاد إنتاجها كل يوم. ومن أخطر صور هذا الخلل: صمت القادرين على التأثير. المثقفون الذين اختاروا الابتعاد، والأكاديميون الذين حصروا أنفسهم داخل مؤسساتهم، والناجحون الذين قرروا ألا يكون لهم حضور عام. حين تنسحب هذه الأصوات، فهي لا تكتفي بالغياب، بل تترك فراغًا يُملأ بما لا يستحق. الصمت هنا ليس حيادًا… بل مشاركة غير مباشرة في النتيجة. الإصلاح لا يبدأ فقط من داخل الأسرة، بل من مواجهة المجتمع لنفسه. ماذا يُكافئ؟ ماذا يُروّج؟ ماذا يتسامح معه؟ وماذا يقصي؟ هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل أساس أي تغيير حقيقي. لأن الجيل الجديد ليس مشكلة مستقلة، بل نتيجة منطقية لبيئة صُنعت أمامه. المجتمع لا يشتكي من هذا الجيل… بل هو من صنعه. “لا تُحاسب الأبناء على ما تركته أنت فارغًا لغيرك أن يملأه.”
3807
| 29 أبريل 2026
في لحظة إقليمية دقيقة تتشابك فيها اعتبارات الأمن مع تحولات الاقتصاد العالمي، برزت القمة الخليجية التشاورية في جدة كحدث يتجاوز طابعه البروتوكولي، ليعكس نضجاً سياسياً واستراتيجياً في أداء دول مجلس التعاون، وقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها وصياغة مسارات أكثر توازناً للاستقرار الإقليمي والدولي، وقد ترأس صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أعمال هذه القمة، لتؤكد هذه المحطة أن الخليج بات لاعباً محورياً في إعادة تشكيل المشهدين السياسي والاقتصادي على حد سواء، ومنطلقاً لرؤية موحدة تتعامل مع التحديات الكبرى بمنطق الشراكة والمسؤولية الجماعية. ولم تعد هذه القمة مجرد لقاء تشاوري تقليدي، بل تمثل محطة مفصلية في انتقال الخليج من موقع “التفاعل” مع الأزمات إلى موقع “صناعة التوازن”، حيث جاءت مخرجاتها لترسم خريطة طريق عملية تهدف إلى احتواء الأزمات قبل تفاقمها، في ظل بيئة دولية تتسم بتذبذب أسواق الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، هذا التحول الاستراتيجي يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار المنطقة ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين، مما يتطلب تنسيقاً عالياً يتجاوز التعاون التقليدي إلى التكامل الفعلي في المواقف والسياسات تجاه القوى الدولية الفاعلة. وفي صلب هذا التحول، جاء التركيز الواضح على أمن الملاحة الدولية كإحدى أبرز أولويات القمة، إذ لم تعد الممرات الحيوية في البحر الأحمر والخليج العربي ومضيق هرمز مجرد مسارات إقليمية، بل شرايين استراتيجية يمر عبرها نحو خُمس تجارة العالم، ومن هنا، بعثت القمة برسالة حازمة للمجتمع الدولي مفادها أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية مشتركة، وأن دول الخليج لن تتوانى عن القيام بدورها القيادي لضمان تدفق التجارة والطاقة، ومواجهة أي تهديدات قد تمس سلامة الملاحة أو تعيق حركة الاقتصاد العالمي، مما يعزز من مكانة دول المجلس كصمام أمان حقيقي في قلب العالم. وقد تجلى في أروقة القمة إصرار خليجي على تعميق العمل المشترك من خلال مشاريع تكاملية ملموسة، تمتد من الربط الكهربائي والسككي وصولاً إلى التنسيق الأمني والعسكري المتقدم، وهو ما يعطي للعمل الخليجي بعداً مؤسسياً قوياً وقادراً على مواجهة التقلبات الجيوسياسية، إن قمة جدة، بما حملته من مضامين، تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الخليج هو "البوصلة" التي توجه مسارات الاستقرار في المنطقة، متمسكاً بسيادته ومصالحه الوطنية، وفي الوقت ذاته منفتحاً على صياغة تحالفات دولية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة لضمان مستقبل أكثر أماناً وازدهاراً.
1350
| 30 أبريل 2026
في بيئات العمل، لا تبدأ الإشكالات الكبيرة بقرارات معلنة، بل بتفاصيل صغيرة تتكرر حتى تتحول إلى واقع، مواقف تمر في ظاهرها عادية، لكنها تترك أثرًا غير عادي: انسحاب مفاجئ، قرار بلا توضيح، أو تصرف يُدار بصمت وكأنه لا يستحق التفسير، وهنا نقف في تلك المساحة الدقيقة: هل نبتسم ونتجاوز؟ أم نتوقف ونقرأ ما يحدث كما هو؟ أولًا: حين تختصر الإدارة في (ردة فعل) الإدارة ليست قرارًا سريعًا، ولا موقفًا لحظيًا يُتخذ تحت تأثير الانفعال، حين تتحول أدوات التواصل المهنية إلى حظر أو انسحاب مفاجئ من مساحات العمل، فإننا لا نتحدث عن إدارة موقف، بل عن ردة فعل شخصية تم تغليفها بشكل مهني، وهنا تبدأ المشكلة، عندما تُدار المؤسسات بذهنية الأفراد لا بأنظمة العمل. ثانيًا: السلطة بين التنظيم والاستحواذ السلطة في جوهرها أداة تنظيم، لكنها قد تنزلق بهدوء إلى مساحة أخرى: الاستحواذ، إزالة لوحة، تغيير محتوى، طلب تغييب اسم أو هوية، أو إعادة تقديم عمل بوجه مختلف، كلها ممارسات لا تكشف فقط عن قرار، بل عن تصور داخلي بأن الصلاحية تعني القدرة على إعادة تشكيل كل شيء، وهنا لا تكون المشكلة في الفعل، بل في توسع مفهوم السلطة خارج حدوده. ثالثًا: نقل الأفكار حين يصبح (الإلهام) انتقائيًا في بيئات العمل الناضجة، تُبنى الأفكار وتُوثق، ويُشار إلى مصادرها بوضوح، لكن في بيئات أخرى، تتحول الأفكار إلى مواد قابلة لإعادة التقديم: برنامج يُتابع، مشروع يُلاحظ، ثم يظهر لاحقًا بصيغة مختلفة وفي سياق آخر دون تاريخ أو مرجعية، هذه ليست عملية تطوير، بل إعادة إنتاج بلا اعتراف. رابعًا: التفاصيل التي تكشف مستوى الوعي لا تحتاج بيئة العمل إلى اختبارات معقدة لتُقاس، يكفي أن ننظر إلى التفاصيل: إعلان يفتقر للدقة، صياغة ضعيفة، أخطاء لغوية واضحة، وهوية غير متماسكة، هذه ليست هفوات، بل مؤشرات على مستوى التعامل مع العمل نفسه، فمن لا يُحسن التفاصيل لن يُحسن الصورة الكبرى. خامسًا: فوضى الاستعراض حين يطغى الشكل على الجوهر في بعض البيئات، يتحول العمل من بناء حقيقي إلى فوضى استعراض: كثرة إعلان، قلة إتقان، حضور شكلي، وغياب للعمق، وهنا لا يُقاس النجاح بما يُنجز، بل بما يُعرض. وهذا أخطر التحولات حين يصبح الظهور أهم من القيمة. سادسًا: التجاهل بين الذكاء والخسارة ليس كل موقف يستحق الوقوف عنده، لكن ليس كل موقف يُسمح بتجاوزه، التجاهل يكون ذكاءً حين لا يترك أثرًا، لكنه يصبح خسارة حين يُفسر على أنه قبول أو يُستخدم كمساحة لتكرار نفس السلوك، وهنا يتحول السكوت من قرار إلى سماح غير معلن. سابعًا: التقييم.. حين يفقد حياده! ومن أكثر الممارسات إرباكًا، حين يُستخدم (التقييم الدوري) كمدخل مفتوح لكل تفاصيل العمل، يُطلب الاطلاع الكامل، وتُفحص المستندات، وتُراجع الآليات بدقة، تحت عنوان مهني منضبط، لكن الإشكال لا يبدأ هنا، بل فيما بعده، حين يظهر ما كُشف عنه بحسن نية، في سياقات أخرى، ولدى جهات كنت تعمل معها أصلًا، بصياغة مختلفة، وغياب واضح للمصدر، هنا، يفقد التقييم حياده، ويتحول من أداة ضبط إلى أداة عبور، تتجاوز حدودها المهنية، وتطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام تقييم فعلي أم إعادة تموضع على حساب الآخرين؟ ثامنًا: إدارة الموقف لا التفاعل معه القوة المهنية لا تُقاس بحدة الرد، بل بقدرة الشخص على إدارة المشهد كاملًا، أن تعرف متى توثق، متى تتحدث، متى تتجاوز، ومتى تضع حدًا، هذا هو الفرق بين حضور عابر وحضور يُفرض احترامه. في العمل، ليست كل ضحكة تعني الرضا، ولا كل سكوت يعني الحكمة، بعض المواقف إن تجاوزتها تتكرر وكأنها حق مكتسب، وبعض التصرفات إن لم تُقرأ كما هي تُعاد بصيغة أقوى، لذلك، السؤال لم يعد هل أضحك أم أسكت، بل: هل أُدير الموقف أم أتركه يُدار ضدي؟
993
| 29 أبريل 2026