رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الديمقراطية لا تستقيم من دون حل المسألة الاجتماعية، وإرساء نموذج جديد للتنمية المستدامة في تونس قادر أن يتجاوز الاقتصاد الريعي، ودرجة فساد رجال الأعمال التونسيين في الفترة السابقة.. تلك هي انتظارات الشعب التونسي من الثورة، ومن السنوات الأربع العجاف التي عرفتها البلاد خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي المتعثرة، والتي أفرزت سلطة جديدة منتخبة مدعوة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وفق رؤية جديدة تستجيب لمطامح الشعب في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
لكن واقع الحال في تونس بعد الانتخابات، كأنه لم يتغير عن النظام السابق، لا سيما في مجال علاقة المال بالسياسة... وهكذا بدلاً من محاسبة طبقة رجال الأعمال الفاسدين الذين راكموا ثروات فاحشة طيلة المرحلة السابقة، وارتكبوا جرائم الاختلاس الضريبي، الذي بلغ حداً كبيرا يقدره الخبراء بنحو 9 مليارات دينار، أو ما يعادل 4.5 مليار دولار، وهو ما يمثل ثلث موازنة الدولة التونسية، بدلاً من كل ذلك، طرح رئيس الجمهورية السيد الباجي قائد السبسي مشروع قانون المصالحة الاقتصادية منذ الاحتفال بعيد الاستقلال في 20 مارس الماضي، والذي وافق عليه مجلس الوزراء في 14 يوليو الجاري، في انتظار تمريره أمام البرلمان لإقراره، في ضوء حصوله على الأكثرية.
وقد نص هذا المشروع على إجراءات خاصة بالمصالحة في المجال المالي والاقتصادي ولم يتعرض إلى المصالحة السياسية التي يبدو أنه وقع تركها لمسار العدالة الانتقالية ولهيئة الحقيقة والكرامة. حيث ورد في فصله الأول أنه « يندرج في إطار تهيئة مناخ ملائم يشجع على الاستثمار وينهض بالاقتصاد الوطني ويعزز الثقة بمؤسسات الدولة ويهدف إلى إقرار تدابير خاصة بالانتهاكات المتعلقة بالفساد المالي والاعتداء على المال العام تفضي إلى غلق الملفات نهائيا وطي صفحة الماضي تحقيقا للمصالحة باعتبارها الغاية السامية للعدالة الانتقالية».
الدولة التونسية ليست شركة، إنها كائن ذو سيادة، والدولة لا يمكن أن تفلس، يبرز السؤال انطلاقا من هذا البعد الأساسي عن كل الهرج في الخطاب السياسي الرسمي عن إفلاس الدولة التونسية، وعن السياسات التي يجب اعتمادها في هذه المرحلة لتجاوز الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه تونس اليوم، من خلال طرح مشروع هذا القانون وهو مالي بالأساس: إنعاش الاقتصاد وتوفير أموال إضافية لخزينة الدولة وذلك من خلال الصلح مع كل من ثبت فساده وتجاوزاته واستيلاؤه على المال العام من أصحاب المال والأعمال. ولم يفصل القانون بين فترة ما قبل الثورة وما بعدها، وبالتالي فإن هذا القانون سيشمل كل من تعلقت بهم قضايا فساد مالي قبل أو بعد 14 يناير2011 ومنشورة اليوم أمام المحاكم. لكن يبدو أن النصيب الأوفر سيكون للفساد المسجل قبل الثروة باعتبار كثرة القضايا المتعلقة بها لدى المحاكم.
إن التركيز على موضوع المصالحة الوطنية في هذا الظرف السياسي والتاريخي التي تمر به تونس، ليس بريئاً لأسباب داخلية وأخرى خارجية. فحزب «نداء تونس» وزعيمه التاريخي السيد الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية يقع في نفس الخطأ التاريخي الذي وقعت فيه حركة النهضة عندما استلمت السلطة عقب انتخابات 23أكتوبر 2011، وهو عدم إدراك أن الشعب التونسي الذي صنع ثورته، وأسقط النظام الديكتاتوري السابق، يحتاج إلى بناء دولة ديمقراطية تعددية، وخلق مجتمع جديد، وانتهاج خيار اقتصادي واجتماعي جديد يجسد القطيعة مع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية المنحرفة في عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، والتي أدّت في الواقع إلى إثراء أقلية من العائلات المرتبطة بالسلطة، وكبار رجال الأعمال على حساب إفقار معظم طبقات الشعب التونسي، بما فيها الطبقة المتوسطة، التي تعتبر أكبر طبقة اجتماعية موجودة في تونس.
لكن رؤية رئيس الجمهورية للمصالحة الوطنية تقوم على طي الملفات الكبرى التي لا تزال موضوع خلاف في المجتمع التونسي، بين فئة رجال الأعمال في العهد السابق المتهمين بالفساد والإثراء الفاحش في العهد الديكتاتوري السابق، والذين في معظمهم ينتمون إلى «حزب التجمع» المنحل، وفي الانتخابات الأخيرة ركبوا موجة «حزب النداء» الذي أصبح حاكمًا في البلاد، وبين طبقة سياسية جديدة استولت على السلطة بعد انتخابات23أكتوبر 2011، وأصبحت تلقب بطبقة «الأثرياء الجدد» المنبثقة من حركة الإسلام السياسي، والتي لم يكن لها نظرية للاقتصاد، بل هي انساقت في نهج الليبرالية الجديدة التي سقطت في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي غيرها من الدول الرأسمالية الغربية عقب وقوع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية سنة2008، ولم تقم بمراجعة نقدية للنموذج الرأسمالي الطفيلي الذي كان سائداً في تونس، حيث وصل إلى مأزقه المحتوم.
فهناك المستفيدون من هذه المصالحة الوطنية، وهم من دون شك فئة رجال الأعمال الذين سيعودون إلى أعمالهم من دون محاسبة في انتظار أن يقول القضاء كلمته. ومن المنتظر أن يؤدي هذا القانون إلى خروج المتهمين في قضايا فساد مالي من السجون وإيقاف التتبعات في حقهم ورفع تحجير السفر عنهم بعد دفع ما يوجبهم عليهم قانون المصالحة من مبالغ مالية.
وهناك المتضررون من هذه المصالحة الوطنية، وهم بكل تأكيد، الطبقات الشعبية والفقيرة والعاطلون عن العمل، والمساجين السياسيون السابقون في عهدي الديكتاتورية السابقة، ليس لأن هذه الفئات لا تريد المصالحة الوطنية، بل على العكس من ذلك، هذه الفئات تريد فعلا تحقيق المصالحة الوطنية لكنها شريطة أن تكون نتيجة لمسار كامل من تطبيق العدالة الانتقالية، يبدأ بتحديد المسؤوليات للذين ارتكبوا جرائم في العهد الديكتاتوري السابق، وعدم التسامح مع المذنبين والمجرمين والفاسدين السابقين في المجال المالي والاقتصادي، وعدم تمكينهم من الإفلات من العقاب، وأكثر من ذلك عدم تمكينهم من العودة إلى واجهة الشأن الوطني العام من خلال المناصب والامتيازات والترخيص لهم في ممارسة الأنشطة المختلفة.. كما يعتبر هؤلاء المتضررون أن قانون المصالحة الاقتصادية يمثل ضربًا لروح الثورة التي فتحت الأبواب أمام كثيرين لاسترجاع حقوق ضاعت منه أو تضررت أو انتزعت منهم بالقوة ودون وجه حق من قبل من كانوا نافذين أو مقربين من السلطة سابقا، وخاصة لاسترجاع المال العام المنهوب والذي كان بالإمكان أن يساهم في تنمية الجهات لكن وقع الاستيلاء عليه بطريقة أو بأخرى.
لقد تصاعدت وتيرة الاحتجاجات ضدّ هذا القانون الذي يحظى بدعم ومساندة برلمانية قوية من أحزاب الائتلاف الحاكم تضمن تمريره والمصادقة عليه رغم أنه يقفز على مبدأ المحاسبة الذي يعدّ من أهم مبادئ العدالة الانتقالية ويمرّ مباشرة لتحقيق المصالحة.. فالنسبة لهيئة الحقيقة والكرامة ترى أن قانون العدالة الانتقالية الصادر في ديسمبر 2013 حدد بكل دقة شروط وإجراءات المحاسبة والمصالحة دون حاجة إلى قانون آخر فضلا عن أن العدالة الانتقالية منصوص عليها في الدستور وهي تعني وفق قانون 2013 المحاسبة والاعتراف ثم إمكانية المصالحة.
وبالتالي لم تكن هناك في رأيها أية حاجة إلى إصدار هذا القانون حول المصالحة.. فالمصالحة ـ حسب هيئة الحقيقة والكرامة ـ موجودة بطبعها في قانون العدالة الانتقالية وسن قانون جديد يعني سحب جزء من صلاحياتها. ورأت هيئة الحقيقة والكرامة في ذلك بداية لا تبشّر بعلاقة تكامل وثقة بين السلطات الجديدة وبين الهيئة.
وأعربت عن استيائها من عدم تشريكها في أعمال التفكير حول هذا المشروع. ولا شكّ أن الأيام القادمة سيكون هناك موقف حاسم من هيئة الحقيقة والكرامة التي ستتدافع بضراوة على صلاحياتها التي انتهكت بموجب هذا القانون رغم أنها الجهة الدستورية الوحيدة المخولة للبت في مثل هذه الملفات ذات الخصوصية.
أما موقف الاتحاد العام التونسي للشغل بوصفه العمود الفقري للمجتمع المدني التونسي، وأهم منظمة وطنية في البلاد، فقد اعتبر أن مشروع قانون بهذا الحجم ويتعلّق بالمصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال يفترض أن يخضع لاستشارة وطنية موسعة تشمل جميع الأطراف لأنه شأن وطني يتجاوز الحكومة ورئيس الجمهورية ليشمل كل التونسيين الذين تضرّروا من حقبة حكم موسومة بالاستبداد السياسي والفساد المالي.
على صعيد المعارضة السياسية الصّرفة، تظهر الجبهة الشعبية اليوم بمظهر المعارضة الحقيقية، أولا باعتبار تموقعها في اليسار أي في الجهة المقابلة للحكومة اليمينية الليبرالية، وثانيا من حيث مضامين تحركاتها التي ظلت في أغلبها منتقدة ورافضة لبعض سياسات وقرارات الحكومة منذ توليها مهامها قبل نحو ستة أشهر. وفيما يرى المراقبون أن موقف الجبهة المعارض يعتبر ظاهرة صحية في النظام الديمقراطي، وهو مطلوب، باعتباره جزءا من العملية الديمقراطية التعددية، وتعبيرا عن النضج السياسي، فإن آخرين يرون بأن موقف الجبهة الشعبية المعارض لقانون المصالحة الاقتصادية كان يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الواقع الاقتصادي الكارثي الذي تعيشه البلاد، وما يتطلبه هذا الوضع الاستثنائي من مرونة في عمل المعارضة.
ومن المعروف أن الجبهة الشعبية رفضت قانون حالة الطوارئ، الذي أقره رئيس الجمهورية مؤخرا، واستحسنه التونسيون في معظمهم بهدف محاربة الإرهاب المستوطن في البلاد، كما رفضت الجبهة قانون المصالحة الاقتصادية من خلال ما ذكره نائبها منجي الرحوي الذي دعا أيضا إلى تحريك الشارع من أجل إسقاطه واعتبره طعنا في توجه التونسيين لمكافحة الفساد والمجرمين وقائما على رسكلة الفاسدين وضربا لمنظومة العدالة الانتقالية، لكن من دون تقديم أي بديل من شأنه أن يحقق الغاية نفسها التي تضمنها هذا المشروع أي خلق معادلة بين محاسبة الفاسدين (ماليا) وإعادة الروح إلى الدورة الاقتصادية.
الأسرة في مواجهة الأزمات
في ظل الظروف الإقليمية التي تعيشها المنطقة هذه الأيام، وحرب أمريكا وإسرائيل ضد إيران. ومع استمرار الضربات العسكرية... اقرأ المزيد
114
| 20 مارس 2026
عشرة أعوام في قطر أجمل أيام حياتي
عشرة أعوام عشتها في قطر أعتبرها أجمل أيام حياتي التي شارف عقدها السادس على الغروب. بلد طيب رائع... اقرأ المزيد
105
| 20 مارس 2026
لقد مررنا من هنا
ليست كل المحطات في حياتنا صالحة للبقاء، لكنّها جميعًا صالحة للتعلّم. نمرّ من الطرق الوعرة كما نمرّ من... اقرأ المزيد
111
| 20 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
11109
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1218
| 18 مارس 2026
نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في جميع القطاعات المفصلية على السعي الدؤوب والمستمر لتوفير كافة احتياجات السكان والتحسين الدائم لكل ما يخص الخدمات وتوفير المستلزمات الضرورية من خدمات أمنية وصحية ومن دواء وغذاء مما يضمن طمأنة وراحة الجميع. نشيد خاصةً بالدور الفعال والمُشرف لرجالنا البواسل في القوات المسلحة القطرية في إدارة هذه الأزمة بشكل يدعو إلى الاعتزاز والفخر في ظل قيادة وتوجيه صاحب السمو أمير البلاد المفدى حفظه الله، ونسأل الله العظيم أن تتكلل هذه الجهود النبيلة بالنصر والظفر ويعم السلام على دولنا الخليجية ومحيطنا العربي. من هذا المنطلق ندعو الجميع للتعامل مع الأزمة بكل حكمة ووعي مع تطبيق الإرشادات الصادرة من جميع الجهات المختصة وعلى رأسهم التحديثات والتنبيهات الصادرة من وزارة الداخلية، والتي تختص بأهم التوصيات والتحذيرات لتجنب أي مخاطر ناجمة من آثار رد الاعتداءات على أجواء وأراضي دولتنا الحبيبة. ونحمد الله أنه على صعيد الأمن الغذائي والمائي والدوائي لا تزال الأمور مستقرة والمخزون متوافر بشكل كافٍ بتصريح من الجهات المختصة، بحيث لا يستدعي أي قلق أو هلع لشراء المواد الغذائية وتخزينها بدون ضرورة، وأن يشتري الشخص على قدر حاجته. فالشراء الزائد عن الحد والنفقات المبالغ فيها نتيجة الهلع من نقص السلع يؤدي إلى إضعاف السيولة النقدية الشخصية وقد يرفع الأسعار ويضر المجتمع ككل. الحرب لها تكلفتها وتتطلب إعادة ضبط الحسابات ومعرفة الأولويات، فقد تتغير طريقة الإنفاق ومصادره ونسبته بتغير الظروف والأحوال لأن القدرة الشرائية دون وجود التسهيلات والظروف التي تخدمها تضعف في ظل الظروف المتوترة، فلا يعود للقوة الشرائية طاقة ولا ضرورة تناسبية أو عاجلة على مستوى الكماليات وخدمات الرفاهية وأحياناً بعض الضروريات التي يمكن تأجيلها حتى تستقر الأوضاع. وبقراءة الوضع الاقتصادي الحالي، فأسعار النفط والغاز ومشتقاتهما سترتفع قليلاً على المستوى المحلي بنسب طفيفة جداً وتماشياً مع سياسة الدولة في ربط أسعار الوقود المحلية بالأسعار العالمية، وتزداد نسبة الارتفاع بالأضعاف على مستوى العالم بسبب الايقاف المؤقت لإنتاج النفط والغاز نتيجة القوة القاهرة المرافقة لأوضاع الحرب الراهنة واستهداف المرافق الحيوية الخاصة بإنتاج المشتقات البترولية. هذا بالإضافة إلى التخوف من نقص الكمية التي تطلبها الدول المستوردة بانتظام من الدول الأخرى المصدرة للنفط والغاز مما أدى إلى اضطراب في الأسواق العالمية ورفع أسعار الطاقة عالمياً بنسبة تتجاوز ٣٠ بالمائة منذ بدء الأزمة، وفي شهر مارس الجاري شهدت أسعار الطاقة قفزات حادة نتيجة القلق من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز وهو الممر المائي الأهم لتجارة الطاقة، فعلى سبيل المثال ارتفعت أسعار النفط الخام ( برنت وتكساس) بنسبة تتراوح بين ٢٥-٤٠٪ حيث تجاوز سعر برميل نفط برنت حاجز ١٢٠ دولاراً، ومع استمرار النزاع سيدفع الأسعار إلى ١٥٠ دولارا للبرميل في حالة الإغلاق الكامل للممرات المائية. أما على صعيد البورصات ومستوى الأداء، فقد شهدت البورصة المحلية تراجعاً ملحوظاً في شهر مارس الجاري نتيجة التأثر بظروف البيع وشملت معظم القطاعات الرئيسية خاصة النقل والصناعة والخدمات المالية لتأثر الأسواق الإقليمية بالتوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط بالإضافة إلى تعطيل انتاج الغاز أو تأخر تصديره بشكل رئيسي وهو العامل الأكبر والمؤثر على الاستثمارات. في حين يشهد الدولار الأمريكي ارتفاعاً ملحوظاً عقب الضربات العسكرية المتبادلة بين أمريكا وإيران في أوائل الشهر الجاري، حيث وصل مؤشر الدولار إلى أعلى مستوياته باعتباره ملاذا آمنا للسيولة النقدية أولاً وبسبب ارتفاع أسعار الطاقة ومواجهة معدلات التضخم ثانياً، ثم بدأ في الانخفاض تدريجياً مع ظهور تنبؤات بانتهاء أو قصر أمد الحرب. ستبقى أسعار الذهب في وضع متذبذب بين الارتفاع ثم الانخفاض على الصعيد العالمي، يعزى الأمر إلى لجوء البعض لبيع الذهب للحصول على الأموال النقدية لتغطية المصروفات الطارئة خاصةً أن قوة الدولار الحالية رفعت سعر الذهب وجعلته باهظ الثمن بالنسبة للمشترين الدوليين، أما بالنسبة للحكومات فتميل عادةً لشراء كميات أكبر من الذهب من باب التحوط ضد التضخم وانهيار العملات، ما سيرفع أسعار الذهب على المدى الطويل خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية الحالية. أما الفضة فمن المتوقع أن تتراجع أسعارها بسبب التخوف العالمي من الركود الاقتصادي وقلة الطلب على المصانع الذي يدخل فيها معدن الفضة بسبب التوقف المؤقت. وبالنسبة للواردات القطرية، قد ترتفع الأسعار على المدى الطويل بسبب زيادة تكلفة الشحن والتوصيل وتأمين المسارات البديلة للتجارة، أما الصادرات فستحقق العائدات المالية الأكبر مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال وتأمين طرق تصديره للخارج، مما سيحقق نتائج إيجابية على مستوى الميزان التجاري للدولة. ويقصد بمصطلح (اقتصاد الحرب) وهو الظرف الراهن الذي يشهده العالم حالياً، النظام الذي يختص بتعبئة وتخفيض الموارد الوطنية لدعم المجهود العسكري مع تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان ويرتكز على زيادة التدخل الحكومي لضبط وتوزيع السلع ومراقبة الأسعار، وقد يؤدي إلى حدوث تغييرات جذرية في السياسات المالية والنقدية، وإعادة توجيه الإنتاج نحو الأغراض العسكرية. هذا وتمضي دولة قطر قدماً في طموحاتها الخضراء التي تعتبر أولوية استراتيجية والالتزام بتقليل انبعاثاتها الكربونية بنسبة ٢٥٪ بحلول عام ٢٠٣٠ وذلك بالاستمرار في مشاريعها الخاصة بانتاج الغاز الطبيعي والهيدروجين الأزرق والأخضر والتوسع الضخم في الطاقة الشمسية المتجددة.
1041
| 14 مارس 2026