رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مآزق سياسية، إرهاب مستوطن، أزمة اقتصادية ومالية خانقة، انخفاض القوة الشرائية للمواطن، براكين اجتماعية بسبب معاناة الناس في تونس من تفاقم صعوبات المعيشة، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، والبطالة، وسياسات التخصيص في التعليم والصحة، وخصخصة القطاع العام، هذه هي المشاكل المزمنة التي تعاني منها تونس.
إضافة إلى كل ذلك، طرح رئيس الدولة السيد الباجي قائد السبسي قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، الذي يتعارض مع الفقرة التاسعة من الفصل 148 الذي ينزل منظومة العدالة الانتقالية ومدتها منزلة دستورية، ويقفز على الفصل 14 من القانون الأساسي المتعلق بتحقيق العدالة الانتقالية والهادف إلى «تفكيك منظومة الفساد والقمع والاستبداد ومعالجتها بشكل يضمن عدم تكرار الانتهاكات واحترام حقوق الإنسان وإرساء دولة القانون».
ويعتبر اليسار التونسي ومنظمات المجتمع المدني أن المصالحة الوطنية يفترض أن تكون تتويجا لمسار كامل لا أن تكون منطلقا لهذا المسار، هذا فضلا عن الإشكالات الدستورية العديدة التي يثيرها مشروع القانون المتعلق بالمصالحة في المجالين الاقتصادي والمالي، لاسيَّما فيما يتعلق بالهيئة التي سيتم إحداثها بمقتضي القانون المذكور للقيام بالمصالحة والتسويات المالية. فالهيئة الإدارية يجب أن تعمل وفق قواعد الشفافية كما ينص على ذلك الفصل 15 من الدستور، وبالمقابل لا يجوز نزع قضايا هي من صلاحيات «هيئة الحقيقة والكرامة »المعنية بتحقيق العدالة الانتقالية، وإحالتها إلى هيئة لا نعرف طبيعتها القانونية، فذلك يعد بمنزلة المس بمبدأ الفصل بين السلطة الذي تم تكريسه في التوطئة وهي جزء لا يتجزأ من الدستور.
وفيما أن المصالحة الوطنية، كما جاء في قانون العدالة الانتقالية تهدف إلى «تعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق العدالة والسلم الاجتماعية وبناء دولة القانون وإعادة ثقة المواطن في مؤسسات الدولة »، أصبح الرأي العام التونسي يرى في قانون المصالحة المقدم من رئيس الجمهورية والذي سيصادق عليه مجلس النواب قريباً، بأنه يتناقض مع قانون المصالحة الوطنية، فضلاً عن أنه لا يحترم أسس العدالة الانتقالية ويكرّس عدم المحاسبة لأولئك الذين ارتكبوا انتهاكات في حق البلاد واقتصادها واستولوا على المال العام، ولا يدعم ثقة المواطن في القانون، ويقدم هدية للأغنياء ورجال الأعمال الفاسدين والنهابين للمال العام المقدر بنحو 700مليار دينار(حوالي 4.6 مليار دولار)، الأمر الذي سيزيد في تأجيج الغضب الشعبي ليتيح الفرصة لليسار التونسي للاستفادة منه. ولكن يبدو أن اليسار أصيب بالعجز، حيث أخذ على حين غرة، في اللحظة نفسها التي بات مُطَالِباً منه بالتغني بمحاسن الليبرالية الاقتصادية.
وفي ظل تقاسم الأدوار والوظيفة السياسية بين الرئيس الباجي قائد السبسي والشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة، دفاعاً عن التوافقية بفهمها المحدود للديمقراطية، تشكلت في تونس إقطاعيات حزبية في مؤسسات الدولة، قوضت إمكانية «المحاسبة» التي تمثل عنصراً أساسيا لأي نظام ديمقراطي. فاقتسام الدولة إلى إقطاعيات بين النداء وبقية أحزاب الرباعي الحاكم، يعني بالضرورة اتفاقاً على حصانة كل قوة بالتحرك في مجالها. ولأن البرلمان نفسه صار جزءاً من نظام الإقطاعيات، فإنّه فقد دوره كهيئة رقابة ومحاسبة، بل وبات الرمز الأول للفساد في نظر الكثير من التونسيين.
ويساند الغرب التحول الديمقراطي في تونس، ويدعم الشراكة في الحكم بين أحزاب «نداء تونس»، و«النهضة»، و«آفاق تونس»، و«الاتحاد الوطني الحر»، التي تشكل الائتلاف الحكومي بقيادة رئيس الحكومة السيد الحبيب الصيد، وهي أحزاب جميعها تدافع عن النيوليبرالية في الاقتصاد، وعن الشراكة الجديدة مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وعن ضمان تطوير اقتصاد السوق كي يستمر ويزدهر ويفرض نفسه. رغم أن تونس دفعت الثمن غاليًا في عهد الديكتاتورية، حين رَوَّجَ لها الغرب بأنها تمثل نموذجًا اقتصاديًا ناجحًا، واسْتُخْدِمَتْ مختبراً متميزاً للتجارب النيوليبرالية، حيث كان من شأن الجشع المالي، والفساد المتغلغل داخل شرائح البرجوازية الطفيلية المسيطرة، والنهب المنظم للمال العام من قبل رجال الأعمال الفاسدين المتحالفين مع العصابات المافياوية التي كانت تتحكم في النظام السابق، أن جعل من تونس البلد الذي تنطلق منه «ثورة الربيع العربي»، بوصفها المنطقة الأكثر اهتزازاً في العالم العربي على الصعد الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وفيما كان اليسار التونسي بجميع تشكيلاته وفصائله المنظمة في أحزاب وتنظيمات سياسية، أو الثقافة اليسارية المسيطرة على منظمات المجتمع المدني، والنقابات، والنخب الفكرية المبعدة عن السلطة، ينادي تجسيد القطيعة مع نموذج التنمية السابق الذي وصل إلى مأزقه المحتوم، نجد الحكومة التونسية الحالية المدعومة من الائتلاف الرباعي الحاكم، تطبق سياسة الإصلاحات المالية التي فرضها كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تؤازرهما سياسة التبادل الحر المعتمدة في منظمة التجارة العالمية. وقد بدا اليسار متمثلاً بالجبهة الشعبية في حالة انهزام، إما عبر تحوله إلى النموذج السائد في أوروبا، وإما لحال العجز التي يعيشها عن مقاومة الهجوم الكاسح الذي تقوم به الحكومة اليمينية المندمجة في نظام العولمة الليبرالية المتوحشة، والتي تريد من الشعب التونسي أن يدفع ثمن الجشع الرأسمالي الذي انطلق بلا حدود، وبلا كوابح، لاسيَّما حين طرح رئيس الجمهورية قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي يتناقض مع مسار العدالة الانتقالية، والذي يريد تبييض جرائم رجال الأعمال الموسومين بتهم الفساد وسرقة المال العام، بهدف إبرام تسوية مع هؤلاء لاسترجاع الدولة لما أخذ منها ووضع حد للإهدار والفساد وسوء التصرّف والابتزاز السياسي عبر توظيف هذه الملفات العالقة.
وقد وجدت النقابات نفسها متمثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل في موقع دفاعي في مواجهة سياسة النيوليبرالية التي تريد من الشعب التونسي أن يدفع ثمن نتيجة استشراء البطالة، وتقلص أو زوال الضمانات والخدمات الاجتماعية، والسلع المدعمة من الدولة، ونتيجة انخفاض الأجور.علما أن الطبقات الشعبية (المتكونة من العمال، والموظفين، والأساتذة، والمعلمين، والفلاحين المتوسطين والفقراء، والمتقاعدين،)هي التي تدفع للدولة الضرائب، بينما كبار رجال الأعمال والشرائح الغنية من الطبقة المتوسطة: أصحاب المهن الحرة(الأطباء، المحامون، المهندسون)، يتهربون جميعا من دفع الـضرائب، ويمارسون الاختلاس الضريبي المتفشي بشكل كبير، بحرمان الدولة من مئات المليارات من الدنانير سنويا، من خلال إعلانهم عن دخل سنوي «أقرب إلى الحد الأدنى لأجور العمال». وهكذا يكون العمال والموظفون والأساتذة والمعلمون والمتقاعدون هم الأكثر ثراء في تونس، بالنسبة لوزارة المالية.
النيوليبرالية حظيت بنفس جديد في ظل الحكومة التونسية الحالية، التي ترفض محاربة الفساد الكبير والفساد الصغير، وترفض محاربة التهرب الضريبي، لأنها إلى حد الآن لم تتخذ أي إجراءات تقنية لتعزيز المراقبة على رجال الأعمال الفاسدين، وعلى الشركات الكبرى والمتوسطة والصغرى التي لا تحصى، وعلى أصحاب المهن الحرة. وبالمقابل عملت هذه الحكومة على ضخ مئات المليارات من الدنانير لإنقاذ البنوك المفلسة، وقطاع السياحة، والمشاريع الرأسمالية المنهارة ومؤسساتها، ومنحت النواب زيادة بقيمة 900 دينار شهريا كتعويض عن الإقامة في الفنادق، في حين رفضت زيادة رواتب الأساتذة والمعلمين، وهي تماطل بصدد دفع المساعدة للعاطلين عن العمل بقيمة 200 دينار.
وتشهد تونس اليوم إعادة إنتاج النظام السابق، في شكل ديمقراطي زائف، حيث تسير الحكومة في نفس الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي رفضها الشعب التونسي حين أسقط الديكتاتورية في بداية سنة 2011، وهي تريد من اليسار المتمثل في البرلمان بنحو 15 نائبا هم عدد نواب الجبهة الشعبية، أن يكتفي بالفرجة على الرأسمالية الطفيلية التي نهبت المال العام، وتوحشت في بذخها من خلال إقامة الفلل الفاخرة والقصور، والسفر في اليخوت، وبعثرت النقود في الحفلات والأعراس، وصنعت البؤس الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للشعب، وفرضت القمع السياسي بواسطة أجهزة البوليس السياسي، تلك العوامل مجتمعة هي التي صنعت التربة المناسبة لنمو الإرهاب واستشرائه في تونس. وهاهي الطبقة السياسية الحاكمة بعد الثورة تُطالب الشعب التونسي بإنقاذ الرأسمالية الطفيلية، وتقتطع من لحم وعرق حياة الرجال والنساء والأطفال في سبيل ذلك.
وفي الحقيقة لا يمكن الفصل بين انتصار النيوليبرالية ومشروعها التسلطي الجديد في تونس، وبين قضاء الديكتاتورية البوليسية السابقة على مكونات اليسار، رغم عراقة هذا الأخير في النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية، ومعارضته للرأسمالية الطفيلية، ومعارضته أيضاً للشركات العابرة للأوطان وسياساتها. وفي ظل العجز التاريخي لليسار عن قيادة الثورة الشعبية لتحقيق أهدافها الإستراتيجية، لاسيَّما في مجال بناء الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية من الموقع الخاضع للسيادة الرأسمالية العالمية متمثلة بالولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي إلى الموقع المتمرد على هذه السيادة، فقدت الدولة التونسية في مرحلة الانتقال الديمقراطي المتعثر استقلالها الحقيقي، وباتت رهينة حسابات ومصالح المؤسسات الدولية المانحة والشركات المتعددة الجنسية التي، سواء أكانت أوروبية أم أمريكية، عمدت إلى إخضاع أجهزة الدولة وترويضها. فهذه الأخيرة استغلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعاني منها تونس، من أجل الحصول أو الحفاظ على بعض الأسواق والتنازلات. وهذا التدخل من جانب الشركات المتعددة الجنسية، والمؤسسات الدولية المانحة، على أساس قواعد نظام العولمة الليبرالية، في شؤون الدوائر الرسمية التونسية قد ولد خلطاً بين القانون العام والقانون الخاص.
وفي الإجمال، فإن الدولة التونسية أصيبت أكثر فأكثر بالضعف، بسبب تنامي الإرهاب، واحتداد الأزمة الاقتصادية والمالية من جهة، وبسبب تدخلات صندوق النقد الدولي الشركات المتعددة الجنسية من جهة أخرى، وتريد الرأسمالية الطفيلية المندمجة في نظام العولمة الليبرالية أن تُحَمِّلَ الشعب التونسي، والقوى اليسارية العبء الأكبر للمصائب التي تعيشها البلاد. والحقيقة إذن هي أنه لا الشعب التونسي، ولا اليسار، لهما مصلحة في انهيار البلاد، أو في حدوث كساد شامل وعميق يدوم سنوات، أوفي إفلاس مئات الآلاف من المؤسسات الرأسمالية. بمعنى آخر يعني هذا أن مصلحة اليسار في المرحلة الحالية هي أن تحول دون أن ينهار النظام الرأسمالي القائم الآن، بل أن تُساهم في إنقاذه. هذه هي الحقيقة المُرّة التي أصبحت تُواجه القوى اليسارية المنضوية في إطار الجبهة الشعبية.
الطبقة السياسية الحاكمة المدافعة عن الرأسمالية الطفيلية، ورجال الأعمال الفاسدين، تريد من خلال طرح الوضع الكارثي الذي تعيشه البلاد على جميع الصعد، أن يساهم اليسار في عملية إنقاذ الرأسمالية بشروطها، ومن دون أن تتم تعديلات في طريقة سريان الرأسمالية واتجاهاتها، في النظم التي تعمل في إطارها، أي معارضتها للإضرابات والاحتجاجات والتحركات الاجتماعية، ووقف الضغوط التي تمارسها منظمات المجتمع المدني.. لذلك أصبح على اليسار أن يعيش مفارقة غريبة: فهو التيار المناهض للرأسمالية من الناحية النظرية والأيديولوجية، لكن عليه في الوقت عينه أن يفكر في الأزمة الاقتصادية الاجتماعية الخانقة التي تعيشها تونس الآن، وأن يقبل السياسات النيوليبرالية التي تريد الحكومة الحالية تطبيقها في المجال الاقتصادي، طبقاً لمتطلبات وشروط صندوق النقد الدولي.
ينبغي على اليسار التونسي أن يُحدد أثناء هذه الفترة، موقفه بدقة، هل هو يريد أن يُساهم بتفكيره وسياساته وتحركاته في إنعاش الاقتصاد الرأسمالي مع فرض القيود اللازمة لتغيير الاتجاه الذي سار عليه، أم إنه مطالب ببناء يسار اجتماعي وسياسي وسط التوترات الشديدة والمخاطر، وبلورة برنامج سياسي ونموذج جديد للتنمية يدافع عن مصالح العمال والفلاحين، والموظفين، والحرفيين والمثقفين والفئات المتوسطة في المجتمع، للوصول إلى السلطة والانتقال التدريجي إلى عصر ما بعد النيوليبرالية. وما سيحدد الوجه الحقيقي لهذا اليسار هو طريقة عمله الملموسة على الأرض.
فهل ستقدم الندوة الوطنية للجبهة الشعبية إجابات حقيقية على هذه التساؤلات؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8697
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2538
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1473
| 25 أكتوبر 2026