رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

من مهر الصياح

أورد هنا مقطعا من روايتي مهر الصياح، بمناسبة قرب صدور طبعتها الرابعة: وجاءت (تمائم) المغنية التي كانت فيما مضى صوتا طويل القامة، وواسع النبرات، يجر خلفه قوافل البله والشفاه الفاغرة، ويرجم كل صوت آخر يجرؤ على البزوغ في أنسابه، وكانت حفلاتها التي تقام في الساحات والبيوت الكبيرة وفي مناسبات جليلة كيوم تأسيس (أنسابة)، ويوم غزو (الكردماليين) الذي حدث في عهد السلطان (نفر المقدّم) أو ذكرى التتويج والجلوس على العرش، تشد حتى السلاطين والملوك، وقادة الحرب، ورؤساء القبائل..وحين باغتها العمر فجأة، وتغلغل إلى حبالها الصوتية ومفردات جسدها الطري، لم تعد تظهر أو تغني، كانت تعيش في ركود الحسرة في أحد الأحياء البعيدة متغذية من عصائد الهبات ودنانير قليلة كانت تصلها من عند معجبين مسنين لم ينسوها أبداً.. كان صياح المغنية مختلفاً.. رددته بصوت جاهدت أن تعيده عشرين عاماً إلى الوراء:(السلطان للعشيرة..قائد جيشها وكبيرا.السلطان في المسائل..الرويان ودّ القبائل.السلطان لو يبرّك..يديك بي إيدا تسرّك).استغرق الأمر اثنتي عشرة دقيقة مفخخة وسط ترقب المتجمعين وانتظارهم لذيل السلسلة في رده على ذلك الصياح الفخم. لم تكن المرة الأولى التي يمدح فيها (الرشيد) على هذا النحو، لكنها كانت المرة الأولى المغناة وذات الإيقاع الشجي وبذلك الصوت الإنسابي العريق. ثم جاء الرد أخيراً، فقد تم تعيين السيدة (تمائم شريف)بنت (شريف غاني) المنحدرة من قبيلة (الغانيين) والمقيمة في حي (ورى)الشعبي، عضواً في مجلس الجدات الذي كان واحداً من أهم المجالس في(أنسابة). كان يضم جدات من صفوة المجتمع وبيوته العريقة، ترأسه (السحابة) جدة السلطان شخصيا، وكان مكلفاً بإجراء مراسم تتويج السلطان ومراسم دفنه، ومراسم تحميسه بالطبول والحناجر في وقت الحرب، وكانت ثمة تدقيقات صارمة تجرى عن كفاءة الجدة وسلامة سيرتها من خدوش الشائعات وقدرتها على شل الفوران لدى البنات عند ظهوره، وكان تعيين المغنية بهذه الصورة المتعجلة، استثناء صارخاً، لم يحدث قط في (أنسابة) وكان راتب الجدة العضو في ذلك المجلس، مجزياً لدرجة أن تمائم المغنية لم تستطع التماسك..اتكأت على كتف ذيل السلسلة، واندلقت في بكاء رهيب.وإلى ذلك المجلس أيضاً جاء (حنفي الساحوري)، تاجر القوافل الكبير، كان صعيدياً من جنوب مصر، تعرف على طريق (أنسابة) منذ سنوات بعيدة، وأنشأ تجارته التي كانت دورة هائلة من دماء السلع، تتغذى من البلاد وتغذيها، كان يتاجر في الذهب والفضة والعقيق، والدخن،والموالح، وحتى في الجواري والعبيد، يأتي بقافلة كل عام تكفي مؤونتها لإشباع جوع التجارة إلى أن يعود، وتربطه بالسلطان علاقة الوجاهة والثراء لكن مشاغله الكثيرة كانت تمنعه من حضور مجالس (الكوراك) ضيفا.

559

| 26 مايو 2014

الجدة

كانت الجدة عاقبة، التي يسميها أهل حيها العاصفة، ولا يجهرون بذلك الاسم أبدا، مبتهجة بشدة في ذلك اليوم، فقد استطاعت ولأول مرة منذ ثلاثين عاما، أن تأكل اللحم يابسا بلا مشاكل، وتهرس بعض العظام الصغيرة وتبتلعها، بعد أن حصلت على طقم أسنان جديد وناصع، من طبيب أسنان من أهل الخير، كان معتادا أن يمنح مثل تلك الهدايا العينية لبعض المرضى من حين لآخر. وزارها في أول الصباح، فوج من طلاب كلية الطب، كانوا يطرقون أبواب البيوت في الأحياء التي يظنون أنها تفتقر للرعاية الصحية المناسبة، ويسكنها مواطنون ربما لم يروا طبيبا أبدا في حياتهم، يتمرنون على قياس ضغط الدم، ومعدل السكر في البلازما، ويمكن أن يفرقوا بسهولة، بين الهالات السوداء حول العين الناتجة عن إرهاق، وتلك التي هي علامة على مرض داخلي خطير. تناوبوا فحصها، وأخبروها بابتسامات ومداعبات وقبلات على الرأس العجوز، بأنها امرأة شابة، لا تحمل أي مرض عضال في جسدها، وذلك الانتفاخ المتكرر الذي تحس به في جانب بطنها الأيسر، مجرد رياح هضمية بلا أهمية، ناتجة من سوء فهم غير متعمد من جانبها، لمعنى التغذية، وفي النهاية نصحوها بضرورة أن تبدو مبتسمة دائما، وأن تحرك ركبتيها أكثر من المعتاد، حتى يختفي عنهما التيبس نهائيا. مبتهجة، وتحاول التفاعل مع أغنية حديثة واسعة الانتشار، ولا تستجيب الأغنية لذوقها الذي تعود على أغنيات رحلت منذ زمن بعيد، وكانت قد صبغت شعرها جيدا، وترتدي قميصا أحمر ضيقا عند الخصر، استعارته من طالبة جامعية تسكن في الجوار، وفي نيتها ألا ترده إلى صاحبته أبدا. وحين زارها حلم يقظة مباغت، أعادها إلى أيام أن كانت عروسا، محناة اليدين والقدمين، ومجهزة للقاء ليلة العمر، لم تطرده، جعلته ينساب بها ناعما سلسا حتى سرير السعادة الذي ما عاد ممتلئا سعادة. شاهدها قسم السيد، في تلك الفوضى الأخاذة، بعد أن عاد من مهمته التي أكمل جزءها الأول، ولم يستغرب، وما ترك له التعب ذهنا صافيا، يمتص الغرائب، ويستغرب لها، وشاهدته، وكان من المفترض أن تسأله عن غيابه، وأين فسق بليلته؟ ومع من كان؟ ولم تسأله، وبدت اللحظة في مجملها، واحدة من لحظات البيت النادرة، التي لا تتكرر كثيرا.

432

| 12 مايو 2014

العازف الكونغولي

حب التغيير وحده، في مدينة شبه خامدة، ما جعل عازف الجيتار الكونغولي، الملقب بالإبرة، نجمًا في ذلك اليوم، وفي بلد لا تعرف الشيء الكثير عن النجوم. ما جعل تذاكر حفله تنفد ببساطة شديدة، وتنشأ عراكات وصراعات قبلية، ومشاكل بلا حصر وسوق سوداء، وكل ما يتبع حفلات النجوم من صخب وفوضى. منذ الصباح الباكر، بصحبة فتاته التي يتوكأ عليها، ومنظمي حفله الفرنكفونيين، كان روادي مونتي متوفرًا في أكثر الطرق حيوية، الطريق الذي يسلكه المزارعون وصيادو غابات الجوار، وعمال المنشآت الحيوية، وباعة السلع الاستهلاكية الجائلون، وأيضًا المتسولون، واليتامى الباحثون عن نظرات عطف، قلما يجدونها. منذ الصباح الباكر، تحسس الكونغولي عددًا من ملصقات الدعاية التي تحمل وجهه مشوهًا، وملابسه رخيصة قذرة، سأل صاحبته: - هل أطالوا الأذنين، وقصوا الشعر، وغيروا ملابسي، الزرقاء الجميلة، وجعلوني مبصرًا بعينين كبيرتين يا دارينا؟ قالت: نعم. فابتسم واحدة من أعرض ابتساماته، والتي لا يبتسمها عادة إلا حين يكون الفرح قد هيج غدته الدرقية، وأفرزت هرمونًا نقيًا. وكان روادي من المراجعين الدائمين لأطباء الغدد الصماء في بلاده، بسبب تطرفه في الفرح والحزن. ردد باللغة السواحلية، وهو يعترض طريق قافلة من الحمير، تحمل عددًا من معلمي المدرسة الابتدائية المحليين، ذاهبين إلى عملهم:- الآن أعرف أن لي جمهورًا.كانت فلسفته التي قضى سنينًا حتى استطاع تأطيرها، واعتناقها بشغف، إن ما يتم تشويهه أو انتقاده، هو ذلك الذي يلفت النظر، ولو لم تلفت تلك الملصقات الدعائية أنظار الناس، لظل على حاله راكدًا في الشوارع، وبالتالي راكدًا في حفله. كان شبه متأكد، من أن وسط التشويه الذي حدث، هناك من استعد ليأتي ويطرب بعزفه المتفرد... نساء جميلات، شباب بشعور ممشطة ومدلكة جيدًا، أثرياء يحبون الإنفاق، سلاطين يملكون سلطات القبائل، ويحتاجون إلى مصاحبة نجم.أضاف، وهو يتفادى بمهارة، لسان حمار أراد أن يلعق أناقته:- آسف لاعتراضي طريقكم يا سادة.. هل تحبون الموسيقى؟- ومن الذي لا يحبها؟علق أحد المعلمين، هو نفسه الذي يركب على الحمار، صاحب اللسان اللاعق، وكان من سوء حظ روادي، أنه لن يحضر ذلك الحفل، لا هو ولا جميع ركاب القافلة، ذلك أن مرتبات معلمي المدرسة الابتدائية من الوطنيين، كانت في أفضل حالاتها، بالكاد تكفي ليعيش أحد، وأن الحفلات الموسيقية، وعروض الترفيه التي تغامر بالمجيء أحيانًا، تعد ترفًا لا يقدر على نفقاته سوى القليلين، تحدث المعلم أكثر مما ينبغي، وأكثر بكثير مما هو مطلوب، لتثبيط همة فنان زائر، وضح تلك النقطة الهامة في مشوار حياته، ونقاطًا أخرى عديدة، عممها على المدينة بشكل تام، وانتهت المحادثة المؤلمة ورأس روادي يدور بشدة، نظراته الهائمة تتحاوم حول وجوه المنظمين الذين لم يدفعوا له شيئًا حتى الآن.

509

| 05 مايو 2014

ليندا والكاتب- من رواية طقس

الرسالة التي شدتني أكثر، كانت من ليندا، ابنة عبد القوي الظل، أو ظل الظل كما كنت أسميها في سري. ليندا هذه فتاة غريبة، لم أرها في حياتي قط، بالرغم من وجودي في بيت والدها عشرات المرات، ولسنوات طويلة، وحتى قبل أن تولد، لم أرها في محاضرة، ولا فعالية ثقافية، ولا مسرحية من مسرحيات والدها، ولا في السوق أو أي زقاق معتم أو منير من أزقة الدنيا، وقد كان الظل يتحدث عنها بافتتان، في أحيان كثيرة، حين يأتي ذكرها، أو يقحم هو ذكرها عرضا في الحديث، وهو من أعطاها رقم هاتفي المحمول، لتعقد معي تلك الصداقة الهاتفية القوية. تحدثني عن أعمال قرأتها لكتاب مختلفين، وكونت رأيا فيها، عن أعمالي كلها، التي قرأتها باستمتاع كما تقول، وعن مشاريع لها، من ضمنها رواية سمتها: عجلتان وبقايا جسد، تعكف على كتابتها منذ عامين، وستنشرها ذات يوم. لم تخبرني عن مضمون تلك الرواية، ولا أنا سألتها أبدا، ودعوتها مرات عدة لمحاضرات ألقيها، أو احتفالات أشارك فيها، ولم تلب أي دعوة، أو تورد سببا مقنعا لعدم الظهور.كان صوتها في الهاتف مميزا جدا، صوت فتاة حالمة، أو تتحدث من بقايا حلم تعض عليه ولا تود إفلاته. ثمة جمل طرية ناعمة، كلمات نصفها بوضوح، ونصفها غامق بعض الشيء، ثمة لهاث خفيف، ونصف ضحكة يرن بين الحين والآخر.حقيقة لقد تلاعبت ليندا الظل بخيالي مرات عديدة، وسعيت لرسمها في الواقع، متبعا معطياتها، وخرجت بلوحة ذهنية فيها فتاة في العشرين أو تجاور العشرين، نحيفة، مستيقظة العينين، ناعمة الجلد، وذات شعر أسود غزير مزروع بالأشرطة الملونة، ورأسها يتمايل بتناغم عند المشي. تملكني فضول غريب للتحقق من لوحتي، وقلت للظل مرة ونحن نجلس في بيته مساء، وجعلت قولي كأنه يخرج ساذجا بلا تخطيط:- ليندا مثقفة كبيرة أستاذي، تقرأ كل ما أكتبه باستمرار، وتحكي لي رأيها بصراحة حتى في أعمال كتاب آخرين، لماذا لا تشارك في أنشطتنا الثقافية، أو على الأقل تأتي مرة، تجلس معنا، وتشاركنا الحديث؟رد مباشرة وأرى وجهه يتغير بتغير طفيف، كأنه استاء، أو أحس ببوادر مغص:-هذا جميل أيها الكاتب، ليندا بالفعل مثقفة واعية، ومشكلتها الكبرى أنها لا تستطيع مواجهة الآخرين. ثم غرس عينيه الضيقتين في وجهي، أضاف:- يكفي أنها تتحدث هاتفيا معك، أليس كذلك؟، أنت تعرف رأيها في أعمالك، وأعمال غيرك، ولا أظنك تنوي الزواج منها، أليس كذلك؟.فكرت أنني ربما أحدثت مشكلة ما بسؤالي عن ليندا، وأصبت بالحرج، وحولت اتجاه الحديث إلى وجهة أخرى، كنت أعرف أن الظل يستسيغها، ومؤكد ستمحو المشكلة أو الحرج، ذلك حين بدأت أتحدث عن مسرحيته: يوم في حديقة لانتيمارو، وكانت فنتازيا مسرحية رائعة عن يوم متخيل برفقة ديناصور، في حديقة اسمها لانتيمارو، خارج حدود الكرة الأرضية.قلت إن رسالة ليندا الهاتفية، شدتني كثيرا، وكانت طويلة ومكتوبة بجمل منتقاة، تتحدث عن أمنيات الجوع التي أنهت قراءتها للتو، حديثا مفرحا، وتسألني في النهاية، هل كان من الضروري أن تلهو بنيشان حمزة كل هذا اللهو المعذب؟. كان بإمكانك أن ترسل إليه رصاصة غادرة من مجهول تصيبه في عنقه، أو تدهسه بعربة مسرعة، وهو يعبر شارعا مرصوفا بالموت.

1210

| 27 أبريل 2014

عن جارسيا ماركيز

نهاية الأسبوع الماضي، رحل الكاتب الكولومبي العظيم: جابرييل جارسيا ماركيز، بعد سنوات مديدة حافلة بعطاء كبير ومتميز، وخلاق، وضعه في مقدمة الذين كتبوا أدبا، في تاريخ الكتابة. وكان مستمرا في عطائه لولا أمراض الشيخوخة الحتمية التي أعاقت فكره بعد ذلك.المتابع لما قدمه ماركيز منذ أن بدأ الكتابة، يجده وحتى في رواياته الأولى مثل: في ساعة نحس، وليس لدى الكولونيل من يكاتبه، يجده قد انتهج نهجا مغايرا وشديد الخصوصية، في التابة الأدبية، ولذلك لم يكن أبدا تكرارا لمن سبقه، وإنما منارة ستضيء عاليا حتى يهتدي بها من يتبعه. لقد استطاع جارسيا ماركيز أن يقدم أمريكا اللاتينية بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات، وخيبات وانتصارات، ومجتمع مرفه وفقير، في أعمال إبداعية ستظل باقية في الأذهان بلا شك، وأحسبه الكاتب الأكثر تأثيرا على الإطلاق، فلا أحد لا يعرف ماركيز، ولا أحد لم يقرأ له شيئا، حتى لو كان قصة واحدة، وتبدو لي تجربته الكتابية من تلك التجارب شبه المتفقة عليها من القراء كلهم، باختلاف الأمزجة، كما يتضح ذلك من منتديات القراءة التي تناولت أعماله في الإنترنت، فالمتابع لتلك المنتديات، قليلا ما يجد قارئا لم يعجبه عمل لماركيز.كانت أبرز سمات كتابة ماركيز كما هو معروف، استخدام الخيال في أقصى طاقة له، في الكتابة الإبداعية، ومزجه بالواقع، لينتج أدبا خاصا، مبهرا حقيقة، هنا لاشيء غير ممكن، فكل شيء ممكن، حتى العثور على ملاك يرتعش من البرد في حديقة منزل قروي، أو تتويج قصة حب استمرت ستين عاما، لعجوزين، بالزواج كما حدث في رواية: الحب في زمن الكوليرا، وهكذا في جميع الأعمال، لا تخلو رواية أو قصة لماركيز من هذا الإبهار الرائع.ملحمة مائة عام من العزلة، التي حصل بها ماركيز على جائزة نوبل، في الحقيقة أعظم أعماله، ومن أعظم الأعمال التي كتبت، منذ عرف الناس كيف يكتبون. هنا نجد عالما كاملا بكل ما فيه قد تم اختراعه، ومكان افتراضي هو بلدة ماكندو تم اختراعها كمكان معزول، ورغم ذلك مرتبط بالعالم، حيث تأتي الفرق الموسيقية، يأتي الغجر السحرة، تأتي شخصيات من روايات أخرى لماركيز، لتعبر بالمكان، وتذكرك في الوقت نفسه بنفسها، مثل شخصية الجدة التي تقود حفيدتها إيرنديرا، في سكة الضلال، من بلد إلى بلد، وفي الوقت نفسه نجد عائلة بونديا، بجميع أجيالها، تتناسل في ماكندو، وتحيا كما تحيا كل الكائنات.جابرييل ماركيز كاتب حقيقي، صاحب مشروع وغد ومتمرد، وشديد الاختلاف، جر به القراء بمختلف اللغات وغرسهم فيه. الدكتاتور الواسع الحيلة كما أسميه، وتاجر البهارات الكتابية الناعم، الذي يمنحك شيئا من تجارته، وتأتي لتقيم في متجره بلا نية في المغادرة.شخصيا قرأت كل ما كتبه ماركيز، وتأثرت به في بداياتي الكتابية، حتى أنجزت مشروعي، لكن أعظم شيء تعلمته منه، هو أن الخيال، هو ما يمنح الكتابة عظمتها وينأى بها عن الرداءة.

725

| 21 أبريل 2014

ساعي بريد

من الروايات الجميلة التي قرأتها في الفترة الماضية، رواية ساعي بريد نيرودا، للكاتب التشيلي: أنطونيو سكارميتا، وبترجمة من الصديق صالح علماني، الذي كما هو معروف، قد قدم لنا أجمل آداب أمريكا اللاتينية، وكلنا قرأنا ترجماته الرائعة لجابرييل ماركيز، وإيزابيل أليندي، وعدد كبير من كتاب تلك القارة الساحرة.رواية ساعي بريد نيرودا، في الحقيقة رواية قصيرة. وتمتلك نفس مواصفات روايات أمريكا اللاتينية، أي نفس السحرية القائمة على توظيف الخيال، ودمجه بالواقع، بحيث يصعب التفريق بينهما، وبالتالي كل ما هو خيالي، هو واقع والعكس، ولأنني من كتاب الخيال في جميع أعمالي، فأنا أحتفي بهذا النوع من الكتابة، وهناك قراء لا يحبون هذه الطريقة، ويودون أن يكتب لهم الواقع كما هو، ولا دخل لجودة الأعمال من عدم جودتها فيها.إذن الشاب ماريو الذي يعيش في قرية الصيادين، والتي هي أيضا مقر للشاعر بابلو نيرودا، يعثر على وظيفة ساعي بريد للشاعر نيرودا، الشخص الوحيد في القرية الذي تصله رسائل من الخارج، بشكل يومي وكثيف. رسائل من ناشرين لكتبه، من صحف ومجلات، من معجبين، من لجنة جائزة نوبل التي تدرس إمكانية منحه الجائزة.. هكذا، وبالتالي يعمل ماريو بصورة يومية، راكبا دراجته من مكتب البريد إلى بيت الشاعر على البحر.الجميل في الأمر إن الكاتب لا يصور لك نيرودا، وهو أكبر شاعر في تشيلي في تلك الأيام. تصويرا مبالغا فيه كما لو صورنا مبدعا بحجمه في الوطن العربي. لقد صوره كإنسان فقط، يتعامل مع ساعي البريد البسيط، ويحاوره، ويستجيب لرغباته في التوسط له من أجل خطبة فتاة جميلة أحبها، ببساطة شديدة. الشاعر الشعبي الذي يعيش وسط الشعب، في قرية شبه أمية، يقطنها الصيادون، يعيش بلا بريق، الناس تعرف أهميته جيدا، ومع ذلك لا أحد يزعجه، أو يلتصق به، مقيدا حركته الإبداعية، حتى ساعي البريد وبرغم أنه أصبح صديقا للشاعر بعد ذلك، إلا أنه واجه حرجا كبيرا في البداية، من أجل أن يطلب منه مجرد التوقيع على كتاب له.يتضح جمال العلاقة الإنسانية بين الشاعر وساعي البريد، في مواقف عدة، حين يتبادلان الاستعارات، بعد أن تعلمها ماريو، حين يتحدث الشاعر نيابة عنه لوالدة الفتاة التي يحبها، متوقعا أن تحرجه، وحين يسافر الشاعر سفيرا لدولته في باريس، بعد فوز الاشتراكيين في الانتخابات، وتقلد سلفادور أليندي، مهمة رئاستها. لقد كانت باريس غربة للشاعر، وهو يحن إلى البحر وبيته، ويرسل لماريو جهاز تسجيل يابانيا، يطلب منه أن يسجل له كل الأصوات التي كان يسمعها في القرية، ويرسلها له هناك، من أجل تخفيف الغربة عليه.الرواية بسيطة، وسهلة، وكما قلت، قد حفلت بالخيال كدأب أدب أمريكا اللاتينية، فقط هناك إحساس لدي بأنها لم تكمل، وكان يمكن أن تمتد أكثر، جالبة متعة أكثر. كما أن هناك أحداثا تم اختصارها، مثل أن يجد القارئ طفلا شقيا لماريو، ولم تكن ثمة مقدمات كافية توحي بوجوده.

804

| 14 أبريل 2014

عشق القراءة

منذ فترة قرأت عن طفلة بريطانية اسمها "ماتيلدا"، في التاسعة من عمرها، غرقت في القراءة بعيدا عن الألعاب الإلكترونية الحديثة، وقرأت في حوالي السبعة أشهر، أكثر من ثلاثمئة وستين كتابا، وهو رقم لا يستطيع تحقيقه حتى أكثر القراء تعلقا بالكتب، في أي مكان، وقد رافق ذلك الخبر، صورة الطفلة الجميلة، غارقة وسط كتبها، وبين يديها كتاب تقرأه.بالطبع، هذا خبر جيد للكتاب والكتب، وهو أن القراءة على الأقل في أوروبا، وأمريكا ما زالت مقدرة لدى البعض، وهناك من يعشقها ويتعلق بها منذ الصغر، وقطعا يستمر هذا التعلق مع الشخص حتى يكبر، ولا ينتهي أبدا. ومسألة ماتيدا كانت ستكون شيئا عاديا لو حدث ذلك في زمن آخر غير هذا الزمن الذي نعيشه، ولا شيء يبهرنا فيه، من كثرة الأحلام التي حولت بفضل التكنولوجيا إلى حقائق راسخة، وبالتالي لم تعد القراءة ترفيها حقيقيا، وكسرا للرتابة اليومية، ولم تعد منبع المتعة المفضل، خاصة لدى الأطفال، تماما مثلما لم تعد هناك جدات يحكين حكايات قبل النوم، وحتى لو وجدن، فلا حكاية تستطيع أن تبهر طفلا، وترقده في فراش الأحلام، ودائما ما أتذكر زماننا، وأذكر قصتي مع القراءة، التي كانت في زمن الصغر قانونا صارما من قوانين البيت، سنّه والدي وسرنا عليه جميعا. الكتاب يأتي أسبوعيا، ومجلة الأطفال تأتي في موعد صدورها، وغالبا ما يكون أسبوعيا أيضا، وبالتالي ربط متقن وعنيف بالمعرفة، وغرس عادة رائعة ستنمو وتزدهر، حقيقة ما زال إخوتي جميعا يقرأون إلى الآن بالرغم من أنهم كبروا وانشغلوا في حياتهم.إذن ماتيلدا البريطانية، هي نموذج حديث لنماذجنا السابقة، في فترة ازدهار القراءة، أو فترة تربعها على عرش مصادر المعرفة، والحقيقة لم تكن هناك مصادر غيرها، والذي يريد أن يتعلم أو يثقف نفسه، يبحث عن الكتب، والباحث في معضلة ما، ستكون مراجعه هي الكتب، وسيقضي وقتا طويلا في المكتبات العامة، وربما يسأل أصدقاءه عن كتاب يحتاجه في بحثه ولا يعثر عليه، ليتغير كل شيء، وتصبح المعرفة متاحة بعيدا عن الكتب، في هذا الفضاء المريع والمدهش، لكن تأتي أحيانا استثناءات، وها هو استثناء ماتيلدا، يأتينا في هذا الزمان.لقد طلب مني مرة، وفي إطار تحفيز الصغار على القراءة، أن أكتب رسالة طويلة لطفل متخيل، أحببه فيها إلى القراءة، وأبين له ميزاتها المتعددة، وكيف أنها سترتقي به وبمستقبله بكل تأكيد، وبالرغم من أنني كتبت تلك الرسالة لذلك الطفل، وحدثته عن عن المكتبة التي كانت على ظهر دراجة نارية، من ماركة فيسبا، وتحط في بيتنا كل أسبوع، وتلك السفينة الأمريكية المكتبة، التي كانت تحط في الميناء كل عدة سنوات، ويهاجم الناس منتجاتها من الكتب، كما يهاجمون سوق السمك والخضراوات، إلا أنني ما زلت مقتنعا، أن المسألة عشق في النهاية.. الذي يعشق القراءة سيسعى لعناق عشقه بكل تأكيد، وأظن أن قانون والدي الذي سنه في البيت، جاء مطابقا لعشق نملكه كلنا، واستجبنا من منطلق العشق، لا من منطلق السلطة الأبوية.. وتأتي ماتيلدا لتوضح حالة العشق تلك، وتغرق في المعرفة من المنابع القديمة، وهي في التاسعة من عمرها.

1072

| 31 مارس 2014

نجمة

نسبة لانشغالي هذا الأسبوع، أورد هذا المقطع من عمل روائي جديد، ما زال قيد الكتابة: في الصباح التالي وأنا منغمس في توابل الكتابة الشرقية التي عدت بها، ومحاولات جرها إلى الورق لكتابة نص مغاير كما أعتقد، رن هاتفي المحمول. كانت مكالمة من نجمة، الفتاة المتعجرفة جدا، التي أعرفها منذ عامين، وأتذمر من عجرفتها في أحيان كثيرة. كانت تتعالى حتى على تنفسها، فلا تستخدمه إلا بمقدار. تتعالى على الوطن وسكانه، ومقتنعة تماما، إن النجوم البعيدة في السماء، هي التي سميت على اسمها، وليس العكس. كانت ثيابها تقليدية، لا تتبع تفصيلات الحداثة، لأنها لا تحب الانبهار بموضات هذا العصر، ولا أي عصر آخر، عطورها خليط من أنواع مختلفة من العطور المحلية والأجنبية، حتى لا تحس بأسر عطر واحد كما تقول. ونظرتها للرجال، يمكن تلخيصها في جملة واحدة فقط: نظرة ليست على ما يرام. كانت بداية تعرفي إليها حين أسمعتني ذات يوم في أحد المقاهي المنعزلة، قصة لها اسمها: عتود الجيران، فكرتها خيالية مدهشة عن عتود يملكه أحد جيران الراوية، كان يتنبأ بأحوال الطقس وتقلب الأسعار، والمرض والموت، ويركض في البيت مزمجرا بشدة، فيفهم صاحبه أن ثمة انقلابا عسكريا، أو زلزالا مدمرا، أو كارثة أخرى مشابهة، ستحدث في ذلك اليوم. قصة فيها خيال خصب، لكنها للأسف كتبت بلا أدوات. أخبرت الفتاة برأيي صراحة، وطلبت منها أن تعيد كتابتها بعد أن تقرأ لآخرين، وتكتسب ولو قليلا من الأدوات، فلم يعجبها ذلك، خاصمتني، وانقطعت عن التواصل معي عدة أشهر، لكنها عادت مرة أخرى، حين علقت في ورطة وأرادتني أن أشارك فيها، ليس في حلها لأنها ستحلها بنفسها، وفي الوقت المناسب كما قالت، ولكن لأحولها إلى رواية.تلك الأيام كانت قد انتقلت مع عائلتها إلى أحد الأحياء القديمة التي يسكنها متوسطو الدخل عادة، بعد أن تقاعد والدها عن العمل الحكومي في مصلحة الضرائب، وتقلصت موارده كثيرا، وهناك شاهدها كاتب عرضحالات شاب، يعمل أمام المحكمة الشرعية، ويقيم في ذات الحي، وتعلق بها بجنون. في البداية كان تعلقه، مجرد نظرات لاهثة، متسارعة، يسكبها على وجهها وجسدها المنسق، كلما عثر عليها في الطريق مصادفة، ثم تحول إلى تعلق عبارات غير منمقة جيدا، تخرج من حلقه متقطعة، حين يجدها تنتظر باصا أو عربة أجرة، في محطة المواصلات العامة للحي، وأخيرا رسائل كثيفة، وغزيرة الجمل، تجدها في كل خطوة تخطوها في طرق الحي المغبرة، أو مكان عملها، حيث تعمل في شركة للدعاية والإعلان، أو ملقاة من أعلى سور بيتها، أو يأتي بها أحد إخوتها الصغار حين يعود من اللعب في الشارع.

313

| 24 مارس 2014

حقوق المؤلف في الكتابة

أخبرني روائي كبير، وكان قد توقف عن الكتابة منذ فترة طويلة: إن من أهم أسباب توقفه عن الكتابة في وقت مبكر، وربما يكون أكثر الأوقات المحملة بعطاء محتمل، الشعور بعدم جدوى الكتابة، في غياب ما يسمى بحقوق المؤلف، خاصة في وطننا العربي. فالمؤلف كما هو معروف، هو البداية لكل عمل إبداعي سواء أكان ذلك العمل نثرا أو شعرا أو مسرحا أو حتى لحنا موسيقيا بسيطا، أو شريطا سينمائيا لا تتعدى مدته نصف الساعة، من هنا تنطلق شرارة البداية، وهنا أيضا تكون النهاية، لأن المؤلف بالضرورة هو الذي يضعها. 

ما قاله ذلك الروائي، وكثيرون من جيله وكل الأجيال اللاحقة إلى يومنا الحاضر يطرح تساؤلا مهما جدا: لماذا إذن يجلس الناس في تلك العزلة، ليضيعوا وقتهم في الكتابة؟ ما دامت بلا جدوى وبلا أي عائد مادي يعوض ذلك الوقت الطويل في إنجازها؟. 

في الماضي، وفي أيام شح الموارد، وعدم وجود وسيلة أخرى للانتشار سوى دور النشر القليلة العدد في ذلك الوقت، سأقول إن الأمر ما هو ابتلاء إلا ابتلي به المبدع، ولا يستطيع التخلص منه، وحتى لو عمل بلا حقوق لأن العائد المادي لدى الناشر كذلك لم يكن عائدا كبيرا جدا حتى يقتسمه مع أحد، أو يشرك فيه أحد، وكونه أسهم في نشر عذاب المؤلف، وشد إليه بعض البريق، هذا يكفي.

الآن ستختلف الحكاية، أو بالأحرى ستتطور الحكاية، ستنشأ آلاف دور النشر التي تعمل بانتظام ليل نهار، ولم نسمع عن دار نشر أفلست أو توقفت إلا نادرا، سيأتي الإنترنت بخيره وشره، ويأتي النشر الإلكتروني، وتقام معارض الكتب الممتلئة بالزوار حتى الاختناق، ستنشأ الجوائز الأدبية في شتى فروع المعرفة وتقام المؤتمرات الخاصة بالإبداع في كل مكان طوال العام، ونرى ناشري الكتب متأنقين ومبتسمين، يقيمون مؤتمرا تلو آخر، ونرى عارضي الكتب يقولون إنهم استطاعوا تربية زبائنهم، ولم تعد لديهم خسارات في تجارتهم. إذن تحول الأمر إلى تجارة كبرى لها أصولها وقواعدها، تماما مثل تجارة أي سلعة أخرى.. فقط ثمة خاسر وحيد، وهو الذي أشعل ويشعل شرارة البداية لذلك السوق.

 والذي تغير، ربما لدى ذلك الخاسر الوحيد، هو التعامل الشكلي، أي صياغة عقود له تبين حصته وسط ذلك الضجيج، لكن حتى الآن لا يعرف عن سلعته سوى أنها سلعة تتسرب ويعاد تصنيعها، ولا شيء آخر.

في مؤتمرات ناشري الكتب الأخيرة، سمعت حديثا عن حقوق المؤلف، وعن صيغ جديدة للتعامل مع ذلك الخاسر، لكن في المقابل لم أر نتائج، والأغرب من ذلك أننا استوردنا من الغرب كل ما يختص بثقافته، لكننا لم نجلب حقوق المؤلف، ولعل تلك الفقرة الثقافية سقطت من أمتعتنا ونحن نجلب ثقافة الغرب.

568

| 17 مارس 2014

عن الأسماء في الروايات

لفت نظري أن عددا من القراء، جذبتهم تلك الأسماء الغريبة التي استخدمها أحيانا في نصوصه الروائية، وأيضا يستخدم مثلها كثيرا من كتاب القصة والرواية في الوطن العربي، وحتى في بيئات أخرى من العالم الفسيح، بمعنى أن الكاتب لا يكتب في الغالب أسماء معروفة ومتداولة بين الناس، وإنما يلجأ إلى أخرى ربما يسمع بها القارئ لأول مرة، ويتساءل: من أين يأتي الكتاب بهذه الأسماء؟، وهل لها دلالة معينة في النص، أم مجرد أسماء بلا معنى ولا دلالة في الكتابة، ووجدت هكذا مصادفة؟ أوضح، إن كل كاتب حين يبدأ في كتابة نص ما، ثم يندمج في مناخات النص وأجوائه، لا بد أن يعرف أن هناك أسماء لشخوص تلامس ذلك المناخ أو تنحدر منه، أيضا لكل بلد عربي أسماء يعرفها كتّاب ذلك البلد، ويستوحون منها أسماء شخوصهم الروائيين. أوضح أكثر.. إن النص الذي يدور في قرية ريفية لا يمكن أن يستوعب أسماء المدن المتداولة، والعكس صحيح إذا كان النص تدور أحداثه في مدينة، وحتى داخل القطر الواحد، تجد لكل قبيلة أسماء متداولة، وأخرى مهجورة، ولكل قرية أو إقليم أسماء تندر في غيره، وهكذا يستوحي الكاتب أسماءه، أو يطلقها على الذين يحس بأنهم يشبهونها وتشبههم.فاسم مثل (آدم نظر)، الشخصية الرئيسة لرواية جرت أحداثها في دارفور القديمة، منطبق تماما على الشخصية، ولا يمكن أبدا أن يكون اسمها غير آدم نظر، أو اسم آخر يشبه البيئة، ولن يكون بالطبع (كمال)، أو (عادل)، إلى آخر تلك الأسماء المدنية، أو الدخيلة على الريف الحديث. وأعتقد أن ما ينصب على الكتابة العربية، ينصب على غيرها من كتابات العالم، وأجزم أن (جوزيه أركاديو بونديا) الذي كان شخصية فذة في رواية مئة عام من العزولة للروائي الكولمبي العظيم جارسيا ماركيز، يشبه اسمه بلا شك، و(يمام) الدليل السياحي التركي، في رواية الوله التركي للإسباني أنطونيو غالا، لا يمكن أن يكون إلا (يماما ً) من وصفه الذي ورد في الرواية، وحين ألقيت نظرة على شخوص الراحل الكبير الطيب صالح، في قرية (كرمكول) شمال السودان، أيقنت أن الطيب حين كتب تلك الأسماء، كتب ملامح الشخوص داخلها، ولو لم يصفهم لوصفتهم الأسماء. ليس الأمر إذن، ولعا بالأسماء الغريبة، وحشدها لإنهاك قارئ، نحن نبحث عنه بشدة في هذا الزمان، حيث خف تهافت الناس على القراءة، ولكن إيحاءات تشبه كتابتنا، ولابد من تضمينها حتى يأخذ النص دلالته كاملة، وحتى يكون صادقا وأكثر تعبيرا عن المجتمع، وما زلت مقتنعا، إن الكاتب في كل الحالات، مرآة لمجتمعه، وإن الرواية لا تكتب عبثا أو إهدارا للوقت، ولكن بقناعة تامة بأهميتها.

3322

| 02 مارس 2014

المكتبة

كانت مكتبة لندن العامة في ذلك الحين، واحدة من أكبر مكتبات الدنيا كما أعتقد، غنية بالكتب والخرائط، والمخطوطات، وتوشك أن تجلب لك الحضارات كلها من زمن فيثاغورث وأرسطو طاليس، إلى كولمبس وفاسكو ديجاما، وهذيان المغامرين الذي وثقوه في شكل مذكرات، ولابد توجد مخطوطات عن الشرق وإفريقيا، وأعرف أن رحلات كثيرة، صبت في تلك الأماكن، وما غزو تلك البلاد واستعمارها من قبل دولنا الكبرى، إلا نتاج معلومات استقيت من شرور المستكشفين، الذين لا تخلو رواياتهم عن ذكر الثروة والعبيد، ونساء المجهول، اللائي ينتظرن البيض المتحضرين قرونًا، ودائمًا ما كانت أسرتنا الكبيرة في اجتماعاتها الموسمية، مثل أعياد الكريسماس، وحفلات زواج الأقارب، تتحدث بلا كلل عن جد قديم. ذهب إلى إفريقيا صعلوكًا مشردًا، وعاد بعد أربعين عامًا، يحمل لقب سلطان، منحته له قبيلة كبرى هناك، وظل يحكمها، يتحكم في عقول رجالها، وأجساد نسائها، ورضاعة أطفالها، إلى أن شاخ وتذكر بلاده، وركب البحر عائدًا، لكنها عودة ذات رونق، حمل فيها أطنانًا من الذهب والعاج والمجوهرات. شخصيًا لم أكن أتذوق تلك القصة الركيكة، ولا كان ثمة دليل عليها، ولا أستطاع أحد أن يحدد قصرًا منيعًا، أو هكتارات أرض، أو أي ترف آخر، تبقى للعائلة من أثر سلطان ثري. أعتبرها حلم يقظة لعائلة تأثرت بروايات المستكشفين المضللة، وقصص الرحالة المبالغ في زخرفتها، وتود أن تحوله إلى حقيقة في أيام الثرثرة الكبيرة.لم أكن من زوار مكتبة لندن المنتظمين، ولا خطر لي في يوم من الأيام أن أشيد أمام أحد بتنظيمها، وجهود مشرفتها (مس آدمز)، أحد وجوه المجتمع البارزة، التي تتعدى موهبتها حدود رص الكتب وفهرستها، إلى أكثر من ذلك، وحكى كثيرون عن ثقافتها الواسعة، وصوتها الذي يتحدى موسيقى "القِرب" التي يعزفها الجنود الملكيون، وأصوات الطيور المغردة، وأنها كانت تقرأ الشعر وتمثله في أمسيات الاستماع التي تقام أسبوعيًا في المكتبة، ويمكن أن تصبح فجأة ملاكًا بجناحين مكسورين، خرج من قصيدة حب وهجر لشاعر من الرومانسيين القدامى، قرصانًا بلا قلب، في ملحمة عنيفة من ملاحم البرابرة، أو فينوس إغريقية، تمردت على ميثلوجيا الزمان القديم، وأشعلت القاعة بالحماس. كنت حياديا تجاه المكتبة ومشرفتها، وكان أكثر ما أعجبني في مس آدمز، في المرات القليلة التي رأيتها فيها، هي تلك الزهرة البنفسجية التي تضعها على طرف صدرها قريبًا من القلب ولا تغير لونها أبدًا. لم أبادلها أي حديث، ولا كانت تبدو متلهفة لتبادل الحديث مع زائر عادي، وكنت أشق طريقي إلى الكتب التي أريدها وحدي.لم تكن مس آدمز موجودة حين دخلت المكتبة في ذلك الصباح المتفرد وسط صباحاتي العادية، وأخبرتني فتاة سوداء الشعر وفي إحدى عينيها حول أكل شيئًا من ملاحتها، أن المشرفة في إجازة، فقد وضعت طفلها البكر منذ يومين، سمته توماس، وتستمتع بصراخه وقذارته ولن تعود قبل شهرين على الأرجح. ضحكت الفتاة، وكانت في ضحكتها رنة أسى. لقد علمنا مستر ويلارد أيضًا في عدد من محاضراته، أن الضحكات ليست كلها ضحكات فرح، ويمكن بسهولة أن نقرأ الأسى في أشد الضحكات جلجلة. تجاوزتها ومضيت إلى رفوف الكتب التي كانت مرتبة بفن حقيقة، وقد قسمت إلى أقسام عدة، يحمل كل منها تخصصًا.. كتب الرياضيات، كتب التاريخ، الفلسفة، الفن.. الأدب.. حضارات الشعوب.. أدب الرحلات.. كان هذا القسم الأخير، هو محطتي التي جئت من أجلها، ومن ثم بركت أمامه.

355

| 26 فبراير 2014

عن قرصنة الكتب

منذ مدة قصيرة، لاحظت أن أي كتاب جديد يصدر من أي دار نشر، يتم تصويره، وينشر ككتاب رقمي أو إلكتروني، يتاح مجانا للقراء، في مواقع مفتوحة، ومعروفة، وتعلن عن ذلك بكل وضوح، من دون خوف من المحاسبة، وبالتالي يتم نقل رابط هذا الكتاب إلى مواقع التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر، وبعدها إلى منتديات النقاش، وهكذا تكون الحصيلة، كتابا يقرأ بلا تكلفة للذين اعتادوا القراءة الإلكترونية.. وفي نفس الوقت، خسائر مادية بلا شك لدور النشر التي تولت تصميم الكتاب وطباعته، وتوزيعه في أي مكان. الأمر لا يبدو غريبا طبعا في هذا الزمن الذي أصبح فيه الارتباط بالأجهزة الرقمية، أكثر من الارتباط بأي شيء آخر في الوجود، مثل البيت والأسرة، والأصدقاء الواقعيين، فالقارئ الذي كان يسعى في الماضي لاكتساب المعرفة من طرقه المكتبات العامة، وشراء احتياجاته من الكتب، ما عاد متوفرا، وحتى لو توفر، ما عادت ثمة إمكانيات مادية تتيح له ترف اقتناء كتاب، إلا إن كان ضروريا جدا، ولأن الإنترنت انتشرت بشدة، فقد صنعت قراءها الذين ربما لا يكونون قد قرأوا ورقيا من قبل، إلا كتب المواد العلمية في المدارس، وهذه أيضا، ابتدأ دورها يتقلص بالتدريج. ولأن دور النشر تعي ذلك، وتعرف أن هناك قراء تقليديين ما زالوا يقاومون، وقراء جددا يحتلون مساحات القراءة، فقد درجت على نشر نسخ إلكترونية من الكتب وبيعها إلكترونيا، وهكذا استثمار في الناحيتين كما هو واضح. ما يحدث أن الاتجاه للقراءة المجانية، هو الذي يغلب، وبالتالي تتم سرقة هذه الكتب وتعميمها كما ذكرت، ولا أعرف كيف تنتهي هذه المسألة، وحقيقة لا أعتقد أنها ستنتهي. بالنسبة للكاتب، في الوطن العربي ليس هناك ضرر كبير، لأنه في الأصل لا يتلقى حقوقا كبيرة عن كتابه، مهما انتشر، ومهما باع عددا من النسخ، هنا لا توجد ثقافة الدفع المقدم للكاتب، أو الدفع الذي يحث على الكتابة، مثل أن تشتري دار نشر، كتابا لم يكتب بعد، من كاتب له سمعته وتاريخه وأسلوبه، وإن انتشر الكتاب إلكترونيا، فهذا يزيد من عدد القراء بلا شك، ويوسع من دائرة مناقشة الكتاب بين الأجيال الجديدة، حين يتم إنزاله مجانا، وتتم قراءته بلا تكلفة من أي نوع. لقد جربت أن أضع بنفسي كتابا مجانيا، وذلك حين أتيحت رواية لي انتهى عقدها مع الناشر الورقي، وعادت ملكيتها إلي، فقد وضعتها في موقع معروف بنشره للكتب بلا حقوق للمؤلف، وإتاحتها للقراء مجانا، وكانت النتيجة أن قراءة الرواية تضاعفت عشرات المرات، والتعليقات عليها زادت أيضا، وتساءل البعض عن ظهورها المفاجئ بعد سنوات من صدورها ورقيا، ولم تكن معروفة من ضمن أعمالي من قبل. إذن لا نؤيد قرصنة الكتب بلا وجه حق، ونشرها كأنها عمل مشروع، وفي نفس الوقت نتمنى لو عدلت أسعار الكتب، أو صدرت منها طبعات شعبية رخيصة بحيث لا يلجأ الناس لسرقتها، وإتاحتها بلا تكلفة.

15270

| 17 فبراير 2014

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

6711

| 08 فبراير 2026

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

2163

| 04 فبراير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

990

| 04 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

948

| 10 فبراير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

750

| 04 فبراير 2026

alsharq
تعاون إقليمي من أجل ضمان الاستقرار

انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...

645

| 04 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

618

| 05 فبراير 2026

alsharq
حين تغيرت الحياة.. وصارت المرأة ترى نفسها أولًا

أحيانًا لا نحتاج إلى دراسات أو أرقام لندرك...

609

| 03 فبراير 2026

alsharq
هل نعرف هذا المصطلح؟

ليست كل إشكالية في قطاع التدريب ناتجة عن...

486

| 03 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

459

| 08 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

459

| 09 فبراير 2026

alsharq
قطاع الغاز.. هل يسقط في فخ «سيناريو النفط والفحم»؟

يُردّد المحللون الاقتصاديون مقولة إن «الأرقام لا تكذب»،...

456

| 03 فبراير 2026

أخبار محلية