رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمير تاج السر

أمير تاج السر

مساحة إعلانية

مقالات

810

أمير تاج السر

ساعي بريد

14 أبريل 2014 , 12:50ص

من الروايات الجميلة التي قرأتها في الفترة الماضية، رواية ساعي بريد نيرودا، للكاتب التشيلي: أنطونيو سكارميتا، وبترجمة من الصديق صالح علماني، الذي كما هو معروف، قد قدم لنا أجمل آداب أمريكا اللاتينية، وكلنا قرأنا ترجماته الرائعة لجابرييل ماركيز، وإيزابيل أليندي، وعدد كبير من كتاب تلك القارة الساحرة.

رواية ساعي بريد نيرودا، في الحقيقة رواية قصيرة. وتمتلك نفس مواصفات روايات أمريكا اللاتينية، أي نفس السحرية القائمة على توظيف الخيال، ودمجه بالواقع، بحيث يصعب التفريق بينهما، وبالتالي كل ما هو خيالي، هو واقع والعكس، ولأنني من كتاب الخيال في جميع أعمالي، فأنا أحتفي بهذا النوع من الكتابة، وهناك قراء لا يحبون هذه الطريقة، ويودون أن يكتب لهم الواقع كما هو، ولا دخل لجودة الأعمال من عدم جودتها فيها.

إذن الشاب ماريو الذي يعيش في قرية الصيادين، والتي هي أيضا مقر للشاعر بابلو نيرودا، يعثر على وظيفة ساعي بريد للشاعر نيرودا، الشخص الوحيد في القرية الذي تصله رسائل من الخارج، بشكل يومي وكثيف. رسائل من ناشرين لكتبه، من صحف ومجلات، من معجبين، من لجنة جائزة نوبل التي تدرس إمكانية منحه الجائزة.. هكذا، وبالتالي يعمل ماريو بصورة يومية، راكبا دراجته من مكتب البريد إلى بيت الشاعر على البحر.

الجميل في الأمر إن الكاتب لا يصور لك نيرودا، وهو أكبر شاعر في تشيلي في تلك الأيام. تصويرا مبالغا فيه كما لو صورنا مبدعا بحجمه في الوطن العربي. لقد صوره كإنسان فقط، يتعامل مع ساعي البريد البسيط، ويحاوره، ويستجيب لرغباته في التوسط له من أجل خطبة فتاة جميلة أحبها، ببساطة شديدة. الشاعر الشعبي الذي يعيش وسط الشعب، في قرية شبه أمية، يقطنها الصيادون، يعيش بلا بريق، الناس تعرف أهميته جيدا، ومع ذلك لا أحد يزعجه، أو يلتصق به، مقيدا حركته الإبداعية، حتى ساعي البريد وبرغم أنه أصبح صديقا للشاعر بعد ذلك، إلا أنه واجه حرجا كبيرا في البداية، من أجل أن يطلب منه مجرد التوقيع على كتاب له.

يتضح جمال العلاقة الإنسانية بين الشاعر وساعي البريد، في مواقف عدة، حين يتبادلان الاستعارات، بعد أن تعلمها ماريو، حين يتحدث الشاعر نيابة عنه لوالدة الفتاة التي يحبها، متوقعا أن تحرجه، وحين يسافر الشاعر سفيرا لدولته في باريس، بعد فوز الاشتراكيين في الانتخابات، وتقلد سلفادور أليندي، مهمة رئاستها. لقد كانت باريس غربة للشاعر، وهو يحن إلى البحر وبيته، ويرسل لماريو جهاز تسجيل يابانيا، يطلب منه أن يسجل له كل الأصوات التي كان يسمعها في القرية، ويرسلها له هناك، من أجل تخفيف الغربة عليه.

الرواية بسيطة، وسهلة، وكما قلت، قد حفلت بالخيال كدأب أدب أمريكا اللاتينية، فقط هناك إحساس لدي بأنها لم تكمل، وكان يمكن أن تمتد أكثر، جالبة متعة أكثر. كما أن هناك أحداثا تم اختصارها، مثل أن يجد القارئ طفلا شقيا لماريو، ولم تكن ثمة مقدمات كافية توحي بوجوده.

مساحة إعلانية