رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

شخصية إيبولا

تتبع (إيبولا) القاتل، (لويس نوا) ظهر ذلك اليوم الحار من شهر أغسطس، عام ١٩٧٦، وهو يتحرق شوقًا ليسكن دمه. كان لويس من منطقة (أنزارا) الحدودية، في جنوب السودان، عامل نسيج بسيط في مصنع صغير، لإنتاج الألبسة القطنية، يملكه ويديره محارب سابق في جيش المتمردين على سلطة الخرطوم المركزية، اسمه (جيمس رياك)، وقد جاء لويس إلى الكونغو في زيارة حزن مباغتة، حين علم مصادفة من أحد العائدين من كينشاسا، بموت امرأة دغدغت قلبه في العامين الأخيرين، مستولية على كل ود، كان يكنه لزوجته في السابق. لم يمكث في وسط العاصمة كينشاسا إلا بمقدار تلفته في حذر، وعبوره الطريق غير المرصوف، بين موقف حافلة الركاب الصغيرة التي أقلته من أنزارا، وموقف حافلة أخرى، أراد استقلالها إلى مقبرة في الأطراف، حيث يرقد المئات من ضحايا إيبولا، حصدهم في انطلاقته الكبرى المحيرة تلك. كان إيبولا حوله، وقريبًا منه بصورة كبيرة، ويتحين الوقت المناسب لافتراسه. دخل المقبرة المسورة بالحجر الأبيض، والمحاطة بأشجار بعضها مورق وبعضها زابل، والفيروس موجود، تحمله عشرات الأجساد التي صادفها هناك، كان في دم المتسولة العجوز، غائرة الخدين، التي مدت له يدها في صمت، ومنحها نصف فرنك وهو يدخل، في دم حارس الأمن المتسلط، الذي يقف عند البوابة، متكئًا على سلاحه القديم ونظراته تتحاوم بين الداخلين والخارجين، في دماء الزوار العديدين، الذين ألقى عليهم نظرة هائمة أو لم يلق، وحتى حين انحنى على قبر المرأة التي جاء من أجلها في تلك الرحلة الشاقة، وبكى بشدة، كان ينحني ويبكي على قبر امرأة، كان الفيروس في جسدها الميت، وقضى عليها منذ يومين فقط.لا يدري إيبولا القاتل، الذي يروع الناس منذ فترة في تلك البلاد، ما الذي لفت نظره في لويس نوا، ليضطرب كل ذلك الاضطراب، ليقرر الهجرة عبر دمه إلى بلاد أخرى، بعد أن كثر عليه النباح في بلده الأصلي، وجندت الدولة ثعابينها وعقاربها وكل ما تمتلكه من خير وشر لملاحقته، واكتشاف هويته، ووصلت عينات من دماء ضحاياه العديدين، إلى دول العالم المتقدمة، مثل أمريكا وكندا، وأستراليا، والآن يدرسونها بعمق، تحت عدسات مرعبة، للعثور على لقاح ضده، أو دواء يعدمه إلى الأبد. لم يكن لويس نوا في الواقع، جذابًا، لم يكن وسيمًا أبدًا، أنفه في غاية الضخامة وفيه بثور بيضاء، تختفي وتعود، كتفاه أعرض مما ينبغي لكتفين، شفتاه مشققتان بفعل الحر، وجفاف الحلق، وفي مقدمة جبهته العريضة، نُحتت بالنار، تلك الفصوص التي اشتُهرت بها قبيلته، وتحمل معنى مقدسًا. كم كان عمره؟، لا أحد يدري بالتحديد، لكنه يبدو في الأربعينيات، أو بداية الخمسينيات، تاريخه المرضي يبدو ناصعًا حتى الآن، لا ضغط ولا سكر، ولا خفة في النظر، ولا احتقان في الكلى أو البروستاتا، ولا شيء آخر باستثناء حمى المستنقعات التي تنشط في خلاياه أحيانًا، والتي ليست مرضًا على الإطلاق في تلك المناطق.

479

| 18 أغسطس 2014

الصيد

كان صيداً وعراً لحورية مصلح في ذلك الصباح.فمنذ شاهدت المدرس الغريب في سوق البلدة، وشمّت ما استطاعت شمّه من تفاصيله، لم تفارقها حكة الجلد ولا عتمة العينين ولا ارتعاشة الجسد المبالغ فيها، وبدأ صداع «الشقيقة» البربري، الذي هزمه منذ عهد علوب الحضرمي، أحد أزواجها السابقين، يتقافز؛ يجمع عدّته وعتاده لبناء مساكن في رأسها مرة أخرى.كان يسأل عن «تنباك» من صنف العماري الذي يرد من مدينة الفاشر في غرب البلاد؛ يعيد إلى رأسه المضعضع بعض التماسك، وكانت تسأل عن سجائر «كنت» أنيقة ومهرّبة لتغسل الرئة من وسخ سجائر «البرنجي» المحلي الصعلوك، كما اعتادت في الأعوام الأخيرة.التقى السؤالان بغتةً عند شاطر، تاجر الأغذية والمزاج المرموق في البلدة؛ ركضا إلى أذنيه معاً، احتكّا في الطريق وتعارفا، ثم عادا ممتلئين إجابةً من التاجر معاً.فجأةً عطس الغريب بقوة. رائحة في التنباك العماري، وارد الفاشر، فحلة وقوية يعرفها المزاجيون، اندلقت إلى خياشيمه، قبّلت المزاج المضعضع حتى عطس. أحست حورية بعطاسه غريباً، أجنبياً، ومهرّباً مثل سجائر الكنت؛ أيقظ أشجانها القديمة؛ بعث فيها روحاً طائشة ونشاطاً غريباً وجدّة مدهشة. أحبت عطاسه بتهور، وجادلت في السعر المعروف لسجائرها المهربة، وهي كاذبة، لتطيل وقائع الحب والدهشة.عطس الغريب مراراً وهو يقرّب كيس التنباك من أنفه ويبعده بنشوة، وتهوّرت مراراً وهي تشتري أشياء لا تستخدمها عادةً، ولم تشترها من قبل أبداً، وبدت وقفتها وهي حاضنة ذهولها المباغت ورعشتها العميقة وقفة بناءٍ هشّ يتلاعب به مطر غزير، وحين كوّر سفّة كبيرة من التنباك وضعها على شفته السفلى وانصرف راضياً. كانت في ذروة الذهول، لدرجة أنّ شاطر أيقظها بلكزة من كيس مشترياتها غير الضرورية.كانت قد تجاوزت الأربعين منذ زمن، بشعرٍ مصبوغ حتى جذوره، وحنّاءَ متقنة جداً على يديها وقدميها، وجسدٍ رشيق الشحم، ورائحة طلح معتّق تنزّ منها، وعينين رمّمهما كحل استفزازي وأوقدهما ناعستين، وكان قد تجاوز الأربعين، هو الآخر.كانت من دماء البلدة الأصيلة، حقنت في عروقها نطفة، وترعرعت في جسد البيئة حتى كبرت، وكان دماً جديداً استخلصته وزارة التربية والتعليم من إحدى قرى الشمال البعيد، وحقنته في عروق البلدة منذ عدة أيام فقط مدرّساً ابتدائياً لمواد العلوم والدين والجغرافيا.لم يكن «أعمشَ» لكنّ نظارة الشمس فوق عينيه كانت توحي بعمشه؛ لم يكن واهن الجسد لكنّ وهن الغربة والسفر والوساوس كان يتقاذفه؛ لم يكن أصلع الرأس لكنه يخطو إلى الصلع بجدارة؛ لم يكن أنيقاً ولا جذاباً ولا لامع الحذاء، ولا أهلاً لليالي الطيش في بلدة جانبية، لكنّ حورية مصلح لم تنسه أبداً. في ذلك الصباح المختلف جداً عن صباحاتها المألوفة جرّدها من نعمة الرسوخ السَني؛ اندلق عطراً خطراً تناثر في رأسها وعينيها وصدرها اللاهث ومرفقيها ومسار تقلباتها لثلاثين سنة قادمة. كانت تحسّه في كل نفس من سجائر الكنت المهربة التي أخذت تشعلها واحدة إثر أخرى؛ تعصره في خيالها بقوة وتجسّه بأنامل الخيال، وتعدّ الفطور والقهوة وشاي الحليب الكامل الدسم من دون جوع أو عطش أو مروءة.

474

| 12 أغسطس 2014

العطار

افتتن الصبي بولد الحُور القادم من بعيد في ذلك الوفد العزائي، افتتانا أنساه غرابة القصدير وحموضة اللهاث، وأحزان موت والده المفاجئ. أحب لهجته ولسانه ومزيلات العرق والعطور التي كان يخترعها من خلط سيقان النباتات وبذورها ببعضها، ويتاجر بها في دكان صغير افتتحه في موطنه في قرية (أم حراب) التي كانت أهم مراكز قبيلته (التنجر)، وعلى مدى أسبوع، اطلع (آدم نظر) على نماذج خشنة ووارفة من تلك التجارة كان (الحُوري) يحفظها في قنان ملونة و يرتبها في حقيبة من سعف الدوم. - انظر .. هذه لإنعاش الساقين بعد الجري. هذه لعرق العنق .. هذه لإيقاظ اللهفة أمام الأحبة.. هل تعلم أن لكل جسد عرقه الخاص وعطره الخاص أيضاً ؟ .. جدي علمني ذلك.-وما هو عطري أنا ؟ .. سأله الصبي ..اقترب الحُوري من جلد (آدم نظر) الذي كان بعضه عرقانا وشاحباً في مواجهة الشمس في واحد من آخر أيام الصيف في (أنسابة). في البداية شمه باستعجال، ثم أعاد الكرة لاصقا أنفه في العرق وحين رفع وجهه في النهاية كان مبتهجا:- عطرك مزيج من سيقان (المنوليا) و (الجاجندار) وقليل من حبات (القرفة) بعد سحقها جيّداً ..إنه عطر السطوة وسأخترعه لك. لم يفهم الصبي حرفاً واحداً من لغة ولد الحُور المعطرة، لكنه اصطحبه في جولة موسعة في سوق العطارين القديم في (جوا جوا)، حيث نبش واستنشق واستفسر وعاد في النهاية (بالمنوليا) و(الجاجندار)، وحبات القرفة المسحوقة، ليمكث ساعات طويلة، ويخترع عطر السطوة الذي لم يبهر (آدم نظر) فقط ، لكنه أدار رؤوس عذراوات كثيرات تعمد الصبي أن يتسكع بالقرب من أنوف شمهن. ذلك اليوم بالذات ضاعف ولد الحُور من ارتقائه لقلب الصبي، كان سلّمه في هذه المرة عطراً عدّ فاخراً في جسد لم يتذوق العطور أبداً من قبل .. ازداد به التصاقا، وازداد ثقة، وكان ينظر إليه نظرة تلميذ باهت إلى معلم قدير: - هل يمكن أن أتعلم صناعة العطور ؟ - صعب .. صعب .. - ولا حتى مزيلات العرق ؟  صعب .. صعب .. لابد من ثقافة .. لابد من صبر .. ولابد من عاهة تصيرك جبارا. يسكت الصبي ..لم تكن فكرة صناعة العطور إلا فكرة طارئة .. ولكن طموحه أكبر وأكبر .. الجليل الذي ترجل عن الفرس، من يصنع عطوره ؟ لا يفارقه الجليل..لا تفارقه الأحلام الكبيرة.

581

| 04 أغسطس 2014

جلسة

لم أستسغ تلك الزيارة ولا وددت الذهاب لولا الخوف من أن تغضب هيلينا، التي كانت تعشق تلك الجلسات، وتعقد الصداقات بالوسطاء الروحيين، وأخبرتني كاذبة أن ذلك جزء من بحث تجريه، لتقدمه في إحدى الجامعات، وأعرف أنها مثلي، لم تقف على باب جامعة قط. كان بيت الوسيطة غاية في الكآبة، ويقع في بلدة صغيرة في الريف الإنجليزي، قريبا من إحدى الغابات الموحشة، ووصلنا إليه عبر طريق ضيق قطعناه خبا في أول الليل، بعد أن رفض سائق العربة، ورفضت خيوله أن تتوغل أكثر من ذلك. بيت رمادي من الداخل والخارج، أبوابه رمادية وستائره رمادية، ومدفأته محشوة بالرماد، والشموع التي كانت تضيء البهو حيث جلسنا، في غاية الشح، لا تضخ سوى ضوء شاحب هزيل. وكانت الوسيطة لدهشتي الشديدة، فتاة لم يتعد عمرها الثانية والعشرين، ضئيلة الجسم، ووجهها أصفر ممتلئا بالبقع، وأستغرب كيف ومتى استطاعت تكوين اسم، جعلها معروفة بهذا الشكل ولدرجة أن تسمع بها هيلينا دا سيلفا، وتقودني صاغرا إلى جلستها هذه. كان عدد من الناس موجودين ساعة أن دخلنا، رجال ونساء يحملون ملامح مضطربة كما بدا لي، يجلسون في صمت، وأعينهم تتابع صوت الوسيطة الجارح، وهي تحكي شيئا من التفاصيل قبل بدء الجلسة، وكانت مخصصة لاستدعاء روح زوجة الشاعر الرومانتيكي المعروف بيرسي شيلي، التي انتحرت بإلقاء نفسها في إحدى البحيرات ذات مساء، وكان ذلك بناء على طلب أحد الحاضرين، وكان مغرما بذلك الشاعر، وأراد أن يستوثق ألا دخل له في انتحار الزوجة، ومن ثم يواصل الإعجاب به إلى ما لا نهاية، أو يتركه ويتفرغ للإعجاب بغيره من الشعراء، في حالة أن أثبتت الروح تورطه. كان طلبا غريبا، ويدل على هوس صاحبه واضطراب سلوكه، فما الجدوى من كل ذلك، وحتى لو جاءت روح المنتحرة وتحدثت بالفعل، وأقرت بأن الشاعر هو الذي ألقاها في البحيرة، وهو أمر أشك فيه، فماذا يفيد كل ذلك؟ أخذت أتأمل الجالسين، الصامتين محاولا أن أعرف صاحب ذلك الطلب، ولم يكن الأمر عصيا أو يحتاج لمحاضرات مستر ويلارد، فقد كانت امرأة. واحدة في منتصف الثلاثينات، سمراء وممتلئة الجسم بوضوح، وتحرك عينيها بلا توقف وتحمل بين يديها مخطوطا كتب بحروف كبيرة ذهبية اللون، إنه قصيدة الشاعر المسماة: أغنية للريح الغريبة.كنت الوحيد الذي يعض على تماسكه في جلسة غريبة، انطلقت وسط الفزع وانتهت وسطه، اليقين الذي أحمله بأن ما يحدث خرافة، وحيلة من حيل اكتساب المال، جعلني أبقى متماسكا إلى آخر لحظة.. أراقب الستائر الرمادية، تتحرك أعلى وأسفل، والشموع تنطفئ وتضيء وحدها، وأسمع صوت الوسيطة وقد اخشوشن، أرى جسدها يذبل، ووجهها وقد امتلأ بتجاعيد مفاجئة، وأظل كما أنا، وقد التصقت بي هيلينا دا سيلفا، أحاطتني بكامل جسدها. كانت المرأة ممولة الجلسة، قد هبطت تحت مقعدها وصرخت، وقصيدة الريح الغريبة قد طارت من يدها، والتصقت بالحائط في وضع تحفة علقت عمدا لإبهار الضيوف، وبقية الحاضرين، إما يرتجفون وإما يتصببون عرقا، وإما يتجهون بأنظارهم إلى باب البيت المغلق، كأنهم يبحثون عن حيلة للفرار. كان ثمة عواء مرتفع يأتي من خارج البيت.. وركضت قطة سوداء من ركن إلى ركن.الشاعر الرومانتيكي بيرسي شيلي، بريء من دم الزوجة المنتحرة

322

| 29 يوليو 2014

من شهادتي في كتارا

«حتى عهد قريب، كانت مسألة كتابة رواية، ونشرها، والعثور لها بعد ذلك على قارئ نشط يحاورها بصبر، ويغوص فيها كما فعل الكاتب، أمرا في غاية الصعوبة، لم يكن ثمة كتاب رواية كثيرون، ولا وسائل نشر، إلا تلك المطابع الورقية مطموسة الحبر، وعدد محدود من دور النشر في وطننا العربي، يحتفي بأسماء معروفة، ولامعة، ولا يود أن يضيف إليها كاتبا جديدا مهما كانت موهبته. وكان على الذي ابتلي بمرض الكتابة، أن يحمل نصه المكتوب بخط اليد، يدور به من جهة رافضة إلى جهة رافضة، وغالبا ما ينتهي به الأمر، إلى نسيانه تماما، أو نسخه في إحدى المكتبات، وتوزيعه على عدد محدود من الأصدقاء، ربما هم الذين شجعوه أصلا على الكتابة. وإن صادف أن عثر الكاتب على دار نشر ترعى نصه، أو جهة داعمة تمول أمر نشره، فذلك حدث كبير بلا شك، يستوجب الاحتفاء. على صعيد آخر، كانت الصفحات والملاحق الثقافية في الصحف، على قلتها، تحتفي بكل ما يكتب، وأحيانا تنشر أخبارا عن أعمال روائية تصدر قريبا، بينما تكون تلك الأعمال لا تزال مجرد ثرثرة على ألسنة كتابها، أو مخطوطات لم تجد طريقها إلى النشر بعد. وأذكر حين بدأت كتابة روايتي الأولى المسماة (كرمكول)، وكنت طالبا في كلية الطب، في مصر، أكتب الشعر، وأجلس للثرثرة في المقاهي كما يفعل الكتاب، وتحدثت بالطبع عنها، وأنها ستكون روايتي الأولى، أن نشرت إحدى الصحف خبر صدورها عن الهيئة العامة للكتاب، بخطوط عريضة على خلفية سوداء، وحين انتهيت منها بعد أشهر من ذلك، ظللت أحملها كما أحمل كنزا، أقرأ مقاطع منها لكل من أعرفه، وأعرضها على الناشرين واحدا بعد الآخر، دون أن يكلف أحد حتى مد يده، وقراءة صفحة منها ليقرر إن كانت تصلح للنشر، أم لا؟ وكنت محظوظا بشدة، كما أعتقد، لأن أحد الإخوة المثقفين، نظر فجأة بتمعن إلى معصمي الأيسر، وطلب مني أن أريه ساعتي، وكانت من ماركة رولكس الغالية، هدية وصلتني ولا أعرف قيمتها، ثم ليصطحبني ذلك المثقف إلى أحد أماكن الرهن، حيث بقيت تلك الساعة حبيسة هناك، إلى أن استرددت قيمة رهنها من جراء بيع كتابي، وكنت أحمل نسخه في حقيبة على كتفي، أتسلق به القطارات، وباصات النقل العام، وأطوف به أقاليم مصر كلها، أوزعه للطلاب. وكان ما كتب عنه في الصحف، بعد ذلك، قد أسعدني، وكاد أن ينسيني تلك التجربة المريرة، والتي أتذكرها الآن وأستغرب من كوني خضتها، ولو عدت الآن إلى ذلك الزمان، لما فعلت ذلك أبدا، ولما كتبت حرفا إضافيا، لتلك الرواية التي غير نشرها مسار حياتي».إذن كان هذا هو الحال سابقا، وكما قلت إنني استطعت إيصال نتاجي إلى القراء، وأعرف شاعرا صديقا، كنا ننحت معا، ونركض إلى دور النشر ومقار الصحف والمجلات معا، ولم يحصل على فرصة، وكذلك كثيرون غيره.الآن ماذا حدث للكتابة الإبداعية؟ هل تطورت كما كنا نأمل؟، هل انطلقت بكامل جمالياتها المفترضة لتحلق بعيدا؟، وتتجاوز الإقليمية إلى العالم؟أعتقد جازما أن البلاد العربية غنية بموروثها الإسلامي والشعبي، وهي كفيلة بإعلان تميزها الواضح في كل محفل، فقط لو أجيدت صناعة الإبداع، قطعا هناك من يحاول، وهناك من حاول، لكن هل نجحنا؟

512

| 21 يوليو 2014

سوشيلا

كان قد أُقيم منذ عشرين عامًا، في الطرف الشرقي من البلدة، وبالقرب من ضفاف نهر موسمي صغير اسمه نهر (بابي)، يمتلئ صيفًا، ويجف شتاءً، نصبٌ تذكارية من الحجر الأملس، تخليدًا لذكرى الزعيم (ماجوك)، أحد زعماء القبائل المحلية، والذي قيل إنه أول من آخى بين أبناء الجنوب، وقبائل العرب التي نزحت إلى المنطقة من الغرب والوسط، وحتى من الشمال البعيد، واحتكرت التجارة بالكامل، وكان فيها دعاة مخلصون أسهموا في انتشار الإسلام بين السكان، وأيضًا نصابون بلا ضمير، وعنصريون تعربد في أذهانهم أحلام تجارة الرقيق الرائجة في ذلك الحين. قيل إن الزعيم ماجوك، ألقى بحربته في ذلك المكان بعد أن كسرها نصفين، وطالب الجميع بكسر حرابهم وإلقائها بجانب حربته، ألقى قصيدة شعر من نظمه بعدة لهجات محلية، تمجد التآلف، وتذم الخصام، وأشرف بعد ذلك على زيجات عديدة خصبة، تمت بين العرب والزنوج، وأنتجت أجيالًا تحمل ملامح من هنا وهناك، وعادات موروثة من الطرفين. في ذلك المكان، وتحت النصب مباشرة، كانت تنحر الذبائح في كل عام، تقدم الرقصات المبتهجة، ويأتي خلقٌ كثير من أماكن قريبة وبعيدة، ليشهدوا ذلك الاحتفال الكبير ويشاركوا فيه بالغناء والرقص. وينتهز تجار البلدة تلك الفرصة، بنقل بضائعهم الخفيفة لتسويقها وسط المحتفلين، وربما عثرت فتاة عازبة على زوج ما كانت لتعثر عليه في مكان آخر، أو التقى قلب واجف بقلب واجف، ودخلا في دوامة الحب المنكود، وكثيرًا ما كانت الشرطة المحلية تعثر بين المحتفلين على لص هارب، نبشت البلدة بحثًا عنه ولم تجده، أو يتهور أحد قادة المتمردين الكبار، بالظهور علانية وهو يرقص ويغني، معرِّضًا حريته وحياته للخطر. ورغم ذلك كله، لم تكن الصراعات بين العرب والزنوج، أو بين القبائل المختلفة للزنوج أنفسهم، قد انتهت تمامًا، وظلت باقية، لكن أقل حدة من قبل.في ذلك المكان بالضبط، ومنذ أكثر من عشر سنوات، التقى رابح مديني بسوشيلا أكوال التي تنحدر من قبيلة الزاندي المحلية، المعروفة بفروسية الرجال، وملاحة النساء، ولم تكن من سكان البلدة، لكنها قدمت من ريف بعيد لتحتفل أسوة بالجميع. كان رابح في نحو الخامسة والخمسين وكانت في التاسعة عشرة، هو تزوج وطلق، وتزوج وطلق مرة أخرى، من دون أن ينجب، وهي لم تتزوج قط. كانت أول فكرة خطرت بباله حين شاهدها حافية، مكسوة بعقود الخرز، وسن الفيل، ودائخة تحت نظرات الرجال، ترج جسدها في حمى الرقص الجماعي، هي أن يهديها صندلًا متميزًا بألوان الطيف، جلبه ذات مرة، من إحدى رحلاته الروتينية إلى أوغندا، ولم يعرضه للبيع قط، ألبسها الصندل في خياله، وجعلها تتمشى به قليلًا، ثم تنزعه، وتقف أمامه برشاقة. عند تلك النقطة، لم يستطع أن يسيطر على مشاعره أكثر، همس في أذن صديقه (آدم مطر) الذي يقف بجانبه، وكان من نفس قبيلته، ويملك مطعمًا في السوق اسمه مطعم (بابايا): - قل لي يا صديق.. هل سأكون مغفلًا، لو تزوجت من تلك الفتاة؟- بل تكون مغفلًا لو لم تتزوجها.

403

| 14 يوليو 2014

عواطف

بمناسبة قرب صدور طبعة جديدة من "قلم زينب"، أحد كتب السيرة، التي كتبتها منذ فترة، أنشر هذا المقطع، وتبدو فيه شخصية عواطف المهتزة، والتي تسمى نفسها إدريس.لم يتردد اسم (إدريس علي) في الأجواء تلك الأيام، سوى مرة واحدة فقط، ولم يكن اسم محتالي الخفي، ولكن اسم تلك المرأة المسترجلة عواطف علي، حين جاءت إلى عيادتي مرة، سجَّلت اسمها الرجالي على دفتر عز الدين، ودخلت بخطوات سريعة، لتجلس أمامي وتسألني مباشرة عن عمليات تغيير الجنس التي سمعت عنها من بعض الناس، وإن كانت ستفيد في حالتها؟تأملت شاربها المرسوم بعناية، ولحيتها الخفيفة التي أضافت رسمها مؤخرًا، وشعرها القصير المقصوص حتى جذوره، حين نزعت العمامة وكشفته أمامي، وتحسرت.. هذه أيضًا قصة محزنة، ومجنونة أخرى في عالم يضج بالمجانين، الأنثى الكاملة حين تغدو رجلًا ناقصًا، المرأة بمشاعر لا تمت للمرأة بصلة، والبؤس في كل شيء، ليس مسألة عيب جيني بحاجة إلى تعديل، ولكن سلوكًا غريبًا، ومستهجنًا، وبحاجة إلى طبيب نفسي بارع حتى يعيد الأمور إلى نصابها..- لماذا يا عواطف؟- لا تقل عواطف من فضلك.. أنا إدريس.نهرتني بصوت لا يملكه حتى أكثر الرجال خشونة، ولا بد أنها تدربت تدريبًا شاقًا حتى أجادته، كانت تضع ساقًا على ساق، وتهزهز حذاء جلد النمر على قدمها اليمني، وثمة تجاعيد غاضبة في وجهها المصنوع. تغاضيت عن صوتها الكبير، وقررت محاورتها تمضية للوقت، ولم يكن بالعيادة مرضى آخرون في تلك الساعة.- ولماذا يسعى إدريس لتغيير جنسه بالعمليات ما دام هو إدريس؟- ظننتك متفتحًا بفضل تعليمك العالي، لكنك مثل العامة سكان حي النور، أنا أتبع مشاعري وليس جسدي، مشاعري هي مشاعر إدريس، وإن وجدت طريقة لأصبح إدريسًا كاملًا سأفعل.. فقط أخبرني من دون فلسفة.. هل هذا ممكن؟- غير ممكن.أخبرتها بصوت قاطع، وشرحت لها الخواص الفسيولوجية والجسدية التي تملكها بفعل خلقها، ولا يمكن العبث بها على الإطلاق، كما أنها مسلمة، ويتوقع أن تتبع دينها الحنيف الذي ينهي عن هذا السلوك. وكانت تعرف ذلك جيدًا، وتمعن في تمرير أصابعها على الشارب المرسوم واللحية الصغيرة، وتهزهز حذاء جلد النمر أمام وجهي، وتستسخف كلامي الذي اعتبرته موعظة بلا معنى، وليس كلام طبيب، ولا أجد لها حلًا حتى نهضت غاضبة، وهي تشتم، وتقسم ألا تأتي إلى عيادتي مرة أخرى أبدًا، وتحرّض معارفها، ألا يأتون.

558

| 08 يوليو 2014

من السيرة

كان نهارًا صناعيًّا مزدحمًا تخنقه الأدخنة، ورائحة الأصباغ، وأصوات عمال الكهرباء والميكانيكا وعشرات العربات الرابضة بلا روح في انتظار علاج فعّال. كان النهار الحقيقي للحركة والنهار الساتر لعيوب المركبات حين تمرض، وتختفي عن شوارع المرور اليومي. وكان باعة الشاي والقهوة ومياه العطش، ومزاج «البرنجي»، يمرون بإلحاح عشوائي، يجرُّون اللسان الصامت إلى حوار بلا معنى، ويكادون يحقنون بضاعتهم في الدم مباشرة. طقس مباشر ومألوف.. ومُجِدّ أحيانًا، ومضيِّع للوقت في أحيان أخرى. كنت أحتسي قهوة «زنجبيلية» وأتابع عاملًا يداوي سيارتي حين خدش أحدهم سمعي: - ما رأيك في الجمال «البقّاري» يا مغترب؟ التفتُّ.. فوجدته ستينيًّا يبتسم بلا قواطع ولا أنياب.. ويقترب ببصر واهن من بائعة الشاي التي كانت وجهًا قرويًّا ممتلئًا بالأسى والعمر والمصاعب.. رابضًا في تلك البقعة الرجالية دون إغراء أو فتنة. ربما كانت من قبائل البقّارة كما قال.. وربما من قبائل أخرى تلتقي مع البقارة في الفقر والرحيل. حاولت أن أتجاهل الرجل، لكن مناداته لي بالمغترب حيرتني، وحين هممت أن أسأله كان قد اختفى في لُجّة النهار الصناعي. فجأة داهمني معمَّم يحمل وجهًا مجعدًا ويَدَيْن صلدَتَيْن وأوراقًا بها أسماء وأختام وتواريخ قرّبها من وجهي وهو يصرخ: - سامحني يا مغترب.. قال الشاعر: «نزل الفقر كرعين الرجال».. بالطبع لم يقل شاعر ذلك، ولا حتى الولد المستهتر «أ. أ» الذي شتم طالبات الجامعة بقصيدة عنوانها «في ذم حواء» في إحدى أمسياتنا الشعرية في القاهرة منذ خمسة عشر عامًا، وحوَّل المجتمع الطلابي في ذلك الوقت إلى مجتمع خاوٍ يشكو من ركود العواطف، وجفاء المحبين.. أيضًا لم يجرؤ الفقر يومًا على إنزال رِجل لأحد من أي وضع اتخذته، لكن فكاهة اللحظة أطربتني، فحاورت الرجل: - لم يقل أحد هذا الشعر من قبل. - بل قال. - أنا لم أسمع به. - لأنك لا تقرأ.. إنه موجود في كتب التاريخ.. والكتب الصفراء. كان المعمَّم متماسكًا وواعيًا ومصرًّا على بيت شعره المعوَّق ورافضًا أي وسيلة لعلاجه.. حاولت تزويده بالبيت الأصلي، فما تَقبَّله، وبدا له إذلال الفقر لأعناق الرجال أشدَّ بشاعة من إنزاله لـ«كرعينهم».. كان متسولًا في لحظة انشغاله بوظيفته.. شَمَّ فيّ اغترابًا وشَمَّ في اغترابي دراهم، وتمسّك ببيت شعر مختل دون ذرة من ارتباك. ضحكت مضاعفًا وسألته عن قضيته.. كانت قصة مرتبكة ومتوقعة عن زوجة مريضة، وعيال مكفوفين، وحريقًا التهم عدة أفدنة في قرية ما. تذكّرت قصة «آدم كذب» التي كتبتها في كتابي «مرايا ساحلية».. وصمتُّ لحظة أحصي خسائر الرجل وتكاليف ترميمها فوجدتها عدة ملايين من الجنيهات.. قلت للرجل: - أعطيك الآن عشرة آلاف من الجنيهات فمن أين تأتي بسبعة ملايين؟ خاطبني بنفس وجهه المتماسك: - مِن غيرك بالطبع.. هل تظنني سأقف عليك وحدك؟ ثم ابتعد حاملًا قصته ليرتبك بها في مكان آخر.

406

| 01 يوليو 2014

نافذة

منذ أكثر من عشر سنوات، وفي محاضرة له في إحدى دورات معرض الدوحة الدولي للكتاب، ذكر الكاتب الروائي المصري (جمال الغيطاني)، أن الأدب العربي هو النافذة المتسعة التي يمكننا الولوج عبرها إلى العالم، أي أن نمنح العالم ثقافتنا مثلما ظل يمنحنا ثقافته لسنوات طويلة، وبذلك يتعرف الناس على الثقافة العربية والإسلامية، ويأتي بعد ذلك التآلف الذي نتمناه ونرجوه بين كافة الشعوب.ما قاله الغيطاني نظريا في ذلك العام البعيد، لا نجده قد طبق منه إلا القليل حتى اليوم، ما زالت الثقافة العربية في أغلب منتوجها، ثقافة محلية ما عدا بالطبع حظوظ بعد الشعراء والكتاب من أجيال مختلفة، ممن استطاعوا العبور إلى ثقافات أخرى، عن طريق علاقات فردية في الأغلب، ما زال المترجمون المحليون، يعربون الكتابة من لغات أخرى ويبعدون حتى ترجمة بيت من الشعر إلى لغة أخرى هم يتقنونها، ويمكنهم أن ينقلوا إليها، ولم أجد حتى الآن إلا مؤسسات قليلة تهتم بنقل ثقافتنا للآخر، بعكس عشرات غيرها، ينصب اهتمامها على نقل الثقافة الأخرى إلينا.. وبالنسبة للمترجمين، بلا شك إن جزءا كبيرا من ترددهم في الترجمة من العربية، هو الخوف من عدم وجود ناشر غربي يتولى العمل، وهذا ما يحدث في الواقع بالفعل، حين يغامر أحدهم ويترجم عملا.المحصلة: إننا الآن نعرف مئات الكتاب من جميع أصقاع الدنيا، نحرص على اقتناء كتبهم المترجمة، ونقرأهم بمتعة، ولا تعرف الدنيا من كتابنا سوى عشرة أو عشرين اسما هي بعينها، نفس الأسماء التي تتسكع عبر جميع اللغات، تسافر باستمرار للقاء الآخر مباشرة، وربما تحصد شيئا من الجوائز التي يمنحها الغرب أحيانا للعرب. لقد ذكر بعض المستعربين الحريصين على ثقافة العرب، ويحاولون الزج بتلك الثقافة في أي فرصة يجدونها خارجا: إن العرب أتيحت لهم فرصة أن يأتوا مدججين بترجمات كتابهم إلى معرض فرانكفورت الدولي الكبير، الذي كان الأدب العربي ضيفا عليه في عام 2004، لكنهم أتوا بعدد غير قليل من الوجوه التي تعرفها فرانكفورت وروما وباريس، وبنفس الأزياء الإبداعية القديمة من دون تجديد.أخيرا.. أحيي أولئك المستعربين العنيدين في تفاعلهم مع الثقافة العربية، ومنهم من يصر على ضرورة وجودها في أي محفل دولي، وبعضهم يدرسها في الجامعات التي يعمل بها، ولو تضافرت جهودنا مع أشخاص مثل هؤلاء، لنجحنا في العبور بمبدعينا كلهم.

440

| 23 يونيو 2014

دار المزاين ..مقطع من رواية

لم يعد قسم السيد محارب إلى دار المزاين، خلال تلكما الشهرين أبدًا، كان كعادته بلا قرش إضافي يزيد على حاجته، وحاجة جدته عاقبة، وأخته السارة التي باتت من مستخدمي مساحيق التجميل الخطرين، ورواد صوالين التزيين التي تستهلك الكثير من المال، وتمنح القليل لوجه واحدة مثل السارة، يحتاج إلى جهد كبير لتحويله إلى وجه جذاب، والمئة ألف دينار المطلوبة في دار المزاين، ستظل معلقة، ولا يعرف إلى متى.. وكان كلما مر بجانب دكة المطرودين في طريقه إلى عمله صباحًا، انزاح بوجهه بعيدًا، يخاف أن يرى الأفريقية جالسة عليها، تتكئ على حقيبتها القماشية، وتحاور يونانيًا، مشردًا، ومضفر الشعر، أو تصغي إلى مطالب غريبة من نمساوي معتوه لا يعرف أحد لماذا جاء أصلًا إلى هذه البلاد. لا يستطيع الجزم أن تعاطفه تجاه مأساتها قد خف، لكن بالمقابل بات يخاف من ذلك التعاطف الخطر، يتمنى لو انعتق منه في التو واللحظة، يتمنى لو لم يكن أصلًا. المزيون الأخ، المتدرب في حلقة الدراويش جاء مرتين خلال تلك المدة.. في المرة الأولى كان متحفظًا قليلًا، قال إن سميتا قد قطعت شوطا طويلًا في العلاج لدى الشيخ، وبات بمقدورها الآن، أن تأكل للجني وجبتين فقط، بدلًا من تلك الثلاث التي كانت تخصصها له، قال إنه شاهدها كثيرًا تتمشى في دار المزاين في منتهى الأناقة محاطة بفتيات معجبات، ولم يسمع لها شخيرًا غير إنساني، وشم في إحدى المرات، عطرًا نفاذًا ينبعث من جسدها، ولم يكن لجسدها عطر حين جاءت. سأل في تردد عن المبلغ المطلوب، وماذا حدث في شأن تدبيره، وأجابه قسم السيد كاذبًا، بأنه اقترب من تدبيره بالفعل، وسيأتي بنفسه إلى دار المزاين، يسلمه للمهدي مساعد الشيخ، في يده.. أراد أن يسأل المزيون، عن الحكاء السعودي غيث بن بريك، وأين وصل في علاجه؟، أراد سؤاله وخاف من السؤال، انتظر أن يتحدث المزيون عن تلك الشخصية المهمة، في دار المزاين من دون سؤال، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.. وقبل أن يغادر المزيون عائدًا إلى تدريبه، لمَّح إلى أن ثمة صراع خفي، يدور بين المزيون الكبير ومساعده، يتناقله الدراويش همسًا، قال:- ربما تحدث تغييرات كثيرة هناك، أنا ذاهب.في المرة الثانية، كان المزيون أكثر أريحية، عرج على أخيه في بوابة الدخول عند فندق سواري، قبل أن يذهب إلى البيت ويستبدل زي الدراويش الأخضر.. قال:- يقرئك الشيخ (هارون ) مساعد الشيخ المزيون السلام ويخبرك أن سميتا في صحة جيدة، ومعنويات عالية، ولم تبق سوى عدة أسابيع، وينتهي العلاج، وأن ذلك كله قد تم بلا مقابل.. لن تكون مضطرًا لأن تدفع شيئًا. جملة مفرحة بلا شك وتحتاج إلى زغرودة عالية، لو كان يستطيع أن يزغرد، لكن السؤال الملح في الوقت الحالي:- وأين المهدي؟أجاب المزيون، ولا تبدو على وجهه أي صيغة لانفعال خاص:- معنا في حلقة الدراويش، لقد خفض الشيخ رتبته.

498

| 16 يونيو 2014

شبكة الحنين

كلما تذكرت بلادي، ونشأتي الأولى في مدينة بورتسودان الساحلية، تذكرت أيضا عبارة من الخلاصات، للكاتب الكلومبي العظيم جابرييل جارسيا ماركيز، وردت في سرد الراوي العليم، في رواية الحب في زمن الكوليرا، أحد أعظم الأعمال السردية، حين يصف مشاعر الطبيب الذي عاد إلى بلاده بعد أن درس الطب في أوروبا، لقد فوجئ بتعقيدات الدخول المعروفة في العالم الثالث، من تفتيش دقيق لأمتعته البسيطة، في الجمارك وأسئلة بلا عدد من ضابط الجوازات، وحين نزل إلى اليابسة بعد ذلك، فاجأته رائحة البدائية كلها، وكثافة الذباب، وانتشار الفقر على الوجوه، لتفسد فرحته بالعودة، ويلعن في سره ذلك الحنين المتشابك، الذي أعاده مرة أخرى، في حين كان يمكنه أن يعيش في أوروبا إلى الأبد. الحنين المتشابك، هو بالضبط ما يحسه المهاجرون أو المغتربون عن أوطانهم لسنوات طويلة، لا يعودون فيها إلى بلادهم، إلا نادرا، أو عند الضرورة، شبكة الحنين التي تتشكل وتتضفر، وتأتي في شكل مئة خاطرة ملحة لتقود المهاجر، أو المغترب، طائعا إلى منبعه، وحين كنت أدرس في مصر في ثمانينيات القرن الماضي، كانت تلك الشبكة قوية إلى حد بعيد، تنتج تلك الخواطر الملحة باستمرار، ولعل خيال الكتابة كان يساهم في تضفيرها، حين يبدو لي الشارع المغبر الذي كنت أسير فيه إلى المدرسة، شارعا نظيفا إلى أبعد حد، تبدو البيوت الضيقة، واسعة، الفتيات الكادحات في الشوارع، ملكات جمال يتقاطرن في مهرجان، الكلام الممل الذي يتكرر في بيتنا أو بيوت أصدقائنا، كل يوم، كلاما جديدا ومنعشا، ثم رائحة البلاد التي أتخيلها عطرا رقراقا، يتعطر به كل من يعيش هناك. وحين أعود في إجازاتي السنوية، تصدمني الأختام الغليظة التي توضع باستفزاز على جواز السفر، الشوارع التي تعج حقيقة بالفوضى، البيوت التي لا يمكن أن تسع مساحات الحنين أبدا، والبلاد التي بلا رائحة رقراقة وإنما رائحة المشقة في كل شيء، تنقضي الإجازة وأذهب، لتمسك بي الحيل اللعينة مرة أخرى، وبعد عدة أيام فقط، أقضيها مغتربا.. وأكيد استمر معي ذلك الأمر، بعد أن أكملت الدراسة وعملت في الخارج، وأذكر أنني كتبت مرة عن تعبي وإرهاقي حين أقف في طوابير متعددة، في ذلك المبنى المختص بالمغتربين، وعن الفتاة الضابط التي لم تنجز لي معاملة تأشيرة السفر، قط من دون أن تعيدني إلى طوابير الفزع تلك.لكن هل الحنين في حد ذاته ظاهرة سلبية أم إيجابية؟أعتقد أنه يحتمل أن يكون سلبيا وإيجابيا في نفس الوقت.. الحنين حين يساهم في تلقيح الذهن بخامات الكتابة، للذين يكتبون، يكون إيجابيا بلا شك، وحين يخترع الأرق والكوابيس، سلبيا بلا شك.. لكن تبقى في النهاية تلك الظاهرة التي بلا علاج ممكن.. ظاهرة شبكة الحنين حين تتضفر.

473

| 09 يونيو 2014

جائزة كتارا

أطلقت منذ عدة أشهر في الدوحة، جائزة جديدة للرواية العربية، لتنضم لجوائز أخرى أطلقت منذ سنوات، وأصبحت بمرور الوقت، جوائز راسخة، أسهمت بشكل ما في انتشار الأدب العربي محليا، وسفر بعضه إلى لغات أخرى، وبالتالي مزيد من الانتشار. الجديد في جائزة كتارا القطرية، بجاني قيمتها المادية اللافتة للنظر، هو تعدد الجائزة بحيث لا تشمل كتابا واحدا ولكن عدة كتب، أي أن عددا من المبدعين يحصلون عليها في نفس العام، وأيضا إمكانية الترجمة للغات أخرى، وتحويل العمل إلى مسلسل درامي، وبالتالي تكون قطر وفي سعيها الدائم لتطوير الحياة، وابتكار ما يعد ابتكارا حقيقيا، حققت ربطا جيدا بين عدد من الفنون مجتمعة تمس كتابا واحدا، يمنح عدة جوائز في الوقت نفسه.أنا سعيد بهذه الجائزة بالتأكيد كما سعدت من قبل بجائزة البوكر العربية، وجائزة الشيخ زائد بشعارها الجميل: تقديرا لكل مبدع، وغيرها من الجوائز العربية هنا وهناك، وأسعدني أن شاركت في تحكيم إحداها ونال المبدعون ما اجتهدنا لجعله تقييما منصفا. الحقيقة، إن الجوائز التي تحمل قيمة مادية عالية، وتقديرا عاليا أيضا، جاذبة للكل، ولا يوجد مبدع صغير أو كبير في الوطن العربي لن تدغدغ جائزة كتارا الجديدة أحلامه، وتدفعه للإسراع بالمشاركة لعله يكون صاحب الحظ في نيل إحدى الجوائز المقدمة للرواية، أو ينتقل بعمله للترجمة والدراما وأتذكر فيه المناسبة أغنية لشاعر محلي من شعرائنا، يقول فيها:أدلي دلوي مع العشاق يجوز أكسب. فالشاعر المحلي هنا، أراد أن يتحلق مع المتحلقين حول إحدى الجميلات الفاتنة، لعله يكون الفائز بقلبها.إذن الجائزة مغرية، خاصة لما هو معروف عن حال الثقافة والمثقفين في الوطن العربي، وتلك السير الحياتية العكرة التي يحملونها، من شقاء أثناء المخاض والكتابة، وإحراق للأحشاء وعروق الدم بالتوتر، ثم كتب يدفعون ثمن نشرها في الغالب لناشرين معظم تجار، ولا يهتمون بالكاتب إلا بوصفه مصدر عطاء بلا أجر، يرونها منتشرة بعد ذلك في كل مكان، ولا يعرفون شيئا عن حصادها. كلنا مررنا بتلك التجارب ذات يوم، ونحمل ذات السيرة الحياتية العكرة، لذلك حتما سنلتفت لجائزة مليحة مثل هذه، وإن لم يكن بالتقديم لها أو العمل على إخراجها، لكن بالشد على يدها، وشكر القائمين عليها بأنهم قدموا شيئا للأدب والأدباء.تحية لكتارا وجائزتها الجديدة، وفي انتظار أول دورة لها.

475

| 02 يونيو 2014

alsharq
وثائق إبستين ووهْم التفوق الأخلاقي

عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...

9558

| 08 فبراير 2026

alsharq
الشمال يتألق وأم صلال يتراجع

عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...

2163

| 04 فبراير 2026

alsharq
الرياضة نبض الوطن الحي

يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...

1125

| 10 فبراير 2026

alsharq
فريدريك ما زال حياً

حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...

999

| 04 فبراير 2026

alsharq
هل قتل «السور» روح «الفريج»؟

امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...

753

| 04 فبراير 2026

alsharq
تعاون إقليمي من أجل ضمان الاستقرار

انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...

651

| 04 فبراير 2026

alsharq
قطر والسعودية ركيزة للاستقرار الإقليمي

تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...

618

| 05 فبراير 2026

alsharq
ماذا بعد انتهاء الطوفان؟

لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...

597

| 10 فبراير 2026

alsharq
صعود تحالف الاستقرار في المنطقة ؟

يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...

516

| 09 فبراير 2026

alsharq
قوة الحضارة الإسلامية

لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...

471

| 08 فبراير 2026

alsharq
الموبايل وإبستين.. الطفولة في خطر

لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...

459

| 09 فبراير 2026

alsharq
الجنة وطريقها..

«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...

414

| 05 فبراير 2026

أخبار محلية