رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أكن من هواة تأمل الصور التذكارية التي تمثلني في مرحلة ما، من مراحل العمر، أو تجمعني بأشخاص عرفتهم ذات يوم وضاعت تلك المعرفة في بحر الحياة الكبير، لكنني وجدت رغبة ملحة تدعوني إلى النبش في خزانة مغبرة واستخراج عشرات الصور، لقراءة تذكاراتها في ذلك المساء المشحون.. فردت الصور أمامي وأخذت أتأملها بعمق.. هذه مع دردر قائد القطارات الذي مات في حادث خرجت فيه قاطرته عن سكة الحديد.. هذه مع الخضر، منسق الحجوزات في الدرجة الأولى، الذي ظلّ يحصد لقب شخصية السكة الحديد السنوي، منذ أن أطلق وحتى اندثر، لا لشيء سوى أنه وجد أماكن لتسعة عسكريين في قطار ليس فيه مكان لشخص واحد، تحرك ذات يوم من مدينة جيبا التي بها كتيبة جبارة من حرس الحدود، ولم يكن يدري أنهم كانوا أعضاء مجلس قيادة لثورة جديدة، اندلعت بالفعل في العاصمة بمجرد نزولهم من القطار، هذه مع زكريا حنقة الذي كان ناظراً لمحطة المدينة، وأصبح فجأة وزيراً للنقل والمواصلات في حكومة استمرت لثلاثة أيام فقط.. هذه مع المقدم عادل التولة أعظم ضباط الشرطة على الإطلاق، حين كان ملازماً في شرطة السكة الحديد وكانت بمناسبة ترقيته إلى رتبة النقيب.. هذه مع الرحالة المقعد حاكم عذابو مؤسس حزب "وطنك الكبير" الذي أفخر بانتمائي إليه، بالرغم من بقائه حزباً مغموراً، بلا أعضاء، ولا برامج ولا خطط، وكانت في الذكرى الثالثة لتأسيس الحزب.. هذه.. هذه. وحين وصلت إلى صورة تجمعني مع مغنية الأفراح الشهيرة حواء سخطة في عرس أقيم مرة في حي السلاليب الشعبي أيضاً، لم أبتهج.. ولم أحس بحواء غير تاريخ متخلف أيضاً عليه أن يموت الآن. مزقت الصورة وألقيتها على الأرض.. ليظل مكانها خالياً في ألبوم الصور، ربما لتشغله فيما بعد صورة أشد جاذبية. فجأة سمعت طرقاً خفيفاً على الباب.. ليس مألوفاً لأذني فقد كنت أعرف كل الذين يطرقون بابي من طريقة طرقهم. أعرف الطرق المريع لموسى خاطر حين يكون دفتره بلا تقارير، ويسعى إلى تلفيق تقرير ما، الخشن والمتعجل لـ"منعم شمعة" المسافر، أو العائد من سفر، الناعم جدّاً للجميلة سلافة حين تأتي لاستشارتي، أو استفزازي، الذي تحدثه عصا الأبنوس السوداء في يد حكيم النبوي.. وحتى طرقات الأطفال حين يطرقون بلا هدف، كنت أعرفها. فتحت الباب فانفتح سلساً بلا صرير، وشاهدت في الضوء الخفيف لكهرباء الشارع، الطارقين وقد ارتفعت حواجبهما دهشة.. كانا شاكر تعيس الذي لم يذق ماء زمزم حين جاء إلى الحي بعبوة شاحنة، ونهل منها الجميع، والقبطي ميخا ميخائيل الذي سكن في الحي منذ عامين فقط بعد أن هاجرت عائلته كلُّها إلى أستراليا، وبقي هو في المدينة، بحجة كثافة الذكريات التي لا يستطيع تركها خلفه ولا يستطيع حملها معه. كان يصرخ في كل ركن يجد فيه آذاناً تستمع إلى الصراخ.. قبر أبي ميخائيل دقندس، مقهى روماني اللذيذ.. الأب مكارس الذي يحتاجني في شيخوخته.. كنيسة العذراء التي شاركت في طلاء جدرانها بالأبيض.. حبي الأول.. حبي الأخير.. آخ.. كيف أترك كل هذا وأذهب؟ هل جننتم؟.. كيف أتركه؟
471
| 17 نوفمبر 2014
كان عبد الحليم، المعروف بحليمو، صاحب المطعم المفخخ في بلدة" توجار"، الآن متأكدا، أشد التأكد أن جريرته في حق أحمد داريت الأصلي، حين أرشده إلى طريق السفر، تستحق موقعا مميزا في سلسلة جرائر الريف، وأن بوابات الطوارئ وأسوار السجن المركزي وإشارات المرور الحمراء التي وضعها كرسومات احتياطية في خط سير المسافر، قد ترتدي سحنة أساسية ويبدأ بها زحف الصعلكة في العاصمة. استخرج زكاة للفطر كان قد نسي استخراجها في عدة أعياد متعاقبة، تأكد من لياقة قميصه، ونظافة نعليه، وضع قليلا من ماء الكولونيا على رقبته، وكثيرا من بخار النشادر على أنفه، وذهب إلى بيت آل داريت. كانت كلاب الريف مازالت طليقة النباح، عصافير الجنة الهزيلة مازالت تحلم بغد مشرق، ومزارعو الدلتا، مازالوا يعاندون النعاس. استقبلته التباشير المريبة لفقدان عضو في البيت، نفس التباشير التي تخيلها مرارا في بيت أسرته في حي "الوابورات" في العاصمة حين انقاد متهورا بعاطفة متأججة، إلى هذه البلدة، كانت أوعية الدموع أكثر من أوعية البن والشاي، وكانت أسرة داريت مكومة حول رامية للودع تبدو في وجهها علامات سهر متعمد، تقرأ طريق المسافر تماما كما ورد في رسومات حليمو عشرات المرات من دون أن ينهها أحد، وكانت نقود النحاس التي يسحقها الصدأ تتقافز حول قراءتها بلا انقطاع. كان المسافر قد سافر بالفعل، سحبته عربة متعجلة دسها الليل في أحشائه، وكان خط السير المعوج قد بدأ. توغل حليمو في زيارته إلى أبعد مدى، شارك في قراءة خط السير، وبعثرة النقود النحاسية، وألقى بعدد من التمنيات الطيبة في ذعر العائلة، انتظر حتى تأكد من جفاف كل ينبوع للدمع، وعاد إلى ثلاثة عشر ليلا مؤرقا مشؤوما بلا ذرة من نعاس. كان يستبدل حجارة الراديو مرتين في اليوم، يستمع إلى نشرات الوفيات، وأوصاف خرج ولم يعد، يتمنى لو طلب المسافر أغنية، أو شارك في بث مباشر، أو حتى شتم معدي برامج الجماهير التي كانت بلا جدوى.. كانت مثانته تتلوى بعنف ورأسه يلتهب حرا كلما توقفت عربة في الجوار. أقلع عن كثير من عادات مؤاخاة الزبائن في مطعمه، والضحك لنكاتهم، وصار طهوه رسميا خاليا من أي نكهة أخوية. كلم أفرادا في الجيش والشرطة كان يعرفهم فيما مضى، وراسل أصدقاء قدامى ومسعفين، وجرسونات في مطاعم في العاصمة. جاملهم بالتحية والسلام وكلمهم عن ريفي من توجار له وجه طفل وقامة نخلة، وفوران أخدود ربما يلتقيهم جائعا أو شحاذا أو سجينا، أو ضائعا، أو مبقور البطن، سد أذنيه كثيرا بفلين الأجهزة الكهربائية حتى لا يسمع جريرته تتكرر على لسان زوجته المدرسة كحصة تربوية، بحث عن كتب في تحليل الشخصية عند مثقفين توهتهم الحياة في الريف، وانقاد إلى نظرية عظيمة، كانت تحلل شخصا كأحمد داريت تحليلا أراح أمعاءه من كثرة الانتفاخ.. كانت تقول إن أشخاصا كهؤلاء لا يمكن أن يساهموا في أي نفع لأحد، لن يساهموا في ترقية لعسكري مغمور، ولا تدريب لطبيب حديث التخرج، ولا ظهرا لأي سياط تبحث عن ظهر، استرخى صاحب المطعم المفخخ لتلك النظرية الخالدة، ادعى تأليفها، سردها أمام زوجته بتأن حتى أسكت حصصها التربوية، ونام في اليوم الرابع عشر نوما استفزازيا مطرزا بالشخير، لدرجة أن زبائنه المواظبين على المطعم تغدوا في ذلك اليوم بكسرة الماء.
391
| 10 نوفمبر 2014
كان الطريق بينهما صامتاً في الغالب، لكنّ ثرثرة داخلية كانت تتكوم أحياناً في صمت المحجوب، وتنزّ من حين لآخر في شكل إشارة أو همسة أو نصف ابتسامة، ولم يتحدث بوضوح إلا حين حاذيا بيتاً من الحجر، مُقاماً على دكّة عالية، يخصّ أحد المهاجرين العائدين حديثاً إلى البلدة، لحظتها قال المحجوب إنه قد يشتري هذا البيت، فقط لو يتنازل صاحبه ويعرضه للبيع.وصلا أخيراً إلى استراحة الحكومة، ذلك البناء الحجري الصامد منذ زمنٍ طويل، اقتحما المدرّس وهو يقاسي في قيلولة الغرباء المحزنة التي لن تشبه أيّ قيلولة لأحد من السكان في تلك البلدة الريفية.كانت تحت يده رسالة يكتبها إلى أهله في الشمال، وأمام عينيه برقية وصلته للتو من مكتب البريد الصغير المتواضع، كانت في قلبه الجائع عواطف بحجم تلٍّ تغلي وتبرد، ويرقد بالقرب من فراشه القديم المتآكل كتابٌ وسيم من كتب الطهو، أحضره معه، ألقى عليه المقتحمان نظرةً عجلى لم يكملا خلالها تصفّحه بعناية، وسحباها.ذكّره شاطر، في شبه اعتذار، بأنه التاجر الذي اشترى منه التنباك في الأمس وصباح اليوم، ولم يكن من الصعب تذكّر تاجر توغّل فيه حتى عرف سيرته الذاتية، وامتلك إمكانية أن يحرّف فيها، عرّفه بالمحجوب بوصفه أحد الوجهاء الذين لابدّ لأيّ غريب أن يتعرف إليهم ويتوغل في معرفتهم. صادقاه عنوةً وبشكل سافر، وعلى مدى ساعتين وأكثر، حتى فقد تجهّمه، أصبح يضحك بقرقرةٍ من مصارينه، ويبتسم بأسنان صفراء من فعل التنباك، يناديهما بلقبين لا يشبهانهما، اخترعهما في التوّ واللحظة: شطّوري ومحجوبي، يتوغل أكثر، يصيح: يا ابنَي العم، يا ابنَي العم، ويضرب على أكتافهما بنشوة، وهما الخشنان اللذان كانت أكتافهما كأنها أكتاف نوق صحراوية.كانت الخطوة الأخيرة في غاية الأهمية، الخطوة التي قد تمحو في لحظة واحدة جريرة شاطر حين تحمّس بلا وعي واخترع فقرتين تافهتين لا يمكن أن تمرّا، لو درست الحضرمية سيرة الغريب، مرورَ نسمة رطبة تلفح الخد وتنزاح.في تلك الرفوف الداخلية في محله كانت للمحجوب عدة تذكارلات، لمّها من زياراته المتعددة للمدن ومن ضيوف يأتون أحياناً ويذهبون، واعتقد أنها تصلح لتزيين الخطة، وضعها في ذلك الكيس المعتم، والآن يخطو بجدية والغريب مدغدغ في نشوة الصحبة الجديدة: محجوبي وشطوري، ويعرف الآن أسماء الزوجتين، أسماء عيال الصاحبين الذين سيراهم قريباً، أسماء الجيران الذين سيحضرون وجبة عشاء سيقيمها المحجوب في بيته من أجله. كان ثمة شيء آخر التمع في ذهنه ولم ينطفئ، أن يحصل على وقود المزاج من عند شاطر بلا مقابل، وعدة خواتم أو أسورة من ذهب المحجوب، يعود بها إلى زوجته في أقرب عطلة دراسية.
305
| 03 نوفمبر 2014
كان قد أقيم منذ عشرين عاماً، في الطرف الشرقي من البلدة، وبالقرب من ضفاف نهر موسمي صغير اسمه نهر بابي، يمتلئ صيفاً، ويجف في الشتاء، نصب تذكاري من الحجر الأملس، تخليداً لذكرى الزعيم ماجوك، أحد زعماء القبائل المحلية، والذي قيل إنه أول من آخى بين أبناء الجنوب، وقبائل العرب التي نزحت إلى المنطقة من الغرب والوسط، وحتى من الشمال البعيد، واحتكرت التجارة بالكامل، وكان فيها دعاة مخلصون ساهموا في انتشار الإسلام بين السكان، وأيضا نصابون بلا ضمير، وعنصريون ما زالت تعربد في أذهانهم أحلام تجارة الرقيق المندحرة. قيل إن الزعيم ماجوك، ألقى بحربته في ذلك المكان بعد أن كسرها نصفين، وطالب الجميع بكسر حرابهم وإلقائها بجانب حربته، ألقى قصيدة شعر من نظمه بعدة لهجات محلية، تمجد التآلف، وتذم الخصام، وأشرف بعد ذلك على زيجات خصبة تمت بين العرب والزنوج، وأنتجت أجيالا تحمل ملامح من هنا وهناك، وعادات موروثة من الطرفين. في ذلك المكان، وتحت النصب مباشرة، كانت تنحر الذبائح في كل عام، تقدم الرقصات المبتهجة، ويأتي خلق كثير من أماكن قريبة وبعيدة، ليشهدوا ذلك الاحتفال الكبير، أو يشاركوا فيه بالغناء والرقص. وينتهز تجار البلدة تلك الفرصة، بنقل بضائعهم الخفيفة لتسويقها، وربما عثرت فتاة عازبة على زوج ما كانت لتعثر عليه في مكان آخر، أو التقى قلب واجف بقلب واجف، ودخلا في دوامة الحب المنكود، وكثيراً ما كانت الشرطة المحلية تعثر بين المحتفلين على لص هارب، نبشت البلدة بحثا عنه ولم تجده، أو يتهور أحد قادة المتمردين الكبار، بالظهور علانية وهو يرقص ويغني، معرضا حريته وحياته للخطر. وبالرغم من ذلك كله، لم تكن الصراعات بين العرب والزنوج، أو بين القبائل المختلفة للزنوج أنفسهم، قد انتهت تماما، وظلت باقية، لكن أقل حدة من قبل. في ذلك المكان بالضبط، ومنذ أكثر من عشر سنوات، التقى رابح مديني بسوشيلا أكوال التي تنحدر من قبيلة الزاندي المحلية، المعروفة بفروسية الرجال، وملاحة النساء، ولم تكن من سكان البلدة، لكنها قدمت من ريف بعيد لتحتفل أسوة بالجميع. كان رابح في نحو الخامسة والخمسين وكانت في التاسعة عشرة، هو تزوج وطلق، وتزوج وطلق مرة أخرى، من دون أن ينجب، وهي لم تتزوج قط. كانت أول فكرة خطرت في باله حين شاهدها حافية، مكسوة بعقود الخرز، وسن الفيل، ودائخة تحت نظرات الرجال، ترج جسدها في حمى الرقص الجماعي، هي أن يهديها صندلا متميزا بألوان الطيف، جلبه ذات مرة، في إحدى رحلاته الروتينية إلى أوغندا، ولم يعرضه للبيع قط، ألبسها الصندل في خياله، وجعلها تتمشى به قليلا، ثم تنزعه، وتقف أمامه برشاقة. عند تلك النقطة، لم يستطع أن يسيطر على مشاعره أكثر، همس في أذن صديقه آدم مطر الذي يقف بجانبه، وكان من نفس قبيلته، ويملك مطعما في السوق اسمه مطعم بابايا : قل لي يا صديق .. هل سأكون مغفلا، لو تزوجت من تلك الفتاة؟ بل تكون مغفلا لو لم تتزوجها. رد الصديق، وعيناه تتابعان الراقصة سوشيلا، وكانت تعدل قميصها الوردي، الذي بعثره الرقص، وتخرج من الساحة، بعد أن انتهت الأغنية.
765
| 27 أكتوبر 2014
لم يعد قسم السيد محارب إلى دار المزاين، خلال تلكما الشهرين أبدًا، كان كعادته بلا قرش إضافي يزيد على حاجته، وحاجة جدته عاقبة، وأخته السارة التي باتت من مستخدمي مساحيق التجميل الخطرين، ورواد صوالين التزيين التي تستهلك الكثير من المال، وتمنح القليل لوجه واحد مثل السارة، يحتاج إلى جهد كبير لتحويله إلى وجه جذاب، والمئة ألف دينار المطلوبة في دار المزاين، ستظل معلقة، ولا يعرف إلى متى.. وكان كلما مر بجانب دكة المطرودين في طريقه إلى عمله صباحًا، انزاح بوجهه بعيدًا، يخاف أن يرى الأفريقية جالسة عليها، تتكئ على حقيبتها القماشية، وتحاور يونانيًا، مشردًا، ومضفر الشعر، أو تصغي إلى مطالب غريبة من نمساوي معتوه لا يعرف أحد لماذا جاء أصلًا إلى هذه البلاد.. لا يستطيع الجزم أن تعاطفه تجاه مأساتها قد خف، لكن بالمقابل بات يخاف من ذلك التعاطف الخطر، يتمنى لو انعتق منه في التو واللحظة، يتمنى لو لم يكن أصلًا. المزيون الأخ، المتدرب في حلقة الدراويش جاء مرتين خلال تلك المدة. في المرة الأولى كان متحفظًا قليلًا، قال إن سميتا قد قطعت شوطا طويلًا في العلاج لدى الشيخ، وبات بمقدورها الآن، أن تأكل للجني وجبتين فقط، بدلًا من تلك الثلاث التي كانت تخصصها له، قال إنه شاهدها كثيرًا تتمشى في دار المزاين في منتهى الأناقة محاطة بفتيات معجبات، ولم يسمع لها شخيرًا غير إنساني، وشم في إحدى المرات، عطرًا نفاذًا ينبعث من جسدها، ولم يكن لجسدها عطر حين جاءت.. سأل في تردد عن المبلغ المطلوب، وماذا حدث في شأن تدبيره، وأجابه قسم السيد كاذبًا، بأنه اقترب من تدبيره بالفعل، وسيأتي بنفسه إلى دار المزاين، يسلمه للمهدي مساعد الشيخ، في يده.. أراد أن يسأل المزيون، عن الحكاء السعودي غيث بن بريك، وأين وصل في علاجه؟ أراد سؤاله وخاف من السؤال، انتظر أن يتحدث المزيون عن تلك الشخصية المهمة، في دار المزاين من دون سؤال، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.. وقبل أن يغادر المزيون عائدًا إلى تدريبه، لمَّح إلى أن ثمة صراعا خفيا، يدور بين المزيون الكبير ومساعده، يتناقله الدراويش همسًا، قال:- ربما تحدث تغييرات كثيرة هناك، أنا ذاهب.في المرة الثانية، كان المزيون أكثر أريحية، عرج على أخيه في بوابة الدخول عند فندق سواري، قبل أن يذهب إلى البيت ويستبدل زي الدراويش الأخضر. قال:- يقرئك الشيخ (هارون ) مساعد الشيخ المزيون السلام ويخبرك أن سميتا في صحة جيدة، ومعنويات عالية، ولم تبق سوى عدة أسابيع، وينتهي العلاج، وأن ذلك كله قد تم بلا مقابل.. لن تكون مضطرًا لأن تدفع شيئًا. جملة مفرحة بلا شك وتحتاج إلى زغرودة عالية، لو كان يستطيع أن يزغرد، لكن السؤال الملح في الوقت الحالي:- وأين المهدي؟أجاب المزيون، ولا تبدو على وجهه أي صيغة لانفعال خاص:- معنا في حلقة الدراويش، لقد خفض الشيخ رتبته.
794
| 13 أكتوبر 2014
مع إطلالة العيد، تقفز إلى الذهن تلك الأيام البعيدة، حين كان للعيد لونه وطعمه و مائدته الغنية التي يبسطها على الأجواء، لينهل منها الجميع. كان عيدنا في المدينة الساحلية، تلك المدينة الزهرة كما أسميها برغم صيفها الجحيمي، وجفافها المر، وطائر الغراب الذي يحلق في سمائها باستمرار، راسما بؤسا غريبا.. في تلك المدينة ولدنا وعشنا وعملنا، وأكاد شخصيا أعرف كل شبر فيها حتى بعد أن امتدت وترهلت بالبنيان، وتشعبت لغاتها بفعل ألسنة المهاجرين الجدد الذين وردوا من شتى بقاع البلاد. كان عيدنا شخصيا ملقى على عاتق العم (صابر)، الذي كان في ذلك الوقت شابا نحيلا جدا، يحب العطور والأناقة ويدرس في كلية الزراعة.. كان يحرص على القدوم من العاصمة في كل عيد.. في قلبه حب كبير تجاهنا، وفي قدميه استعداد غريب لتقودنا جميعا إلى ساحة العيد حيث متعة الصغار التي تبدأ من شروق الشمس وحتى غروبها.. كانت ساحة العيد ملتقى للهوس والضجيج وألعاب الحواة والسيرك وكثير من الحلوى المصنعة محليا وأيضا أحاييل الحظ التي قد تكسبك قرشا أو قرشين.. نفس الجو السحري الذي قرأته بعد ذلك في رواية (إيرنديرا الغانية) لجابرييل ماركيز.. كأن ماركيز كان يكتب تلك القطعة الملتهبة من مدينتنا في ذلك الزمن البعيد.. بصبر شديد من العم صابر، كان عيدنا يمر سلسا.. نتأرجح في أرجوحات الحبال الطائرة أو تلك التي تدور، نكسب بعض القروش من لعبة التنشين أو رمي القرش على الغربال، نشاهد (الزوحي) الذي كان حاويا شهيرا في تلك الفترة، يتحدث من بطنه، يحول مناديل القماش إلى طير يطير، أو يشق فتاة مبتسمة إلى نصفين.. وحين تغرب الشمس، نشترى الحلوى المحلية من نساء متخصصات فيها ولا يظهرن إلا حين يظهر العيد. في أحد تلك الأعياد، وكنا قد كبرنا قليلا وصار بإمكاننا غربلة العيد واستخراج برامج أخرى من جوفه، وانتقلت مهمة العم صابر إلى إخوة أصغر يقودهم في بهجة العيد بنفس صبره ودأبه، لم يظهر عمنا، ولم يظهر بعد ذلك أبدا.. فاجأته نوبة من نوبات الربو الموروث لدى العائلة، ومضى في أحد المستشفيات البعيدة دون حتى أن يودع أحدا. الآن أتذكر العم صابر جيدا. أتذكره برغم أكثر من ثلاثين عاما تفصل بيني و بين آخر عيد قضيته في صحبته. كان في ذلك العيد، يرتدي بنطلونا رماديا، وقميصا أزرق مخططا بالأبيض ويضع على عنقه منديلا معطرا بالياسمين، كان وضعه من سمات الأنيقين في ذلك الزمان.. أتخيل كهولة ربما كانت تشبه كهولته لو عاش، وأتشوق لسماع تعليقه عن الأعياد التي لم تعد تحمل اللون والطعم وما عادت حافلة بتلك الموائد التي ينهل منها الجميع.
367
| 06 أكتوبر 2014
في السطور التالية، أنشر جزءا صغيرا من شهادتي التي كتبتها منذ فترة، وقدمتها في عدة ملتقيات للكتابة، وكان عنوان الشهادة:مشكلة كتابة، أم مشكلة تلق ونشر؟ «حتى عهد قريب، كانت مسألة كتابة رواية، ونشرها، والعثور لها بعد ذلك على قارئ نشط يحاورها بصبر، ويغوص فيها كما فعل الكاتب، أمرا في غاية الصعوبة، لم يكن ثمة كتاب رواية كثيرون، ولا وسائل نشر، إلا تلك المطابع الورقية مطموسة الحبر، وعدد محدود من دور النشر في وطننا العربي، يحتفي بأسماء معروفة، ولامعة، ولا يود أن يضيف إليها كاتبا جديدا مهما كانت موهبته. وكان على الذي ابتلي بمرض الكتابة، أن يحمل نصه المكتوب بخط اليد، يدور به من جهة رافضة إلى جهة رافضة، وغالبا ما ينتهي به الأمر، إلى نسيانه تماما، أو نسخه في إحدى المكتبات، وتوزيعه على عدد محدود من الأصدقاء، ربما هم الذين شجعوه أصلا على الكتابة.. وإن صادف أن عثر الكاتب على دار نشر ترعى نصه، أو جهة داعمة تمول أمر نشره، فذلك حدث كبير بلا شك، يستوجب الاحتفاء.على صعيد آخر، كانت الصفحات والملاحق الثقافية في الصحف، على قلتها، تحتفي بكل ما يكتب، وأحيانا تنشر أخبارا عن أعمال روائية تصدر قريبا، بينما تكون تلك الأعمال ما تزال مجرد ثرثرة على ألسنة كتابها، أو مخطوطات لم تجد طريقها إلى النشر بعد. وأذكر حين بدأت كتابة روايتي الأولى المسماة (كرمكول)، وكنت طالبا في كلية الطب، هنا في مصر، أكتب الشعر، وأجلس للثرثرة في المقاهي كما يفعل الكتاب، وتحدثت بالطبع عنها، وأنها ستكون روايتي الأولى، أن نشرت إحدى الصحف خبر صدورها عن الهيئة العامة للكتاب، بخطوط عريضة على خلفية سوداء، وحين انتهيت منها بعد أشهر من ذلك، ظللت أحملها كما أحمل كنزا، أقرأ مقاطع منها لكل من أعرفه، وأعرضها على الناشرين واحدا بعد الآخر، من دون أن يكلف أحد حتى مد يده، وقراءة صفحة منها ليقرر إن كانت تصلح للنشر، أم لا؟ وكنت محظوظا بشدة، كما أعتقد، لأن أحد الإخوة المثقفين، نظر فجأة بتمعن إلى معصمي الأيسر، وطلب مني أن أريه ساعتي، وكانت من ماركة رولكس الغالية، هدية وصلتني ولا أعرف قيمتها، ثم ليصطحبني ذلك المثقف إلى أحد أماكن الرهن، حيث بقيت تلك الساعة حبيسة هناك، إلى أن استرددت قيمة رهنها من جراء بيع كتابي، وكنت أحمل نسخه في حقيبة على كتفي، أتسلق به القطارات، وباصات النقل العام، وأطوف به أقاليم مصر كلها، أوزعه للطلاب.وكان ما كتب عنه في الصحف، بعد ذلك، قد أسعدني، وكاد ينسيني تلك التجربة المريرة، والتي أتذكرها الآن وأستغرب من كوني خضتها، ولو عدت الآن إلى ذلك الزمان، لما فعلت ذلك أبدا، ولما كتبت حرفا إضافيا، لتلك الرواية التي غير نشرها مسار حياتي».
307
| 29 سبتمبر 2014
كنت وما زلت من المغرمين بكتابة السيرة، وأعني بها كتابة أحداث ومواقف مررت بها ذات يوم، سواء أثناء ممارستي لعملي الطبي أو عملي الكتابي، وهذا ما فعلته في سيرة الوجع التي سجلت فيها فترة خصيبة من تاريخي الشخصي في مدينة طوكر في أقصى شرق السودان، وكنت أسميها: البلدة البعيدة، وكتابي مرايا ساحلية عن طفولتي في مدينة بورتسودان الساحلية أواخر ستينيات القرن الماضي، وقلم زينب، وهو آخر كتبي السيرية، ويتحدث عن تلك الفترة التي عملت فيها بقسم النساء والتوليد بمدينة بورتسودان، وكانت أيضا فترة لها أثر كبير في التكوين المعرفي بعد ذلك.ولما كنت أفصل دائما بين الرواية والسيرة، بمعنى أن أكتب على النص رواية، إن كان كذلك، وعلى نص السيرة بأنه سيرة حتى لو لامست لغته الرواية أو اتخذ بناءها، فإن القراء دائما ما يسألون عن عدم وجودي داخل الروايات، وأنهم طالما بحثوا عني ولم يجدوني، وحقيقة هذه ليست ميزة، وإنما منحى من مناحي الكتابة، وكثير من الكتاب العظماء كتبوا رواياتهم من وحي سيرهم الشخصية وأخرجوها لمتعة القراءة، ويوجد كتاب مثل الروائي الراحل أرنستو ساباتو، كانوا يكتبون روايات متخيلة وينشرونها باعتبارها سيرا ذاتية، إمعانا في تشويق القارئ وربطه بالكاتب غير الموجود حقيقة داخل نصه المتخيل، لكن هل كل ما نكتبه باعتباره سيرة هو حقيقي فعلا؟، وإننا لا نفعل مثل ساباتو ونكتب السير المتخيلة؟بالنسبة لي أؤكد تماما أن ما أصنفه سيرة فهو سيرة، ليس بالطبع بنفس الأسماء التي واكبت حدوث الموقف، ولكن كل التفاصيل الأخرى حقيقية، ولطالما واجهتني ضغوطات من مخيلتي أثناء الكتابة بأن أتدخل وأضيف بعض التوابل على أحداث ما، ودائما ما أقمع تلك المخيلة، وأواصل الكتابة عن واقع صرف عشته ذات يوم وعاشته شخوص العمل.بالتأكيد يبدو الأمر مغامرة كبيرة أن تكتب حياة آخرين من دون إذن، أو تسجل حدثا معينا ما كان يظن أنه سيسجل ذات يوم، وربما تحدث مشاكل كثيرة من جراء ذلك، وهذا بالضبط ما جعل الكثير من الكتاب يحجمون عن كتابة السيرة، أو يكتبونها مع التعديل باعتبارها رواية، وقد قرأت كتاب بائع الكتب في كابل، وكان سيرة لعائلة سلطان بائع الكتب الأفغاني الذي يملك مكتبة في وسط كابل وعائلته، كتبتها صحفية أمريكية عاشت بينهم لمدة عام تقريبا، واقتربت من خفاياهم ومن خلال تلك السيرة نبشت أفغانستان في عهد الطالبان نبشا شديدا، وسعى بائع الكتب الذي وافق على كتابة أسرته في هذا الكتاب من قبل إلى مقاضاتها بعد أن انتشر الكتاب عالميا، باعتبارها انتهكت خصوصية عائلة محافظة وعرضتها للعالم. وتجد في السير العربية أمورا مشابهة ذهب فيها البعض إلى القضاء ولم يذهب البعض الآخر..
679
| 22 سبتمبر 2014
دخلا في الليل، في الخوف، في الظلال، في السعر الذي قد يجيء وفي الثعابين التي قد تهجر الشقوق. لم تكن ثمة كلمة متبادلة، نجَّام بالثوب حتى مستوى السرة والهمّ حتى مستوى القلب، وولد الحُور حزينٌ وخائف، وخطط لمستقبلٍ غامض في ريفه البعيد: قد أفتح متجري في «أم حراب»، قد تعفو عني أمي الغالية حين ألثم رأسها، قد يقبلونني مزارعاً أو حطّاباً أو غاسلاً للموتى، قد أتزوج، قد أنجب، وعندما وصلا بيت نجَّام كانت «قد أموت» هي الفكرة الأخيرة التي تولّدت في ذهن ولد الحُور. قد أموت... نعم قد أموت. كانت المرة الثانية التي يدخل فيها بيت نجَّام برغم لقاءات المغص بينهما والتي كانت تتم غالباً في الطريق. يكرهه لأنه سلب الرزينة من عينه ومن نطاق مراقبته، ويحبه لأنه أبقاها في صدر أمٍّ لا في صدر رجلٍ يشتهي.. تناقشا كثيراً بالألسن، وتطاولا على بعضهما، وسبّا قبائل البيقو والتنجر والمساليط والبراقيد سباباً بلا حصر، لكن المحصلة واحدة: الرزينة عند نجَّام، والرزينة في قلب ولد الحُور، ولابدّ من تفاهم.. فكرته عن الخصيان كانت مشوشة، وكانت هي نفسها فكرة الخصيان عن أولاد الحُور: الشياطين التي تتبع، الخبث والوسواس، ولعنة الدنيا والآخرة.كان بيت نجَّام مرتباً: المقعد يبدو مقعداً والسرير سريراً وأدوات الطبخ لا تقل اكتمالاً عن أي أدوات طبخ في مطبخ نسائي. يقول إنه تخصص في حساء الطيور الجارحة، ويقول مطبخه إنه تخصّص في كل شيء.– جئت به يا رائعة.مجدداً يا رائعة، ومجدداً ارتعاش الغرور في الجسد الهائم. أين كنت في طفولتي يا نجَّام؟ أين كنت في صباي؟ ولماذا يا رائعة بعد أن تمزقت الرائعة؟– نعم يا رزينة.لم يقل «يا رائعة»، جبروتي ليس أنيقاً في الكلام ولا بارعا في المواساة كالخصي نجَّام، ولا تهمه من كل تلك الدراما المتشابكة، منذ أن اختفى أخوها، إلا رعشة الحب. حسناً، أحببتني، وصنعت العطور من أجلي، وهجرت الريف لتظل قربي، وتقدمت للزواج مني، ووضعتك في مهلةٍ قاسية، وأنت تنتظر، وأنا لا أحبك، وأنا لم أفكّر، وأنت مسكين... دمعتي ستنحدر!– جبروتي، هل ما زلت تنتظر ردّي؟– نعم أنتظر.بالمسكنة نفسها، بالإذلال الذي ما استردّ أبداً كرامة، شمّاعة الظروف، شمّاعة الفتاة الجريحة، اليتيمة والتائهة والتي تنتظر أخاً في ذمّة الرعاع.– أنا آسفة يا جبروتي، لن أتزوجك ولن أتزوج أي رجلٍ آخر.– لماذا؟ لماذا يا رزينة؟ لماذا يا رائعة؟«يا رائعة» من دون قصد. في لحظة الصدمة يتكسّر اللسان وينشف الريق، وبرغم توقعه للنهاية، وبرغم أنه حزم أغراضه الهزيلة بالفعل وصفّى تجارة العطر وراسل أهله في الريف يبشّرهم باقتراب العودة، وبرغم أنه باع سراويل غالية كانت مدّخرة للعرس واعتذر لمدعوين يعرفهم ووضعهم داخل مهلة التفكير نفسها، وبرغم أنّ الردّ جاءه وأنّ الريف هو الريف ولا يزال فاتحاً ذراعيه، إلاّ أنه صُدم. تراجع إلى الوراء... تقدّم إلى الأمام... بكى بأبيض العين وأسودها والرموش كلها، ولم ينصرف لأن قدميه كانتا مشلولتين، ولم يبقَ لأن البقاء ذلّ، والتصق بباب الخروج ولم يخرج.
569
| 15 سبتمبر 2014
كانت الحكايات الغريبة كلها في شارع "بكيت بنتاج" في وسط المدينة، شارع العرب كما يسميه العرب أنفسهم، حيث المطاعم الشرقية والغربية، ومولات التسوق العملاقة، ومحلات التدليك التي يمكن أن تنقلب في أي لحظة إلى جحور أفاع، كان المتسولون يلونون أجسادهم بألوان قوس قزح، السواح يترنحون بثقل الامتصاص القوي، وكاميرات الكانون والنيكون والياشيكا، وعازفو الأكورديون والساكسفون، والجيتارات الممزقة، يقيمون احتفالات ضاجة في الأركان، وإشارات المرور الحمراء، والناس متجمهرون أو ماضون في طريقهم.لقد فتنت كثيرا بالمقاهي المتعددة، تمنيت أن أدمن أحدها وآتي يوميا لأكتب فيه، لكن ذلك لم يحدث مع الأسف بسبب انشغالي أثناء الرحلة. كان كل شيء موحيا وكل شيء يدفع للكتابة.عدت بذكرياتي تلك إلى بلادي مبتهجا، أحس بفوران في الدم، وحموضة في المعدة، وأتوقع أن يسرقني نص جديد في أي لحظة من حياتي اليومية المعتادة، حين أكون بلا كتابة ولا إيحاء، ويكون مدعما بتلك الذكريات، وهيأت نفسي لذلك بالفعل.فكرت أن يكون الصيني، معالج الإبر: ماستر تولي، معالجا محتملا لنار الهوى في صدر عاشق منهزم سيُكتب، أو عاشقة هي أيضا أحبت وانهزمت بلا خيار. أن تكون السكرتيرة "أنانيا فاروق"، تلك الأميرة الهمجية التي ستتسكع في أزقة همجية، باحثة عن رجل شاهدته للحظة في متحف بدائي، ولم تنسه أبدا، وأن يكون اليساري "هوشي هيسوكا"، هو مدرس علم السياسة في جامعة ممتلئة بالطلاب، ومحرضا لثورة كبيرة، ستهب في داخل النص الذي سأكتبه، وتطيح بديكتاتور عظيم. فكرت أن أنقل فوران الشوارع كلها، والحدائق كلها إلى بلادي الراكدة برغم محنها المتعددة، وقطعا سيظهر أفندي عرفان، سائق عربة الأجرة، الذي رافقني طيلة بقائي هناك، وأغرقني بتفاصيل ماضيه وحاضره، سائقا هنا أيضا، ولكن لعربة أجرة أخرى، لا تشبه تلك المزركشة التي اعتاد عليها طوال حياته. لكن ذلك كله لم يحدث ولا أمل في حدوثه، وقد علقت في تداعيات روايتي أمنيات الجوع، وما كنت أظن أنها رواية خطرة إلى هذا الحد، حين كنت أكتبها بلا وعي.لقد نشرت أمنيات الجوع في دار نشر محلية، أتعامل معها أحيانا، قبل سفري بثلاثة أشهر، كانت رواية متوسطة الحجم، تتكون من مائتين وعشرين صفحة، وتتحدث بخيال صرف، لا علاقة له بالواقع من قريب أو بعيد، عن رجل أربعيني اسمه نيشان حمزة نيشان، كان أميا، يعمل ساعيا في مدرسة ابتدائية، مهمته إعداد الشاي والقهوة وجلب الإفطار الروتيني للمعلمين، والركض بين المكاتب حاملا ملفا أو ورقة أو نداء، وتعلم القراءة والكتابة بإصرار غريب، وحصل على الشهادة الابتدائية والمتوسطة والثانوية وقد تجاوز الخامسة والأربعين، وقبل أن يدخل الجامعة بفترة قصيرة، وكان قد قرر أن يدرس القانون، ويصبح قاضيا، أصيب بمرض الفصام الموسمي الموروث في عائلته، والذي يصيبه لشهر أو شهرين في العام، ويجعله يستمع لأصوات الوهم التي تناديه، يعارك نفسه، يتحرش بالحياة وتفاعلها ويصنع دمى من القماش الرخو، يحشوها بألعاب الأطفال المتفجرة، ويلقيها على الرجال المتأنقين، والفتيات الجميلات في الشوارع، وربما حمل سكينا حادة وهاجم بها أحدا بلا تمييز، أو ارتدى شخصية عامة، مثل رئيس البلاد، أو قاضي القضاة، أو حتى خياط مشهور في المدينة، وتصرف على أنه تلك الشخصية، وحين تغيب أعراض الفصام أو تضعف في لحظات استراحة، يعود إلى حياته اليومية، شخصا عاديا لا يذكر إلا ما يذكره به الناس، يعتذر لكل من أصيب برذاذ من الهيجان، ويعاود محاولاته المستمرة لدراسة القانون.
439
| 08 سبتمبر 2014
هنا مقطع من روايتي مهر الصياح، بمناسبة صدور طبعتها الثالثة:وقد تزامن اشتعال الحرب مع تلك العصابات التي نظمتها ذئاب البراري بعد أن أحست بالأمن في غيبة الأقوياء، كانت عصابات منظمة وتستهدف الدجاج وما تبقى من الغنم، وتسلطنت على كثيرٍ من القرى، وترتّب على ذلك أن قويت شوكة النساء الملولات وعاشقات الانتظار فالتقطن نخوةً غريبة عالجن بها الأمر.وفي تلك الأيام أيضاً نشطت الخيالات المتأججة عن جمال الكردماليات، عن شعورهن التي كالليل ووجوههن التي كالقمر، وعن أجسادهن التي تشد اللعاب. «السبايا السبايا...» كان الرجال يرددون. «اللعنة اللعنة...» كانت الأنسابيات يهتفن.ثم جاء الخبر الثقيل بغتةً يتراكض من منبع الحرب بعد ستة أشهر من اندلاعها، فقد استولى الأنسابيون على سلطنة كردمال بالفعل، وصلوا حتى عاصمتها دبيرا وفرّ سلطانها هاشم درب إلى جهةٍ غير معلومة ربما كانت ممالك الوسط. كانت أخباراً مؤكدة لأن كثيراً من المقاتلين عادوا، عادوا وبرفقتهم تذكارات كردمالية جلبوها من هناك، وعادوا وبرفقتهم جروح لم تندمل بعد وآثار هلع نفسي كبيرة. وفي ساحة أنسابة الكبيرة، التي كانت مخصّصة للفرح ومخصّصة للحزن ومخصّصة لأشياء أخرى عديدة، تجمّع أهل «جوا جوا» وأهل الجوار وأهل تلك الجبال البعيدة الذين قدموا على عجل واسعي الآذان، كانوا على موعد مع الأب الشيخ يوسف كرا نائب السلطان في خطابٍ مفسِّرٍ للأمر. كان خطاباً كبيراً بالفعل ألقاه صوت الهيبة الرقراق في بطءٍ وفي تفاؤل: وصف الذين تحمّلوا وزر الحرب بالمجاهدين والذين ماتوا بالشهداء والذين عادوا إلى البلاد بالأبطال العائدين؛ وصف السلطان رغد بالقائد والكبير ودخوله دبيرا عاصمة التمرّد بدخول النور المشعّ إلى أرض الظلام، ولم ينسَ أن يلمع فقرةً خاصة يدهن بها سيرة مساعد، عين الوطن التي ما نامت منذ وجدت ولن تنام ما بقيت. وحين سُئل عن حقيقة الجرح الذي أصيب به السلطان في كتفه من سهم أثناء مطاردته الخونة في أحراش كردمال وضّح صوت الهيبة الرقراق بأنها شائعة ربما بثّها الخونة أنفسهم إحداثاً للبلبلة، وأنّ مولانا في أتمّ صحة وعافية.ونطّت واحدة من جيل أنسابة الجديد، الذي غيّر كثيراً من زيّ المرأة وصوتها وطريقة تفكيرها، إلى حلق الهيبة الرقراق:– ما موقعنا في خطة التعمير الجديدة، نحن الفتيات الأنسابيات، أبي الشيخ؟ هل سنعمل ونعمر أم نظل قعيدات البيوت؟كان سؤالاً مباغتاً هزّ في الشيخ المهاب كيانه الهرموني. لم يكن من سلطة يوسف كرا أن يقترح وأن يحلّ وأن يربط وأن يواكب الطموح المتمرد، ولم يكن في ذهنه خطٌّ واضح يسير به خلف واحدة تحررية إلى النهاية. تنحنح واضطرب وبانت قواطع ذهبية مخبأة بين شفتيه، قال:– حين يعود مولاي.. حين يعود مولاي.سُئل عن مكافأة الأبطال.. حين يعود مولاي؛ عن دعم أسر الشهداء، عن خفض أسعار السلع، عن دعم السلطنة للبرسيم، عن الغلال الغائرة في الأرض وجشع المزارعين.. حين يعود مولاي، حين يعود مولاي.
455
| 02 سبتمبر 2014
استيقظت مرتبكةً وغارقةً في العرق وتحسّ بوخزٍ غريب بين ضلوعها وألمٍ في أسفل البطن. جلست تستعيد الحلم، تحاول تجميله بالخيال الواعي، أرادت أن توقف الهلوسة عند عقد الماس ويد السلطان التي تتنزّه بين ثنايا شعرها، أرادت أن تحذف الخنجر والدم والدابة الأخوية وبصاق ولد الحُور المرّ... لم يكن الأمر سهلاً ولم تستطع أبداً أن تتغاضى عمّا فعله جبروتي، حتى لو كان ذلك داخل هلوسة. اعتدلت في جلستها ونادت على نجَّام الذي كان متوفراً بقربها وساهراً وهاضماً لنعاسها منذ كانت تبتسم وحتى لهثت وتشنجت وقامت تسبح في العرق.– نعم يا رائعة. ناداها بلقب طالما تمنّت أن تمتلكه وكأنه كان يقرأ أمنياتها: يا رائعة! يا رائعة! تمنّت أن يولد ذلك اللقب في صغرها حين كان الصغر رائعاً بالفعل؛ تمنت أن يولد في ميعة الصبا التي لم تكن أبداً غير ميعة فقيرة، وتمنت أن يولد حين صاحت في الجمع، وحين بكت، وحين حملها التعاطف الكبير في الأيدي... يا رائعة! يا رائعة!– جئني بجبروتي ولد الحُور فوراً.– لماذا؟– لقد انتهيت من التفكير. قالتها وألقت برأسها إلى الوراء في حركةٍ غامضة. إذن فقد دخل جبروتي عالم الرزينة الحقيقي بقوة، أو خرج من ذلك العالم بقوة. كان الليل في أشد ساعاته ظلاماً وفي أكثر أيام الشهر انعداماً للرؤية، التفاصيل غير المكتملة، الظلال، كلاب الفقر تنبح بعصبية، قططه تموء بتخاذل، ولا بدّ من ثعابين وعقارب ومصائب لا تعدّ ولا تحصى. كان جبروتي في الحي نفسه، ولكن الحي موحش، والرزينة تريد جبروتي ولن تسكت حتى يجيء. – الصباح رباح يا رائعة. – لا. – الناس نائمون يا رائعة. – لا. – لا يوجد قمر يضيء، لا توجد رؤية. – لا. استعان نجَّام بفانوسٍ شاحب وناضب الوقود تقريباً، كان يمشي ويلتفت، ويقف ويلتفت، يشمّ عواءً في الظلال ويرى بعيني الخوف المفتوحتين شجرةً تتحرك أو كلباً يسعى إلى العض. تجربة أمومة الرزينة لماذا تجربته هو دون سائر أهل السلطنة؟ ولماذا تجيء تلك التجربة بالذات وفي هذه الظروف؟ نصيب، لا بدّ أنه نصيب. وصل إلى جحر جبروتي والمشقة ليست حوله ولكنها ترتديه، كان الباب موارباً وكان الدخول ملاذاً وكان جبروتي ساهراً وعلى ضوء فانوس هزيل، لعله يبكي أو لعله يصنع عطراً مسمّماً، ولأول مرة لاحظ نجَّام أن ولد الحُور كان نحيلاً جداً، وجهه فكّان بلا كساء وهيكله مجرد هيكل عظمي، وكان متأنقاً في ثوبٍ رمادي وسروالٍ أبيض وعمامة أولاد العاصمة غالية الثمن. لم تكن هيئة رجلٍ نام واستيقظ، ولا هيئة رجلٍ نعس، ولكنها هيئة رجلٍ لن ينام ولن ينعس. لم يكن متفاجئا بزيارة نجام، بل على العكس كأنه كان ينتظرها: ثمة بنٌّ يُعدُّ في موقد، وثمة أكواب مزركشة، وترحيب أنيق هبّ من وسط الدمع:– اجلس يا نجَّام، اجلس. جلس على الأريكة الخشبية الوحيدة في وسط جحرٍ لم تكن فيه سوى طاولة ومقعدين وأريكة خشبية. كان في حاجة إلى وخز البن فلم يرفضه، وفي حاجة إلى التقاط الأنفاس فالتقط أنفاسه:– الرزينة تريدك يا جبروتي.
603
| 25 أغسطس 2014
مساحة إعلانية
في مقالي هذا، سأركز على موقفين مفصليين من...
4536
| 20 يناير 2026
التحديثات الأخيرة في قانون الموارد البشرية والتي تم...
762
| 20 يناير 2026
في زمنٍ تختلط فيه البوصلة وتُشترى فيه المواقف...
732
| 20 يناير 2026
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم...
681
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت...
663
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم...
624
| 22 يناير 2026
لا أكتب هذه السطور بصفتي أكاديميًا، ولا متخصصًا...
531
| 22 يناير 2026
عاش الأكراد والعرب والأتراك في سوريا معًا لأكثر...
516
| 20 يناير 2026
بحكم أنني متقاعدة، وبحكم أكبر أنني ما زلت...
516
| 25 يناير 2026
ليس كل من ارتفع صوته في بيئة العمل...
462
| 26 يناير 2026
«التعليم هو حجر الزاوية للتنمية… ولا وجود لأي...
459
| 21 يناير 2026
لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت...
438
| 25 يناير 2026
مساحة إعلانية