رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يعد الزواج عند كثيرين لحظة بناء بيت وميثاق غليظ كما أرادته القيم والدين، بل تحول تدريجيا إلى ساحة منافسة واستعراض، تتقدم فيها الصورة على المعنى، والواجهة على الجوهر، والبذخ على البركة.
نجد في أعراس النساء تحديدا، مشاهد وصورا تتكرر بغرض التباهي والتصوير..واستعراض أشكال العطور، وعربات تتزاحم عند المدخل وفي الصالة، عربات حلوى ومشروبات بمبالغات لا تتناسب مع طبيعة المناسبة، إلى جانب قائمة طعام فندقية مختارة ومكلفة ولا تجد من يتذوقها ليكون مكانها الرمي بإسراف منهي عنه..!
تختم الحفلة بعادات جديدة بتوزيع وجبات أطفال وبورغر وبطاطا مقلية..توزع وكأنها نهاية ساخرة لوليمة يفترض أنها وُضعت بعناية وبأثمان مرتفعة! كل ذلك يخرج بالفرح من معناه الحقيقي إلى دائرة الاسراف والإنفاق المبالغ فيه، وكأن الهدف لم يعد زواجا وبداية حياة، بل حدث ضخم يصنع “لقطة” ويحقق “ضجة”.
تأتي هذه المقدمة في ظل قرار منع عربات القهوة في قاعات أعراس الرجال، بذريعة أنها تخالف العادات والتقاليد وتدفع للاسراف. وهنا يبرز السؤال بوضوح..لماذا تُناقش مظاهر بعينها في جانب، بينما يُغض الطرف عن سوق كامل من المبالغات في جانب آخر؟ وهل الهوية الوطنية والاسلامية حكر على جنس الرجال فقط؟ الهوية لا تتجزأ، وهي لا تنطلق من الرجال وحدهم، بل تبدأ من المرأة زوجة وأما وأختا وابنة، ومن داخل البيت تحديدا تتشكل الاخلاق والذائقة والقيم وحدود المقبول.
ما نراه اليوم في كثير من الأعراس ليس مجرد رفاهية، بل تقليد للغرب وتقاليد دخيلة وعادات لا تشبهنا، فقرات ومظاهر لا تتوافق دينيا ولا اجتماعيا، ناهيك عن التصوير لكل صغيرة وكبيرة من اجل الانستغرام والشهرة وطلبا لتحقيق ذات مزيف..يبدأ من تصوير المنظم وكأنه بطل الحكاية، تصوير مدربة المظهر والحركة، تصوير المصورين، ثم الاكثر خطورة.. تصوير جسد العروس بتفاصيل خاصة جدا، فستانها، مجوهراتها، حذاؤها، لحظة ارتداء الفستان مع اخفاء الوجه، وعبارات دخيلة على “بروب” مكتوب عليه العروس bride وكأن الخصوصية تحولت إلى محتوى للبيع والعرض. لماذا وصل بنا الحال إلى تكرار الترويج لافراح وأجساد العرائس؟ ومن الذي فتح الباب لتحويل ليلة الزواج إلى منصة اعلان ومزاد نظرات؟
وتزداد الظاهرة حدة حين يقرر البعض الزواج في قصور وأماكن خارجية في دول أجنبية، وكأن الوطن لا يملك قاعات تنظيم ولا قائمة طعام ولا مذاق شوكولاتة وحلويات يضاهي ما هناك. الحقيقة ان الهدف عند بعضهم لم يعد فرحا كريما، بل “شهرة” وتباهٍ وتنافس.. بين صغار العقول..زواج في ايطاليا او فرنسا او جزر المالديف. ثم نسمع في المقابل قصصا مؤلمة..ملايين تدفع، والنهاية طلاق سريع، وتبقى الفاتورة الثقيلة على الاسرة والنفس والسمعة.
من هنا، تصبح القضية جديرة بمناقشة جادة تحت قبة مجلس الشورى، بوصفها ظاهرة اجتماعية واقتصادية وقيمية تمس استقرار الاسرة. المطلوب ليس تجريم الفرح ولا التضييق على الناس، بل حماية الفرح من التحول إلى اسراف.
نحتاج إلى توصيات واضحة بالتنسيق مع الجهات المعنية..تحديد سقف منطقي لانفاق قاعات الافراح، تنظيم عدد المدعوين، منع الاضافات المتضخمة من عربات ومشروبات وتوزيعات لا معنى لها، ووضع ضوابط صارمة للتصوير والنشر خاصة ما يمس خصوصية العروس وكرامة المناسبة. كما ينبغي الوقوف أمام بعض ممارسات المنظمين، حين تتحول “الباقات” إلى شروط ملزمة لادخال مشاريع منزلية محددة ضمن الاتفاق، في تعاون ربحي يفرض على الاسرة دون حاجة.
آخر جرة قلم: اننا لا نحمي جيلا بتعليمات جزئية، ولا نصون الهوية بقرارات انتقائية. نحن بحاجة إلى وعي مجتمعي وتشريع تنظيمي يعيد الاعتبار لمعنى الزواج..سكينة ورحمة وستر، لا استعراض وديون ومحتوى. فاذا سمحنا للدخيل أن يتمدد بلا ضابط، سيأتي يوم نجد صغار العقول يطلبون ما هو ابعد، ويبحثون عن “الاختلاف” بأي شكل، حتى لو وصل بنا الخيال إلى زواج في كنيسة. وحينها لن ينفع الندم، لأننا ببساطة تنازلنا خطوة بعد خطوة عن قيمنا، حتى تلاشت الحدود…لنستيقظ وندرك خطورة هذه الأمور الدخيلة والتصرفات التي تمس اعلى قيمة في المجتمع وأعلى ميثاق الزواج وتكوين أسرة صالحة..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله في تفاصيل فنية أو نتائج آنية، بل يجب النظر إلى البنية الكاملة للفريق، بدءًا من الإدارة، مرورًا بالجهاز الفني، وانتهاءً بروح اللاعبين داخل الملعب. ومن هذا المنطلق، يبرز الشمال كنموذج متكامل لفريق يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه. إدارة الشمال تقدم مثالًا واضحًا في الحزم والوضوح والاستقرار. القرارات تصدر بثقة، والرؤية واضحة، والدعم متواصل، ما ينعكس مباشرة على حالة الفريق داخل الملعب. هذا الاستقرار الإداري منح المدرب المساحة الكاملة للعمل، فظهر حضوره قويًا، واضح الشخصية، قادرًا على فرض الانضباط وبناء مجموعة تؤمن به وتقاتل من أجله. المدرب في الشمال ليس مجرد اسم، بل قائد فعلي، يزرع الثقة، ويخلق الانتماء، ويحول اللاعبين إلى وحدة واحدة. أما اللاعبون، فيمثلون جوهر هذا التفوق. يتميز الشمال بلاعبين يمتلكون المهارة، لكن الأهم أنهم يمتلكون العقلية. روح جماعية عالية، التزام، استعداد للتضحية، وقتالية واضحة في كل مواجهة. الفريق يلعب بشراسة إيجابية، لا تعرف الاستسلام، ويقاتل على كل كرة، وكأن كل مباراة معركة إثبات جديدة. هذه الروح لا تُشترى، بل تُبنى، والشمال نجح في بنائها بامتياز. في المقابل، يفتقد أم صلال لهذه المنظومة المتكاملة. غياب الاستقرار الفني، وتراجع الحضور القيادي، وانعدام الروح الجماعية، جعل الفريق يبدو بلا هوية واضحة. اللاعبون يدخلون المباريات دون تلك الشراسة المطلوبة، ودون الإحساس بالمسؤولية الجماعية، ما ينعكس على الأداء العام ويكرّس صورة فريق يفتقر إلى الشخصية والقتال. الفارق بين الفريقين ليس في المهارة فقط، بل في الذهنية. الشمال فريق يؤمن بنفسه، بإدارته، بمدربه، وبقدرته على المنافسة حتى اللحظة الأخيرة. أم صلال، في المقابل، يعاني من غياب هذه القيم الأساسية. كلمة أخيرة: يتألق فريق الشمال بانتصاراته الساحقة، مما يبرز براعته الإستراتيجية وقوة إرادته، بينما يعاني فريق أم صلال من إخفاقات متكررة، لتتكشف أمام الجميع الفجوة بين العزم والضعف، مسجّلة درسًا حقيقيًا في مجريات المنافسة الرياضية.
2106
| 04 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م، لم تُسجَّل له معركة كبرى أمام القدس ولم يُحاصرها بجيش يزلزل الأرض. ومع ذلك تسلم مفاتيح بيت المقدس، وذلك باتفاق مع السلطان الأيوبي الذي ليس له من اسمه نصيب (الملك الكامل). هذا الحاكم سلّم بموجب اتفاق مفاتيح القدس. لم تكن هزيمة عسكرية، بل تنازلًا سياسيًا مُخزيًا ووصمة عار في جبين الأمة حتى يومنا هذا، ولتصحيح هذا الخطأ مات الكثير من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا يقف السؤال في وجه التاريخ: لماذا أُعطيت القدس بهذه السهولة؟ الجواب المؤلم يبدأ من داخل الدولة الأيوبية آنذاك لأنها كانت تعيش انقسامات. والكامل هذا كان في صراع مع إخوته وأقاربه على النفوذ في الشام، ويخشى تحالفهم ضده. فاختار أن يجعل الدولة الصليبية حائط صد بينه وبين إخوته، فماذا فعل؟! أعطى لفريدريك مفاتيح أقدس مقدسات المسلمين بلا مقابل، فقط ليأمن على سلطانه في مصر. صارت القدس ورقة في لعبة توازنات داخلية. لم تُبع في سوق، لكنها استُخدمت لتثبيت كرسي. بمعنى أوضح، مدينة بقدسيتها، بتاريخها، بدماء من سقطوا دفاعًا عنها، تحولت إلى بند في معاهدة. وهنا تكمن المرارة لأن القدس لم تكن أرضًا عادية، بل رمزًا دينيًا وحضاريًا استعادها قبل عقود صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين، وما أدراك ما حطين مشروع طويل من الإعداد والوحدة والتضحية. يومها لم تكن المسألة كرسي حكم، بل قضية أمة. صحيح أن بعض الروايات تبالغ في تقليل عدد من رافق فريدريك إلى أقل من 1000 مقاتل فقط لأنه كان مطرودًا من البابوية وغير مرغوب فيه في أوروبا وليس له وزن، ومع ذلك يتسلم هذا المطرود المنبوذ مفاتيح أولى القبلتين. وهنا الدرس الذي لا يشيخ: حين تنقسم الصفوف، يصبح الخصم أقل كلفة. لا يحتاج أن ينتصر، يكفيه أن يراقب وينتظر. هذا الفريدريك قام بمجازر ضد المسلمين في صقلية، وأرسل إليه الكامل يطلب منه التوقف لِظن هذا الناقص أن فريدريك سيحفظ له فضل وجميل إعطاء القدس كهدية، ولكن فريدريك مزّق المسلمين وفعل بهم الأعاجيب. وليس اليوم ببعيد عن أمس، فمن يظن أن الغرب يهتمون بدماء وأعراض المسلمين هو ناقص كهذا الذي نتحدث عنه. والتاريخ الإسلامي نفسه مليء بأمثلة معاكسة. رجال ضحّوا بالملك من أجل المبدأ، وفضلوا الثبات على المكسب العاجل. من زمن الصحابة الذين خرجوا يواجهون إمبراطوريات تفوقهم عددًا وعدة، إلى قادة مثل عمر المختار الذي اختار المقاومة على الخضوع، ودفع حياته ثمنًا، لكنه لم يبع كرامته. هؤلاء لم ينظروا إلى القضية كورقة تفاوض، بل كأمانة أمة. ما أريد قوله من هذه الواقعة التي مر عليها أكثر من ثمانمائة عام، وما زال صداها في الذاكرة، أن أخطر ما يضعف الدول المسلمة ليس قوة الخارج، بل خلاف الداخل، والخضوع لا يبدأ دائمًا برغبة في الاستسلام، بل أحيانًا بخوف من فقدان منصب، أو حرص على تثبيت حكم هو أصلًا زائل. ألا يكفي أن نرى النتيجة؟ حين تُقدَّم التنازلات لتجاوز أزمة داخلية أو مصلحة شخصية، قد تتحول تلك التنازلات إلى أزمات أكبر وأعمق وأشد إذلالًا. الهيبة لا تُبنى بالخطابات، بل بوحدة القرار، وبوضوح الخطوط التي لا تُمس. فالأوطان والمقدسات والثروات ليست ملكًا خاصًا للحُكام، ولا هدية تُقدَّم طلبًا لرضا القوى العظمى. الأصل: (إن تنصروا الله ينصركم). تسليم القدس سنة 1229م لم يكن مجرد حادثة عابرة، بل علامة على أن الذل والخنوع والخيانة قد يفتح ما لا تفتحه الجيوش الجرارة والطائرات المسيّرة. ومن لا يتعظ بما مضى، قد يجد نفسه يعيد المشهد ذاته بأسماء جديدة.
894
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على حالها، إن وجدتَها. ستلاحظ شيئاً غريباً في التصميم: الجدران قصيرة، والأبواب تكاد تكون متقابلة، و»السكيك» ضيقة وكأنها صُممت لتجعل الناس يصطدمون ببعضهم البعض فيلقون السلام. كان العمران هناك «خادماً» للوصل. وكانت روح الفريج حاضرة في كل تفصيلة معمارية. كان الحجر يُجبر البشر على التلاقي. ثم انتقل بسيارتك إلى أحيائنا السكنية الحديثة. شوارع فسيحة، وفلل تشبه القلاع الحصينة. كل بيت يحيط نفسه بسور عالٍ، وبوابات إلكترونية، وكاميرات مراقبة. لقد حصلنا على «الخصوصية» التي كنا نحلم بها، ولكن، هل سألنا أنفسنا عن الثمن؟ المعادلة بسيطة ومؤلمة: كلما ارتفعت الجدران الإسمنتية بين البيوت، ارتفعت معها الجدران النفسية بين القلوب، وتآكلت روح الفريج شيئًا فشيئًا. في زمن «الفريج»، كان الجار هو «خط الدفاع الأول»، وهو «الأهل» الأقرب. كانت الأمهات يتبادلن الأطباق، والأطفال يركضون من بيت لآخر وكأن الحي كله بيت واحد كبير. كانت «عين الجار» حماية، وصوته أنساً. لم يكن الفريج مجرد مكان للسكن، بل كان «نظاماً اجتماعياً» متكاملاً للتكافل والتربية المشتركة. اليوم، تحت ذريعة «الخصوصية» و»الاستقلالية»، عزلنا أنفسنا. أصبحنا نعيش لسنوات بجانب شخص لا نعرف إلا نوع سيارته. قد يمرض الجار، أو يحزن، أو يفرح، ولا نعلم عنه شيئاً إلا إذا رأينا خيام العزاء أو الزفاف صدفةً عند الباب. تحول الجار من «سند» إلى «غريب»، وأحياناً إلى مصدر إزعاج نشتكي منه إذا أوقف سيارته أمام سورنا. لقد قتلنا «روح الفريج» بدم بارد، واستبدلناها بـ «ثقافة العزلة». نحن لا ننكر أن التطور العمراني ضرورة، وأن الخصوصية حق. لا أحد يطالب بالعودة إلى بيوت الطين وضيق المكان. ولكننا نطالب بـ «أنسنة» مدننا الحديثة. المشكلة ليست في «الحجر» وحده، بل في «البشر» الذين سمحوا لهذه الأسوار أن تتسلل إلى نفوسهم. لقد استوردنا تصاميم هندسية غربية تقدس الفردية، ونسينا أننا مجتمع «جمعي» يتنفس الوصل. صممنا مدناً للسيارات لا للمشاة، وللأبواب المغلقة لا المشرعة. هل يمكننا استعادة ما فقدناه؟ نعم، ولكن البداية ليست بـ «هدم الأسوار» الإسمنتية، بل بهدم «الأسوار النفسية». أن نمتلك الشجاعة لنطرق باب الجار ومعنا «طبق حلو» وابتسامة، بلا مناسبة. أن نُحيي «مجلس الحي» ولو مرة في الشهر. أن نعلم أطفالنا أن «حق الجار» ليس مجرد كف الأذى، بل هو بذل الندى، والسؤال، والاهتمام. وهو جوهر روح الفريج. إن «الوحشة» التي نشعر بها في أحيائنا الفارهة لا يعالجها المزيد من الرخام والزجاج، بل يعالجها «دفء» القلوب المتواصلة. فلنجعل بيوتنا قلاعاً تحمينا من الخارج، نعم، ولكن لا تجعلها سجوناً تعزلنا عمن هم أقرب الناس إلينا جغرافياً، وأبعدهم عنا شعورياً.
696
| 04 فبراير 2026