رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سلوى حامد الملا



 

[email protected]

@salwaalmulla

مساحة إعلانية

مقالات

66

د. سلوى حامد الملا

بين ضجيج التدشين وصمت القراء

21 مايو 2026 , 12:10ص

• يفترض أن يكون معرض الكتاب مساحة للمعرفة، ومنصة للفكر، وملتقى للقراء والكتّاب والباحثين، لا مجرد فعالية مزدحمة بالصور والتدشينات والمنتجات الجانبية. فمعرض الكتاب، في جوهره، ليس سوقًا عابرًا، بل مناسبة ثقافية تحمل رسالة أعمق من البيع والشراء، وتستحق أن يكون الكتاب فيها هو بطل المشهد لا هامشه.

• لكن ما نراه اليوم يثير كثيرًا من التساؤل. فقد أصبح الزائر أحيانًا يشعر أنه يتجول في سوق متنوع، يسمع عبارات مثل: “تفضلي… اشتري… جربي ما تقرين روايات …” وكأن الكتاب عطر نستنشقه أثناء المرور، أو قطعة شوكولاتة نتذوقها، أو عباية نجربها ثم نغادر.

• والكتاب الحقيقي أكبر من ذلك بكثير؛ فهو فكر وتجربة وذاكرة إنسانية، وخلاصة عمر يضعه الكاتب بين دفتي كتاب ليصل إلى عقل القارئ وروحه.

• ومن المؤسف أن بعض المساحات الكبيرة داخل المعرض، خصوصًا التابعة للجهات المنظمة، لم تعد تركز فقط على الكتاب والثقافة، بل تحولت في أجزاء منها إلى عرض للهدايا والمجوهرات والشموع والحقائب وغيرها من المنتجات التجارية. ومع احترام جميع المشاريع، يبقى السؤال: هل هذه هي هوية معرض الكتاب؟ وكيف تحتل هذه الأنشطة مواقع بارزة، بينما تُحشر دور النشر العربية المعروفة، ودور الفكر والثقافة، في زوايا بعيدة وعلى أطراف القاعات؟

• الأصل أن تكون دور النشر الجادة في الواجهة، وأن يكون الكتاب في قلب المعرض لا على هامشه. أما أن تصبح المساحات الأبرز لمنتجات بعيدة عن جوهر الكتاب، فهذا يضعف الرسالة الثقافية للمعرض، ويحوّله تدريجيًا من معرض كتاب إلى فعالية تجارية واسعة يتوارى فيها الكتاب خلف الزينة والمنتجات والصور.

• كما أن الازدحام الشديد أمام بعض دور النشر لا يعكس دائمًا قيمة ما يُعرض، بل يكشف أحيانًا عن سوء في التنظيم، خاصة عند تدشين عدد كبير من الكتب في الوقت نفسه، وتقطيع الكيك والاحتفال والتصوير.. بما يصنع فوضى وضجيجًا لا يليق بمقام الكتاب. فبدل أن يجد القارئ حوارًا هادئًا مع الكاتب، أو تعريفًا حقيقيًا بتجربته ومشروعه، يجد نفسه وسط أصوات متداخلة وازدحام لا يمنح الكتاب حقه ولا القارئ تجربته.

• والمؤلم أكثر أن صفة “كاتب” أو “مؤلف” أصبحت تمنح بسهولة شديدة. وليس المقصود هنا التقليل من أي تجربة أو محاربة حماس الشباب والشابات للكتابة والنشر، فكل تجربة تستحق الاحترام والتشجيع، لكن الكتابة الحقيقية تبقى أعمق من مجرد إصدار كتاب أو إقامة حفل تدشين. فالكتابة مسؤولية معرفية وثقافية، تحتاج إلى قراءة طويلة، وصبر، وتراكم فكري وتجربة حقيقية.

• فالكاتب الحقيقي لا يكتب بحثًا عن شهرة أو حضور أو ازدحام حول طاولة توقيع، بل يكتب عن تجربة وخبرة وموهبة وثقافة وعلم. والكتاب الحقيقي هو الذي يترك أثرًا خالدًا، يدرس ويتعلم منه، ويثري الروح، ويضيف للعقل، وينقل خبرات عمر وحياة من الكاتب إلى القارئ.

• ولهذا ليست كل الروايات متشابهة. فهناك روايات تقرأ كما تؤكل الوجبات السريعة؛ سريعة وعابرة وتنسى فور الانتهاء منها، وهناك روايات عالمية خالدة نعود إليها مرة ومرتين وثلاثًا، لأنها تحمل فكرًا وتاريخًا وحوارًا وقيمًا وتجربة إنسانية عميقة.

• كم أتمنى أن يكون في معرض الكتاب لقاء منظم لكل الكتّاب والمؤلفين الذين يعرضون كتبهم ويدشنونها، في مكان محدد يليق بهم وبالكتاب، يتم فيه التعريف بسيرهم الذاتية وخلفياتهم الأدبية والعلمية، حتى يعرف القارئ من هو الكاتب، وما تجربته، وما القيمة التي يضيفها كتابه. فالمعرض ليس مجرد طاولة توقيع، بل فرصة لبناء علاقة معرفية بين الكاتب والقارئ.

• ومن المهم أيضًا أن يحظى الكاتب القطري الجاد، سواء كان كاتب مقالات أو صاحب مؤلفات وإصدارات متعددة، بما يليق بتجربته ومكانته، لأن دعم الكاتب الوطني جزء من بناء الهوية الثقافية. ودولة مثل قطر، التي تحرص على التعليم والبحث العلمي وبناء الإنسان، تستحق معرض كتاب يعكس هذه الرؤية، ويمنح الكتاب الجاد والكاتب الحقيقي المكانة التي يستحقانها.

• ورغم الجهود الواضحة التي تقوم بها وزارة الثقافة في التنظيم والترتيب، وهي جهود تستحق الشكر والتقدير، إلا أن نجاح أي معرض كتاب لا يقاس فقط بحجم الفعاليات أو عدد الزوار، بل بمكانة الكتاب نفسه، وبمدى احترامه وإعطائه المساحة التي يستحقها.

• ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في فلسفة معرض الكتاب، من خلال تشكيل لجنة ثقافية تضم مسؤولين ومثقفين وكتّابًا وباحثين قطريين، لإعادة الاعتبار للكتاب الجاد، وتنظيم التدشينات بصورة أكثر احترامًا، ومنح دور النشر العربية والمعروفة مواقع تليق بها، وتقليل حضور المنتجات التجارية التي لا تنتمي مباشرة إلى هوية المعرض.

• فالكتاب ليس زينة لمعرض، ولا خلفية لصور التدشين، ولا منتجًا عابرًا وسط الزحام. الكتاب مشروع وعي وبناء حضاري، ومن حقه أن يعود إلى صدارة المشهد، لأن الأمم لا تبنى بالهبات المؤقتة، بل تبنى بالفكر والقراءة والمعرفة.

• جرة قلم: أصبحنا في زمن يغلب فيه عدد المؤلفين عدد القرّاء، وأصبحت تدشينات الكتب بالجملة مشهدًا متكررًا في كل معرض. شيء جميل أن تمتلئ الأرفف بالإصدارات، وأن يتحمس الشباب والشابات للكتابة والنشر، لكن السؤال الأهم: كم واحدًا منهم يقرأ فعلًا؟ كم واحدًا يجلس مع كتاب، يضع خطًا تحت فكرة، ويدون ملاحظة، ويقتبس معنى؟ كم واحدًا يتحاور ويناقش بأسلوب أدبي وعلمي وثقافي؟ كم واحدًا عاش مع الكتب طويلًا قبل أن يقرر أن يصبح “كاتبًا”؟ فالكاتب الحقيقي لا تصنعه حفلات التدشين، ولا الصور، ولا الازدحام حول طاولة التوقيع. الكاتب الحقيقي تصنعه القراءة، والتجربة، والثقافة، والوعي، والأثر الذي يبقى في عقل القارئ وروحه حتى بعد سنوات من إغلاق الكتاب.

اقرأ المزيد

alsharq التنكيل بنشطاء أسطول الصمود العالمي

في ظل تصاعد الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، تواصل دولة قطر تأكيد موقفها الثابت والداعم لعدالة القضية... اقرأ المزيد

24

| 21 مايو 2026

alsharq الثقافة القطرية والجسر المنتظر

ما شهدناه هذا العام من حصاد وطني غزير في معرض الدوحة الدولي للكتاب يدعو للفخر والاعتزاز، ويؤكد أن... اقرأ المزيد

30

| 21 مايو 2026

alsharq بين ضجيج التدشين وصمت القراء

• يفترض أن يكون معرض الكتاب مساحة للمعرفة، ومنصة للفكر، وملتقى للقراء والكتّاب والباحثين، لا مجرد فعالية مزدحمة... اقرأ المزيد

66

| 21 مايو 2026

مساحة إعلانية