رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على الرغم من قصرها، تسلّط هذه الرواية الضوء على حادثة قتل نكراء جرت أحداثها في القرن التاسع عشر وطوى التاريخ صفحتها كحقيقة منسية أخرى من التاريخ الدموي لليهود على أرض المسلمين! بعد نكسة حزيران 1967 ومن وزارة العدل في دمشق، تصل إلى يد الروائي والطبيب المصري د.نجيب الكيلاني (1931-1995) صور من محاضر تحقيق ترجع لعام 1256هـ-1840م، عن اختفاء رجل دين مسيحي على حين غرّة في حارة اليهود، أسفرت عن مقتله غدراً على يد عدد من وجهائهم بعد أن تم استدراجه إلى حيّهم بتحريض من حاخاماتهم، وذلك من أجل خلط دمه بعجين لصنع فطير مقدس في عيد الفصح له أثر السحر في صنع المعجزات، حسب ما تورده نصوص التلمود، وقد أتبعوه بخادمه عندما قدم عليهم يتقصّى أثره! توثّق هذه الرواية المعززة بالمخطوطات جريمة قتل (القسيس البادري توما)، وهو الذي -رغم أصله الإيطالي وهويته الفرنسية- عاش في دمشق أكثر من ثلاثين عاماً شهد أهلها على خير ما قدّم لهم لا سيما علاجهم طوعاً، وقد تكفّل بقتله وتقطيعه إرباً اليهودي (سليمان الحلاق) والذي كان يدفن في صدره ضغينة له خلاف ما كان يظهر له من بشاشة، حيث أفقده الزبائن الذين لم يكونوا يلجؤون إليه إلا لفصد الدم، وهو الذي لم يتورّع عن قتل خادمه (إبراهيم عمّار) بعده بنفس الوحشية. لقد كان يصرّح بما اعتمل في نفسه الدنيئة لزوجه فقط، وقد قال لها في ليلة: «أراني مضطراً لأن أكذب وأمالئ وأنافق وأسرق بل وأقتل في بعض الأحيان! ألا ترين كيف حكمت أوروبا العالم وسيطرت عليه؟ وكيف استطاع الإنجليز أن يثبتوا أقدامهم في الهند؟ لا بدّ من الخوض في دماء البشر وجثث الضحايا.. الأقوياء ينتصرون، وليست القوة سيفاً ومدفعاً ولكنها قوة إرادة تسحق هواجس النفس وضعفها، وتسخر من كل القيم النبيلة». تعكس الرواية التاريخية عددا من الدلالات التي تفضح جبلّة اليهود وما يشهد عليهم واقع اليوم! فهم إذ يصنّفون غير اليهودي ضمن مرتبة (الأممين) أو (الأغيار) أو كما يُعرف لديهم بـ (الجوييم)، وهي مرتبة أدنى في الإنسانية من اليهودي الخالص قد تتدنى إلى مرتبة الحيوان، يصبح أي تصرّف مع هذا الكائن وفق ذلك مباح! وقد أظهرت الرواية قدرا من ذلك التطرّف العنصري والانحلال الخلقي والتعطّش للدماء في شخص التاجر اليهودي (داود هراري) وقد بارك صلب القسيس قبل سفك دمه والتلذذ بمشربه من أجل إعادة الفاعلية لرجولته، يؤازره أخوته (يوسف وإسحق وهارون)، ومعهم الحاخامان (سلانيكي) و(العنتابي). لا تقف دلالات الرواية عند هذا الحد، بل تعكس دأب اليهود على النفاذ في مفاصل الدولة من خلال تأسيسهم (حارة اليهود)، أو كما يُعرف اليوم بـ (الدولة العميقة)، وهو ما يكشف عن نشاط مبكّر لتأسيس حركة صهيونية عالمية، وقد جاء موقف ولاة المسلمين آنذاك خاضعاً ومتفقاً. أمّا وقد فُضح أمر المجرمين على الملأ وتم اعتقالهم رهن التحقيق، يعلن أحد الحاخامات إسلامه وقد تفرّغ للاطلاع على الديانتين المسيحية والإسلامية أثناء سجنه، بينما تساقط الباقون تباعاً في اعترافات دامية تقشعرّ لها الأبدان، في قضية كانت أشبه بقضايا الرأي العام آنذاك! حينها، تدّخل قناصل بعض الدول الأوروبية الموالون لليهود في سير التحقيق، حيث تم بيع الدماء الطاهرة بالمال اليهودي في النهاية، والذي اتسعت له ذمة والي مصر والشام آنذاك (محمد علي باشا) وخزائنه التي ساءلتهم: هل من مزيد؟. فتم الإفراج عن أولئك القتلة، وقُتلت العدالة في المقابل. ينقل الروائي خاتمة تلك الجريمة البشعة التي تم تطهيرها بجريمة أكثر بشاعة، قائلاً في نبرة جنون: «عندما قرأ شريف باشا والي دمشق ذلك «الفرمان» الغريب لهثت أنفاسه ودارت به الأرض. اشتد به الضيق وأقعده الخطب الجسيم عن النهوض، ورنت في رأسه كلمة «العدالة». لم يذبح البادري وخادمه وحدهما، وإنما قُطّع جسد العدالة إربا إرباً.. سبعة شهور من التحري والتدقيق والتحقيق.. اعترافات كاملة، شهادات ثابتة.. حتى البلاطة المنفسخة التي حطمت عليها جمجمة البادري وقطع طربوشه وعظامه والسكين، ويد الهاون.. تعاليم التلمود الصريحة، أقوال الحاخامات، التفاصيل الدقيقة الصغيرة لكل شيء.. يا ضيعة العدالة.. قناصل الدول الذين شهدوا كل شيء وتحققوا من كل شيء، قضية الرشوة الأخيرة.. العدالة.. العدالة.. هاهاها!! وأخذ شريف باشا يضحك في هستيرية ثم صاح فحضر العسكر، فقال لهم بصوت عال أجش: (أفرجوا عن جميع اليهود المسجونين.. تلك إرادة الوالي باشا الأعظم.. وليحيى للعدل). كان ذلك في يوم 5 سبتمبر (أيلول) عام 1840 ميلادية». وبما أن التاريخ لا يزال يعيد نفسه ولم يعتبر من عليه أن يعتبر، فلا أبلغ من تصوير حسرة البائع البسيط المنادي في أنحاء دمشق كما أوردها الروائي: «وبالقرب من المسجد الأموي، وقف بائع الكتب والمخطوطات القديمة يتحدث مع بعض الشباب: انظروا! هذه كتب قديمة عن ذبائح اليهود، وهذه مخطوطات ألفها علماؤنا الأقدمون عن فظائعهم وتاريخهم، ولكن للأسف أنتم لا تقرؤون».
1311
| 21 ديسمبر 2023
..... نواصل الحديث حول كتاب «تهويد المعرفة» لمؤلفه ممدوح عدوان. يعود الكاتب ليقلّب أوجاع أعراق أخرى من البشر، فيأتي على الزنوج الذين لم يتطلّب الزعم أكثر من مجرد ازدراء لونهم، والذي يضعهم في مرتبة أدنى من الإنسان السوي، كنتيجة طبيعية. يستمر الكاتب فيقول: «وحتى الزنوج! لقد سُرق الأفارقة من بيوتهم وقراهم وغاباتهم، وتم نقلهم على سفن الرقيق في ظروف لا إنسانية، فمات منهم عشرات الملايين في السفن وفي الطريق والسجون، ووصل الباقون بعشرات الملايين ليباعوا ويعيشوا عيشة الرقيق. وهناك ماتت أعداد كبيرة منهم أيضاً بسبب سوء الظروف المعيشية، وبسبب إباحة دمائهم على أنهم ليسوا بشراً أسوياء. وبعد قرون من الاسترقاق تم تحريرهم ليعيشوا عيشة لا تقل قسوة في مجتمع التمييز العنصري، وذلك كله لأن لونهم أسود». ولأن تبرير تشريدهم واستعبادهم وقتلهم ليس أمراً جللاً ليتكلّف اليهود عرض رأي موضوعي يوازي -من ناحية إنسانية على الأقل- ما جرى لأسلافهم، يتصدى الكاتب لفضحهم قائلاً: «يقول لك الكتّاب اليهود: إن لهذه المأساة أسباباً اقتصادية، ولذلك فهي ليست أكبر المآسي! وقد يهمسون جانبياً: في النهاية، هؤلاء كانوا أفارقة ووثنيين وهمجاً وسوداً! انظر إلى أشكالهم. وإذا أعيتهم الحيلة في هذا الموضوع قالوا: على أية حال كانت مأساة اليهود في بابل أكبر، حين سباهم نبوخذنصر». لذا، فإن للعقدة اليهودية جذورها الضاربة في التاريخ، والتي تعود إلى حيث تم اضطهادهم من قبل البابليين، وإرادة يهوه في تكالب الأمم الأخيرة لصالحهم، دفاعاً وانتقاماً! يتصدى المؤرخ الأمريكي باترسون لتلك العِرافة التوراتية في كتابيه (الألفية الجديدة) و(النظام العالمي الجديد) بعد عاصفة الصحراء التي اجتاحت الخليج العربي في حرب مصيرية، أواخر القرن العشرين. «يقول باترسون: «من موقع برج بابل، حيث تبلبلت الألسن وتفرقت كل أمم الأرض، ها هي تعود من جديد وتدخل في حلف عسكري واحد. وها هي أمم الأرض، كما تقول النبوءات العبرانية، تشكل نظاماً عالمياً جديداً للدفاع عن إسرئيل، والانتقام من بابل بقصفها من السماء، لأنها هي التي عذبت شعب الله وأغرقته بالدموع والأحزان». وهو يمجد الصهيونية لأنها «كالبيوريتانية استجابت للعهد الذي أعطى فيه يهوه لبني إسرئيل الأرض المقدسة من نهر النيل جنوباً حتى أعالي الفرات»». والبيوريتانية تعني التطهيرية، وهو مذهب مسيحي بروتستانتي نشأ في القرن السادس عشر الميلادي، ويقوم على الإيمان بالكتاب المقدس والتزام تعاليمه مقابل نبذ كل ما سبق من مواعظ رجال الكنيسة، ويعتقد أتباعه بأن الله طهرهم واصطفاهم وفضلهم عن العالمين. يعود باترسون في استقرائه لأحداث التاريخ، منذ الأسر البابلي ووعود يهوه المزعومة، إلى نكبة حزيران وحرب الخليج الأخيرة، التي يُختم بها جولة الحرب التي حمي وطيسها منذ أكثر من أربعة عشر قرناً في تزامن مع بزوغ الإسلام، كدين سماوي منافس لليهودية والمسيحية. فيستمر في كتابه قائلاً: «وعلى هذا الأساس كان اجتياح إسرائيل للقدس في حرب حزيران عام 1967 «أعظم حدث روحي في تاريخ الكتاب المقدس». ويؤكد باترسون أن حرب «عاصفة الصحراء» في الخليج العربي كانت المعركة التي حسمت حرب الأربعة عشر قرناً بين الشرق والغرب، بين الإسلام ومنافستيه المسيحية واليهودية. ثم يستشهد بما أوردته مجلة يو إس نيوز (في 27 آب 1990): «إن النزاع القائم في الخليج الفارسي ليس مجرد معركة من أجل الكويت، أو لبسط السيطرة على نفط الشرق الأوسط، إنه الفصل الأخير في حرب قديمة تدور رحاها منذ أربعة عشر قرناً بين الشرق والغرب، بين الإسلام ومنافستيه التوحيديتين: المسيحية واليهودية»». أخيراً، يدعو الكاتب في خواتيم كتابه إلى شحذ الهمم نحو خوض معركة مصيرية، نكون فيها أو لا نكون. ونعوّض فيها خسائرنا الساحقة التي لم تأتِ على الأرض والوطن والبيوت والمروج وحسب، بل على التاريخ والمعرفة معاً، إذ لا يكفي اعتقادنا الجازم فيما نمتلكه من حق في ظل تجاهل العالم نحونا، ولم يعد امتعاضنا مجديا والاستغراق في إلقاء اللوم على وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها كذلك. فلقد امتدت سيطرتهم لتأتي على المناهج الأكاديمية والدراسات التاريخية، بل ولتعمل على ضخ الموسوعات العلمية وحشد شبكة المعلومات العالمية بما أرادوا من معلومات، حتى أصبحت بمثابة أو بالكاد حقائق مسلم بها.
930
| 07 ديسمبر 2023
كتاب يتحدث عن اليهود كأباطرة تزييف التاريخ وإعادة صياغته، بل وتزوير المعرفة على المستوى العالمي لا سيما العلمية والأكاديمية منها، بغية صبغها بكل ما هو يهودي! إن معشر اليهود يجاهدون في إلحاق نسب كل فرد ذي شأن في الحياة إلى عرقهم، حيث يذكر التاريخ محاولتهم استمالة العالم الفيزيائي ألبرت اينشتاين ومعه الممثل الكوميدي شارلي شابلن للالتحاق بنسبهم، العرض المغرض الذي قوبل بالرفض من الاثنين، وكذلك محاولتهم الفاضحة في تزييف الأنساب وإلحاق الشاعر طاغور والناسك بوذا لليهودية، ومن قبل عيسى عليه السلام بل والدين المسيحي ككل. وكما لا يخفى، فقد ملأ اليهود العالم صخباً بأكذوبة محرقة الهولوكوست التي وقعت أيام النازية، وقد بالغوا أيما مبالغة في أعداد ضحاياهم الذين فتك بهم الزعيم الألماني هتلر في أفران الغاز، في الوقت الذي عمدوا فيه إلى طمس كل كارثة إنسانية أخرى من أجل الاستئثار بالتعاطف العالمي والاستفراد بعقدة الاضطهاد.. فمن تم اضطهاده من قبل تم إيعاز أسبابه للدين أو للسياسة، أما هم فقد تمت معاداتهم ومحاولة إبادتهم لأنهم يهود وحسب.. كما صوروا وادعوا. يؤكد الكاتب ادعائهم هذا بقوله: «ولذلك يحس القارئ أو الباحث أن التاريخ مهوّد، والمعرفة كلها مهوّدة. وإذا لم تكن لديك حساسية نحو الموضوع تحس، كما يحس أي قارئ آخر لهذه الموسوعات والأبحاث في العالم (في الصين أو المكسيك أو غانا) أن تاريخ البشرية وخاصة في منطقة ما يسمى بـ «الشرق الأوسط»، تاريخ يهودي، أو أنه لا تاريخ لها إلا عند اليهود. لقد بدأ باليهود، ولليهود وحدهم فضل إيجاده وحفظه». لذا، يحاول الكاتب تسليط الضوء على هذا التاريخ الزائف، والذي تغلغل بعمق ضارباً جذوره في الذاكرة البشرية، إلى درجة يظهر فيها ذلك الزيف بمثابة مسلّمات، وحقائق تاريخية راسخة. إنه (ممدوح عدوان 1941: 2004)، كاتب وروائي وشاعر سوري، حصل على درجة أكاديمية في اللغة الإنجليزية، وعمل في الصحافة والتدريس والكتابة والنقد والترجمة، وترك ما يقرب تسعين مؤلفاً في الشعر والنثر والرواية والأعمال المترجمة، والكثير من سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية والمقالات الصحفية، ونال بها عددا من الجوائز العربية. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة الصادرة من كتابه عام 2016 عن (دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع)، وهي تتطرق إلى قدر من المزاعم اليهودية التي لا تقف عند حد، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): تظهر النعرة اليهودية على أشدّها واليهود يمجّدون الفتح المقدّس لأرض الميعاد الذي أتى به أسلافهم، إذ «لطالما اعتقدوا بأنهم ما جاءوا إلى «أرض الميعاد» الأمريكية إلا لتأسيس دولة «عبرية» تحكمها شريعة موسى على صورة الدولة التي كان يحلم بها الغزاة الإسرائيليون القدامى. أما أولئك «المتوحشون» الذين يعارضون «دولة إرادة الله»، وما أصبح يعرف لاحقاً بـ «القدر المتجلي»، (وهو مبدأ شوفيني يرى أن التوسع الاستعماري في أمريكا ليس محتوماً فقط، بل هو مقدّر من الله)، فإنهم ليسوا إلا مخلوقات الشيطان التي أحل الله لشعبه المختار أن يبيدها». وهنا، حُق للكاتب أن يطرح استفهاماً تقريرياً نحو ما صرّح به أحفاد أولئك الغاصبين، قائلاً: «هل يلتقي هذا الكلام مع تصريحات رجال الدين الأخيرة في إسرائيل المعاصرة التي شبهوا فيها العرب بالأفاعي والعقارب، والتي يقولون فيها إن الله قد أخطأ حين خلق العرب، وأنه لا حل أمام الإسرائيليين إلا بإبادتهم؟». وفي مقابل قدماء اليهود وحقيقة السبي البابلي الذي تعرّضوا له، تُصبح مأساة الهنود الحمر ليست ذات شأن، حيث «مسألة أن تكون إبادة الهنود الحمر مأساة مريعة، هذه تصبح من الماضي المنسي»، وهي المسألة التي إن تم استرجاعها فليس بذاك القدر من الأهمية، لسببين: «أولاً ليس هناك من يذكر بها من أهلها. ثانياً هؤلاء من «الأغيار» الذين حلّ محلهم شعب مختار». وحسب ما صرّحت به مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، فإن طينة البشر تتفاوت، إذ قالت: «يبدو من الضروري غالباً أن يفنى شعب من طينة أنقص ليظل الشعب ذو القدرات الأعلى» فهؤلاء وثنيون متخلفون مثلهم مثل سكان أستراليا أو همج أفريقيا «نحن نتكلم عن البشر، لا عن هؤلاء»». أما عندما يتطرّق الأمر إلى المذابح التي تعرّض لها الأرمن، يتحول الأمر إلى شكل من أشكال المنافسة! فهؤلاء يحظون بتعاطف كبير لا سيما من قبل الأوروبيين باعتبارهم مسيحيين، وقاتلهم هو (العثماني المسلم)، العدو المشترك، غير أن اليهود لا يعجزهم التزييف، ولا يقف عند سيل مزاعمهم سد! يقول الكاتب في هذا: «وأكبر المعارك كانت للتعتيم على مجزرة الأرمن في مطلع القرن، والتي لا يشك أحد أنهم قد قتلوا لأنهم أرمن! هؤلاء قد يتحولون إلى منافسين على ضمير العالم، فهم مسيحيون يمكن أن يؤثروا على الضمير الأوروبي، وقد قُتلوا لهذا السبب، وقاتلهم هو الخصم المشترك «الإسلامي العثماني»». لكن الباحثين اليهود يبررون للعثمانيين قتلهم، فقد كان «عن طريق الخطأ». هذه هي الذريعة! خطأ الوالي أو العسكر المرافقين أو العقيدة الإسلامية».
954
| 30 نوفمبر 2023
«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ». يجمع هذا الكتاب القصير بين دفتيه نزراً من وقائع شهدت على ظلم بني البشر حين جاءت عواقبها من جنس جورها مصداقاً لوعيد الله تعالى، حيث وقع القصاص العادل على من طغى وبغى جزاءً وفاقا، ولو بعد حين. يعرض كتاب (عدالة السماء) مجموعة لقصص إنسانية وقعت أحداثها بالفعل، منها ما هو مبكٍ ومنها ما هو مشوب بفرح في خواتيمها، تستحق التمهل والتدبر واستخلاص العبر، وقد شهد الكاتب شخصياً على بعض منها. وعنه، فهو محمود شيت خطاب (1919-1998) من مدينة الموصل العراقية. التحق بالعمل العسكري كقائد شارك في حرب فلسطين عام 1948، وله من المؤلفات الدينية والسياسية الكثير، فضلاً عن أبحاثه المنشورة في الصحف العربية والإسلامية. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة الصادرة من الكتاب عام 2014 عن دار وحي القلم، والتي أخصّها بالقصة الأولى وقد احتلت عنوان الكتاب وما جاءت به من عجيب القدر والعدل الإلهي، وببعض الاقتباسات (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): رغم شظف العيش الذي كان الأب الكادح يقاسيه -وهو يعيل زوجة وخمسة أطفال ووالدة مسنة وأختين- من بيع الخضار في زقاق الحي، فقد كانت الفرحة تغمرهم جميعاً لحظة رجوعه إلى البيت مساءً، فإذا كان يحمل من اللحم شيئاً وإلا فما تبقى من خضار كاسد يكون عشاؤهم الذي يحمدون الله عليه حمداً كثيرا، وينعمون بنوم دافئ في الحجرة الضيقة التي تضمهم جميعاً مع ما يحيط بهم من أمتعة، وهم «لا يتمنون على الله غير الستر والعافية وألا يجعلهم يحتاجون إلى إنسان». تبدأ الأحداث الدامية تموج بالعائلة السعيدة مع موت الأب المفاجئ حين تصدمه مركبة وهو عائد إلى البيت، فيجمع الجيران الفقراء من المال ما يلزم لتجهيز نعش الفقيد وما يكفي يومين لمعونة العائلة، حتى يهجر الابن الأكبر مدرسته ليحلّ مكان أبيه في بيع الخضار، ثم يضطر إلى تركه للالتحاق بالتجنيد الإجباري. وما يلبث الأمر حتى يحين وقت التحاق الأخ الذي يصغره، فلا تجد الأم بد من بيع بيتهم المتهالك الذي لا يملكون سواه لسداد البدل النقدي عن خدمته. وبعد عملية البيع تستقل الأم مركبة أجرة لتلحق بموعد السداد الذي لم يبق عليه سوى يوم واحد في مدينة مجاورة، فتدفع للسائق أجرته مقدماً ويستمع لقصتها أثناء الطريق، حتى يلعب الشيطان برأسه طمعاً في المال المتبقي بحوزتها، فيعمد إلى تغيير مسار الطريق نحو واد صخري سحيق، فيسحبها عنوة نحوه ويطعنها بخنجره ويسلبها ما جمعت من مال ويغادر وهي تغرق في بركة من دمائها! غير أن المجرم لا بد وأن يحوم حول جريمته، ففي أثناء عودته من المدينة التي قصدها مارّاً بجانب الوادي، يركن مركبته ويهبط ليفاجئ ببقاء ضحيته على قيد الحياة مضرّجة في دمائها، فيلعنها قائلاً: «ملعونة! ألا تزالين على قيد الحياة حتى الآن؟» ويعمد من فوره إلى صخرة كبيرة ليلقيها على رأسها ويضمن هلاكها، حتى يضجّ المنحدر بصراخه الذي جلب نحوه الركّاب، إذ بحية ضخمة كانت تتربص له تحت الصخرة تلدغه في التو.. فينقلهما الإسعاف ويموت السائق وتعيش الأم. يستمر الكدح وتمر الأعوام ويكبر الأبناء، فيتخرج أحدهم طبيباً والآخر مهندساً والآخر ضابطاً بعد أن توسعت تجارة الابن الأكبر. فيتساءل الكاتب في ذهول: ماذا لو لم تستقل الأم المركبة؟ وماذا لو لم يعد السائق؟ وماذا لو لم تبرز الحية ويتكالب الركّاب؟ «وما كانت المرأة الجريحة لتسلم من الموت الأكيد لو لم يعد إليها الجاني مدفوعاً بغريزة حب الاستطلاع، وبالقوة الخفية التي هي القدر». وهناك، قرب الجسر الكبير في بغداد، وفي المنزل الوثير الذي أصبح يجمع العائلة الكبيرة، يدعو الابن الأكبر الكاتب ليقابل والدته، ويسألها عمّا أحاط به من خوارق اللامعقول، لا يفسّرها سوى مشيئة الله العلي القدير. «وجاءت الأم وقد أحاطت شعرها الأبيض بغلالة بيضاء، وفي وجهها نور، وعلى قسماته ابتسامة، وعلى لسانها ذكر الله وروت لي قصتها كاملة. فقلت لها: «وماذا كان شعورك حين تركك الجاني وحيدة تنزف جروحك دماً في بطن الوادي السحيق؟». فقالت والإيمان الصادق يشع من كلماتها: «كنت أخاطب الله عز وجل قائلة: يا جبار السموات والأرض أنت أعلم بحالي! فهيئ لي بقدرتك القادرة أسباب دفع البدل النقدي عن ولدي، ليعود إلى أهله ويعيلهم.. يا رب». واستجاب الله دعاءها وأعاد إليها مالها وولدها، وانتقم لها من خصمها، وبدل حال العائلة كلها إلى أحسن حال». يعقّب الكاتب وهو متيقّن بتدبيره تعالى التي لا تجري على مقاديره الصُدف، قائلاً: «إن الناس يغفلون وينامون والله وحده لا يغفل ولا ينام، والناس يخشون الناس والله أحق أن يخشوه.. والله يُمهل ولكن لا يُهمل.. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب». وأختم كما ختم الكاتب بسؤال شهد على عدل الله في عواقب الأمور: «هل يمكن أن يحدث كل ما حدث صدفة؟» حقاً.. «إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ».
1488
| 23 نوفمبر 2023
..... نواصل الحديث حول كتاب «الذكاء العاطفي: أنت بالفعل تمتلك قوة خارقة» لمؤلفه د. درع الدوسري. أما (مفهوم الذكاء العاطفي) فيشير إلى «القدرة على فهم واستخدام مشاعرك وعواطفك بطرق إيجابية لتخفيف المشاعر السلبية كالقلق والتوتر والإحباط، والقدرة على التواصل مع المحيطين بفاعلية أكبر من خلال فهم مشاعرهم وفهم تأثير تصرفاتك وأقوالك عليهم، وإحساسك بما يشعرون به». وفي المقارنة التي عقدها الفصل الأول بين الذكاء العقلي والذكاء العاطفي، والتي لا يظهر فيها المتفوق أكاديمياً ناجحاً بالضرورة في حياته العملية مقارنة بصاحب العلاقات الاجتماعية العريضة الذي يتفوق تباعاً حتى يصل إلى أعلى درجات السلم الوظيفي، يصبح: «الذكاء العقلي هو قدرتك على التعلم، وهو نفسه في سن (15) كما هو في سن (50)، بينما الذكاء العاطفي هو عبارة عن مجموعة مرنة من المهارات التي يمكن اكتسابها وتحسينها مع الممارسة والخبرة». أما لإدارة التفاعل بحكمة وإحكام العواطف بذكاء، فيرتّب الفصل الثاني خطوات ثلاثا لتحقيقها، هي «توقف، اهدأ، عالج»، فالمشاعر باختلاف انفعالاتها الإيجابية والسلبية بحاجة إلى فترة توقف، من أجل التفكر قبل ترجمتها إلى أفعال، يتبعها الحاجة إلى الهدوء حتى تحظى عملية التفكر بوضوح وعقلانية أكبر، تنتهي بإتاحة الفرصة لأخذ الخطوة العملية وردود الأفعال التي لا بد وأن ستأتي ملائمة. أما عن الكيفية التي يصبح بها الفرد أكثر إدراكاً لذاته، تأتي جملة نصائح مثل: «أنشئ مساحة لنفسك» وذلك لإعطاء النفس فرصتها من العزلة والتفكير من غير أية مؤثرات. «كن مستمعاً جيداً» وذلك من أجل الفهم لا من أجل الرد، يتضمن ذلك ملاحظة اللغة المستخدمة وتعابير الوجه ولغة الجسد ككل. أما الفصل الثالث، وبينما يحدد أربعة أسس ترتكز عليها العلاقات في بيئة العمل، هي: «الاحترام المتبادل، الثقة المتبادلة، التعاون، العواطف المتبادلة»، ينتقل ليوضح علامات ارتفاع الذكاء العاطفي في العمل وعلامات انخفاضه! فتظهر سمات الموظف ذي الذكاء العاطفي المرتفع في «الفضول» وتحديداً الإيجابي، بغية معرفة أحوال الزملاء والتعاطف معهم كما يتطلب الوضع، وفي «الوعي الاجتماعي» وهو استشفاف ظروفهم ودواخلهم ودوافعهم، وفي «التأقلم مع التغييرات» وهو التماشي مع المتغيرات والمستجدات في محيط العمل بمرونة وتأقلم. أما تلك السمات الدالة على انخفاض معدل ذكاء الموظف العاطفي، فتظهر في «رفض الاستماع إلى وجهات نظر الآخرين» من باب الثقة بصواب برأيه، و»حب الدراما» في استدرار المشاعر أو افتعال الشجار، وذلك إلحاقاً بطبيعته السوداوية، و»إلقاء اللوم على الآخرين» استكمالاً لدور الضحية الذي يتقنه. يتخلل الكتاب اللماح متفرقات من نصائح وتوجيهات وأقوال تحفيزية يحلو لمؤلفها تسميتها بـ (قواعد درعية)، ألتقط منها: في اللطائف التي تختبئ بين طياتها فتوحات عالم أجمل: «الحزن لا يغير من الواقع شيئاً.. لكن الابتسامة تفتح واقعاً جديداً». في الأيام التي يداولها الله بين الناس: «لو أن شيئاً يدوم على حال.. فلم تتعاقب الفصول؟». في فلسفة الاستماع: «استمع بقصد الفهم.. وليس بنية الإجابة». في الإنسان المتفرد ببصمته التي لا تتكرر: «لا تمش أبداً على الطريق المرسوم.. لأنه يقودك حيث ذهب الآخرون». في القطرة التي لا ينبغي أن تعكر صفو المحيط: «لا تدع يوماً سيئاً يجعلك تشعر وكأنك تعيش حياة سيئة». في الدمع الذي يعبر عن الإنسان: «الدموع التي تذرف من أجل شخص آخر، ليست علامة ضعف.. إنها علامة على قلب نقي». في النفس التي لا يكلفها الله ما لا تطيق: «الحزن ثمرة.. والله لا يجعلها تنمو بشكل أكبر من أن نتحملها». في العناوين الجميلة التي تصفنا: «خاطب الناس بأسمائهم.. فأسماؤنا هي أجمل شيء تسمعه آذاننا». في الكأس المملوء حتى نصفه: «هناك من يتذمر لأن للورد شوكاً.. وهناك من يتفاءل لأن فوق الشوك وردة». في مرض النرجسية: «يقرر الأنانيون بشدة ما يحلو لهم.. إنهم لا يهدرون طاقتهم في التفكير في مصلحة الآخرين». في التعالي والتلاشي: «المغرور كالطائر.. كلما ارتفع في السماء صغر في أعين الناس». في الإناء الذي لا بد بالذي فيه ينضح: «السلطة لا تغير الأشخاص.. هي فقط تكشفهم على حقيقتهم». في الانتقام من النفس: «الرجل الذي يفكر دوماً بالانتقام.. هو شخص يبقي جراحه مفتوحة». في الشجرة المثمرة التي لا يقذف غيرها: «إذا ركلك أحد من خلفك فاعلم أنك في المقدمة». في تجنب الغباء العاطفي: «حتى لا تكون غبياً عاطفياً، امنح نفسك وقتاً لإدراك مشاعرك، وتكون متفهماً لمشاعر الآخرين، وتتحمل مسئولية تصرفاتك، مع ملاحظة ردود فعلك العاطفية، ومصارحة نفسك والآخرين بشأن مشاعرك». ختاماً أقول، وقد عبر غلاف الكتاب عن محتواه بين عقل وقلب يستلهمان الذكاء بانسيابية: ما برحت البشرية تجعل من العاطفة سكنا للقلب! القلب الذي يأتي عادة بما لا يرضى به العقل. فلم يكن للعاطفة يوماً أن تحظى بمقام الذكاء صاحب الجلالة. لكنها حقيقة نتاج القلب الوجداني الذي وجده بشر الألفية الثالثة يتفوق على العقل ونتاجه من ذكاء ونبوغ وتحصيل علمي جاف! وفي رؤية أكثر تصوفاً أقول: إن للقلب عقله، وللقلب فقهه، وللقلب هديه، وللقلب فؤاده الذي إن شاء له الحق عز وجل أن يرى.. فعين اليقين.
1359
| 17 نوفمبر 2023
تموج الساحة العالمية في الوقت الحاضر بتيار هادر من برامج توعوية تستهدف في طابعها العام صالح الإنسان كعنصر أساسي في عملية التطوير المطلوبة، سواء كان ذلك على مستوى التنمية البشرية ومتطلبات اكتساب الخبرات الفعّالة لتلبية الحوائج المادية، أو على مستوى تنمية الذات الذي يركّز في الأساس على اكتساب مهارات الحياة العامة كالقيادة والاتصال وإدارة الوقت، أو على المستوى الروحي في تعزيز القيم العليا وفضائل الأخلاق والسعي نحو الارتقاء النوراني كغاية أسمى. بيد أن مصطلح (الذكاء العاطفي) قد احتل نصيب الأسد في حظه من الاهتمام في خضم هذا التوجه، لا سيما بالترويج والتلقين والتدريب والتداول ومحاولات التطبيق العملية، لذا، يأتي هذا الكتاب (الذكاء العاطفي: أنت بالفعل تمتلك قوة خارقة) مرادفاً لهذا التوجه وهو يجمع بين عقلانية الطرح وواقعية التطبيق والوجدانية في تأثيره، من خلال لغة سلسة التعبير تخاطب العقل والقلب معاً بذكاء. ولا عجب، إذ «وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ» وقد وضعه الأمين العام لرابطة المدربين العرب. إنه (د. درع معجب الدوسري)، والذي اضطلع بتقديم أكثر من أربعمئة وعشرين برنامجاً تدريبياً ناجحاً حتى اليوم في علوم الإدارة وفنون القيادة، استفاد منها أكثر من اثني عشر ألف موظف في عدد من الدول العربية والإسلامية وبعض المراكز الإسلامية في دول أوروبية. يحمل المؤلف درجة الدكتوراة في التنمية البشرية من جامعة ليستر البريطانية، إضافة إلى درجة الدكتوراة في المناهج وطرق التدريس من جامعة القاهرة، وقد حصل من قبل على درجة الماجستير في نفس التخصص من جامعة وسط فلوريدا في أمريكا. شق طريقه العملي ابتداءً في سلك التدريس الذي تدرّج فيه، ليخرج إلى نطاق العمل الميداني في مجال الاستشارات المتعلقة بالموارد البشرية ويتولّى عددا من المناصب الإدارية، وليتوّج مسيرة كفاحه في الحصول على إجازة المدرب الدولي المعتمد، وتأسيس مركز ميجا للتدريب الإداري. وهو على الجانب الآخر مقدم لبرامج تلفزيونية وكاتب عمود صحفي، وقد قدّم أكثر من ثلاثين ورقة عمل لعدد من المؤتمرات والمحافل الدولية، إلى جانب ما نشره من أبحاث في عدة مجلات علمية مرموقة. يُلقي هذا الكتاب الضوء ابتداءً على النظرة التاريخية نحو العواطف الإنسانية كنقاط ضعف استلزمت الرفض والنبذ والتجاهل، وذلك لصالح الذكاء العقلي المرتبط بتحصيل الدرجات العلمية، والذي لم يكن بدوره مقياساً تنبؤياً دقيقاً للنجاح المستقبلي على الصعيدين الشخصي والمهني، الأمر الذي وجّه الانتباه نحو الذكاء العاطفي كعامل أكثر تأثيراً في مدى نجاح الفرد وتطوّره. إن امتلاك الفرد لدرجة عالية من الذكاء العاطفي تتيح له قدرة التعرّف على مشاعر الآخرين وتحليل أسبابها ومن ثم التحكم في توجيهها، بما يحسّن من مستوى التفاعل الإنساني. يقول المؤلف في هذا مستشهداً: «أوضحت العديد من الدراسات أن نجاح الإنسان وسعادته يتوقف على مهارات لا علاقة لها بالشهادات، فكثير هم الذين حصلوا على تقديرات امتياز في اختباراتهم الأكاديمية، لكنهم لم ينجحوا في الحياة الأسرية والمهنية والعكس صحيح. فمواجهة الحياة تحتاج إلى الفطنة وهي أعلى من الذكاء، كما ثبت أن الأذكياء عاطفياً أكثر قدرة على التعامل مع ضغوط الحياة ومشكلاتها بشكل أكثر تفاؤلاً وأكثر إصراراً ومثابرة وأقل تعرضاً للتوتر والقلق». يتناول الكتاب العديد من المواضيع الشائقة ذات الصلة بمفهوم الذكاء العاطفي، التي تندرج تحت ثلاثة فصول رئيسية، هي: (الفصل الأول: الذكاء العقلي والذكاء العاطفي): وفيه يتطرق إلى مفهوم الذكاء العاطفي من حيث طبيعته وأهميته وعناصره، وتحديد الفروق بينه وبين الذكاء العقلي، مع إيراد بعض الأمثلة التي تمثّله من الواقع. (الفصل الثاني: الغباء العاطفي): وفيه يتطرق إلى إدارة التفاعل ومهارات التحكّم بالعواطف، وأساليب اكتساب المهارات الاجتماعية والاستعداد لمواجهة المواقف الجديدة من خلالها، وطرق الوقاية من الوقوع في فخ الغباء العاطفي، وكيفية تطوير مهارة الذكاء العاطفي ونبذ المشاعر السلبية، وتحقيق النجاح والسعادة. (الفصل الثالث: الذكاء العاطفي والعمل): وفيه يتطرق إلى أهمية الذكاء العاطفي في بيئة العمل وطرق تطويره وآلية عمله واستثماره كأداة للترقي الوظيفي، مع توضيح العلامات الدالة على ارتفاع معدّله وانخفاضه، وأساليب احتواء مشاعر الموظفين والتعامل مع انفعالاتهم بذكاء. ومن أروقة الذكاء العاطفي، لمحات فيما يلي مدعمة ببعض الاقتباسات (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): عادة ما يقترن الذكاء بالعقل، بحيث تُصبح (القدرة العقلية) أول ما يتبادر إلى الذهن بمجرد ذكر كلمة (ذكاء)، وبحيث يصبح من يتمكّن من حل الكلمات المتقاطعة في فترة زمنية وجيزة ذكيّاً على حساب الآخر الذي يستغرق وقتاً، غير أن الكتاب يعدد أنواعا أخرى من الذكاء وهو يتحدث عن (مفهوم الذكاء)، أهمها: (الذكاء اللغوي): وهو القدرة على التعبير باستخدام اللغة شفهياً أو كتابياً بشكل واضح ومميز ومؤثر. (الذكاء المنطقي): وهو القدرة على معالجة الأفكار منطقياً واجراء العمليات الحسابية بدقة، مع مهارات التحليل والاستنتاج والتعميم. (الذكاء الفني): وهو القدرة على التعبير التصويري باستخدام الأشكال والألوان وإدراك مواطن الجمال وإبرازها.
981
| 16 نوفمبر 2023
رواية يتضاعف فيها الأسى.. أسى احتلال الأرض، واحتلال ابن الأرض! كلمات حارقة بين أب وابنه اختزلت عمراً كاملاً من الفقد واللوعة والترقبّ في أمل لم الشمل العائلي الأصغر الذي يحتضنه شمل الوطن الأكبر. ليس الوطن ذلك النسب المرتبط بالدم أو اللون أو العشيرة، إنما هو القضية والمبدأ الذي لا يحيد. في هذه الرواية عرض للتناقضات التي ما برحت تعتمل في النفس البشرية الأشد تناقضاً.. بين بنوة الدم وقضية تمس شرف الأرض الأم. تتصدر رواية (عائد إلى حيفا) قائمة إبداع الأدب الفلسطيني رغم مرور ما يقرب نصف قرن على وفاة مؤلفها! إنه (غسان كنفاني 1972:1936) أحد أشهر الروائيين العرب في القرن العشرين والذي تنقّل بين عكا ويافا وبيروت ودمشق والكويت، وقد عاش واقع الاحتلال الإسرائيلي كما ضمّنه في أعماله التي بلغت ثمانية عشر إصداراً، وقد تُرجم معظمها إلى سبع عشرة لغة، وتحوّل بعض منها إلى أعمال مسرحية وسينمائية، وذلك بعد استشهاده في انفجار سيارته بعبوة ناسفة، دبّره عملاء إسرائيليون. يعود سعيد برفقة زوجته صفية إلى حيفا بعد مرور عشرين عاماً على تهجير الأهالي بوابل من رصاص قوات الاحتلال، وهما يترقبان لقاء ابنهما (خلدون) الذي لم يتمكنا من اللحاق به في بيتهما لالتقاطه من سريره وقد كان حينها لم يتجاوز الخمسة أشهر.. فيعودا، ليجداه وقد أصبح (دوف) ترعاه امرأة يهودية تبنّته وزوجها، وقد تنكّر لأرضه ولهما، وخدم جيش عدوه وعدوهما، عكس شقيقه (خالد) الذي أصبح فدائياً، وأصرّ على الالتحاق بالمقاومة ضد مشيئة والديه. يصل سعيد وصفية إلى بيتهما في حيفا، وقد عادا أدراجهما عقدين من الزمان روادهما في الأثناء خواطر عن كنه الوطن: أهو الأبوة؟ أم البنوة؟ أم صورة للقدس أو لشهيد العائلة على الجدار؟ أم مزلاج نحاسي؟ أم شجرة بلوط؟ فتستقبلهما مالكته العجوز بالترحاب. أما الشاب طويل القامة، فقد أخذ يحاور والديه -حين اقتحم الغرفة ببدلته العسكرية ليفاجئ بهما- بحديث بدى وأنه قد أعدّه مسبقاً، لا سيما بعد أن سأله سعيد ما إذا كان يخدم في الجيش؟ ومن يحارب تحديداً؟ ولماذا؟ فإذا به يرد بجفاء: «أنا لم أعرف أن ميريام وإفرات ليسا والدي إلا قبل ثلاث أو أربع سنوات. منذ صغري وأنا يهودي، أذهب إلى الكنيس وإلى المدرسة اليهودية وآكل الكوشير وأدرس العبرية. وحين قالا لي إنني لست من صلبهما لم يتغير أي شيء، وكذلك حين قالا لي بعد ذلك إن والدي الأصليين هما عربيان لم يتغير أي شيء. لا، لم يتغير! ذلك شيء مؤكد.. إن الإنسان هو في نهاية الأمر قضية». وبينما يواجه والده ممتعضاً عن تركه رضيعاً دونما أي محاولة للعودة قائلاً: «لقد مضت عشرون سنة يا سيدي! ماذا فعلت خلالها كي تسترد ابنك؟ لو كنت مكانك لحملت السلاح، أيوجد سبب أكثر قوة؟ عاجزون مقيدون بتلك السلاسل الثقيلة من التخلف والشلل! لا تقل لي إنكم أمضيتم عشرين سنة تبكون! كل دموع الأرض لا تستطيع أن تحمل زورقاً صغيراً يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود.. أهذا ما تقوله لي الآن؟ أهذا هو سلاحك التافه الآن؟». لا يخفي سعيد ألم الطعنة التي وجهها له فلذة كبده في التو، وهو يبرر له أن الخطأ إذا اُلحق بخطأ لا يجعل منه صواباً! ثم يفحمه قائلاً: «ولكن متى تكفون عن اعتبار ضعف الآخرين وأخطائهم مجيرة لحساب ميزاتكم؟ مرة تقولون إن أخطاءنا تبرر أخطاءكم، ومرة تقولون إن الظلم لا يصحح بظلم آخر! تستخدمون المنطق الأول لتبرير وجودكم هنا، وتستخدمون المنطق الثاني لتتجنبوا العقاب الذي تستحقونه». ينتهي الحوار بينهما حول الإنسان في حد ذاته كـ (قضية)، فيقول سعيد كلمته الأخيرة: «أنا لا أتحدث إليك مفترضاً أنك عربي، والآن أنا أكثر من يعرف أن الإنسان هو قضية، وليس لحماً ودماً يتوارثه جيل وراء جيل مثلما يتبادل البائع والزبون معلبات اللحم المقدد، إنما أتحدث إليك مفترضاً أنك في نهاية الأمر إنسان يهودي، أو فلتكن ما تشاء. ولكن عليك أن تدرك الأشياء كما ينبغي.. وأنا أعرف أنك ذات يوم ستدرك هذه الأشياء، وتدرك أن أكبر جريمة يمكن لأي إنسان أن يرتكبها كائناً من كان، هي أن يعتقد ولو للحظة أن ضعف الآخرين وأخطاءهم هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم، وهي التي تبرر له أخطاءه وجرائمه». قد تشي الرواية بمعنى أكثر عمقاً من مجرد تنكّر المرء لهويته، إذ لا يحق للباطل أن ينتصر إلا إذا تنكّر أصحاب الحق للحق.. إما عن استكانة أو استسلام أو غدر أو عن إخلاص غير حقيقي! يعود سعيد وصفية أدراجهما إلى رام الله، وقد تمنى سعيد حين بلغ مشارفها أن يكون ابنهما خالد قد غادر نحو جيش المقاومة في غيابهما.. فيقول لصفية وهو لا يزال يفتش عن «فلسطين الحقيقية»، منهياً حديثه حول الوطن وهو يقرّ بأن «الوطن هو ألا يحدث ذلك كله».
972
| 09 نوفمبر 2023
كتاب يجمع بين دفتيه مقالات المفكّر الفلسطيني الأخيرة، والتي تركّزت بشكل أخص حول القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، إضافة إلى قضايا عامة تخص الشأن العربي والإسلامي، وينتهي برسائل الود والتقدير التي كُتبت بأقلام أعلام المثقفين في رثائه، بعد وفاته بسرطان الدم رحمه الله. لم يكفّ المفكر - وهو يحظى بالمواطنة الأمريكية - أن يسوم الإدارة الأمريكية نقداً لاذعاً يفضح ازدواجية معاييرها وسياسة الكيل بمكيالين لا سيما فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، كفلسطين والعراق، الأمر الذي عرّضه لمضايقات شتّى طالته بتأثير من اللوبي الصهيوني المتنفّذ في مرافق الولايات المفصلية! وهو رغم هذا لم يكن ليغض الطرف عمّا يجري فوق أرضه من سياسات فاشلة تبنتها السلطة الفلسطينية، وبالأخص في عملية سير المفاوضات بين الطرفين. تأتي أهمية هذه النصوص عن توثيقها لحقبة تاريخية شهد المفكّر على مجرياتها ووقائعها والكثير من أحداثها، تناولها بالدراسة والتحليل، ورسخّت لديه حصيلة متينة من المبادئ والأفكار والآراء والقناعات ما جعلها بمثابة عصارة فكر وجهاد وعقيدة. إنه إدوارد وديع سعيد (1935: 2003)، المولود في مدينة القدس الفلسطينية والمتوفى في مدينة نيويورك الأمريكية، أحد أشهر المفكّرين والمثقّفين والأدباء العرب في القرن العشرين، وأكثرهم تأثيراً في الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني وقضيته العالمية. وهو كذلك أكاديمي حاصل على درجة الدكتوراة في النقد الأدبي والأدب المقارن من جامعة هارفارد الأمريكية، حيث انخرط في سلك التدريس الجامعي، وشغل بالإضافة إليه مناصب أخرى كمحرر وكاتب عمود في عدد من الصحف العربية والعالمية، كما كان نشطاً إعلامياً من خلال الندوات والمحاضرات والحوارات الإذاعية والتلفزيونية.ينقسم كتاب (خيانة المثقفين: النصوص الأخيرة) إلى عدة أقسام، تبدأ بـ (السيرة والأعمال)، ثم تتطرق إلى مواضيع مثل (الاستشراق/ الإسلام/ القضية الفلسطينية/ حول مفهوم المثقف)، وتنتهي برثائه. وعن مراجعته، فتعتمد على الطبعة الثالثة الصادرة منه عام 2011 عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع) والذي عني بترجمته من لغته الأصلية المترجم التونسي أسعد الحسين، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص. تحتل مقالة (خيانة المثقفين) عنوان الكتاب، والذي ألحق فيه المفكّر العار بزمرة من المرتزقة وأصحاب الأقلام المأجورة الذين تكفّلوا بشنّ هجمات تستهدف الحطّ من قيمة الإسلام ووصمه بالتعصب والجهل والتخلف والظلامية، وذلك عندما كان يتصدى لأجندات السياسة الغربية وحملتها الشرسة للنيل من الإسلام وأتباعه! بيد أن دور هؤلاء المثقفين من الخطورة بمكان في التأثير على عقول العامة وتثقيفهم وتشكيل وعيهم الجمعي، لا سيما فيما لو قاموا بالتحريض على معاداة الحق والتصفيق للظالم، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى سيادة الطغيان وتفشّي العدوان وتغييب العقل وضياع الحق. أما عن حركة الاستشراق التاريخية كمفهوم وكهدف، فهي إن خدمت ابتداءً الأهداف الاستعمارية أو الاستكشافية أو التبشيرية، فإنها تأخذ على عاتقها في الوقت الحاضر خدمة المصالح الإسرائيلية-الأمريكية، ودعم الخطط الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية، وهي بهذا لا تحقق أي نوع من الموضوعية أو الحيادية لا على مستوى الفكر ولا التحليل ولا الحوار البنّاء بين الطرفين المتنازعين. وللقضية الفلسطينية نصيب الأسد من نصوص المفكّر الأخيرة وكأنه يوصي بها بعد أن قال كلمته وكفّى ووفّى، وهو ما برح ينادي بأن الخيار المتاح للحل السلمي وحقن الدماء هو إقامة دولة واحدة ثنائية القومية، تتعايش فيها القوميات الثلاثة، مسلمين ومسيحيين ويهودا. وهو في دعوته هذه لم يكن يغفل عن تسليط الضوء على الأعمال الوحشية التي كان يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، يساندها في هذا الكثير من دول العالم ذات المصالح المشتركة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وأدوات الإعلام الأمريكي بقضّه وقضيضه، وشريعة (خيانة المثقفين) الآنفة الذكر. يقول صديقه الأستاذ والفيلسوف والناقد والسياسي الأمريكي (نعوم تشومسكي) في نعيه الذي جاء تحت عنوان (صوت من لا صوت لهم): «كان لي إدوارد سعيد صديقاً حميماً وعزيزاً خلال سنوات عديدة. إن موته خسارة فادحة تتعدى بكثير دوائر الذين كان لهم امتياز معرفته. لقد اشتهر عن جدارة لمساهماته اللامعة في إنتاج ثقافي غيّر عملياً من طرائق رؤيتنا للعالم الحديث ولأصوله التاريخية. ناضل بلا كلل ولا هوادة من أجل العدالة والحرية وحقوق الإنسان ليس للشعب الفلسطيني وحده - وهو الذي لا يضاهي في النطق باسمه، محيياً آماله وقضيته في أزمنة مظلمة فاجعة - وإنما أيضاً للعديد غيره من الشعوب المحرومة والمعذبة في أرجاء العالم كافة. كان إدوارد سعيد حقاً صوت من لا صوت لهم، تتخطى شجاعته والتزامه كل حدود بشكل يستعصي على الوصف. إني لواثق من أن ميراثه سوف يكون مصدر إلهام وتوجيه لسنوات عديدة في المستقبل. وخير تكريم لهذا الشخص الرائع أن نسعى بأفضل ما نستطيع إلى مواصلة التقدم في الدروب التي فتحها ومهدها بكامل تألقه ونزاهته». ختاماً، إنه كتاب لا ينم وحسب عن موسوعية الفكر وموضوعية الطرح والتحليل، بل عن شرف الانتماء والإباء والأصالة والكرامة العربية كما ينبغي أن تكون.
2031
| 02 نوفمبر 2023
..... نواصل الحديث حول كتاب «دفاتر فلسطينية» لمؤلفه معين بسيسو. يُصبح الكلب أداة من أدوات التعذيب والذي كان يأكل اللحم يومياً في بداية توظيفه، حيث أصبح بعد أربعة أشهر «يمضغ قطعة اللحم فقط ويبصقها إلى جوار القروانة، وعليك أن تمد يدك وتتناولها وتأكلها أمام السجّان». وفي سجن القناطر الذي تختلط فيه أطياف المساجين، والذي كان يضم بين جدرانه عددا من اليهود الذين تم احتجازهم أثناء العدوان الثلاثي، يحمل الصدى المتردد مصرياً من زنزانة ما، رجاءً يخص الفلسطينيين وحدهم. يقول معين: «في الصيف يأخذك القطار إلى البحر، وفي الشتاء يأخذك المطر إلى الشجر، ومن بعيد كان يأتي إلينا صوت أحد المسجونين العاديين وهو يصرخ في الليل يحمل البشارة: عنبر فلسطينيين.. كله يسمع! ما سجن انبنى على سجين.. ولا مستشفى انبنت على مريض.. أخوكم المعلم عبدالباسط عبدالعال.. طالع من عشرين سنة أشغال.. عقبال عندنا وعندكم يا حبايب». ثم يقرر السجناء الفلسطينيون مع رفاقهم المصريين فلاحة مزرعة بزعامة مهندس زراعي معتقل بينهم، فالسماد أمكن تصنيعه طبيعياً من دورات المياه في الواحات، والبذور أمكن تهريبها مع السجين المراسل، أما الماء فكان بالإمكان استدراجه من النبع البعيد. بعد استغراب وضحك مأمور السجن ومن معه، تتم الموافقة ويتم استحضار ثور للحرث، الذي ما أن أتم عدة أيام حتى خر فأصبح طعاماً دسماً للمساجين الذين نسوا طعم اللحم. يصف معين ثمرة جهدهم بعد ذلك قائلاً: «الماء بدأ يسيل من النبع يجري في قناة، والقناة كانت تتحول إلى شرايين والرفاق يصيحون: الماء الماء». يصر السجناء المصريون على تخصيص مزرعة للفلسطينيين يفلحونها كما شاءوا، وقد زودوهم بالماء والبذور من غير شرط، أطلقوا عليها «مزرعة غزة». يهرّب أحد الرفاق راديو ترانزستور يعتبره البقية بمثابة «إلهاً عجيباً»، يسمعون من خلاله سيل من أكاذيب يبثها مذيع ناعق من ميكروفون (صوت العرب) ينفي بها وجود معتقلين فلسطينيين في سجون مصر الحربية، وكان يصدح هامزاً لامزاً: «يا إذاعة 14 تموز 1958، يا إذاعة عبدالكريم قاسم، اسمعوا أيها العرب». كانت المؤثرات الموسيقية كفيلة بإقناع العرب بهذه الكذبة «إلا أننا كنا في زنزانة ونعرف جيداً أننا معتقلون». هكذا كان يعلق معين مع رفاقه الغاضبون الذين كانوا يهتفون «كذاب كذاب.. لا بد أن يقدم للمحاكمة.. نحن هنا». ليس كل من يقع في براثن السجن ظالماً، بل منهم الشرفاء ممن يدفع الثمن رصيداً من عمره، غير أن الكثير من الظالمين طلقاء، حيث يعقّب معين -في مفارقة- لحظة خروجه من السجن وهو ينظر إلى المشاة قائلاً: «وما أكثر المعتقلين في الشوارع ولكنهم يمشون». يُفرج عن الرفاق أخيراً، وأولئك السجّانون -الذين لا يترددون في اعتقال الجنين وهو في رحم أمه- يصافحونهم بعناق، أولئك الذين ما برحوا يصورون فلسطين في «الكلبش والزنزانة والكرباج»، غير أن شجرة الزيتون تبقى خير ما تمثل شموخ الأرض. يقول معين عن هذه اللحظة في خاطرة أكثر شموخاً: «وعليك أن تتذكر أن عليك أن تعتذر إلى الزيتونة حينما تسألها قطعة صابون لكي تغتسل». ومن صفحات ضمت ذكريات عذبة، يبدو لموسم الحصاد ذكرى شاعرية لدى معين، عن سنابل قمح تتنشق شعاع الشموس وتسكن مع سكون الليل البهيم. يقول: «وكان أبي يأخذني معه دائماً في موسم الحصاد، وفوق كومة من سنابل القمح كان يضع فروة خروف ويغطيني بفروة أخرى. وهكذا كنت أنام وتحت رأسي سنبلة وفوق رأسي نجمة». ويمضي به والده إلى جانب قناة ماء تفصل بين (غزة) و(بئر السبع) حين كان يعلمه الصيد. يقول: «وعلمني كيف أحب الماء الذي تخرج منه الطيور». وبعد طول فراق وفي دفتره السابع يزوره والده، فيبدو حينها كالشجر الذي يموت واقفاً، ويبدو هو كالشبل من ذاك الأسد. يقول: «فلقد كان هو.. هو! المتشرد العظيم الواقف أبداً وغير القابل للسقوط». أما عن كيف يورق الماء على سبورة العلم أشجاراً بأصابع المعلم الفلاح! يقول معين وقد تحدث عن معلمه الذي كان يشبه قطرة المطر: «وحينما يتحول الفلاح إلى مدرس تتحول الأشجار كلها إلى أصابع طباشير». لكن فلاح غزة لا يأبه بسياج أحاط بأرضه، حيث تأخذه شمس الحقل نهاراً ليحصد قوته، حتى يحمله ليله فوق نعش: «الفلاح من غزة يقص بأصابع يديه الأسلاك الشائكة ويذهب لزرعه، يعود بحزمة سنابل ويسقط مثقوباً بالرصاص. وفي صباح اليوم التالي يعلنون قتل متسلل». ختاماً، ومع معين بسيسو الذي امتن لزنزانته التي لا تفرق عن زنازين أخرى بلا قيود، فقال: «علمتني الزنزانة السفر إلى مسافات بعيدة، وعلمتني أيضاً الكتابة لمسافات بعيدة». ومع كل هذا الوجع الذي جاء فلسطينياً بامتياز ولم يكن يحمل ذنباً، فقد جادت قريحة الإمام الشافعي من ذي قبل فأطرب إذ قال: وإني لمشتاق إلى أرض غزة .. وإن خانني بعد التفرق كتماني سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربتها.. كحلت به من شدة الشوق أجفاني
603
| 26 أكتوبر 2023
لأنها دفاتر تخص شابا فلسطينيا خطّ نصوصها خلف القضبان، فهي توحي للوهلة الأولى أنها تصف نضالا أودع على إثره أحد سجون الاحتلال، إلا أنها مع نضاله تسجل موقفه كمعتنق للشيوعية حين اعتقلته السلطات المصرية على أعقاب مظاهرات، منتصف القرن الماضي! يتنفس إهداؤه الروح الفلسطينية الحرة وهو يهديه بخط يده «إلى شعبنا الفلسطيني في زنازين الأرض المحتلة يرفض أن يستنكر فلسطينيته»، وتشهد دفاتره كذلك على نضال رفاقه السجناء وقد «كتبوا إحدى السيمفونيات الهامة في تاريخ شعبهم»، رغم الحصار والتشرد والاعتقال والتقتيل. «فما استنكروا فلسطينيتهم، وما عضوا الشيوعية»، بل واتفقوا مع رفاقهم المصريين من أتباع الحزب على شن الاستنكار بأقلامهم! عليه، أتت هذه الدفاتر. يقدم الشاعر سميح القاسم للدفاتر الذي يعتبرها جاءت في الزمان والمكان المناسبين، من أجل التصدي لدعاة النكوص والتخاذل والتسليم المذل «فلا الوطن تحرر ولا الشعب استقل ولا الدول ذات السيادة تحققت، وما زالت القدس عاصمة روحنا وتاريخنا وحلمنا، عرضة يومياً لمشروع التهويد الهمجي». ومن (دفاتر فلسطينية)، أو بالأحرى من دفاتر مارد السنابل معين بسيسو (1928: 1984) في طبعتها الثانية الصادرة عام 2014 عن (دار الفارابي للنشر والتوزيع)، والذي يزين غلافها بلوحة زيتية وهو يشتمل بكوفية، أعرض صفحات من زنازين العذاب وأخرى من عذب الذكريات، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): في البداية، كان الدخان يتصاعد في جو القاهرة كالحجارة التي كان البوليس يتصدى لها بالقصف، ويبحث عن الشاعر الذي لم يكن حينها سوى طالب في الجامعة الأمريكية، متخفياً جائعاً وخاطره يقرض شعراً يتساءل فيه: «لمن الشارع من يملكه؟ نحن أم من يملك الجيش الكبير؟ طردت منه الجماهير التي زرعت من قلبها في القصور. لم تعد تدوي به صيحاتها وهي في ثورتها الكبرى تسير. حاكموها.. عاقبوا كل فم صارخ في وجه حفار القبور.. هذه أرضي ولن أزرعها جثثاً.. بل سنبلات وزهور». أي شرف يبقى لرجل عمل في القوة البوليسية؟ يكيل معين في الدفتر الرابع سيلا من الذم في حق من ماتت ذمته، وقد شهد على ما شهد من سوأة الأخلاق: «حينما يتحول أحدهم إلى شرطي مباحث أو مخابرات فهو على استعداد لكي يحلب ثدي أمه ويقدم حليبه كأس عرق». يأتي أبو نحل -وهو أحد عراة الشرف- إلى بيت أم بسيسو التي ربته صغيراً ليعتقله وإخوته، في خيانة سافرة لكرم المأوى الذي حظي به وأفراد عائلته حين لجؤوا إليهم مشردين! يمسك بمعين، فتصرخ آمنة مستنكرة: «جئت تعتقله.. لماذا؟ لقد كان يدافع عن أطفالك. لم يبق إلا أن يسلخ جلده ويقدمه له لحافاً». يصور معين الموقف بعينه التي كانت تراقب أبو نحل، والذي: «كان يريد أن يخبئ عينيه فنظر إلى قدميه دون أن يدري. دائماً المباحث ينظرون إلى أقدامهم الكبيرة، الأقدام التي كبرت من فرط متابعة وملاحقة الأيدي التي تكتب». وعن حفاوة الاستقبال التي استهلت فيها المطارق جماجم الرفاق في الزنزانة، تأخذ الحمية أحدهم عندما شاهدها تنهال على معين، إذ أنه «الرفيق القائد». يصف معين تلك اللحظات الجارحة قائلاً: «وعرفوا أنني الكبش، رأس هذا الطابور من المعتقلين الفلسطينيين. وأغمي عليّ من هول الضرب وصحوت، وإذا برأسي بين يدي، ممنوع عليّ أن ألتفت إلى اليمين أو إلى اليسار، إلى الأمام أو إلى الخلف. كان على الرأس الفلسطيني أن يدخل ثقب الإبرة. تحس كأن محراث يدور في رأسك. ماكينة الحلاقة تدور ويسقط شعرك، هذا الصوف الفلسطيني المطلوب دائماً». يشتد الوضع سوءا كما يصفه معين في دفتره الخامس، ويقرن ما يجري على الأرض الفلسطينية من مسح مذل، بما يجري عليه وعلى كل فلسطيني معتقل، فيقول: «ماذا فعلوا بالوجه الفلسطيني؟ لقد حلقوا شعر الرأس وحلقوا الحاجبين. ماكينة الحلاقة التي دارت في الرأس الفلسطيني، كانت تدور كالمحراث في الأرض الفلسطينية. لم أكد أعرف أولئك المحكومين معي في الزنزانة، ولكن حينما استيقظنا في السادسة صباحاً على مفتاح وكرباج السجان عرفنا أننا لا يمكن أن نكون غير فلسطينيين». ليس بالضرورة أن تلسع الكرابيج الظهور العارية حتى تتعالى الصرخات، إذ تتكفل صرخات الرفاق بنقل العدوى، فيصرخ بقية الرفاق للسعات لم تحدثها كرابيج! يلون معين هكذا مشهدا وحشيا بريشته قائلاً: «حينما تخلط لونين يخرج لون ثالث. فماذا كان يحدث حينما كان السجان يخلط بكرباجه مائة صرخة لمعتقل؟ العذاب دائماً يأتي من خارج الزنزانة، فحينما يبدؤون تعذيب جارك في الزنزانة المجاورة يبدأ العذاب بالنسبة إليك، إنك تنتظر دورك وهم يعرفون كيف يطيلون عذابك في الانتظار، فقد لا يأتي دورك في هذه الليلة ولكن ألسنة النيران قد بدأت تشتعل في عظمك. كل صرخة تأتي إليك من خارج الزنزانة لسان نار، دخان النيران يتسرب من جسد جارك المعتقل، إنهم يذبحونه بالنار ويخنقونك بالدخان». يتنبأ أحد الرفاق بطول أمد القضاء فيقول: «سوف يطول نومنا في سجن مصر العمومي» لكن معين لم يكن يراه سوى قدراً، فيقول: «والزنزانة هي حجرة نوم الفلسطيني».
906
| 19 أكتوبر 2023
كتاب يتّصف بأنه (مميز بالأصفر)، ويضم بين دفتيه تجميعا لاقتباسات وعظات وخواطر وحكايات، تعزف ألحاناً عذبة تتناغم وطاقة التفاؤل والحب والجمال والسعادة التي تحيا بها الحياة بأغلى ما فيها، أو بواقعها، ولا غرابة أن يصفه عنوانه الفرعي بأنه (مقرر مختصر في العيش بحكمة والاختيار بذكاء). إنه المقرر الذي يقرّ في مقدمته بـ «أهمية التصرف بلطف وكرم وإحسان مع الآخرين، وتوطيد علاقات قوية راسخة مع الأشخاص الذين نحبهم، واختيار توجهات ذهنية تساعدنا أثناء عيش ساعات الحياة اليومية العادية، واكتشاف معنى الرضا والإشباع النابعين من تقدير المتع البسيطة والاستمتاع بها». تعرض قائمة المحتويات ستة عناوين رئيسية تحدد أطر ذلك المقرر الذي اعتمده الكتاب من وجهة نظر مؤلفيه التنمويين، وهي: (الإحسان / الكرم / المتع البسيطة / التوجه الذهني / الزواج / الأبوة). وفي هذه المراجعة عرض لشذرات من مأثور القول بالاعتماد على الطبعة الأولى الصادرة منه عام 2018 من مكتبة جرير، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر). ويعتقد البروفيسور (صامويل هولدنسون) أن صعوبة الشعور بالسكينة في حضرة شخص فاقد للطمأنينة، و»عدم القدرة على التمتع بهدوء البال عندما يكون أحد الجيران محملاً بالهموم» هو ببساطة تعريف لمعنى (الإحسان). فيقترح الكتاب - وهو يعني بهذا المفهوم النبيل - أن تبعث لشخص فقير تعرفه ورقة نقدية بقيمة عشرين دولاراً سراً دون أن تفصح عن نفسك، وذلك كترجمة عملية للإحسان في الحياة. ومن جانب حياتي آخر، يظهر الحب وكأن له يدين تساعدان المحتاج، وقدمين تسعيان نحو الفقير، وعينين تبصران العوز، و»أذنين يسمع بهما تنهدات المكروبين».. هكذا يتحدث القديس (سانت أوجاستين) في مفهوم (الكرم) الذي يأتي الحب كشكل من أشكاله. وفي (صنيع معروف عشوائي)، يسرد الكتاب قصة دارت أحداثها عام 1891 والتي لم تنتهِ بالبساطة التي بدأت بها، حيث يقصد فندق (بيلفو هوتيل) في ليلة مطيرة «زوجان عجوزان يحتميان من عاصفة في منتصف الليل» عندما كانت جميع فنادق ولاية فيلادلفيا ممتلئة بالنزلاء، في حين «لم تكن هناك غرفة شاغرة للإيجار في أي مكان». يستقبلهما موظف شاب تأخذه الشفقة ويتعاطف مع ظرفيهما، فيعرض عليهما «السرير الوحيد المتاح.. سريره الخاص». يرفض الزوجان بينما يصرّ الشاب العطوف، فيقبلان أخيراً.. وقبل مغادرتهما في الصباح يشكرانه على اهتمامه غير العادي، ويخاطبه العجوز قائلاً: «أنت الشخص الذي ينبغي أن يكون مدير أفضل فنادق الولايات المتحدة. ربما أبني لك في يوم من الأيام فندقاً تديره أنت». يضحك الثلاثة ثم يفترقون، وينسى الموظف الشاب الموقف «ولكن العجوز لم ينسه». وبعد عامين «تم إنشاء مبنى هائل شبيه بالقلعة في نيويورك سيتي، وكان صاحبه هو العجوز الذي تأثر بموظف فندق فيلادلفيا رحيم القلب. وكان هذا هو الوقت المناسب لدعوة الشاب لرؤية الفندق الهائل الذي ينتظره». يصل ويصطحبه العجوز نحوه قائلاً: «(هذا هو الفندق الذي بنيته لتديره أنت). وأثناء وقوفهما عند زاوية الشارع بجوار الفندق الذي سرعان ما سيصبح فندق والدورف أستوريا هوتيل صاحب الشهرة العالمية، تم تعيين الموظف الشاب جورج بولدت أول مدير للفندق. وعلى مدار السنوات الثلاث والعشرين التالية، وحتى وفاته عام 1916، ظل بولدت مخلصاً للفندق وللثقة التي أولاها إياه ويليام والدورف أستو». والكتاب وهو يقتبس قول الرئيس الأمريكي (ابراهام لنكولن) في توصية كلا الوالدين بقيادة السيارة بالطريقة التي يريدان أن يقود بها أبناؤهما، تأخذ وصيته منحى مجازيا كما المعنى المباشر فيه، إذ يقول موضحاً: «هناك وسيلة واحدة لتنشئة طفلك بحيث يتخذ الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه، وتلك الوسيلة هي أن تسير أنت نفسك في هذا الطريق».. فالقيادة بذوق وتوخٍ وحذر تضمن السلامة وتضمن الوصول إلى الوجهة المبتغاة، وكذلك هو السير على طريق الخير والحب والفضيلة، لا ينتهي إلا بها. وعندما ينصح الكتاب - وهو يستمر في حديثه عن (الأبوة) - بعدم الخلط بين النجاح والثروة، يستعين برأي الرئيس الأمريكي (تيودور روزفلت) الذي كان يعتقد أنه لا يوجد أي إنجاز في الحياة سواء كان التحاقا بجامعة أو إصدار كتاب أو تحصيل ثروة أو تقلّد منصب رئيس البلاد «يضاهي نجاح رجل أو امرأة يمكنهما الشعور بأنهما أديا واجبهما، ويكبر أولادهما وأحفادهما ويدعوان لهما بالرحمة». والكتاب وهو يذكّر بالموارد الثلاثة المتاحة لكل فرد والتي تلعب دوراً مؤثراً في حياته «الحب والدعاء والصفح»، لا يُصبح أجمل من قول اللاعب (كاري ويستنجسون) الذي وكَّل أمره لله بكرة وعشياً، وهو يقول: «في الليل، أسلّم كل أموري لله، فهو الذي لا ينام أبداً». ومع تلك الدفقة الإيجابية نحو الحياة، لم يأت من فراغ وصف الكتاب لكلماته بمجرد كلمات تُنطق أو منشورات للتداول أو رسائل للاستهلاك الصباحي، بل «إنها كلمات تجلب الهدوء، كلمات تجلب الشفاء، كلمات تقدم التشجيع وتحث على التغيير وتكافئ على الجهد».
1989
| 12 أكتوبر 2023
ليس للتأثير الإعلامي المطلوب أن يُستوفى بتوليفة من مادة وشاشة وشخص يتناولهما كما قد يعتقد الكثيرون استسهالاً، إنما هو تأثير يتحقق بمنطق يدرس أبنية الكلمات، وفلسفة تستحث مهارات مراقبة الواقع وتحليله، ومنهج يستدل بالمعلومة وفق معطيات مسبقة. كان هذا المفهوم العبقري مادة الورشة التدريبية التي نظمها مركز قطر للصحافة الأسبوع الماضي، بالتعاون مع المؤسسة القطرية للإعلام، وبحضور كريم من أصحاب الاختصاص، وبتقديم فذّ من الخبير الإعلامي والمستشار الإستراتيجي د. عبد الله جودت، والذي له باع طويل في تقديم الخدمات الاستشارية والدورات التدريبية وإدارة المؤسسات الإعلامية، فضلاً عن مشاركاته في المؤتمرات والملتقيات العربية والإقليمية، وقد حصد في هذا العديد من الجوائز العالمية.. وهو الذي استهل حديثه بتعريف عام للإعلام كـ «محاولة إحداث أثر». فمع الإسهام الفعّال من المشاركين الذين أثروا مادة الورشة، سواء عن طريق طرح الآراء والمشاركة في الاستبيانات الإلكترونية والتعاون في إنجاز بعض التمارين العملية، إضافة إلى الألغاز التي كان (يستفز) بها المحاضر المَلَكة المنطقية لعقولهم في نهاية كل يوم.. فقد جاءت مادة الورشة ثرية بما يكفي لتعزيز فلسفة التأثير الإعلامي، وللاطلاع على أنواعه ومجالاته ونظرياته وأدوات قياسه وإستراتيجيات تعظيمه. فعلى مدى الأيام الأربعة، تم عرض المفاهيم الأساسية للتأثير الإعلامي من خلال (سباعية الاتصال)، وهي: (المرسل) هويته ومبادئه وأهدافه وصورته الذهنية لدى المستقبل. (المستقبل) خصائصه واحتياجاته واهتماماته ونظرته للمرسل وتوقعاته منه. (المضمون) مدى تميّزه عمّا سواه وتوافقه والأهداف المرسومة. (الوسيلة) تناسبها وهوية المرسل وقدرتها على حمل رسالته. (التشويش) مسبباته كفئة الخصوم أو الأصدقاء، وكيفيته تقنياً كان أو لغوياً أو عضوياً أو نفسياً. (التغذية الراجعة) مصدرها كعينة ممثلة للجمهور المستهدف، أدواتها من وسائل دقيقة وتقنيات موثوقة، طرق تحليلها بموضوعية أو بانطباعات شخصية، فحصها بعمق أم بسطحية، ومدى الحرص على تحديثها. أخيراً (التأثير) وهو (رأس السنام). قادت تلك السباعية لفهم أعمق للتأثير الذي جاء في التعريف التقليدي كـ «مجموعة التغيرات التي تحدث لدى الأفراد والمجموعات والمؤسسات والأنظمة والظروف الاجتماعية أو المادية أو السياسية، خلال مدة زمنية معينة». أما عن أنواعه، وبينما قسّمه ابن القيّم إلى أربعة في كتابه الفوائد من حيث مدة بقائه وسرعة حدوثه، كان أجودها (سريع الحصول/بطيء الزوال)، فقد قسّمه آخرون إلى: سطحي وعميق، مباشر وضمني، ومدى تأثير المخرجات وتأثير العوائد. وعن مجالاته، فقد تشعبّت إلى: تأثير معرفي، تأثير في القيم والقناعات، تأثير في الاتجاهات والانطباعات، تأثير في السلوك. وعند الحديث عن نظرياته، فقد مثّلت نظرية (الرصاصة القاتلة) الحملات الدعائية المكثفة، وجاءت نظرية (التأثير التراكمي) تتوخى العائد على المدى الطويل، بينما نظرية (الغرس الثقافي) تتدرج وتراقب، مع غيرها من النظريات. أما عن وسائل قياسه، فتنوعت، مثل: الاستبيانات، إطلاق الوسوم، الحوارات المفتوحة، الاستعانة بالمؤثرين، دراسات الرأي العام. غير أنه من أجل تعميقه، لابد من الخوض في مراحل تبدأ بالتخطيط العام يتبعه المرحلي يليه الإنتاج وما يلزمه من ترويج والحرص على انتشاره وتحقيق التفاعل والتأثير، وتنتهي بمرحلة التقويم والتطوير. ختاماً أقول: لا يخلو التأثير الإيجابي المرجو في كل نواحي الحياة من نية صادقة، فإنما هو نتاج لقول صادق أو عمل متقن، كما وصفه الخليفة علي بن أبي طالب فيما يُنسب له: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان».. أو إنه هو الإخلاص الذي جاء معناه ضمناً في قوله ﷺ «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».
1167
| 09 أكتوبر 2023
مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
2658
| 27 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
2220
| 01 مارس 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
2157
| 25 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
1044
| 26 فبراير 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...
831
| 27 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
798
| 25 فبراير 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
699
| 02 مارس 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
633
| 01 مارس 2026
لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...
573
| 26 فبراير 2026
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...
561
| 02 مارس 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
552
| 01 مارس 2026
قرأتُ منذ أيام في الصحف المحلية عنوانًا عريضًا...
531
| 26 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل