رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

من أجل استعادة المكانة اللائقة للعربية في حياتنا

في الثامن عشر من شهر ديسمبر تحتفل الأمم المتحدة واليونسكو سنويا باليوم العالمي للغة العربية اعترافا منهما بمكانة إحدى أكثر اللغات انتشارًا في العالم.وإن كان هذا الاحتفاء الرمزي من جهة عالمية مقدَّرا دونما شك، فإن الأهم هو أن يحتفي أهل اللغة بلغتهم، وأن ينزلوها منزلها الذي يليق بها في نفوسهم ووجدانهم.فما زالت اللغة العربية تئن وتشتكي، كما ورد على لسان الشاعر الكبير حافظ إبراهيم رحمه الله قبل عقود من الزمن: فــلا تَكِلُـونـي للـزَّمَـانِ فإنَّـنـي.. أَخَــافُ عَلَيْـكُـمْ أنْ تَـحِـيـنَ وَفَـاتــيوقوله فيها: أَيَهْجُـرُنـي قَـوْمـي عَـفَـا اللهُ عَنْـهُـمُ.. إلى لُـغَـةٍ لــم تَتَّـصِـلْ بـــرُوَاةِوأفضل ما يكون احتفالنا بأن نقرر إعطاء لغتنا الجميلة المكانة التي تليق بها في نفوسنا صغارا وكبارا، ولا يكون ذلك إلاّ بأن نجعلها لغة للعلم والتعلم والتواصل، في المدارس والمعاهد والجامعات، أو في الصحف ووسائل الإعلام، أو في أحاديثنا المباشرة أو من خلال شبكات الإنترنت والمواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، على أن يتمّ كل ذلك بصورة سليمة وسلسة، بعيدا عن الأخطاء الإملائية والنحوية، وضعف التعبير وركاكة الصياغة، مع الإكثار من مطالعة الكتب العربية، وتذوق جماليات هذه اللغة الرائعة. أطلقت في ذلك اليوم عدد من الفعاليات والمبادرات والمسابقات، ولكن تظلّ هذه المبادرات على أهميتها ذات طبيعة احتفالية وموسمية، تتسم بالتأثير الآني المحدود، بينما المطلوب خطط طويلة الأمد تجترح حلولا دائمة مستدامة. لعل من الأمور التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار إذا أردنا أن يكون للغتنا العربية موقع الصدارة ما يلي:ـ تبني الجهات الرسمية جهودا لإعلاء شأن اللغة العربية في نفوس شعوبها، بدءا من التشريعات ومرورا بالقرارات والممارسات، ولعلنا نذكر منها على سبيل المثال، اشتراط نجاح الطلبة في امتحان خاص بالعربية لدخول الجامعات كما هو الحال فيما يخص "التوفل" و"الأيلس" وغيرها من الامتحانات، وإجادتهم للعربية تحدثا وقراءة وكتابة عند التوظيف، واشتراط أن تكون المناهج بما فيها مناهج المواد العلمية بالعربية في المدارس والجامعات، واشتراط تحدث المدرسين بالفصحى داخل المدارس وإجادتهم لها، وإعطاء حصص العربية الاهتمام الكمي والنوعي والتفاعلي الكافي.ـ الاهتمام بتعليم العربية الفصحى منذ نعومة الأظفار (رياض الأطفال) مستحضرين ما قاله "تشومسكي" عن قدرة الأطفال منذ الولادة وحتى السادسة على اكتساب اللغات فطريا "السليقة"، وابن خلدون عن اكتسابها بالسماع والمشافهة، والابتعاد عن المسائل النحوية غير الوظيفية، ومعلوم أن العرب في الجاهلية كانت ترسل أبناءها للبادية منذ سن الرضاعة، حرصا منها على سلامة لسانهم ونقاء لغتهم.مع التأكيد على عدم التركيز على القوالب الجامدة والتعقيدات الفرعية، في النحو والصرف.لا نريد أن يستمر المسلسل المؤلم المتمثل في صرف سنوات طويلة في مدارسنا لتعلم النحو والإملاء، دون أن تؤدي في نهاية المطاف إلى تقويم ألسنة الطلبة عند التحدث، وتضمن سلامة كتابتهم دون أخطاء تذكر، أو تسهم في تذوقهم لجمال لغتهم الأم.ليس هناك أجمل من موسيقى العربية وجرسها.. وإضافة للقرآن الكريم اختاروا لأطفالكم أرقّ الشعر وحفّظوهم إياه من الصغر، ليتذوقوا حلاوة لغتهم وتنطلق ألسنتهم بها.ـ للإعلام العربي دور مهم في الارتقاء بلغة من يتابعه أو العكس، وخاصة الأطفال، باعتباره من أهم وسائل التواصل، سيرتقي بها لو كان استخدام اللغة فصيحا سليما في مخارج الحروف وتشكيلها، وسيعمل على تدمير اللغة فيما لو كان الحديث بالعامية الدارجة أو مليئا بالأخطاء النحوية أو ركيكا في مبناه، وكم يحدث هذا في عالمنا اليوم، فكثير من القنوات الموجّهة لا يتحدث مذيعوها ومقدمو برامجها إلا بالعاميّة، وعدد لا بأس به من قنوات الأناشيد تكرّس بكلمات أغانيها "الدارجة" في وجدان أجيالنا وتفسد ذائقتهم اللغوية.وعلينا أن نتذكّر أن العبارة الفصيحة المشرقة أكثر الرسائل الإعلامية تأثيرا، وما تحتاجه صياغة تعبيرية جميلة وواضحة، سليمة من الأخطاء. ـ ونظرا لظهور الإعلام الرقمي وشبكات التواصل، وتغلغلهما الكبير في حياتنا، وتعلّق الناس بهما وخاصة شريحتي الناشئة والشباب، من خلال الأجهزة الذكية والحواسب الثابتة والمتحركة، فإنه لا تخفى قلّة المحتوى العربي فيهما، وتفشي الكتابة بالعامية أو " العربيزية"، أو بالعربية المكسّرة عند التواصل، وفضلا عن الحلول المستدامة التي تم التنويه لها سابقا، فإن الأمر يحتاج إلى تشجيع إطلاق مبادرات وحملات من قبل جهات رسمية ومنظمات وجهات أهلية للتخفيف من آثار هذا الواقع المؤلم، ومن أهم وآخر هذه المبادرات مبادرة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، مبادرة "بالعربي" في دورتها الثانية، حيث ركّزت على تمكين اللغة العربية من استعادة مكانتها الرائدة كلغة عالمية وتعزيز حضورها في وسائل الإعلامين الرقمي والاجتماعي، من خلال حثّ الجمهور على الاستخدام الدائم لمفرداتها في حياتهم اليومية، وقد تضمنت فعاليات شهدت تفاعلا كبيرا. الحديث عن إحياء اللغة العربية وإعطائها المكانة اللائقة في واقعنا حديث ذو شجون، وقد يحتاج الموضوع منا العودة إليه مرة أو مرات أخرى.

783

| 01 يناير 2015

للخروج من حالة إحباط الثورات المضادة

بظهور نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية يكون الستار قد أسدل على الفصل الأخير من خيبات ثورات الربيع العربي، ليظهر المشهد وكأنه رسوب لمجملها، بعد مضي أربع سنوات على انطلاقتها، لصالح الثورات المضادة. وما من شك فإن هذا الوضع خلق حالة من الإحباط في نفوس كل التوّاقين للحرية والكرامة في مواجهة الظلم والاستبداد، وفي مقدمتهم الشباب، بعد أن عاشوا على أمل التغيير حينا من الزمن، في أكثر من موقع ودولة.لم يكف الفلول والقوى المناهضة للثورة وحلفاؤهم الإقليميون والدوليون أن يمنعوا الثورة السورية من تحقيق حلم الشعب في إجبار النظام على الرحيل، أو تتمّ فرملة قطار التغيير منعا من وصوله إلى دول عربية أخرى تعاني من الاستبداد، وإنما عمدوا إلى الانقضاض على الثورات التي نجحت في إجبار الطواغيت على الرحيل، وتمكنوا من إجهاضها، ليعاود رموز من الأنظمة السابقة لتصدر المشهد السياسي من جديد، أو تصل فئات لا علاقة لها بحراك الشباب الثائر، أو تدخل البلاد في أتون اقتتال أهلي أو نذر فوضى.خلاصة المشهد حاليا: انقلاب وعودة للعسكر في مصر، وعودة رموز العهد البائد والمحسوبين عليه في تونس من بوابة الانتخابات، وبروز ميليشيا الحوثيين وفرضها سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح، بالتحالف مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، واقتتال وفوضى في ليبيا. السؤال المقلق المؤرق الآن: هو كيفية مواجهة حالة الإحباط بعد كلّ هذه الخيبات، خصوصا بعد أن عاش المتعطشون للحرية من الشباب وغيرهم على أمل التغيير حينا من الزمن، في أكثر من موقع ودولة.غياب مواجهة الإحباط يعني ـ لا قدّر الله ـ استسلاما ووهنا، تشرذما وتمزقا، تطرفا وتهورا، وتكريسا لاستباحة البلاد من قبل أصحاب المطامع والأجندات، ومزايد من العذابات والألم للمكتوين بنار التشرد والنزوح واللجوء. إنه باختصار سؤال عن كيفية النهوض من جديد.الإجابة عن هذا السؤال تقتضي بالضرورة تقييم ما حصل، وفهم أسباب هذا المآل، بعيدا عن إلقاء المسؤولية على نظرية المؤامرة وأعداء الثورات فقط، مع التسليم بالحراك المضاد للثورات، واشتغاله بقوة للعودة من الشباك بعد أن خرج من الباب.لعلّ من مؤشرات التقييم ما يلي: ـ بسبب الجهل أو التضليل أو المصالح الشخصية أو المناكفات الحزبية.. فإن شريحة لا يستهان بها من الشعوب وقفت ضد التغيير، أو أعادت ما يعرف برموز الدولة العميقة إلى الواجهة من جديد، من خلال تصويتها الانتحابي أو دعم عودة العسكر، هذا ما حصل في تونس مؤخرا، وقبله حصل للذين وقفوا إلى جانب انقلاب العسكر بمصر وبرروه، وإلى جانب أحمد شفيق ضد الرئيس محمد مرسي. ـ كثير من الانتكاسات التي حصلت كان بسبب انعدام الرؤية السياسية لأحزاب المعارضة والجهات الثورية والأخطاء التي وقعت بها بعد استلامها للحكم أو تصدرها للمشهد السياسي بعد انتصار ثوراتها، والتناحر فيما بينها أو عدم التنسيق المطلوب، مما أدى إلى انفضاض الناس عن تأييدها، ورجحان كفة التيار المناهض لها. ـ كثير من الشباب والمحسوبين على الحراك الثوري وقوى المعارضة كانوا يعتبرون أن من شأن الثورات صناعة عملية التغيير بصورة كاملة ودفعة واحدة، بينما يفترض أن تفهم الثورات على أنها رافعة للتغيير، فيما يحتاج التغيير الكامل لتوافر شروط كثيرة من بينها وجود قاعدة جماهيرية واعية لا تتقلب بسرعة، أو تنفعل عاطفيا، وتكون على استعداد للتضحية ودفع الثمن، وقيادة واعية تستثمر بنجاح فورة الانطلاقة، وتنسّق الجهود وتمتلك رؤية وطنية للتغيير طويلة الأمد، تضع في حسبانها التربية واستفراغ الجهود لإصلاح فساد الذمم، نتيجة تركة عقود من الفساد والإفساد. على هذا الأساس يمكن القول إن ما نمر به هو مخاض لابد منه، ومرحلة تحولات انتقالية لابد من عبورها، دون أن تعني الانتكاسات نهاية مطاف الثورات. بل ربما تكون مرحلة تعثر مؤقتة على طريق تصحيح المسار والانطلاق من جديد. إذن للخروج من حالة الإحباط السائدة لابد من ندرك أن ظروف التغيير لم تنضج بما فيه الكفاية، وأن متطلبات النهوض والانتصار تحتاج لبذل المزيد منا، وعلى أكثر من مستوى، وأن ما نمر به من تحولات ربما تكون بمثابة إرهاصات لتغيير قادم، بعد الاستفادة من الدروس الراهنة، ومعالجة مكامن الخلل واستيفاء شروط التغيير. قد ينجح التغيير دفعة واحدة أو مرة واحدة إذا توفرت له جميع الشروط، وقد يتأخر لبعض الوقت لتخلف أو عدم استيفاء كل الشروط، كما هو حاصل الآن. يكفي أن نفهم أن الروح الثائرة قد خرجت من القمقم وأن ملحمة الحرية ليست معركة واحدة، وأن العاقبة لأصحاب الحق على الباطل وأنصار الحرية على الاستبداد والمستبدين، على اعتبار أن ذلك سنة من سنن الله، وأننا متعبدون بأفعالنا وليس بالنتائج.

767

| 25 ديسمبر 2014

السرعة والإيجاز في التواصل المعاصر بين المنافع والمضار

كل شيء في عصرنا الراهن صار يجنح للسرعة، ويميل للاختصار.. نبض سريع يطبع المنتجات من حولنا في الأدب وطرق التواصل والإعلام والفن، وحتى في المأكل والمشرب.في الشعر عرفت العرب المعلَّقات التي يتكوّن بعضها من أكثر من مئة بيت، لتتقلص الآن في عصر شعر التفعيلة والقصيدة النثرية إلى مقطع صغير، قد لا يتكوّن إلا من ثلاثة أو أربعة أسطر، وفي مجال القصص، عرفت الرواية أو القصة الطويلة، والقصة القصيرة، ليصل هذا الفن الأدبي في العقود الأخيرة إلى القصة القصيرة جدا التي لا تتعدى خمسين كلمة (مقطع واحد)، ومؤخرا إلى (القصة الومضة) التي لا يتجاوز طول بعضها ست أو ثماني كلمات. وفي الفن كانت الأغاني طويلة، كأغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، بما في ذلك المقدمة الموسيقية التي كانت تستغرق عدة دقائق، ريثما يظهر المطرب على خشبة المسرح، أما في عصر الفيديو كليبات فالأغنية قلّما تستغرق أكثر من دقيقة واحدة أو دقيقتين. وعرف الإعلام والإعلان ذلك، متجليا في الصحافة بالمانشيتات والفقرات الإبرازية التي تركز على أهم ما في الأخبار والحوارات وأكثر ما فيها إثارة وغرابة، كما عرفت العمود الصحفي، وبعضها نصف العمود، والإعلانات الإذاعية والتلفزيونية التي لا يتعدى زمن بعضها نصف دقيقة، ومثلها إعلانات الطرق (الموبي) التي لا تتعدى كلماتها المكتوبة أحيانا ثلاث أو أربع كلمات. وفرضت هذه السرعة نفسها على وسائل التواصل الاجتماعي، فنجد أن التغريدة الواحدة في "تويتر" يجب ألا تتعدى 140 حرفا، فيما يفرض عليك "أنستجرام" ألا تكون مدة الفيديو أكثر من دقيقة وهكذا، والقائمة في هذه الخانة قد تطول، خصوصا مع تزاحم الشبكات وولادة أسماء جديدة في ساحتها بين فترة وأخرى.ولا يقتصر الأمر على الجوانب المعنوية وما يرتبط بغذاء العقول، بل سبقت ذلك أو توازت معه السرعة في المأكل والمشرب من خلال مطاعم الوجبات السريعة والأكل مسبق التحضير، بعيدا عن القيمة الغذائية لها وتقلص اللذة التي تصاحب تناولها، وقبل ذلك وبعده ومعه حلّ اللبس الجاهز الذي جاء ليتجاوز ألبسة التفصيل لدى الخياطين والخياطات، والتي تحتاج فيها أخذ أكثر من مقاس، والانتظار لمدد معينة حتى يتم إنجازها. هل هذا الأمر بِدَعٌ في حياتنا، قديما وحديثا، وأين الوجوه الإيجابية والسلبية فيه، وما هي المخاطر المصاحبة لذلك، إن وجدت؟ معروف أنّ من مأثورات العرب أن "خير الكلام ما قلّ ودلّ"، وأن قِصَر الخطب اعتبر في تراثنا العربي علامة على بلاغة الخطباء، كما عرفت العرب الأمثال العربية، شأنهم شأن الأمم الأخرى، التي تختزل في كلمتين أو عدة كلمات معاني كبيرة، وتوصل رسائل متعددة، وكذلك أقوال المشاهير من حكماء وقادة. وفي عهد الإسلام، عرفت الآيات الكريمة والسور القرآنية القصيرة ضمن قرآننا الكريم، واعتبر أن من أبرز دلائل نبوة نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم، أنه أوتي جوامع الكلم، وهي خاصية لم يعطها أحد قبله ولا بعده، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا"، واعتبر من فقه الرجل قصر الخطبة وإطالة الصلاة. ولعلّ التخوفات المرتبطة بهذا الأمر تتصل بما يلي: - الإيجاز والتقصير غير مقترن بالبلاغة والعبارة المشرقة، والحرفية في الكتابة أو الخطابة، في بعض الأحيان أو كثير من الأحيان، كما كان الحال في تاريخنا القديم، وبالتالي يفترض أن يحصل العكس، أي الإطالة لتعويض النقص البلاغي والقدرة على السبك الجميل للنصوص المكتوبة أو الملقاة. ـ يقود الأمر لنوع من الكسل والتبلّد في القراءة والكتابة بلغتنا العربية، وتقليص مساحة المطالعة، وبالتالي غربة أجيالنا عن لغتهم الأم، قراءة وكتابة وتحدثا وفهما.ـ الأمر مرتبط بنزعة استهلاكية صرفة، تتصل بأن إنسان هذه الأيام صار مجهدا من كثرة استهدافه من وسائط الإعلام والتواصل والإعلان والدعاية والتسويق، وكل يريد جزءا من وقته، لإيصال رسالته وضمان التأثير عليه، والحصيلة أن هذا الكائن البشري لم يعد بإمكانه أن يجد وقتا يخلو فيه مع نفسه، أو يجتمع به مع أهله وأرحامه وأهل خاصته، ويهتم بالجوانب الاجتماعية والتربوية.ـ مع أنّ تراثنا العربي عرف نماذج من أشكال التعبير القصير والموجز، تحدثا وكتابة، واعتبر ذلك من خير الكلام وخير سبل التواصل، إلا أنه عرف بموازاة ذلك وفرة المؤلفات، وسعة الاطلاع على المعرفة، وكان كثير من العلماء من ذوي العلم الموسوعي الذين يجمعون بين عدة علوم دينية ودنيوية، بعيدا عن الاكتفاء بتخصصات دقيقة فقط.لكن بالمقابل ربما يكون لهذا النبض السريع، والتركيز على مختصر التعبير والحديث فوائد، بناء على معطيات زمننا الحاضر، وأعني بذلك أن هذا الإيجاز قد يكون نجاة للناس من شرور وأذى كثير من الذين يجلدون الناس بمطوّلات كلامهم وكتاباتهم وفنهم، لتكون الحصيلة تفاهة في ما يقدّم واستهلاكا كبيرا من أوقات الناس وراحتهم، أو تكون الحصيلة غثاء كغثاء السيل، وزبدا لا يقدم ولا يؤخر، رغم الأوقات التي صرفت لأجله. وحتى لا تذهبوا بعيدا تأملوا حال كثير من وسائل إعلامنا أو طوفان ما ينشر في وسائل التواصل أو تابعوا خطب كثير من الخطباء، أو مقالات وأحاديث من يتصدرون وسائل الإعلام ومنابر السياسة لتعرفوا ما المراد بالضبط، أو أصيخوا السمع إن شئتم لكثير من الفن الهابط الذي يزعج الذائقة الجميلة، فلربما رأيتم في ذلك خيرا كثيراً.

805

| 17 ديسمبر 2014

عودة "المخلوعين"!

كلمة "مخلوع" وفعل "خلع".. ترتبط في أذهاننا غالبا بالأضراس التي نعاني من آلامها المتعبة أحيانا فنضطر لانتزاعها من جذورها، ويرمزون للأمور الصعبة بالمثل الدارج "مثل خلع الضرس"، كما كانت ترتبط بالمسامير التي قد تخرج من مكانها بصورة جزئية أوكليّة، فيضطر النجّارون والحرفيون لإعادة دقّه، حتى لا يسبب مشاكل بسبب هذا الخلع. ولكنه هذا المصطلح استخدم في لغة السياسة والإعلام أيضا، وارتبط غالبا بإجبار الرؤوساء على ترك مواقعهم السيادية بفعل الانقلابات والثورات، وصار أكثر تداولا وحضورا في الإعلام العربي ومواقع التواصل الاجتماعي، إبان ربيع الثورات العربية، قبل نحو خمس سنوات، للإشارة إلى عدة رؤوساء اضطروا مُكرهين لترك مناصبهم، مثل التونسي زين العابدين بن علي، والمصري "محمد حسني مبارك" واليمني علي عبدالله صالح. قد يكون من الصعب إعادة الضرس المخلوع، مرة أخرى إلى مكانه، ولكن المسمار المخلوع يمكن إعادته إلى مكانه، كما سبقت الإشارة.. ليس هذا هو المهم.. المهم أن "الرؤساء المخلوعين" يبدو أنهم لم يفقدوا الأمل في العودة إلى أماكنهم السابقة مجددا، أو القدرة على التأثير في البيئات المحيطة بهم، وإمكانية ممارسات أدوار جديدة أخرى ، بفعل عوامل كثيرة، خصوصا أن صورهم لم تعد تحيط بها تلك الهالة الكثيفة من السواد والسمعة السيئة في الإعلام ، بل وحتى في أوساط عامة الجماهير، كما الحال سابقا. ويبدو أن هذا الأمر ثمة من يشتغل عليه بجدّ، حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه، على أن كثيرا منه ليس من بنات نظرية المؤامرة الخارجية، وإنما هو لأسباب أخرى منها: ـ التقاء المصالح والولاءات بين بقايا مكوّنات الدولة العميقة للأنظمة والرموز السابقة التي لم تجتث رغم الثورات، على مستوى أجهزة الأمن والجيش والإعلام والدبلوماسية من جهة، والحكام المخلوعين والدائرة السابقة المحيطة بهم من سياسين وعسكريين ورجال أعمال فاسدين من جهة أخرى. ـ ممارسات قطاع واسع من الجماهير التي مازالت تحتاج لجهد تربوي توعوي طويل المدى لتخليصها من الفساد القابع في أعماقها، والمتمثل في إعادة التهليل للحاكم المخلوع واستقباله من الشباك بعد أن طردته من الباب، وانتخاب نواب ورؤوساء جدد، يعدّون واجهة جديدة للمخلوعين، أو يشبهونهم إلى حد بعيد.ـ تصرفات شارع المعارضة الثورية والأحزاب السياسية المعارضة، والتي كان أداؤها متعثرا، يطبعه التشرذم والتنازع وتقديم الأنا على المصلحة العامة، والفساد أحيانا، مما أدى لتقديم نموذج سيء، جعل الكثير من الشعوب تنفر منها، ويكون حالها كحال المستجير بعمرو، تستجير "من الرمضاء بالنار" وتصل إلى درجة الإحباط، وهي ترى هذه الممارسات وتقارنها بما كان يتم في عهد المخلوعين. يضاف إلى ما سبق جهود إقليمية ودولية خبيثة وماكرة، وجدت أنه ليس من مصلحتها أن تنال شعوب منطقتنا حريتها وتستعيد كرامتها، وتأخذ زمام بناء مستقبلها بأيديها، فهي عملت من تحت الطاولة ولا تزال لإجهاض الثورات العربية، وقتل الأمل لدى الشعوب، التي انتفضت ضد الظلم والتبعية، وإيصالها لدرجة الإحباط، من خلال ممارسات كإعادة تأهيل حكام مستبدين ليواصلوا حكم شعوبهم ، رغم كل جرائمهم.خلاصة المشهد لثلاثة رؤساء تمّ خلعهم في الماضي كالآتي اليوم، مجرم منح براءة، وقاتل يتمتّع بحصانة، وفاسد تصدّر من هم على شاكلته تحت قبة البرلمان من جديد، فضلا عن جزّار ينتظر إعادة تأهيله ليواصل حكم شعبه، رغم أن عدد النازحين واللاجئين بسببه قد وصل هذا العام 10.5 مليون شخص. والحقيقة أن قصة المخلوعين ومحاولات عودتهم، لم تبدأ من اليوم وإنما تجلت في أبشع صورها بنيل مبارك حكم البراءة مؤخرا، بطريقة استفزّت الرأي العام..عودة المخلوعين برأيي بدأت منذ أن نال أحمد شفيق أحد رموز نظام مبارك حوالي 49 بالمائة تقريبا من أصوات الناخبين في الشارع المصري، وكانت المعارضة إلى حد كبير متكتلة، وعودتهم تعود لترك علي عبد الله صالح يعيث في الأرض فسادا بعد ثورة اليمن، والكيد لها، حتى وصل الحال إلى ما وصلت إليه، أي سيطرة الحوثيين عليها بدعم إيراني خفي ومساندة لبقايا عسكر "الأفندم صالح". والأهم ذلك أنّ عودة المخلوعين قد لا تقلّ سوءا عن عودة دولتهم العميقة من جديد، وبأساليب ملتوية، كما حدث في إنقلاب مصر ضد الرئيس الشرعي الدكتور محمد مرسي، بل ربما تكون الأخيرة أخطر لأنها تغطي على حقيقتها بتمويه ماكر كاذب. لابد من الإشارة إلى الخشية المرتبطة من احتمال استثمار الانقلابيين في مصر لبراءة مبارك كفزّاعة، بتخطيط مسبق منهم، من أجل تخويف الشعوب بهم ليرضوا بهم، أو ليغضّوا الطرف عن أخطائهم المتفاقمة ووعودهم الكاذبة. وعودا إلى المسامير المخلوعة، فإنّ "المخلوعين"، قد يكونون فعلا كمسمار أو مسامير جحا، ويضرب المثل بمسماره لمن يتخذ الحجة الواهية المخادعة للوصول إلى الهدف المراد، ولو بالباطل، والقصة معروفة.

960

| 03 ديسمبر 2014

فواجع قوارب الموت.. معاناة اللجوء المضاعفة

كوارث قوارب الموت العابرة للبحر المتوسط باتجاه أوروبا متواصلة، إنها تصرّ أن تفجعنا من حين لآخر بأخبار مؤلمة جديدة، تكون نتيجتها فقدان أو موت العشرات أو المئات منهم، أو التعرض لأهوال البحر، ومعاينة مناظر الموت رأي العين.منذ نهاية الأسبوع وحتى يوم الأحد الماضيين عمليات إنقاذ للكثيرين (820 مهاجرا) قبالة قبرص وإيطاليا وليبيا، جلّهم من السوريين.. حالات مأساوية للأطفال والنساء.. وإحباط وألم. وللعلم فإن أكثر من 2500 غرقوا أو فقدوا منذ مطلع 2014، خلال محاولتهم عبور البحر المتوسط لأوروبا.. بحسب إحصاءات الأمم المتحدة.الأشد إيلاما في الموضوع أن هذا المسلسل لا يبدو أنه سيتوقف، رغم حجم الخسائر البشرية والكوارث المروِّعة التي تحدث، ولا يبدو أنها تشكل رادعا للاجئين الذين يواصلون رحلة الهجرة رغم المخاطر المحدقة بها، والتكاليف الباهظة التي قد تذهب هباء منثورا. ولعل الأسباب التي تقف وراء هذا الأمر متعددة: ـ استمرار نزيف النزوح واللجوء السوري، ووصوله إلى أعداد غير مسبوقة على مستوى المنطقة، في العصر الراهن، وبحسب مكتب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة لـلأمم المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فإن عدد النازحين واللاجئين السوريين وصل خلال هذا الشهر إلى 10.5 مليون شخص (7.2 مليون نازح، و3.3 مليون لاجئ)، وهو انعكاس لاستمرار الأزمة، وعدم قيام المجتمع الدولي بواجباته لوقف هذا النزيف، والحدّ من عذابات السوريين المتواصلة، منذ أكثر من أربعة أعوام، والتي أدت بهم إلى ترك منازلهم وديارهم ومناطقهم، بحثا عن الأمن والأمان والحرية والكرامة. ـ الصعوبات التي تعرقل وصول واستقرار اللاجئين السوريين، في دول الجوار خصوصا، والعالم العربي عموما، ومعروف أن أكثر من دولة مجاورة صارت تعبّر عن تبرمها من استقبال مزيد من أعداد اللاجئين، وتتحدث عن العبء الكبير الذي لحقها بسبب تواصل تدفقهم، فضلا عن القيود التي تضعها وتحول دون توفير سبل الاستقرار لهم، إضافة إلى نقص الخدمات الأساسية في مجالات المأوى والرعاية الصحية والتعليم، وعدم توفر العمل في كثير من الأحيان وإن بالحد الأدنى.وقد برزت في الآونة الأخيرة صعوبات إضافية لدى بعض الدول المستضيفة في جانب قبول وتعليم أولاد اللاجئين في المدارس، وتوفير العلاج للأسر. فضلا عن ظهور بعض النعرات والحساسيات ضد اللاجئين مع تقادم الزمن، أما الدول العربية الأخرى، فالدخول والعمل في أغلبها "دونه خرط القتاد".ـ رغبة اللاجئين والنازحين بالاستقرار في جو آمن بعد تعقد ملف الأزمة السوية، نظرا لطول أمدها، والتدخل الخارجي الكبير في شؤونها، وآخره التحالف العسكري الدولي، وتنامي قوة داعش بكل تأثيراتها السلبية.. حيث لا تبدو إمكانية تحقيقه لهذا الاستقرار إلا في دولة غربية.ـ الإغراءات والتسهيلات التي تقدمها الدول الغربية للاجئ في توفير مرتبات الضمان الأسري والحصول الرعاية الصحية والتعليم له ولأولاده وأسرته، والجنسية.. فضلا عن الحرية والكرامة الإنسانية، مما يدفعه إلى القبول بكل هذه المخاطرة التي قد تودي بحياته وحياة أسرته أحيانا، وتجعله ومن معه عرضة للأهوال، وتتطلب منه تكاليف باهظة.ومن العجب أن تتلاحق هذه الفواجع فيما نلج خلال هذه الفترة إلى فصل الشتاء بكل ما يتركه هذا الدخول من معاناة مضاعفة على اللاجئين والنازحين، البرد والمطر والثلوج والحاجة إلى الدفء، فهل جاءت هذه الكوارث الإضافية استباقا من اللاجئين لمعاناة الشتاء وهربا منها، أو أن توقيتها لا علاقة له بذلك؟بعيدا عن التساؤل الأخير، فإن من المؤكد أن قوارب الموت التي ستتكرر مشاهد مآسيها أمام أعيننا وأعين العالم، قد زادت من معاناة اللاجئين الذين فقدوا حضن الوطن الدافئ وشردتهم المنافي هنا وهناك، وفقدوا المأوى ومصدر الرزق.. ويبدو أن الأقربين والأبعدين يتحملون المسؤولية عن ذلك، بنسب مختلفة، ولذا فإن المهم هنا ليس استعراض الفواجع.. مرارتها وأسبابها، وإنما اجتراح الحلول لإيقافها.أعرف أن قوارب الموت ورحلاتها الخطرة ستستمر طالما أن الأزمة السورية متواصلة، ولن تتوقف دون توقفها، لذا فالأهم والأكثر جدوى أن يتحمل العالم مسؤولياته للحد منها على الأقل، كواجب أخلاقي وإنساني، طالما أنه قصر حتى الآن في إيجاد حل لأزمتهم منذ أربعة أعوام، وألا يكتفي بإنقاذ الضحايا عندما يرمون للبحر الأبيض، أو يغرقون في مياهه، أو تتعرض قواربهم المتهالكة للخطر، وترسل رسالة استغاثة للجهات ذات العلاقة.. وهنا أتحدث عن دول الجوار، الأشقاء العرب، دول منظمة التعاون الإسلامي، الدول الكبرى، ما يسمى بأصدقاء سوريا، المنظمات الدولية. الحلّ باختصار يكمن في معالجة الأسباب التي تدعو النازح واللاجئ للمخاطرة بنفسه وأولاده وصغاره.. الحل في توفير شروط الكرامة الإنسانية لهذا الشعب الذي لم يعتد على هذه الظروف الصعبة والإهانات، بل كان هو من يستضيف اللاجئين على أراضيه منذ نحو مائة عام عربا وعجما، مسلمين وغير مسلمين، دون منّ أو أذى.وفّروا لهذا اللاجئ وأسرته وذويه في دول الجوار أو غيرها عيشا كريما، لا يقع عليه فيه حيف أو ظلم أو تمييز، ولا تمنع عنه حقوقه الأساسية من مأوى ومطعم ومشرب، وصحة وتعليم، ومكّنوه من الاعتماد على نفسه معيشيا. فجلّ هذا الشعب يتمتع بسوية علمية، وخبرات مهنية جيدة، وعندها لن يفكر بقوارب الموت، والابتعاد عن مسقط رأسه.قليل من الإنسانية وشيء من تحملّ المسؤولية أيها العالم الحر ويا ذوي القربى، عندما ترون الأطفال والنساء يصارعون الموت في عمق البحار والمحيطات!

846

| 26 نوفمبر 2014

الأخطاء في الأعمال الموجّهة للأطفال جريمة مضاعفة

إنّه ألم مضاعف حقا، أن تجد في كتاباتهم أخطاء نحوية وإملائية مزعجة، رغم أنهما وغيرهما أيضا، على تماسّ بالطفولة، التي هي عنوان المستقبل.. أسوقُ هذه المقدمة بعد وقعت عيني في يوم واحد على مثل هذه الأخطاء في صفحتين، من صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، الأولى لشاعر وكاتب عربي للأطفال، والأخرى لمسؤول إحدى مؤسسات الطفولة العربية.خلوّ النصوص الإبداعية من الأخطاء النحوية والإملائية، جزء متمّم لقيمتها الفنية عموماً، وارتكابها يخدش فيها ويقلّل من قيمتها، في عالم الكبار، فما بالكم عندما تقع في عالم الصغار، ومن يخطئ في الكتابة على صفحاته، فلن تنجو كتاباته للأطفال من مثل هذه الأغلاط بكل تأكيد.. سواء وجدت في كتب منشورة أو مجلات مطبوعة أو مواقع إلكترونية أو غيرها.ويلحق بذلك أيضا الأخطاء المسموعة، والتي تكون في أرقى تجليات تأثيراتها السلبية، عندما يستمع الأطفال إليها من المعلمين في المدرسة، أو من وسائل الإعلام، إذاعة وتلفزة، ومقاطع فيديو وأناشيد وغيرها.ويندرج في هذا الجانب على سبيل المثال لا الحصر، حالات الرفع والنصب والجر والجزم في غير مواضعها، والتسكين في مواطن التحريك، وعدم معرفة حالة المثنى والجمع للأسماء في الرفع والنصب والجر، أو عدم معرفة التعامل مع الأسماء والأفعال الخمسة في الحالات الإعرابية المختلفة، فضلا عن القضاء على النطق الصحيح لحروف الذّال والثّاء والظّاء. والتأكيد على عدم الوقوع في مثل هذه الأخطاء، يكون أكثر إلحاحا عند الكتابة للأطفال، أو عند مخاطبتهم مشافهة، أو عبر وسائل الإعلام والوسائط الأخرى، لأكثر من سبب: ـ لأنّ الطفل قد لا يستطيع اكتشاف هذه الأخطاء ـ مثل الكبير ـ، ومن ثمّ فإن الأخطاء تنطبع في ذاكرته ويعتاد عليها، أويلفظها ويرددها بصورة تلقائية، كما سمعها، وغالبا ما ترافقه إلى الكبر، سواء مكتوبة أو منطوقة.ويتجاوز الأمر إلى ما هو أسوأ من ذلك عند الأطفال، ألا وهو المساهمة في تعريض ذائقتهم اللغوية للتخريب والأذى، وتشويه سليقتهم، فالتعوّد على الصحيح الفصيح من مظانّه السليمة، يقود إلى امتلاك سليقة سويّة، وجربوا ذلك عندما يستمع أطفالكم الصغار إلى برامج وأفلام متحركة وأناشيد بالعربية، والعكس صحيح تماما. وعلى مستوى الكتابة فيكفي أن تسألوا أي مدرس أو مدرسة للعربية عن الأخطاء في كتابة التلاميذ لا أقول في الابتدائية وإنما في الإعدادية والثانوية بل والجامعية، ويكفي أن تروا ما يكتب في صفحات التواصل الاجتماعي، هذا إن كتب بالفصحى، إذ أن جلّه بالعامية، أو خليط بين الفصحى والدارجة. الإسهام في زياد الضعف العام في اللغة العربية الذي تعاني منه أجيالنا، لأسباب كثيرة، وفي هذه الحالة فإن الكتب ومجلات الأطفال وأجهزة وبرامج الإعلام الخاصة في الطفل، بدلا من أن تكون حلّا لمشكلة الضعف اللغويّ العام، تصبح جزءا منه أو سببا من أسبابه. المساهمة في عدم إعطاء لغتهم العربية الفصحى المكانة اللائقة في نفوسهم، والتقليل من اعتزازهم بها. فعندما يجد الطفل أن الكبار يستهينون بلغتهم الأم، خصوصا من هم بمثابة التقدير والاحترام لديه، كالمدرسين والكتّاب والإعلاميين والخطباء، ولا يولونها العناية الكافية، أو عندما يكتشف مباشرة أو بعد حين أنهم يخطئون، فقد يقوده ذلك إلى اللامبالاة بها أو قلة تقديسه لها، رغم أن اللغة جزء من الهويّة الثقافية للأمم، ورغم أن اللغة العربية ذات قدسية خاصة، بحكم أنها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم.كثير من العلوم والفنون تستلزم قدرة جيدة في فهم اللغة العربية وتذوقها، ودارية في قواعدها نحوا وصرفا وإملاء.. كالتفسير في العلوم الشرعية مثلا، وكذلك الأمر بالنسبة للمشتغلين في الكتابة، وأصحاب الهوايات الأدبية والإعلاميين، سواء كانوا في الصحافة المكتوبة أو المسموعة أو المرئية. وعليه فإننا نفترح الأمور التالية للقضاء على الأخطاء النحوية والإملائية المكتوبة والمنطوقة: إعطاء دورات لهذه الشرائح، في القواعد الرئيسة للنحو والإملاء ومخارج الحروف بطريقة ميسرة ومبسّطة، من حين لآخر، مع التركيز على الممارسة العملية في الكتابة والمحادثة..قيام الأدباء والإعلاميين الذين هم على صلة بالأطفال، بمراجعة كتاباتهم بصورة صارمة، للتأكد من خلّوها من هذه الأخطاء، أو الاستعانة بمن يجيدون العربية عند الشك باحتمال وجود مثل هذه الأخطاء، وإعطاء المذيعين والمذيعات فرصةً لمراجعة ما يُطْلَب منهم قراءتُه، قبل إذاعته أو بثّه بوقت كاف، ليتعرّفوا إلى المقروء، ويضبطوا كلماته بالحركات، ويُحدِّدوا النّبرات الصّوتيّة المناسبة لفقراته، ويستشيروا المراجع اللّغويّ فيما يلتبس عليهم.تخصيص مدققين ومراجعين لغويين في دور النشر، ووسائل الإعلام الخاصّة بالطفل، في حالة عدم وجودهم، وتفعيل دورهم في حال وجودهم. تحفيز المؤسسات للأكثر إجادة للغة العربية، كتابة وقراءة، من الموظفين والعاملين في سلك الأطفال، معنوياً ومادياً، وتخصيص مسابقات لتقييم هذا الجانب.لغتنا أمانة في أعناقنا، وتحمّل هذه الأمانة تكون أولى عند المشتغلين في مجالات ثقافة وإعلام وتربية الطفل، لأن إهمالها جريمة مضاعفة.

463

| 20 نوفمبر 2014

الفن والإعلام في الأزمات ..صور مغايرة

قبل أيام قليلة اطّلعتُ على صور فوتوغرافية قادمة من واقع المعارك الدائرة حاليا بعين العرب "كوباني" ـ سوريا، وقبلها رأيت ولأول مرة صورا مماثلة إبان العدوان الأخير على غزة.. تحوّلت في هذه الصور مناظر التفجيرات المرعبة إلى لوحات جميلة، بفعل تدخل فنان كردي من خلال برنامج تصميم وتعديلات إلكترونية، وذلك عبر إضافته لأشكال وألوان زاهية عليها، كالورود والكتب وقرطاسية التعليم وفراشات عليها، وهي متاحة في النت.. مختصراً عمله بجملة كتبها على صفحته هي: "في كوباني، ازرعوا الموت، وسوف نزرع الحياة".وشاهدت الأسبوع الماضي فيلما وثائقيا عن غزة، عُرض أثناء انعقاد الملتقى الإنساني الأول لدعم الشعب الفلسطيني بالدوحة، ورأيت فيه حجم العدوان الذي تعرضت له، والدمار الذي لحق بها، وخسائرها التي نتجت عن ذلك، ورغم أن مخرج الفيلم أدمع عيون الحضور وأدمى قلوبهم، نظرا لحجم الفظائع الصهيونية وجرائم الاحتلال التي طالت البشر والحجر، إلاّ أنه استطاع أن يزرع فينا وفيهم الأمل، حينما أرانا كيف عاد نبض الحياة من جديد، من خلال عودة الطلاب لمدارسهم، رغم ما فيها من أضرار بيّنة. للفن في الرؤية الإنسانية السليمة رسالة بناءة، وأهداف قيمية ينبغي أن يسعى إليها خصوصا في خضم الظروف، ظروف الحروب والأزمات التي تحياها أمتنا، لذا فإنه رغم قسوة الظروف المحيطة، وكثرة الأوجاع وزحمة المآسي، فإنه ينبغي أن ينظر بعين التفاؤل، وأن يوصل رسائل إيجابية توعوية، تسهم في بث روح الأمل والمبادرة، للتغلب على الصعاب، وتحدي الإشكالات، والتفكير بحلول لها، وعدم الاستسلام للواقع المحيط، المثقل بالمصاعب والتحديات.ولعل هذا يدعونا للتذكير بالدور المهم للأدب والفن والتطبيقات الإعلامية الملازمة لهما في هذه الظروف، وإيلائهم مزيدا من الاهتمام، سواء كان قصة أو رواية أو شعرا، أو فيلما أو مسرحية أو أغنية أو أنشودة، أو برنامجا إعلاميا، فمن خلال الفن وأدواته الفنية والإعلام وقوالبه المتنوعة، يمكن دعم التعليم من خلال الترفيه، والإسهام في الدعم النفسي ورفع المعنويات، والحث على السلوكيات والممارسات الإيجابية، وإطلاق المبادرات، وأخذ زمامها، والاشتراك في مواجهة الصعوبات.شيء آخر يستحسن الإشارة إليه، وهو أن يكون الأطفال والناشئة والشباب باعتبارهم أكبر شريحة متضررة من الحروب، وأكثر من يعول عليهم في بناء مستقبل البلاد وإعادة إعمارها وتخطي واقع الأزمات التي تعاني منه، أن يكونوا شركاء في الأعمال الفنية، خاصة أصحاب المواهب والقدرات، يشتركون في الكتابة والتمثيل والتقديم والإنتاج، فقد يكونون أقدر من غيرهم في التعبير عن ذواتهم، أو قد يسهمون في جعل الأعمال أكثر تأثيرا وجاذبية وقربا من عالم الشرائح المستهدفة.كم يستدعي الموضوع الإشارة إلى الاهتمام بتنمية الملكات الإعلامية والفنية للموهوبين، والأخذ بيدهم للتعبير عما يجول في خواطرهم، وطرح مشاكلهم والتعريف بمعاناتهم بأسلوب مغاير وروح مختلفة، وتعهدهم بالرعاية والعناية من خلال التدريب ونقل المهارات والخبرات، والنظر للمستقبل بهذه العيون وليس بعيون الكبار. ورغم كآبة المنظر وسوداوية المآسي المصاحبة للأزمات والحروب فقد آن الأوان ألا يكتفي الفن والأدب والإعلام في عالمنا العربي والإسلامي بصفة خاصة والعالم بصفة عامة، بنقل التراجيديا المحزنة والمناظر المؤلمة والمآسي المروعة في منتجاته وإصداراته فقط، بل عليه أن يسهم في التخفيف من بؤسها وآلامها على الشريحة المتضررة أولا، وعلى الرأي العربي والإسلامي ثانيا، وأن يغادر المتضررون والأمة مربع التأثر والحزن والعويل، إلى مربع الفعل الديناميكي المواجه، والمبادرات التي تسهم في التخفيف من معاناة المتأثرين، مهما كان حجم حركتها وتأثيرها، وأن يقبلوا على التعاطي مع الحياة من حولهم بإيجابية، والتعايش والتواؤم مع أوضاعهم الجديدة بواقعية، فإيقاد شمعة مهما بصيص نورها، خير من لعن الظلام بألف مرة.

718

| 05 نوفمبر 2014

الحضور الأكبر لكاتبات الأطفال.. كيف نستثمره؟

بالتقصّي المبني على متابعتي واهتمامي بأدب وإعلام الطفل، وليس عن طريق بحث علمي دقيق، أكاد أجزم أن عدد كاتبات الأطفال أكبر من الكتّاب في عالمنا العربي. على سبيل المثال لا الحصر، تبين لي أثناء مراجعة قائمة القصص والأعمال المرشحة للفوز بجائزة عربية لكتب الأطفال واليافعين ستعلن قريباً أن 12 منها من أصل 14 عملا هي لكاتبات. بعد أن كتبت هذا المنشور على صفحتي على شبكات التواصل الاجتماعي، وصفحات تواصل أخرى معنية بالطفل العربي، أعلمتني باحثة سعودية متخصصة في مجال أدب الطفل (د. صباح العيسوي) في مساحة التعليقات أن ثمة أبحاثا تدعم ما ذهبتُ إليه، ومنها مقالة لها نشرت في مجلة كانو الثقافية العدد 1 نوفمبر 2008، ورسالة ماجستير أعدتها الباحثة وفاء السبيل عن قصص اﻷطفال في السعودية وصلت في نتائجها إلى هذه النقطة. وفي الاتجاه نفسه أكدت لي الأديبة والناشرة اللبنانية (أمل ناصر) من موقعها المهني والثقافي ما ذهبت إليه: (شخصيا خلال اطلاعي على ما ينشر من قصص في دور النشر، فإن الواقع يبين لنا أن نسبة الكاتبات أعلى من نسبة الكتاب، فيما يخصّ كتب الأطفال). واطلعتُ على مقابلة لأديبة الأطفال المعروفة فاطمة شرف الدين أشارت إلى أن "المرأة.. هي عمومًا الأقرب إلى الطفل خلال سنين عمره الأولى، هذا ما يجعل معظم كتاب أدب الطفل نساء". ومع إيماني الراسخ بأنه عند الكتابة تزول الفوارق، فنتحدّث عن نصّ ناجح مبدع بقطع النّظر عن جنس كاتبه، وأن الإبداع لا يفرّق بين جنس وغيره، وليس مقتصرا على جنس دون الآخر، ولا ينحاز إليه بصفة مطلقة، إلا أنني لا أجد غرابة في تفوق نسبة أديبات وكاتبات الأطفال على أدباء وكتاب الطفل، بحكم أننا تعوّدنا منذ نعومة أظفارنا أن تحكي الجدات والأمهات لنا الحكايات، وبخاصة قبل النوم، كما أن كثيرا من هؤلاء الكاتبات تربويات ومعلمات ـ بناء على استقرائي الإعلامي أيضا ـ وهو ما يجعلهنّ الأقرب إلى عالم وهموم الطفل، والأقدر على معالجتها من خلال الإبداع القصصي. لعلّ هذا التقصي الخاص قد يكون مفيدا لجملة أمور من أهمها: ـ نسبة تفوق الكاتبات عدديا، وإصدار بعضهن لأعمال أدبية ناجحة للأطفال، مرتبط بصورة من الصور بقربهنّ من عالم الأطفال، بحكم أن المرأة هي الأم أو المعلمة (خصوصا في رياض الأطفال والمرحلة الأولى من الابتدائية أو المربية) والحاضنة، وقد ذكرت لي أديبة أطفال أن كثيرا من زميلاتها بدأن الكتابة بعد أن أنجبن أطفالا، فيما قالت أكثر من كاتبة للأطفال في حوارات أجريتها معهن، إنهن دخلن بوابة الكتابة من خلال التعليم، وبالتالي قد يكنّ الأقدر على فهم عالم الطفل والأصدق في التعامل معه، والتعبير عن همومه ومشاكله، ويستنتج من ذلك أن نجاح أي عمل للأطفال يجب أن يكون ملامسا لهموم هذه الشريحة وتطلعاتها، ومعالجا لمشاكلها بصدق، بعيدا عن الكتابة الفوقية التي قد تصاغ في أبراج عاجية، أو معالجة مسائل افتراضية أو هامشية. ـ إنّ الكتابة للأطفال عملية معقدة وتحتاج إلى إطلاع أوسع وموهبة أكثر تميزاً وخيال أكثر خصوبة، ذلك أن كاتب الأطفال يحتاج إلى اطلاع على علوم إضافية مثل التربية وعلم النفس، صحيح أن أي كاتب أو روائي يحتاج إليها، حتى من يكتب للكبار، ولكن الحاجة أكثر إلحاحا عند الكتابة للطفولة لأنها ترتبط بالتنشئة والتعليم وتشكيل الشخصية واكتشاف المواهب وتنميتها وصقلها.. إلخ. وهذه الأمور قد تتوفر للبعض من خلال الاطلاع من خلال القراءة والتعلم الأكاديمي العلمي أو من خلال الممارسة والدربة كما في حال الأمهات والمربيات. ـ أهمية القصص والحكايات والسرد الشفوي لها ودورها في تربية وتعليم وتوعية الأطفال، مثل قصص ما قبل النوم والتي تروى خصوصا على ألسنة الأمهات والجدات، وفي اﻷدب الغربي نماذج لكتاب جاءت أفكار أعمالهم من قصص ما قبل النوم ﻷبنائهم مثل الكاتب A. A. Milne. ـ طالما أن المرأة بحكم استعداداتها الفطرية مهامها الأسرية والتربوية قد تتوفر لها ككاتبة ما لا يتوفر للرجل الكاتب من فرص نجاح في الإبداع والتأثير من خلال الكتابة، فلم لا نوجه النساء ممن يمتلكن الرغبة والمقدرة والهواية الأدبية للكتابة للطفل ونشجعهن على ذلك، ويستثمر المجتمع هذه القيمة المضافة. الاستقصاء الشخصي ـ الذي يؤكد النسبة المتفوقة لكاتبات الأطفال التي تم التنويه إليهاـ آمل أن يغري الباحثين والمهتمين لعمل دراسات رقمية، أكثر دقة حول هذه الظاهرة، التي أعتبرها منطقية وربما صحية، على مستوى العالم العربي والعالم، وذلك للتثبت من نسبها، ودراسة إمكانية الإفادة منها بصورة أوسع وأفضل.

909

| 23 أكتوبر 2014

أقوى من الكلام

انتابني شعور مزدوج وأنا أتابع العرض الأول للحلقة الخاصة من برنامج "تحت المجهر" ، وكانت بعنوان "أقوى من الكلام" ، الأول شعور ارتياح: لأنني تمكّنت من الاقتراب إلى عالم شريحة من شرائح ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال عمل مهنيّ متميز، يصوّر جوانب حياتهم، بكل تفاصيلها الإنسانية، من فرح وحزن وحبّ وتضحية وحلم وطموح وتعاون وتطلع.. ولأن هناك تناميا في اهتمام وسائل الإعلام العربية بهذه الشريحة، وإن كان الاهتمام مازال محدودا. وللشراكة بين العملين الإنساني والإعلامي معا ، نظرا لأهميتهما في التوعية والمؤازرة، وحشد الدعم المالي للأعمال تخدم الفئات الضعيفة.والآخر شعور بالألم: لأننا على المستوى الإنساني الشخصي، مازلنا نضع حواجز بيننا وبين ذوي الاحتياجات الخاصة، نتهم الصمّ بالانطواء والعزلة والتقوقع، ونحن من نجعل بيننا وبينهم حاجزا، وربما سدّا أو سدوداً، دون أن نعيرهم الاهتمام الكافي، ونفسح لهم المجال للاستماع إلى همومهم ومعاناتهم وتطلعاتهم ..وهذا مستخلص من المداخلة المسجلة لمخرج الحلقة، الذي كان على تماسّ مباشر بالصم، حتى تم أنجاز هذه الحلقة المتميزة. يتضح من الفيلم حجم المعاناة لشريحة الصمّ في عالمنا العربي والعالم النامي، وكيف تحول الظروف المحيطة بهم، وعدم الاهتمام الكافي بأوضاعهم، وإيجاد الحلول المناسبة للتحديات التي تواجههم اجتماعيا واقتصاديا وتعليميا.. فقد كان واضحا الصعوبات التي تنتصب أمام حاجتهم الفطرية للزواج شبابا وشابات، وإنشاء أسر يسكنون إليها، وإلى تعليم هم حق لهم كما لغيرهم، وإلى أنشطة ترفيهية وبخاصة للأطفال، وإلى أعمال يعتاشون منها، لتأمين حياة كريمة لهم، دون أن يكونوا عالة على غيرهم . لقد كانت صرخة الصمّ للناطقين من بني البشر في الفيلم، أننا مثلكم تماما حتى لو حرمنا إحدى النعم التي تتمتعون بها ، وأن لنا عقولا نفكر بها وإرادات وعزيمة تسكننا، وأنّ من حقنا أن نتمتع في الحياة، وأن نحقق فيها أحلامنا مثلنا مثلكم تماما. وبدا واضحا أن مشكلة الحصار والعدوان، فضلا عن الفقر والبطالة، في منطقة كغزة تضاعف من معاناتهم، وهو ما يحتاج اهتماما أكبر من الجهات ذات العلاقة، سواء كانت رسمية أم منظمات مجتمع مدني من خلال برامج ومشاريع تخصص لهم. ولمساحة الاهتمام المحدودة إعلاميا وخبريا وخدماتيا ، لاسيما وأن بإمكان وسائل الإعلام فعل الكثير، فيما الحاجة أكبر لهذا التكاتف بين الجانبين، كمّاً ونوعاً. تفخر شبكة الجزيرة ـ ومن حقها ذلك ـ أنها أول منبر إعلامي عربي يوفّر خدمة النشرات الإخبارية بلغة الإشارة، بالإضافة إلى إصدارها لأول قاموس عربي للصمّ. كما يوفر مركز الجزيرة الإعلامي للتدريب والتطوير التابع لها دورات تدريبية لتعليم لغة الإشارة لموظفي الجزيرة والجمهور المهتم. فضلا عن تخصيص أسبوع ( من الآن حتى نهاية الشهر )، تسلط فيه الضوء بشاشتها وموقعها الإلكتروني الضوء على أبرز التحديات والمصاعب التي تواجه مجتمع الصم في العالم العربي ضمن تغطية إخبارية مكثفة، ومنه هذه الحلقة المتيزة من " تحت المجهر" ، كما يسعى موقع " الجزيرة نت" تدشين خدمة متميزة، يحوّل بها الكلام المسموع إلى مقروء، وهو ما سيعني خدمة رائعة ونوعية متميزة للصمّ في عالمنا العربي. ولكن يبقى أن هذه الانجازات على أهميتها قد لا تشكل إلا نزرا يسيرا من الحاجات الإعلامية لهذه الشريحة، كما لايمثّل جهد الجزيرة إلا مساحة محدودة مما ينبغي على وسائل الإعلام العربية فعله كواجب أخلاقي ومهني. تحتاج المؤسسات الخيرية من جهة والمؤسسات الإعلامية من جهة أخرى إلى مثل هذه الشراكات، التي تخدم الشريحة المستهدفة وتعظّم الفوائد لصالحها، ووفقا لهذه الشراكة فقد تمّ التركيز بصورة أكثر تركيزا على التوعية بهذه الشريحة، وضرورة تقديم كل عون مادي ومعنوي ولوجستي ممكن لها ، وبنفس الوقت فقد خرج الملتقى، بتعهدات لتمويل مشاريع لصالح الصمّ في غزة بمبلغ 17 مليون ريال ، وأتاح المجال للجمعيات الخيرية والإنسانية المعنية بالصم في غزة لطرح برامجها ومشاريعها ، والتعريف بحجم الإشكالات في هذا القطاع.من الخطأ أن يقال ما دخل وسائل الإعلام بالعمل الإنساني أعمالا تلفزيونية وإبداعية وفعاليات ؟ .. فالمسؤولية الاجتماعية تفرض على جميع المؤسسات والهيئات والجهات أن يتدخلوا في هذا الشأن، وعدم الاكتفاء بنقل الأحداث في الميدان، ببعدها الإنساني، أو تغطية الكوارث والحروب والنزاعات، بل ينبغي أن تهتم في التوعية بالقضايا الإنسانية، وحفز متابعيها على السلوك الإيجابي.. وبكل تأكيد سيكون لحملات وسائل الإعلام ومنها المقروءة والمسموعة والمرئية تأثيرا أكبر فيما لو عقدت شراكات وعلاقات تعاون مع الجمعيات والمؤسسات التطوعية، ودعمت أعمالها الإعلامية بجهود المعنيين في العمل الإنساني، كما حدث في هذا الملتقى . كما أن على المؤسسات الخيرية أن تولي الجانب الإعلامي اهتماما أكبر ، وإلا يقتصر ذلك على تسويق مشاريعها بصورة مباشرة، بل يفترض أن تهتم بالتوعية والمناصرة والحشد ، وغرس قيم العمل التطوعي ونشر ثقافته في المجتمع. الملتقى يوجّه رسالة لكل من مؤسسات الإعلام والهيئات الطوعية ومنظمات المجتمع المدني ليعززوا التعاون بينهم، فهو كسب عظيم لأدائهم المهني، وكسب للشرائح التي يتوجهون إليها وللمقاصد الإنسانية التي يسعون إليها، وأن يعمّقوا البحث في الآليات التي تدعم هذه التوجهات .

607

| 24 سبتمبر 2014

تعزيز الكتابة الإبداعية عند الناشئة والشباب ..البعد التنموي

اطلعت على تجربة رائعة لجامعة Texas A&M University في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، (Qatar Foundation)، ألا وهي إصدار كتاب لأصحاب المواهب الكتابية والأدبية والبحثية من طلبة الجامعة وخرّيجيها، دشنته قبل أيام قليلة، في حفل شارك فيها الكتّاب الشباب، ويبدو أن الجامعة متجهة لجعله مشروعا سنويا، تشجيعا ودعما منها لطلبتها في إطار أنشطتها الجامعية (غير الأكاديمية).وقبلها تابعت مشروعا لإحدى مؤسسات الطفولة بسوريا على وشك الصدور، يتمثّل بكتاب يكتبه ويرسمه الأطفال، وهو إنجاز مهم، خصوصا في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الشام.ومن التجارب الجميلة في دولة قطر "الكتاب البشري" الذي كان يصدره المركز الثقافي للطفولة، وأظنّه توقف عن الصدور في العام أو العامين الأخيرين، وكان يضمّ بين دفتيه مجموعة الأعمال الفائزة للطلاب الموهوبين الفائزين في المسابقة السنوية، التي أقيمت على مستوى المدارس المستقلة، ممن قاموا بكتابة القصص، ثم مثّلوها أمام لجنة تحكيم، ومن هذه التجارب أيضا ديوان "الشاعر الواعد" ومجلة" دربيل" للباحثين الصغار لنفس المركز. إن للمشاريع التي تشجّع على تعليم الكتابة وتنميتها، وصولا إلى ممارستها والتمرّس فيها، في تقديري أهمية بالغة لأكثر من سبب، كونها ترتكز على دورها التنموي في حياة الأفراد والمجتمعات، خصوصا في ظلّ الحاجة إليها، التي لم تعد مقتصرة على الكِتاب فقط، بل تعدته لوسائل الإعلام المقروءة كالصحف، والصحف والمواقع الإلكترونية، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي، ومن هذه الأسباب: ـ تسهم هذه الإصدارات في رعاية أصحاب المواهب في مجال الكتابة، في كافة المجالات الإبداعية من قصة وشعر ومسرحية وخاطرة وسيرة، أو المجالات البحثية، ومثل هذه المواهب إن لم تصادف من يكتشفها أو يقدم لها الرعاية تضحمل نهائيا أو تذوي تدريجيا، وما من شك فإن مثل هذه الإصدارات تسهم في اكتشافها، وبروزها ورعايتها، وتطويرها وصولا للقمة، وتجنبها الوقوع في شَرَك الإحباط والانطواء، وربما التوقّف النهائي. ـ ولأن الكثيرين من منظّري فن الكتابة والعاملين في هذا المجال، يعطون الأهمية الأكبر للممارسة مقارنة بالموهبة، إذ يرون أنّ الموهبة في الكتابة لا تمثل إلا جزءاً من عشرة أجزاء، أما الأجزاء التسعة المتبقية، فتتمثل برأيهم في ممارسة الكتابة نفسها، في صبر لا يعرف الملل، فإن مثل هذه الأوعية (الكتب والإصدارات) إضافة للمنابر والوسائل والأساليب الأخرى، تكون في غاية الأهمية، كونها تعدّ الميدان الرئيسي لهذه الممارسة، وهو ما ينعكس على الارتقاء بها، كما يسهم في هذا الارتقاء أيضا تعليقات المختصين والجمهور على هذه الكتابة، لأن الكتابة ظهرت للعلن.ـ إتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي، والقدرة على ممارسة هذا الحق الإنساني الأصيل، منذ الفترات الأولى من حياة الإنسان، وتعويده على السلوك الذي ينأى به عن الغلو والتطرف والإحباط والكبت والقهر، والإسهام في تشكيل شخصية الطفل والناشئ من خلال تمكّنه من التعبير عن وجهة نظره، تجاه ما يدور حوله، وتوضيحها وإيصالها للآخرين بتلقائية وثقة، دون حجر أو منع. ولأن الكتابة نقل التّفكير بالكلمات من عقل لآخر، لذا فإنّ من المهارات المهمة في هذا الجانب، توفّر طريقة تفكير مستقلة للكاتب، وبغيرها لن يستمتع أحد بقراءة ما يكتبه، واختيار أفضل المفردات للتعبير عنها. إن أهمية الكتابة لا تقلّ عن أهمية القراءة، لذا ينبغي على مجتمعاتنا العربية أن توليها أهمية خاصة من خلال ما يلي:ـ قيام الأسر بتشجيع أطفالهم على كتابة مذاكرتهم، والتعبير عن ذواتهم منذ الصغر، وتخصيص دفاتر خاصة بذلك. ـ إيلاء مادة التعبير مزيدا من الاهتمام في التعليم الأساسي، وتخصيص مواد في الإعدادية والثانوية والجامعية لفنون الكتابة، واستيعاب المتغيرات الحديثة المرتبطة بشبكات التواصل، وتعليمهم بعض الفنون المتصلة بذلك كالقصة القصيرة جدا وفن التوقيعات والشذرات على سبيل المثال لا الحصر. ـ زيادة نسبة المسابقات البحثية والإبداعية الأدبية على المستوى القطري الوطني، أو المستويات الأدنى من ذلك كالمدارس والجامعات والنوادي، مع مراعاة الشرائح العمرية.ـ تخصيص نوادي حقيقية للكتابة، وإعادة تفعيل دور المنتديات ومسابقاتها، وتخصيص مواقع إلكترونية، وصفحات تعنى ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي من قبل الجهات التربوية والثقافية والشبابية ذات العلاقة. ـ إتاحة فرص حقيقية للقادرين على الكتابة في صحف ومجلات الأطفال والناشئة، وتخصيص مساحات أكبر لهم، وبخاصة أصحاب المواهب والقدرات.ـ اهتمام المدارس (منذ الابتدائية) والمعاهد والجامعات بصورة أكبر من ذي قبل بتخصيص كتب ومجلات ونشرات يحررها الأطفال والناشئة والشباب، أو يكونون عمودها الفقري. ـ اهتمام دور النشر بطباعة مجموعات قصصية وكتب من تحرير الأطفال، وإن بصورة دورية، وتشجيع كتابة الأطفال والشباب لمن هم في جيلهم، فقد تكون أعمالهم أكثر قبولا عند أقرانهم. ـ الاهتمام بالدورات التعليمية والتدريبية خاصة في الفنون الأدبية (كالقصة، الشعر، المسرح، المقال..) والإعلامية (ككتابة الأخبار والقصص الخبرية..) ولعل القائمة في هذا المجال تتسع وتطول، وهي مفتوحة لكل ما يعزّز القدرة الإبداعية على الكتابة لدى هذه الشرائح العمرية.

1213

| 17 سبتمبر 2014

السوريون وقوارب الموت..مقاربة إنسانية

وأنا أقرأ خبر غرق سوريين كانوا متوجهين في قوارب الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا وانتشالهم قرب شواطئ تونس.. تخيّلت المشهد بكل صوره ولقطاته التراجيدية المُوجِعة.تألمتُ من الأعماق وأنا أتخيّل لحظة الغرق بكل تفاصيلها المُفجِعة، وكيف كانت حالة الأمهات والآباء وهم يرون فلذات أكبادهم أمام ناظريهم وقد قذفتهم الأمواج بعيدا، أو عندما كانوا يصارعون الموت، فيما الأمواج تبتلعهم دون أن يستطيعوا فعل شيء لهم. وتخيّلت زوجاً وهو يرى زوجته تمدّ يدها إليه، وهي تستغيث في هذه اللحظات الحرجة لينقذها، دون أن يتمكّن من القدرة على عمل شيء.تصورتُ عقدة الذنب في هذه اللحظات العصبية والقصيرة التي شعر بها الآباء أو الأمهات تجاه صغارهم، وهم قد أوردوهم المهالك، من حيث احتسبوا أو لم يحتسبوا، خصوصا أنهم قد قرأوا أو سمعوا عن حوادث سابقة، حدث فيها ما وقع لهم تماما. مشهد تكرر، والأغلب أنه سيتكرر، لأنه يعبر عن حالة الإحباط فقدان الأمل عند شرائح كبيرة من الشعب السوري، التي تعاني من فقدن الأمن والأمان وسبل الحياة الكريمة بعد أن أصبح تسعة ملايين شخص منه، موزعين بين لاجئين ونازحين، وبعد أن تركها العالم تواجه أوضاعا إنسانية استثنائية صعبة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، والأسوأ من ذلك أن قضيتها وبلدها مهددان باستنزاف طويل، والتحول إلى قضية شبه منسية. عندما يخاطر السوريون عبر قوارب الموت رغم كل المخاطر المتوقعة والمُحدِقة بهم، فلأنّهم يحلمون أو كانوا يحلمون بحياة جديدة تخلِّصهم مما يعانونه، ويجدون فيها الأمن والسلام والحرية، والعيش الكريم الذي يليق بإنسانيتهم، بعيدا عن الظلم والقمع والفساد وذلّ المسألة، يخاطرون على مذهب المثل الدارج" اللي جبروا على المرّ هو الأمر منه". لا أظنّ أن صور الأطفال والنساء الغرقى في عرض البحر المتوسط ستهزّ ضمير ما يسمى بالمجتمع الدولي أو العالم المتحضر، رغم ما يدّعيه من إنسانية، كما لم تحركه من قبل مشاهد قتل أطفال سوريا على مدار ثلاث سنوات، أو غزة على مدار خمسين يوماً في العدوان الإسرائيلي الأخير.من المفارقات أنني قرأت خبراً في وقت متزامن مع فاجعة الغرقى يفيد بمقتل 42 طفلا سوريا بفعل ضربات شنها النظام السوري على عدد من المحافظات في الساعة الـ 36 التي سبقت اليوم الأول من الشهر الحالي (سبتمبر).كان ومازال بإمكان ما يسمى بالمجتمع الدولي وضع حد لعذابات السوريين المتواصلة منذ عدة سنوات، وألا يضطرهم لكي يصلوا إلى حّد إلقاء أنفسهم وأهليهم في التهلكة، كان بالإمكان حصول ذلك لو كان هناك توجّه فعلي، للضغط على نظام الأسد ليكفّ عن قتل المدنيين من أنباء شعبه بالقصف والبراميل المتفجِّرة والأسلحة المحرمة دوليا، بعد أن خرجوا مطالبين بحريتهم أو كرامتهم. كان بإمكانه أن يخصص مناطق حظر جوي لهم أو يفرض عقوبات قاسية على النظام، كما فعل إزاء تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، أو يدخل في مفاوضات قوية مع حلفائه وداعميه لاستبداله واستبدال رموزه كما فعلوا مع نوري المالكي، أو يضغط لفك الحصار على المناطق المحاصرة التي طحنتها المجاعة وأتعبتها الأمراض والأوبئة، لكنه لم يفعل، بناء على ما عرف عن نفاقه وازدواجية معاييره. وكان ومازال بإمكان العالم ومن ضمنه العالم العربي والإسلامي أن يوقف نزيف الموت والهجرة عبر قوارب الموت، لو أحسن إكرام اللاجئين، وتعامل معهم بإنسانية وشهامة، لأن هؤلاء اللاجئين يعانون في إشكالات كبيرة منها إغلاق الوجوه في وجوههم للوصول إلى الدول المجاورة، بحجة زيادة العبء على الدول المضيفة، ومنها التمييز، وعدم توفر فرص التداوي، والتعليم للأطفال، وأحيانا عدم توفر الأمن أو ظروف الإقامة الكريمة في المخيمات أو خارجها. بينما كان الشعب السوري يفتح ذراعيه بكل رحابة صدر لكل اللاجئين من العرب (الفلسطينيون، اللبنانيون، العراقيون..) والعجم (الشركس والأرمن..) طيلة القرن الماضي.. والكلام عن بعض الدول وليس كل الدول المجاورة.ومع رفضي القاطع للهجرة غير الشرعية عبر قوارب يحفّها الموت والخطر من كل جانب، والتصرف على هذه الشاكلة، إلا أنني أعتبر أن المسؤول الحقيقي عنها هو ممارسات ما يسمى بالمجتمع الدولي وبخاصة الولايات المتحدة والدول الغربية من جهة، والعالمان العربي والإسلامي، الذين تركوا السوريين يواجهون مصيرهم لوحدهم أمام غول الظلم والبطش والقتل والتدمير، دون أن يقدموا لهم ما يتوجب عليهم على الأقل في الشق الإغاثي والإنساني داخل بلادهم أو خارجهم عندما اضطروا لمغادرتها.وعلى العالم أن يتحمل مسؤولياته الأخلاقية والقانونية إزاء الحوادث المتكررة لقوارب الموت، وكذلك إزاء موت المدنيين من الأطفال والنساء يوميا في سوريا بفعل آلة القصف والتدمير العشوائي.. وإلاّ لن يذكرهم التاريخ بخير.ستبقى كلمة الإنسانية التي يتبجحون بها كذبة كبيرة وذرّ للرماد في العيون، وتذكر بماضيهم الذي تفوح منه رائحة العنف والإجرام والظلم، ما لم يكفِّروا عن ماضيهم بسلوك راهن مختلف، ويكفي التذكير هنا فقط بإبادة شعب كامل (الهنود الحمر) وجلب الشعوب الإفريقية للعمل كعبيد، لتبني الولايات المتحدة فيما بعد مجدها وديمقراطيتها ودولتها المتحضرة وقيمها الإنسانية على أنقاض كل ذلك!.

968

| 03 سبتمبر 2014

تدوير الكتب المقروءة

خلافاً لما استقرّ في أذهاننا منذ الصغر من أنّ "الكتاب لا يُهدى ولا يقدَّر بثمن"، أو أنّ إعارته شيء غير مُحبَّذ، يصل إلى حدّ جَلب العار لصاحبه، كما قال الشاعر: ألا يا مُستعيرَ الكُتْبِ دعني * * فإن إعارتي للكُتبِ عارُ ومحبوبي من الدنيا كتابٌ * * وهل أبصرتَ محبوباً يعارُخلافا لذلك؛ فإن التفكير بطريقة معاكسة قد يكون هو الأصحّ والأولى، ونقصد بذلك تدوير الكتب المقروءة من قبل الأشخاص والجهات لصالح أشخاص آخرين، تشجيعا على المطالعة، وإسهاما في نشر المعرفة، أو لتمكين من لا يمتلكون أثمان الكتب من القراءة والإطلاع.وقد أعجبني على مستوى الأفراد أنّ أحد العلماء والباحثين اعتاد أن يهدي الكتب التي ينتهي من قراءتها مباشرة، دون أن تكون لديه مكتبة كبيرة، كما جرت العادة، كما أعجبني ما قامت به السيدة هناء الرملي من الأردن حينما تبرعت بـ 700 كتاب بين قصص وكتب تعليمية لصالح أحد المخيمات لتكون نواة مكتبة مُعتَبرة فيه، بعد أن كبر أولادها وودعوا طفولتهم، ثم لتصبح هذه السيدة في عام 2009 صاحبة فكرة ومؤسسة لإحدى المبادرات التي تصبّ في تعميم نشر الكتب، وبخاصة للأطفال، من خلال إقامة المكتبات، وتنظيم الفعاليات المختلفة التي تخدم هذا التوجّه.وقد كنت مطلع الشهر الجاري أقرأ في رواية أدبية أثناء زيارتي الأخيرة لتركيا، فطلب مني أحد الشباب المثقفين الاطلاع عليها بعد الانتهاء منها، فأهديته إياها، فور الفراغ من مطالعتها، انسجاما مع ما ذكرته آنفا، فغمرتني سعادة بالغة، خصوصا أنه في بلد قد لا تصلهُ الكتب العربية بسهولة. أما على مستوى الجهات والتجمعات وأغلبها تطوعية شبابية فهناك مبادرات كثيرة تسهم في هذا الاتجاه، منها على سبيل المثال لا الحصر " كتابي كتابك" وهي أردنية ثم توسع نطاق نشاطها إلى دول أخرى، وهي تعمل على تجميع الكتب المناسبة لفئة الأطفال والناشئين من الأفراد ودور النشر والمكتبات لإنشاء مكتبات عامة لهم في المخيمات والأحياء الفقيرة، دون أن تقبل بتلقي دعم مادي، ومبادرة " كلنا نقرأ" في البحرين وهي منظمة شبابية تهدف إلى نشر ثقافة القراءة بين عموم الناس، وغرسها لدى الناشئة والأطفال، من خلال برامج وأنشطة وفعاليات مستمرة، بالتعاون مع الجهات المعنية، ومبادرة: "كتاب من القلب إلى القلب" التي أطلقتها العام الماضي دار نشر سورية لجمع أكبر عدد من كتب أطفال التي لم يعودوا بحاجة لها، أو انتهوا من قراءتها، أو صارت فوق مستواهم العمري من خلال جناح مخصص بمعارض الكتب الدولية لإيصالها إلى أطفال سوريا المحاصرين، أو إلى المهجّرين في المخيمات. يرمي المقال إذن إلى تشجيع السلوك الفردي والتطوعي الجماعي الذي يسهم في تدوير الكتب المقروءة أو المستخدمة، منذ الصغر، من أجل تشجيع القراءة وتحبيب المطالعة ونشر المعرفة، واجتراح الأفكار والأساليب والمبادرات والمشاريع والأنشطة التي تخدم هذه التوجه على مستوى الأفراد والأسر والمدارس والجامعات والأحياء والنوادي.. وتسويقها والتوعية بها وحفزها وتأطيرها. ونورد فيما يلي أهم هذه الأفكار والأساليب التي تلخص ما سبق ذكره وتورد بعض جال في الذهن وتم تذكّره من أفكار أخرى: ـ إهداءات الكتب المقروءة بين الأصدقاء والزملاء، أو من أشخاص مقتدرين لأشخاص محدودي الدخل مباشرة أو خلال قنوات ومبادرات.ـ إهداء الكتب التي لم يعد الشخص أو الأسرة بحاجة إليها إلى أشخاص أو أسر أخرى بحاجة لها (كتب الأطفال لأسرة أصبح أولادها شبابا إلى أسرة لديها أطفال أو لمكتبة مدرسة أو مخيم). ـ تشجيع الطلاب على إقامة مكتبات في مدارسهم من الكتب المقروءة أو الفائضة أو المكررة عند أسرهم وأقاربهم.ـ تشجيع تبادل الكتب المقروءة، وإقامة الفعاليات القرائية في الحدائق والمجمعات والنوادي والمدارس، للكبار والصغار، بحيث يتبادل القراء كتبهم المقروءة ويقومون بمطالعتها. ـ استقبال الكتب المستخدمة من الجمهور في معارض الكتاب والمهرجانات الخيرية والفعاليات الثقافية وتوجيهها للشرائح التي هي بحاجة إليها، وإقامة مكتبات لهم. ـ قيام الأشخاص بالتوصية بمكتباتهم الخاصة، لتحويلها إلى مكتبات عامة أو إهدائها لمكتبات عامة في حياتهم أو بعد موتهم، وتسجيلها باسم المتبرع بها تكريما له. ـ استثمار الإنترنت وشبكات التواصل وسائل الإعلام الجماهيرية لتشجيع التبرع والتطوع لخدمة هذا الجانب، وتسويق أفكاره. ولاشك أن المجال مفتوح لاجتراح المزيد من الأفكار والطرق التي تنشر هذا الخير وتعممه.ورغم ظهور الكتب الإلكترونية إلا أن الدعوة لتدوير المعرفة من خلال الكتب المطبوعة المستخدمة، ستظل الحاجة قائمة إليها لسببين الأول: أهمية التعود على المطالعة بالكتب المطبوعة نظرا للذة المرتبطة بها، والآخر: أن عالم وسائل الاتصال المسموعة والمرئية والإلكترونية وإصداراتها لم تستطع إلغاء المقروء كتبا ومجلات وصحفا رغم مرور عشرات السنين.

1044

| 27 أغسطس 2014

alsharq
كبسولة لتقوية الإرادة

أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...

2901

| 01 مارس 2026

alsharq
حين جار الجار

في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...

1656

| 04 مارس 2026

alsharq
لسان «مكسّر».. هل نربي «أجانب» بملامح خليجية؟

المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...

1044

| 04 مارس 2026

alsharq
تحية مطرزة بالفخر.. لمنظومتنا الدفاعية

-الفخر بقيادتنا الحكيمة.. والشكر لحكومتنا الرشيدة - دفاعاتنا...

1041

| 02 مارس 2026

alsharq
العدوان الإيراني يظهر كفاءة عالية لمنظومتنا الدفاعية

-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...

900

| 01 مارس 2026

alsharq
الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل

شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...

825

| 02 مارس 2026

alsharq
المشهد الإيراني المحتمل بعد خامنئي

انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...

693

| 02 مارس 2026

alsharq
العقول قبل الألقاب

في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...

612

| 05 مارس 2026

alsharq
رسالة إلى الوزير الصالح

رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...

591

| 05 مارس 2026

alsharq
من المستفيد.. ومن الضحية؟!

اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...

579

| 01 مارس 2026

alsharq
نفحات ينتظرها الجميع

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...

576

| 04 مارس 2026

alsharq
تحالف خليجي جديد

لقد حدث الاحتمال الصعب الذي ظلت تحذر منه...

552

| 02 مارس 2026

أخبار محلية