رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تاريخ النفاق والخيانة في هذا العالم قديم بالغ القدم، لا يمكن حصره، وتصعب معرفة بدايته بالضبط. والمقصود هنا حالة بعض الناس أو الكيانات، التي تسمى أحيانا دولا، عندما يُظهر هؤلاء الولاء والانتماء لأمة من الأمم وهم في الحقيقة يخفون حقدا عليها وتحالفا مع عدوها. لكن العملاء الخائنين لا يستطيعون إخفاء تحالفهم مع العدو طول الوقت، وبمرور الزمن يفتضح أمرهم مهما أصروا على النفي. من أقدم تلك الخيانات شهرة في التاريخ خيانة يهوذا الاسقريوطي للمسيح. فقد احتفظت ذاكرة التاريخ بأن يهوذا ذاك تآمر على تسليم المسيح لليهود مقابل ثمن بخس، ثم ما لبث أن ندم وانتحر، ولم يأبه به اليهود الذين ساعدهم. وظل هؤلاء طرفا في خيانات كثيرة منذ ذلك الوقت، يهمنا منها ومن غيرها ما ضرب راحلة العروبة والإسلام، في مقتل في أحيان كثيرة، ونتحدث هنا عن أخطر تلك الخيانات التي غيَّرت مجرى التاريخ. من أشهر الخونة والمنافقين في التاريخ العربي «أبو رغال» الذي ساعد أبرهة الحبشي في محاولته الفاشلة لهدم الكعبة، حتى صار رمزا للخيانة لدرجة أن الناس كانوا يرجمون قبره بعد أن يحجوا إلى الكعبة قبل ظهور الإسلام. ولم يمض وقت طويل حتى ظهر ابن سلول الذي كان يتظاهر بالإيمان عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويبطن الكفر والنفاق والولاء لليهود والمشركين. وبعد ذلك بقليل أيضا جاءت خيانة ابن سبأ، الذي كان يهوديا وتظاهر بالإسلام ووجه له أشد الطعنات التي ما زلنا نعاني منها للآن. وعلى نفس المنوال سار شخص يدعى ابن العلقمي وكان وزيرا لآخر خليفة عباسي، وهو المستعصم بالله، فخانه وقدم له نصائح فاسدة بتقليص عدد الجيش، بحجة تقليل نفقات الدولة، ولكنه كان يتواصل مع التتار لتسهيل انهزام المسلمين أمامهم، وهو ما قضى على الدولة العباسية في بغداد. بعده وفي زمن الحملات الصليبية حدثت خيانات عدة من حكام عرب مسلمين أشهرها قيام الملك الكامل الأيوبي بتسليم القدس للصليبيين من دون قتال عام 1237م، مقابل بقائه حاكما على بعض المدن الأخرى، وذلك بعد 42 عاما فقط من تحريرها على يد عمه صلاح الدين الأيوبي عام 1187. بعد ذلك تأتي خيانة «مراد كيراي» حاكم القرم العثماني وقت الحملة العثمانية لفتح فيينا، والذي كلفه الصدر الأعظم حينها مصطفى باشا بحماية جسر إستراتيجي ومنع مرور الأوروبيين عليه. ولكن حقد كيراي، خاصة، ومعه مجموعة من الوزراء والقادة الحاسدين لمصطفى باشا، دفعه لعصيان الأوامر وفتح الجسر. وكانت نتيجة عصيانه هزيمة المسلمين في معركة فيينا الشهيرة في 12 سبتمبر 1683، والتي توقف بعدها المد الإسلامي في أوروبا. وعلى نفس الخطورة كانت خيانة شخص يدعى مير جعفر، دفعه الحقد والغيرة من الحاكم سراج الدولة، والد زوجته، إلى تحطيم الإمبراطورية المغولية في شرق آسيا في معركة شهيرة عُرفت بمعركة «بلاسي» 1757، حيث تحالف مع الإنجليز الذين كانوا حتى ذلك الوقت لا يسيطرون إلا على أطراف ساحلية من الهند وبعدها سقطت الهند كلها بأيديهم، ليفقد المسلمون حكمهم تدريجيا في القارة الآسيوية. ويبدو أن الخونة والمنافقين والعملاء لا يتعظون ولا يتعلمون ولا يتوقفون، رغم أن نهاية هؤلاء الخونة والمنافقين دائما كانت هي الذل والهوان وأحيانا القتل على يد العدو الذي ساعدوه. فها نحن في عصرنا الحديث نرى حولنا كثيرا من الخونة الجدد الذين يسارعون في التعامل مع العدو الأزلي والحالي للأمة بلا حياء ولا خجل، ودون أن يطرف لهم جفن. وهؤلاء سيكتب عنهم التاريخ لاحقا ما لو انكشف الآن فلن يستطيع أن يصدقه الكثيرون. حفظ الله بلادنا وأمتنا من شر الخونة الجدد، الذين توشك خيانتهم أن تغير مجرى التاريخ مرة أخرى.
2778
| 18 أكتوبر 2023
المواقف الصادقة الأصيلة ليست كلمة عابرة أو رأيا في مجلس ينفض فتُنسى. وإنما المواقف الصادقة هي الثبات على الرأي والصمود في مناصرة الحق مهما تغيرت الظروف والأحوال، ومهما كانت الضغوط والمحاذير. لقد أبرزت القضية الفلسطينية، وخصوصا الأزمة الحالية، كيف تمايزت وتباينت مواقف أطراف عربية بين الأصيلة الصادقة والكاذبة المنافقة. ففي الوقت الذي غيرت فيه دول وكيانات تدعي العروبة والإسلام موقفها من القضية الفلسطينية من التأييد التام إلى النقيض التام، من تشجيع المقاومة ووصفها بالبطولة إلى إنكارها ونعتها بالارهاب، حتى بات يطلق عليها «صهاينة العرب» مصداقا لنبوءة المفكر العربي المصري الراحل عبدالوهاب المسيري، بقيت دول أخرى وإن كانت قليلة على العهد ولم تغير أو تبدل مواقفها بل زادت تمسكا بها وإصرارا عليها برغم الضغوط الكبيرة وبرغم الأثمان الغالية التي دفعتها في سبيل الحفاظ على مواقفها الأصيلة تلك. قطر وعدد قليل آخر من الدول العربية كانت من بين تلك الأطراف التي حافظت على عهدها وكلمتها وموقفها. وكانت الحرب غير العادلة الجارية حاليا كاشفة لذلك الموقف المستحق للتقدير. وهي أي قطر لم تقْصُر موقفها على مجرد إعلان التأييد للفلسطينيين ومقاومتهم الباسلة بل بدأت على الفور، وكما هي حالها عند كل أزمة، في إجراء اتصالات مع كل الأطراف المعنية لوقف إراقة الدماء واحتواء الصراع. وفي حين سارعت الدوحة مبكرا إلى إعلان رفضها لهذه الحرب وتحميل الطرف الإسرائيلي مسؤولية ما يجري، فصدقت في موقفها واتسقت مع تاريخها المشرف في هذا الصدد، تضامنت بعض الأطراف التي تدعي العروبة مع العدو الغاشم لدرجة أن تل أبيب وجهت الشكر لها. وبالمثل كانت قناة الجزيرة، التي تشرفت بالعمل بها عشر سنوات، لم تخرج فيها ولو لمرة واحدة عن نصرة المظلومين والمضطهدين في بلاد العروبة والإسلام وفي كل مكان. ولم يتدخل خلالها أي مسؤول مهما كانت سلطته في تغيير أي خبر أو التلاعب في محتواه. وها هي الجزيرة تؤكد مرة أخرى صدق مواقفها وثبات عزيمتها على أن تظل صوت من لا صوت له مهما كانت التحديات والتهديدات، ومهما كانت التضحيات التي تقدمها وبخاصة مراسليها الأبطال في مواقع الأزمات، والذين يوفرون الفرصة للعالم وللتاريخ لأن يعرفوا الحقيقة كما هي قدر الإمكان بعيدا عن التزييف والتزوير والتشويه الذي تصنعه وسائل إعلام العدو ووسائل الإعلام في الدول التي تدعي الديمقراطية والحياد وهي أبعد ما تكون عنه. وفي الوقت الذي أطلق فيه أشخاص ووسائل إعلام في دول تسمى عربية تغريدات ورسائل تعبر عن الثقة في العدو المحتل، وفي حين أعرب مسؤول أمني في إحدى تلك الدول عن أسفه لأن إسرائيل لم تستمع لتحذيرات قدمتها دولته من عمل كبير ستقوم به حماس، نقلت الجزيرة وعدد محدود من القنوات تقديرات خبراء ومحللين بينهم إسرائيليون، تتحدث عن خيبة ما يسمى الجيش الإسرائيلي. وكان من هؤلاء رئيس الموساد السابق أفراييم هاليفي الذي وصف، في حديث مع سي إن إن العملية العسكرية لحماس بأنها نجاح كبير على مستويات عدة وفشل كبير للاستخبارات الإسرائيلية. وكان منهم أيضا توماس فريدمان الكاتب الأمريكي اليهودي الذي سخر من اختراق حماس، بسهولة، لما سماه خطا دفاعيا بنته إسرائيل بمليار دولار، محملا رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو ووزير عدله مسؤولية الفشل في التصدي لعملية حماس التي وصفها كما وصفتها الإيكونوميست بأنها «تُدرس». وبينما شكك «صهاينة العرب» في صمود المقاومة شككت مواقع أمريكية، منها «برايتون» في بقاء إسرائيل قائلة إن استمرار وجودها بات في خطر. هنا، وبرغم بعض التحفظات التي وجهت للجزيرة لاستضافتها متحدثين إسرائيليين، يتضح أن الجزيرة وقليل من القنوات، وقطر وقليل من الدول صدَقَت الوعد والعهد بينما كذب كثيرون آخرون، وهذا ما لن ينساه التاريخ.
852
| 11 أكتوبر 2023
كانت الدولة العثمانية في عقودها الأخيرة، أشبه بجريح ينزف دمه ببطء ولكن بانتظام. وكان النزيف كما أشرت سابقا متحكما فيه أو لنقل أن الانهيار كان متحكما فيه مثل حال هدم البنايات الضحمة الآن. لقد أشرفت الدول الكبرى إشرافا دقيقا على احتضار الدولة العثمانية ومنعت إعلان وفاتها في فترات عدة أهمها عندما أوشك محمد على باشا على دخول اسطنبول في العام 1833، وتلاعبوا بالطرفين، اللذين كانا القوتين الرئيستين الباقيتين في العالم الإسلامي، حتى فتكوا بكليهما. وبحسب دراسة للباحث التونسي رضا العشي، يلخص إبراهيم باشا ذلك التلاعب في رسالة لوالده محمد علي يقول فيها: «السلطان العثماني لا يقدر على أيّ شيء ضدي. أما القناصل الأوروبيون في بلاد الشام فهم مصدر عذاب لي، إنهم لكارثة حقيقية للبلاد». والواضح أن احتمال استلام محمد علي السلطة في اسطنبول وتحوله خليفة للمسلمين، برغم ما قيل عن تبعيته لأجندات خارجية وقتها، لم يكن بالأمر المقبول من الدول الكبرى، لانه من شبه المؤكد أنه كان سيُبقي على الخلافة قوية بدرجة لا تسمح لهم بإسقاطها وقتما شاءوا وربما أمكنه التخلص من أي ولاء كان يربطه بهم حال تحقَقَ له التربع على عرش السلطنة والخلافة. وسنعود لاحقا لمسألة الخلاف بشأن كونها خلافة. هكذا، فإن الصورة الكبيرة التى يمكن رسمها لتلك المرحلة هي، أن الدول الكبرى هي التي كانت تمسك بزمام ومصير الدولة، لفترة طويلة قبل إسقاطها، وهي التي صاغت معظم أحداث تلك الفترة، من خلال فرضها الشروط التي يقوم عليها الحكم ممثلة في دستور 1876 الذي تجاهل الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع. وهل هناك تحكم في العقل العربي المسلم أكبر من ذلك والحال هذه؟! لقد حدث ذلك رسميا في العام 1876 لكن عمليا كان السلطان محمود الثاني قد اتخذ خطوات نحوه قبل ذلك بكثير، بما سمي «خطة التحديث والتغريب»، إذ أمر مبعوثيه إلى المدارس الأوروبية في ثلاثينات القرن التاسع عشر، مثلا، بارتداء الملابس الأوروبية وبخلع العمامة الإسلامية وارتداء الطربوش بدلا منها. وطبق الشيء نفسه حتى على كبار ضباط الجيش. هنا فقدت الأمة عقلها المسلم بالكلية وحل محله العقل الغربي. الخطير أن عملية التحديث ستفرز نهجا غير إسلامي، سيسهل بدرجة أكبر تزايد أعداد الأجانب والمندسين، في أجهزة الحكم العثماني ما سيجعلهم حربا حقيقية على الخلافة من داخلها. فما فعلته حريم السلطان سرا من قبل، فرضه دستور مدحت باشا، علنا، وقهرا وقسرا. وكان من نتائج ذلك التخلي التدريجي عن المظاهر والقيم الإسلامية، أن السلطان تحول إلى منصب شرفي، فعليا، وهو ما سيُفشل مهمة السلطان عبد الحميد الذي تولى السلطة قبيل إقرار الدستور بأسابيع قليلة. ورغم أنه سيوقف العمل به بعد عام واحد فهو سيضطر إلى إعادته بعد فترة وجيزة. وسيستمر المتنفذون الجدد في إحكام السيطرة على الامور في اسطنبول، بينما ستواصل الدول الكبرى تخريب بقية الجسد بالاحتلال و»الاستخراب». ولأن شعوب الأمة كانت تتعامل مع الدولة العثمانية على أنها دولة الخلافة فإن العقل الجمعي لهذه الأمة سيصاب بحالة أشبه بالجنون، وسينفرط عقد أفكاره، عندما ترى الشعوب ذلك الجسد وهو يقطع إربا حتى قبل إعلان موته الرسمي، (سايكس بيكو 1916)، ما سيصيب البعض بالصدمة والجمود، والبعض بالبحث عن عقل آخر، (قومية عربية)، والبعض بالتماهي مع «الاستخراب» العالمي طمعا في تحصيل مكاسب لم تنلها. وهكذا تشتت العقل العربي المسلم، وانقسم إلى عدة عقول باتت في مرحلة لاحقة ربما نعيشها الآن عقولا متصارعة وليست حتى متهادنة، ناهيك عن أن تكون متعاونة، ولينتهي منذ ذلك الحين توصيف العقل العربي المسلم، ويبدأ عصر «العقل العربي» المنفصل الذي تتقاذفه الأمواج، أما العقل المسلم، فقد دخل في غيبوبة طويلة لا يُعلم متى سيفيق منها. وللحديث صلة.
690
| 04 أكتوبر 2023
في بحثنا في الظروف التي شكلت العقل العربي المسلم الحديث، مررنا سريعا بمحطات مهمة اعترت فيها العقلية الإسلامية مراحل من التخلي التدريجي عن جوهر الإسلام أو المنهج القويم الذي كان سببا أساسيا في نهوض المسلمين، وأدى التخلي عنه لتخلفهم المهين. وحدث هذا التخلي التدريجي، على مستوى القمة، تحت وطأة قوى الإرجاف التي كانت ومازالت تعمل بلا كلل ولا ملل للإجهاز على الأمة. وسنعرض لنشاطها المعاصر لاحقا. ولعلنا نقف بتفصيل أكبر عند مرحلة الدولة العثمانية فالأمر لم يقف عند تحريم المطبعة والأسطرلاب، بل سيصل إلى وقف التحديث في كل شيء، تقريبا، بما في ذلك الأسلحة المتقدمة بحجة أنها من البدع والضلالات، لدرجة أن محمد علي باشا والي مصر، سيرسل رسالة إلى الخليفة في زمنه، السلطان محمود الثاني، يحثه فيها أن يحاكي التحديثات التي يدخلها في مصر ومحذرا إياه من سوء العواقب، لكن السلطان المقيد بالحرس القديم المتمثل في الشيوخ الرجعيين والإنكشارية سيفشل في التحرك بالسرعة الكافية، بل إنه سيتخذ من محمد علي عدوا بدلا من الأوروبيين. ويروي كتاب «التجربة الإصلاحية لمحمد علي باشا في بنـــاء دولة مصرية حـــديثة» كيف أن الباشا لم يستعن بضباط أتراك لتدريب جيشه الحديث في مصر لأن الجيش العثماني لم يكن أهلا لذلك. حتى أنه عندما وصلت الرحلة إلى السلطان كانت السفينة توشك على الغرق، وتملك منها العدو الخارجي، وكان الموت مسألة وقت. وليس هذا إلا لأن من كانوا وراء هذه المسيرة الطويلة من الهدم المنظم للكيان الإسلامي كانوا أكثر صبرا ومثابرة على تنفيذ خططهم لدرجة أنهم تدخلوا ضد محمد علي عندما بدا أنه قد يغلب على السلطة في اسطنبول ويتولى الخلافة. وستشهد تلك الفترة تطورات جوهرية في مستقبل الكيان الإسلامي وتشكيل العقل المسلم، سِمَتُها الكبرى التدخل الخارجي المعلن في صياغة وصناعة الاثنين معا. فنتيجة التردي والضعف العثماني الذي سيُعجز اسطنبول عن إخماد حركة التمرد في اليونان، التي كانت بتحريض غربي، سيطلب الباب العالي من محمد علي إنقاذ الموقف بوعد إضافة بلاد الشام إلى ولايته. ومع انتهاء الحرب بالخسارة نتيجة التدخل الأوروبي ضد المسملين في معركة نافارين الشهيرة، 1827، بعد انتصارات إبراهيم باشا الأولية على اليونانيين، لن يفي السلطان بوعده، ما سيدفع محمد علي، الطامح، للاستيلاء على الأراضي الموعودة بالقوة، ما سيؤدي لتدخلات خارجية خطيرة. المدهش أنه حتى عندما سيبدأ محمود الثاني في اعتماد تحديثات، لإصلاح الجيش، منها القضاء على الإنكشارية، 1826، لن يكون ذلك استجابة لدعوات محمد علي، بل تخوفا منه، مما سيوقع السلطنة العثمانية في براثن القوى الغربية التي ستمد للأستانة يد العون المشروط والذي سيودي بالسلطنة في النهاية. ففي زمن ابنه عبد المجيد الأول، في عام 1839، ستعتمد السلطنة تحديثات سيطلق عليها مسمى «تنظيمات» ستقوض سلطة الدولة، سيصيغها باشوات، درسوا في أوروبا وتشبعوا بمبادئها وحملوا أفكار ما سُمي النهضة الأوروبية، ومستشارون فرنسيون سيضعون شروطا مذلة، لا يستطيع الخليفة تغييرها أو إلغاءها إلا بموافقة الدول الكبرى. لكن القشة التي قصمت ظهر السلطنة، أن تلك التنظيمات أو التحديثات، أدخلت أمرا جللا على الأمة، كان كفيلا بزوالها. هذا الأمر هو أن تلك القوانين التي كُللت بما سمي دستور مدحت باشا لعام 1876 تخلت للمرة الأولى في عمر دولة الخلافة عن الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع واعتمدت بدلا منها مصادر وضعية مثل مبادئ الثورة الفرنسية. وكانت المادة 11 هي الوحيدة التي ذكرت الإسلام بأنه دين الدولة مع التعهد باحترام الأديان الأخرى. وسيتسبب الدستور في كبح سلطات السلطان، الذي تولى بعدما أطاح المتنفذون الجدد، ومنهم عناصر الاتحاد والترقي، بسلفه لأنه لم يواكب تطلعاتهم، لتبدأ الدول الغربية في تنفيذ الضربة القاضية لإنهاء الخلافة برمتها، حيث ستنشط حركة الإرجاف في بث الفرقة والصراع بين مكونات الإمبراطورية. وللحديث صلة.
1668
| 27 سبتمبر 2023
وقفنا سابقا عند جريمة العزوبية التي ارتكبت بحق الإنكشارية وفق نظام «الدوشرمة»، أو «ضريبة الغلمان»، وبمقتضاه كان العثمانيون يأخذون نسبة من أطفال الشعوب الأوروبية التي تخضع لهم ليتولوا تربيتهم كمحاربين مسلمين، وفق مصادر عدة منها كتاب د. إيناس سعدي (تاريخ العراق الحديث). وقيل إنهم كانوا يُنتزعون من أسرهم وأحيانا بموافقتهم كونهم يحصلون على المكانة العالية والثروة. لكن مقابل ذلك كان يحظر عليهم الزواج، ليتفرغوا للجندية، وهو ما خلق ظروفا غير سوية أدت إلى مشاركتهم في عزل 12 سلطانا وقتل عدد كبير آخر، وإثارة حالة مزمنة من الفوضى. وهكذا فإن قوانين كثيرة مثل «الدوشرمة» تُتَوجها مكائد النساء، في سلطنات متعاقبة، كانت بمنزلة طعنات قاتلة للعقل والكيان الإسلامي. لكن نكمل مع كتاب إلهام كاظم الذي يوضح كيف أقنعت روكسلانة السلطان بجلب اليهود، الفارين من إسبانيا زمن محاكم التفتيش، بأعداد كبيرة لأراضي الدولة العثمانية. ما يعزز القول بأنه رغم الإنجازات التي حققها القانوني، إلا أن عهده يعد البداية الفعلية لانهيار الإمبراطورية، بسبب ما قامت به روكسلانة، (وغيرها كثيرات، وخاصة السلطانة صفية)، من دسائس ومؤامرات قضت من خلالها على دور السلطان ، وبذرت الفتنة بين السلاطين وذرياتهم، ناهيك عن استخدام دلالها على السلطان لإيصال اليهود لأجهزة الدولة الحساسة حيث عاثوا فيها فسادا، بعدما وصلوا لأعلى المناصب، وكانوا وراء قرارات خطيرة ستساهم في تراجع مكانة السلطنة وهدمها. وقد أدى ذلك إلى تداعيات كارثية تمثلت في وقف مسيرة العلم على يد حريم السلاطين المتأخرين وخلصائهن. يوضح ذلك حادثتان شهيرتان وحاسمتان، أديتا إلى سجن العقل العربي المسلم في سجن الخرافة والشعوذات التي كان خلصه منها الإسلام، هما تحريم المطبعة والمرصد والأسطرلاب. فقد حُرمت المطبعة الحديثة التي ظهرت عام 1440، بفرمان بايزيد الثاني الذي خلف الفاتح، بدعوى أن الحرف العربي مقدس، وذلك أواخر القرن التاسع، (886 هـ 1481م)، ولم يُسمح بالعمل بها إلا لغير المسلمين! لتصبح احتكارا يهوديا!. وعندما سمح السلطان أحمد الثالث بالمطبعة، في 1727، لم يدُم الأمر طويلا حيث قاد ضابط انكشاري اسمه خليل باتروني، بعد سنوات قليلة، ثورة لإحراق المطابع انتهت بعزل السلطان. أي أن المطبعة ظلت محرمة لأكثر من قرنين، استثمرها غير المسلمين لإحداث فارق معرفي كبير يفسر انهيار صاروخ الإسلام وصعود الغرب. والمعروف أن المطبعة، آنذاك، كانت بمنزلة الإنترنت في عصرنا الحالي، بدونها يتوقف العالم وينزوي ويتخلف. والعجيب أن كل ذلك حدث رغم أن الدولة العباسية، زمن جعفر المنصور، لم تُحرم المطبعة، وكانت تستخدم طرقا أولية للطباعة، ستنقلها عائلة تسمى عائلة ميديتشي المصرفية من مصر، لاحقا، إلى أوروبا (بحسب المؤرخ تامر الزغاري) ليسرقها يوحنا جوتنبرغ ويطور بها المطبعة الحديثة. أما قصة تحريم الأسطرلاب فتوضح خطورة درجة الشعوذة التي كان قد وصل إليها العقل المسلم آنذاك وتقول إن مُنشئ الأسطرلاب اسمه تقي الدين، وإنه أنجزه في عهد السلطان مراد الثالث، صاحب السلطانة صفية، تلك التي قتلت من أبناء السلطان من محظياته الأخريات ما قتلت ثم مكنت للإنجليز ما مكنت، ولا يُستبعد أنها كانت وراء تحريم الأسطرلاب أيضا. ففور انتهاء تقي الدين من بناء المرصد والأسطرلاب، وتزويده بآلات حديثة اخترعها بنفسه، وظهور نتائج عمله ستتوجه مجموعة ممن يُسمون علماء المسلمين آنذاك، وعلى رأسهم شيخ الإسلام قاضي زاده شمس الدين، (أجمعت المصادر على أنه وأباه من عتقاء موالي الروم، أي أن أصوله ليست إسلامية راسخة، علاوة على كونه من العبيد)، ليقنعوا السلطان بحرمة ذاك المرصد، وبأن «تقي الدين مشرك يسعى لمعرفة الغيب»، حتى سمح السلطان بهدمه، وأوكلت المهمة للانكشارية، بحسب المؤرخ إينالجيك. وبحسب مؤرخين منهم أوزتونا وإينالجيك، فإن تلك الفترة لم تشهد فقط تحريم المطبعة والاسطرلاب، بل إهمال العلم والعلماء، في إطار جريمة منظمة استهدفت وقف كل أشكال التحديث بذريعة أنه حرام. وكان وراء ذلك، حريم السلطان، والانكشارية، وشيوخ عليهم علامات استفهام خطيرة، منهم أبو السعود أفندي الذي سيُفتي للقانوني بقتل عدد من أبنائه ولابنه بايزيد الثاني بالشيء نفسه، بينما لم يُجِزْ قطع شجرة خوفا على نمل يسكنها!. وقد أدى تحريم المطبعة وغيرها آنذاك إلى تخريب العقل العربي المسلم وغيابه عن مسيرة الحضارة بينما ستنتعش الثقافة الأوروبية باطراد، وهو ما رصدته الباحثة الأمريكية إليزابيث إيزنشتاين في كتاب بعنوان «الطباعة عامل التغيير». أما قصة وقف التحديث العسكري فحديث آخر له صلة، بإذن الله.
2766
| 13 سبتمبر 2023
بعدما وصل العقل العربي المسلم إلى قمة الإبداع الحضاري في القرون الأولى، سنجد أن آثار ضربات قوى الإرجاف المدمرة عليه ستبدأ في الظهور، في نهاية القرن الخامس. وذلك عندما ستبدأ مظاهر «الوهن» التي مارسها بعض خلفاء بني أمية وبني العباس تترك آثارها على مسيرة تشكيل ذلك العقل، ولتبدأ مراحل الانهيار مع قدوم الاحتلال الصليبي ثم التتري. فبابتعاد العقل العربي المسلم عن المنهج القويم تسارع انفراط عقد أفكاره، وصار تدبيره من وضعه وليس من وحيه. وكان من تداعيات ذلك اسْتِعار نوبات الصراع على الحكم بين أفراد الأسرة الحاكمة الواحدة، في نظام الملك العضود. وستخلق هذه الآفة جرائم مزمنة في الكيان الإسلامي، كلها نتيجة الفكر الوضعي، منها جريمة سُميت في زمن السلطنة العثمانية «قانون قتل الإخوة»، وإن كانت ممارستها قد حدثت فعليا في كل الدول التي شهدها التاريخ الإسلامي. وذلك على خلافٍ إزاء حقيقة ذاك القانون وتفسيره، وعلى نسبته إلى السلطان محمد الفاتح، وفق كتاب «تاريخ الدولة العلية» للسياسي المصري الراحل محمد فريد. كما سيُنسب إلى الفاتح أيضا أنه هو أول من عمل بقانون ما يسمى «ضريبة الدم في الحريم» أي ألا يتزوج السلاطين وأن يتخذوا جواريهم محظيات ينجبون منهن أبناءهم، حتى كان آخر سلطان أمه ليست أجنبية هو سليمان القانوني. وأرجع مؤرخون نظام المحظيات ذاك إلى هزيمة بايزيد الأول على يد تيمورلنك (1402) الذي جعل زوجة بايزيد تخدمه عارية في حفل انتصاره، وجعل بايزيد يموت كمدا في الأسر. وبمقتضى «قانون قتل الإخوة»، ونظام آخر مخفف سُمي «شمشيرلك» أو «نظام الأقفاص»، (بمقتضاه بدأ منع الأمراء من تولي الإمارات المختلفة في الدولة للتدرب على الحكم، وحبسهم في أجنحة داخل القصور حتى الموت أو ربما تولي الحكم، وفقا لكتاب تشكيلات السراي، للمؤرخ إسماعيل حقي)، استباح سلاطين وخلفاء أرواح أعداد كبيرة من الأمراء بلا ذنب ولا جريرة، حتى نضب معين الحكام الصالحين للحكم وصار الأمر للحريم. وقد صَبَغَت نوبات الصراع على الحكم وإدارتها بمكائد النساء، ودسائس الوشاة والاغتيالات، فتراتٍ طويلة من حكم المُلك العضود، أدخلت دولة الإسلام في عصور ظلام طويلة. وكانت حدتها تتزايد بمرور الوقت. فقد كان الخلفاء والسلاطين يتولون السلطة أطفالا أو صغارا، ويموتون أو يقتلون صغارا أيضا، مما فت في عضد الدولة وأشاع فيها الفوضى. مثلا، في أواخر دولة السلاجقة، وبعد وفاة ملكشاه ابن ألب أرسلان، تولى ابنه محمود ذو السنوات الأربع، فملكت أمه توركان زمام أموره وخاضت في كثير من المكائد ضد إخوته وأقربائه من أجل تثبيت ملكه. وقُتل في ذلك كثير من الأمراء وغيرهم، بل هي ذاتها وابنها الصغير، وفق «الكامل في التاريخ» لابن الأثير. بل إن مكائد توركان كان من ضحاياها الوزير نظام المُلك، كونه انتقد نفوذها في كتابه الشهير في فنون الحكم «سياست نامه» (سيَر الملوك). وورد أن توركان تعاونت مع الحشاشين لقتله. وفي عصور لاحقة تفاقمت الأمور على نحو أخطر. ولا يوضحها بجلاء إلا مثال «السلطانة صفية»، التي تُلخص قصتها كيف أن السلطنة العثمانية في فترات طويلة، وخصوصا بعد رحيل السلطان القانوني، انفرد بإدارتها نساء الحرملك وخُلصاؤهن. صفية تلك كانت جارية من أصل أوروبي. اشترتها إحدى «الجواري السلطانات» عام 1563، وستصبح لاحقا محظية للسلطان مراد الثالث. ولتكون هي المتصرفة الوحيدة في السلطنة ستقوم صفية بقتل 18 وفي قول آخر 19 من أبناء السلطان الذكور حتى يخلو المسرح لابنها محمد الثالث لتولي العرش. بل قيل إنها قتلت نحو 20 من بنات مراد الثالث لنفس السبب. وقد فعلت ذلك بمساعدة المندسين في القصر، والأهم بضعف السلطان أمامها بسبب عشقه لها! (الوهن). وذكر مؤرخون عدة، منهم يلمظ أوزتونا، إنها هي التي كانت وراء «نظام الأقفاص». لكن صفية لم تكن بدعا في ذلك فقد سبقتها خورم محظية القانوني، ونوبارنو محظية ابنه سليم الثاني، أم زوجها مراد الثالث، في فعل أمور مشابهة. بل إن صفية تلك والرواية ما زالت ليلمظ أوزتونا ستكون وراء منح بريطانيا تسهيلات وامتيازات تجارية في الموانئ التركية ستكون سببا في اتساع الإمبراطورية البريطانية وأفول العثمانية. وهذه لحظة تاريخية مهمة توضح أحد أهم أسباب التراجع الإسلامي، لم يتوقف عندها الباحثون بما يكفي أيضا. هنا نستشهد على ما تقدم بكتاب (إسماعيل ياغي، الدولة العثمانية في التاريخ الإسلامي الحديث) الذي يقول: بداية انهيار الدولة العثمانية كانت في حقبة السلطان القانوني... بعدما شهدت السلطنة تراجعا كبيرا على كل المستويات لأكثر من قرنين اعتلى خلالها العرش 17 سلطاناً، حكم بعضهم لفترة وجيزة، واعتلى بعضهم العرش وهم أطفال. ويضيف: وكان صغر أعمار بعض السلاطين في تلك الحقبة فرصة لحكم النساء (حريم السلطان) وسيطرتهن على شؤون الدولة ما أدى لضعف الجيش العثماني نتيجة عدم قيادة السلاطين للجيوش كما كان في الماضي. وضعفت الدولة في ظل انغماس الكثير من السلاطين في الملذات وافتقارهم للكفاءة وانتشار الفساد داخل الجيش الانكشاري». تلك الانكشارية سيكون لها دور خطير في مهزلة التلاعب بالسلاطين، انتقاما فيما يبدو لجريمة «العزوبية»، التي ارتكبت بحقهم. وللحديث صلة.
1971
| 06 سبتمبر 2023
تناولنا بعض أمثلة على تأثير التفلسف والإرجاف في تخريب العقل العربي المسلم بجعله يستبدل الخرافة بالإيمان، ودفعه للتعلق بالشعوذات، ثم لاحقا لليأس واللامبالاة. وكانت النتيجة الحتمية أن يتخلى ذلك العقل عن المنطق السليم وبالتالي عن أهم عوامل تقدمه، العلم المادي، الذي لا تتقدم الحياة بدونه، والذي أحدث الفارق الحقيقي في نهضة الأمة. وقد رصد المفكر الإسلامي الراحل علي عزت بيجوفيتش ذلك في كتابه «عوائق النهضة الإسلامية» بقوله: «ظهر الإسلام سنة 610 م بين قبائل جاهلة بعيدة عن الحضارة، ولكن بعد 100 سنة فقط وقفت جيوش المسلمين عند أسوار باريس. فلنتأمل بركان الحياة هذا وما جرى في هذه الوثبة العملاقة، بقوة الدين والعلم فقط. لقد استوعب المسلمون علوم الشعوب الأخرى. وأثْرَوْهَا ونقلوها للآخرين، وما ذلك إلا بفضل تعاليم الإسلام. إما أن يهدم الدينُ الخرافة أو تهدم الخرافةُ الدين». وعندما فسد الدين أو أُفسد وتخلى العقل عن العلم، سادت الخرافة. وكانت الخسائر العلمية هي الضرر الأهم وراء تراجع الأمة وتخلفها. فالدماء على فداحتها لا توقف مسيرة التقدم بقدر ما تحرم الأمة من عدد من الفقهاء أو المقاتلين، يمكن تعويضهم. فقتل 70 من حفظة القرآن عند بئر معونة، واستشهاد ألوف غيرهم في الفتوحات، مثلا، لم يوقف صعود الإسلام. أما السقوط في شعوذات الإرجاف والفلسفة، والتخلي عن العلم، فكان كفيلا بهدم العقل الجمعي للأمة، ومحو منافع الحضارة، والسقوط من القمة إلى القاع. وقبل الاستفاضة في شرح أضرار الخسائر العلمية تجب الإشارة إلى أن سقوط العقل العربي المسلم في تلك الهوة السحيقة من الضلالات والصراعات الداخلية، فتح بابا آخر لشر أكبر، هو التدخل الخارجي المسلح. من ذلك الحملات الصليبية، بداية من أواخر القرن الخامس، ثم التترية أوائل القرن السابع. ولو أن الأمر وقف عند الأمراض الداخلية لربما أمكن علاجها بمرور الوقت على يد مصلح من المصلحين، لكن قدوم العدو الخارجي، عبر مراحل زمنية متتالية، وتحكمه في قدر كبير من مصائرنا، وخصوصا في القرنين الأخيرين، جعل الأمة كلها مرتهنة بل سجينة إرادة المحتل الخارجي، الذي فرض عليها التخلف، ومنعها، عبر نظم وإجراءات جائرة، من الأخذ بأسباب التقدم والنمو الحقيقي. وهذا ينطبق على دولة الإسلام في الأندلس أيضا. فعندما لاحظ العدو المتربص انشغال أهل الأندلس حكاما ومحكومين بالترف وحب الدنيا بدأ بمهاجمتهم وافتراسهم، ضمن ما سُمي حروب الاسترداد، فكانت طليطلة أول الممالك الساقطة في أيديهم عام 478 هـ، أي في نفس زمن هجوم الصليبيين على الشرق، والذين احتلوا القدس للمرة الأولى عام 492 هـ. وهنا نلحظ أن التشرذم ضرب دولة الإسلام شرقا وغربا، تزامناً، ولنفس السبب، الوهن. ففي الغرب ظهر ملوك الطوائف. وفي الشرق، استقل كل حاكم منطقة بملكه، فعليا، وإن بقيت الخلافة مجرد اسم فقط.إذن، بعدما وصل العقل العربي المسلم إلى قمة الإبداع الحضاري في القرون الأولى، وصاروخ الإسلام صاعد بكل قوته، سنجد أن آثار ضربات قوى الإرجاف المدمرة عليه ستبدأ في الظهور، في نهاية القرن الخامس، مما سيجعله يبدأ في الهبوط والتردي. كيف؟ كان الوهن قد بلغ مبلغا جعل الملوك والسلاطين يوغلون في الاغتراف من عَرَض الدنيا، فيبالغون في الترف وبناء القصور وتزيينها، واستحضار المرتزقة من أجناس أخرى، واستجلاب أجمل النساء، من كل مكان، بغض النظر عن مدى إخلاصهن أو إسلامهن، إضافة إلى الاستعانة بمساعدين وخُلصاء من غير المسلمين والمندسين. وقد سهّل ذلك تسلل الكثير من اليهود والخبثاء والمتآمرين إلى أعلى طبقات الحكم في الدولة الإسلامية. وللحديث صلة.
843
| 31 أغسطس 2023
انتهينا سابقا إلى أن الفلسفة الوضعية كانت الباب الذي دخلت علينا منه كل الشرور. وبتعريف الفلسفة من منظور إسلامي، بأنها شكل من أشكال الغلو فيكون المولي عز وجل قد حذر منها في أكثر من آية، منها «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ». وبهذا ينطبق عليها ما جاء في «فتح الباري» لابن حجر العسقلاني، في وصْفه التنطع، أنها «تكلُّف الفصاحة في الكلام، واستخدام غريب الألفاظ، والبحث عن أمور مغيبة وَرَدَ الشرع بالإيمان وترك كيفيتها». وهنا يكون الرسول الكريم ﷺ أيضا قد حذر منها في أحاديث كثيرة منها (هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ). ومنها أيضا قصة المنافق المتنطع الذي جاءه ﷺ فقال له اعدل يا محمد، وقصته معروفة وظهرت تجلياتها في الفتنة الكبرى. كما تنبه لهذه العملية التخريبية علماء الإسلام، فقال الشافعي (القرن الثاني) «حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالنعال». لكن عندما تصدى لها الإمام أبو حامد الغزالي، بقوة، أواخر القرن الخامس، كان شرها قد استفحل، وأصاب عقل الأمة. بل وُجد في ذاك الزمان وبعده، مِن المسلمين والمستشرقين، من يخالفه، وينصر الفلسفة والمتفلسفين، أمثال ابن رشد. لكن صار الإجماع إلى عدم جواز الاشتغال بالفلسفة إلا لبيان ضلالها، مع تفضيل الابتعاد عنها بالكلية، إذ قيل إن الغزالي نفسه لم يسلم من أفكارها رغم محاربته لها. على كلٍ، دخلت الفلسفة الغربية إلى العقل الإسلامي لتصب الزيت على نار التشويه الفكري الذي كان قد أحدثه ابن سبأ، من إدخال التنطع والتشبيه والتجسيم على الفكر الإسلامي، والذي تشعب من أراجيفه وتلفيقه كل ما ظهر في تاريخنا بعده من فرق ضالة، مثل الخوارج والشيعة والمعتزلة والباطنية والقدرية والجبرية، وتفريعاتها، والتي جمعها المستشرق يوهانس هالم تحت مسمى الغنوصية في الإسلام، وأثبت أنها من أصل واحد، كما أشرت سابقا. وقد سبقه وسبق غيره في ذلك أبو الفتح الشهرستاني، في القرن السادس، في كتابه الموسوعي «الملل والنحل» الذي فصّلها تفصيلا موسوعيا وردها جميعا إلى فتنة إبليس اللعين، وجداله مع الملائكة. وقبل الخوض أكثر في هذا البحث أود أن أوضح أنه ليس بحثا دينيا ولا تاريخيا، لكنه يأخذ من الدين والتاريخ بقدر ما يوضح الخط الناظم له وهو تتبع كيفية تشكُّل العقل العربي المسلم وكيفية تأثره سلبا بحوادث الإرجاف والتشويه وأن هذا هو السبب المُبِكر والرئيس وراء تخلف الأمة، وأن الانهيار لم يبدأ فجأة في القرن الخامس. كما سنوضح لاحقا أن العقل العربي انفصل في وقتنا الحاضر عن العقل المسلم وعاد كما كان قبل أن يدخل عليه الإسلام بدرجة كبيرة. وقد فند د. علي سامي النشار في كتابه «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» زيف الهالة التي أحاطت الفلسفة اليونانية لقرون. كما بين أن أمثال الكِندي (الذي يعد مؤسس ما سُمي بالفلسفة الإسلامية) والفارابي وابن سينا وابن رشد كانوا فلاسفة مسلمين لكنهم لم يعبروا عن فلسفة إسلامية حقيقية، بل عن فلسفة يونانية محضة كليا وجزئيا. وأوضح أن ما يمكن تسميته فلسفة إسلامية هو، مثلا، علم أصول الفقه، وعلم الحِجاج أو علم الكلام، وعلم الاجتماع، والجرح والتعديل. لذلك سنجد أنه وقع خلط كبير في مسمى الفلسفة الإسلامية حتى وقتنا الراهن. هنا نصل إلى الأضرار التي أصابت الأمة جراء عملية التشويه المنظمة التي بدأها ابن سبأ وقبيله ولم تتوقف للآن، ويمكن وضعها تحت عناوين أربعة كبرى، هي الخسائر الفكرية، والخسائر البشرية، والخسائر العلمية، والخسائر المادية. فمع تعدد النحَل وكثرة التلبيس والإرجاف شهدت الأمة فترات كان يصعُب فيها تحديد مذهب الرجل أو العالم من العلماء، حتى اختلط حابل الأفكار بنابلها، وتشوهت عقول الكثير. والأخطر أن كثيرا من تلك الفرق، إما استحوذت على رأس السلطة (المأمون مثالا)، أو لجأت إلى السلاح والعنف لفرض آرائها. وكان أولها الخوارج بما أثاره ابن سبأ من نزاعات وحروب واغتيالات، وانقلابه على سلطة الخلافة ذاتها. حتى إن المرء ليعجب من كم الدماء التي أريقت في صفوف المسلمين والتي أحسب أن عدد ضحاياها يفوق عدد من استشهدوا في حروب الأعداء أضعافا مضاعفة. وكان من أخطر تلك الفرق الرافضة، وحربهم على الدين كله، والمعتزلة الذين أثاروا فتنة خلق القرآن، والباطنية الذين تفرع منهم القرامطة الذين اعتدوا على الحرم وسرقوا الحجر الأسود، والإسماعيلية الحشاشين الذين أعملوا القتل في أبناء وعلماء الأمة ولم يوقروا عالما ولا مُصلحاً، حتى نظام الملك الوزير الأشهر صاحب النهضة التعليمية لدى السلاجقة، وحاولوا قتل صلاح الدين الأيوبي، واستولوا على مناطق كبيرة من الدولة الإسلامية مما هز استقرارها، وأهدر أرزاقها. الطامّةُ أن الفتنة لم تقف عند صراع الفِرق بل إنها ضربت أبناء الفرقة الواحدة. من ذلك شيوع الاختلافات بين الحنفية والشافعية من أهل السنة، مثلا، حتى وصل الأمر في القرن السادس أنهم لم يكونوا يتزاوجون. بل أوردت كتب التراث أن المسجد الحرام كان به آنذاك مقام منفصل لأصحاب كل مذهب، من الأربعة، يُصلّون إليه. وقد كان من نتيجة تلك الشعوذات التي تسللت إلى عقل الأمة أن تراجع العلم والإيمان وحل محلهما الجهل والتطير. فمثلا عندما دخل التتار بغداد، (القرن السابع)، كان كثيرون ممن يلوذون بالشعوذة ويتعلقون بالأولياء يقولون «ياخائفين من التتر لوذوا بقبر أبي عمر». وفي مصر، لاحقا، كانوا يشيعون أن الإنجليز لن يتمكنوا من احتلالها وفيها قبور أولئك الأولياء المشهورين. لكن ذلك لم يمنع سقوط بغداد ولا ذبح أعداد هائلة من سكانها، ولا من احتلال مصر والعالم الإسلامي كله، وهو ما رصده بيجوفيتش في كتابه «عوائق النهضة الإسلامية». وللحديث صلة.
2226
| 23 أغسطس 2023
فيما سبق حاولنا استكشاف البيئة التي نشأ فيها العقل العربي المسلم والتي ملأها المرجفون بالفتن والدسائس للقضاء على الإسلام في مهده بحيث لم يتركوا فرصة لذلك العقل لكي يفكر إلا في تثبيت دعائم الحكم. إذا كان أهم ما يُشكل العقل، أي عقل، هو العلم والثقافة، فسنجد أن العقل العربي المسلم قاوم تلك الفتن بفطرته السليمة وبمقتضى مهمته القويمة. فنجد أن حركة بناء الكيان الإسلامي على الأسس العلمية والحضارية بدأت مبكرا مع الخليفة عمر الذي استفاد من النظم الإدارية للفرس، واستمر ذلك مع عثمان وعلي. لكن مع الاستقرار النسبي الذي بدأ مع حكم معاوية، وإن تحول إلى ملك عضود، فقد بدأت الاستفادة من علوم الأمم الأخرى تنشط وتنطلق، من خلال الترجمة، إلى آفاق النمو الذي يتناسب مع انطلاقة صاروخ الإسلام الصاعد. لكن مع هذه الحركة العلمية والثقافية المتقدة سارت مكائد الإرجاف بخطى لا تقل سرعة وحماسة لتشويه ذلك العقل الذي شكله، للتو، الرسول الكريم ﷺ. فظهرت لدينا ما سُميت «الفلسفة الإسلامية» التي ستقوّض، ولو بعد حين، جُل ما حصله العقل العربي المسلم من علوم وتقدم لترده إلى عقلية الشعوذة والتخلف، والتي لم يتخلص منها للآن نتيجة سجنه في سجن «الاستخراب» العالمي الذي جعل التخلف فرضا عليه وليس مجرد عملية تشويه وإفساد. هنا سنجد أن اللحظة التي ستكون سببا في الهبوط التدريجي لصاروخ الإسلام، هي تلك التي بدأ فيها المسلمون بالتخلي عن جوهر العقل المسلم المتمثل في نظام تفكيره وحياته، ألا وهي سنة الرسول الكريم ﷺ، ليعود إلى الجهالة والشعوذات. ولعل التاريخ حافل بنماذج وأمثلة كثيرة على هذا التحول لكن مواقف مهمة في سيرتي عمر ومعاوية توضح بجلاء بداية التحول. عندما ذهب عمر لاستلام مفاتيح القدس توجه إليها بثوب مُرقعٍ ربما أقل بهاء من ثوب خادمه. بل إنه كان يتبادل ركوب راحلته مع الخادم غير آنف ولا متكبر، حتى تمرغت رجلاه بالوحل. كما أنه عندما وصل هناك جلس على الأرض لتناول طعامه فإذا وقع منه شيء التقطه وأكله. بالمقابل، وهنا مربط الفرس، كان بعض مرافقيه ومنهم معاوية يشيرون إليه، ألا يفعل تلك التصرفات حتى لا يحقِرَه أهل القدس. فيرد عليهم بقولته الشهيرة، «أأترك سنة رسول الله ﷺ من أجل هؤلاء الأجلاف»، إننا قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله. والعجيب أن ما فعله عمر تحديدا كان هو السر وراء الفتح، سِلْمَا، إذ أخبره صفرونيوس بطريرك القدس إنه يجد فيه كل علامات الرجل الذي يتسلم مفاتيح القدس، ومنها الثوب المرقع ب 17 رقعة. وقد سجل أهل القدس تلك اللحظات في مخطوطات يونانية في دير المصلبة مع رسم يوضح هيئة عمر يومها. وأورد د. محمد حسين هيكل في كتابه الموسوعي « الفاروق عمر» أن عمر نهَرَ قادته، ومنهم معاوية وخالد وأبو عبيدة، لما رآهم يستقبلونه وعليهم الديباج، وقال لهم «سرُعَ ما لُفِتٌم عن رأيكم!» أي تخليتم عن السنة، مهددا إياهم بعزلهم. بل إنه بكى ليلة الفتح مذكرا بحديث «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أن تبسط الدنيا عليكم». وكيف لا وهو الذي دخل على الرسول الكريم ﷺ، وهو ينتظر حكم الله في زوجاته، فيجده وقد علٌم الحصيرُ في جسده الشريف فيقول له، باكيا، إن كسرى وقيصر فيما هم فيه وأنت رسول الله، فيقول له ﷺ ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة. وجاء في طبقات ابن سعد أن عمر علا معاوية بالدرة، مرة، لما رآه معجبا بنفسه. ورغم ذلك فسيعيد معاوية بناء قصره في دمشق لأن رسول القيصر لم يعجبه بيته، فيرسل له عمر مستنكرا «أقيصرية يامعاوية»؟. هنا تتضح لحظة التحول بجلاء. فمعاوية الذي سيصبح خليفة المسلمين لاحقا سيسكن، ومَنْ بعده، القصور ويسيرون سيرة الفرس والروم في تعظيم حكامهم. ورغم أنه ستكون له إنجازات لا تنكر في بناء الكيان الإسلامي إلا أن ذلك التخلي عن سنة النبي ﷺ في نبذ التَرَفْ سيكون له أثره السلبي في نفوس من سيأتي بعده من حكام باستثناءات قليلة، لينطبق على المسلمين حديث الوهن وحب الدنيا. وعند تلك اللحظة سيبدأ التقليد إعجابا بالآخر لينطبق على الأمة، ولو بعد قرون، حديث الرسول ﷺ الآخر عن اتباع سنن الأولين، حتى دخول جحر الضب. وكان من أخطر الدسائس التي دخلت على المسلمين في ظل هذا التغير الفكري، المصاحب للرغبة في تحصيل علوم الأمم الأخرى، تسرُب الفلسفة الغربية عبر الترجمة ليس كمادة يستفاد منها ولكن كمادة بديلة أو مزاحمة للفكر الإسلامي ذاته. ففي الوقت الذي أطلق معاوية ومَنْ بعده، ومنهم عمر بن عبدالعزيز، حركة الترجمة والنقل، انطلقت أيضا حركات فكرية تشويهية تحدث عنها المستشرق الألماني يوهانس هالم وسماها *الغنوصية في الإسلام*، فيقول:»الغنوصية ظاهرة هرطقية، ظهرت في فترة متأخرة من العصور القديمة، وظهرت بثوب إسلامي بنهاية القرن الأول الهجري، وغلب على مختلف فرقها طابع الغلو والزندقة. وانطلقت من العراق وتركزت في العديد من الفرق.» والأهم أنه يثبت أن الغلو، رغم تعدُد فرقه، يُمثل منذ بداياته وحتى اليوم، تياراً واحداً لتقليد متواصل مبني على أفكار ابن سبأ وقبيله. واذا كانت الفلسفة تُعرّف بأنها وسيلة لتسهيل التفكير وفهم الأشياء فما حاجتنا نحن المسلمين إلى ذلك وعندنا المرجع الذي لا قبله ولا بعده ولا مثله. ولا غرو أن فتح باب الفلسفة الغربية علينا كان هو «صندوق باندورا» الذي دخلت علينا منه كل الشرور. وللحديث صلة.
1764
| 16 أغسطس 2023
بعد وفاة الرسول الكريمﷺ باتت الساحة مفتوحة للمرجفين وباتت وسائل الدفاع أضعف لدى المؤمنين، كانت خطة المؤمنين نشر الإسلام والخير والسلام في أرجاء الأرض، وكانت خطة المرجفين بقيادة ابن السوداء وقبيله، الذين سيتزعمون فيما بعد ما يسمى بالرأسمالية العالمية، هي العكس تماما، لا خير ولا سلام ولا إسلام، ولا دين بالمرة. لذلك فسيكللون جهودهم، بعد ذلك بقرون كما ذكرت سابقا، بإعلان صامت عن نهاية الدين باتفاقية ويستفاليا التي فصَّلنا فيها من قبل، والتي كانت بمثابة الضربة القاضية للنصرانية على المستوى الفعلي والرسمي، بينما تواصلت جهودهم ضدها على المستوى الشعبي. أما الإسلام فلم تتوقف جهودهم لتخريبه وتشويهه حتى اليوم على كل المستويات. في تلك البيئة المضطربة التي أعقبت وفاة الرسول الكريم ﷺ والتي ملأها المرجفون بالأكاذيب والأضاليل بذر أولئك المرجفون بذور الفتنة الكبرى التي ستوجه ضربة خطيرة لانطلاقة صاروخ الإسلام الذي كان في بداية صعوده للأعلى، وهي ستغير الكثير في حياة المسلمين وستكون بمثابة مرحلة فاصلة في التاريخ الإنساني كله. فلولا الاغتيالات والحروب التي دبرها ابن سبأ وقبيله والتي لم تكن لتحدث لولا مؤامراتهم المثبتة في معظم كتب التاريخ، لكان ما نكتبه الآن شيئا آخر. وأحسب أن مصادر التاريخ لم تأت لنا بكل ما أحاط بتلك المؤامرة من تفاصيل. لكن على كل حال فقد أدت في نهايتها إلى انزواء مبدأ الشورى وتحول الحكم الإسلامي إلى ملك عضود بتولي معاوية، بعد تنازل الحسن رضي الله عنه، وهو ما سيكون له أكبر الأثر في تسريع الانهيار، إذ لم يعد الحكم للأصلح بل للوريث. هنا لابد أن نلحظ أن الصاروخ كان ما زال وسيظل مندفعا في طريقه للأعلى لكن قوى الإرجاف والتشويه ستظل تعيق مسيرته بلا كلل ولا ملل. وهنا أيضا، وقبل سبر أغوار تفاصيل عملية التشويه الفكري، التي شكلت عقلنا الحديث والتي سميت زورا بالفلسفة الإسلامية، سيتحتم طرح سؤال مهم هو، من فسد أولا الحاكم أم المحكوم؟، أم أنها مسألة خارجة عن هذا القياس التقليدي؟ والحق أنها مسألة شديدة التعقيد وزادتها الدسائس والمؤامرات تعقيدا. وضمن مرجعيات كثيرة تناولت الموضوع، اعتبر العلامة محمد الغزالي أن الحكم الرشيد هو أول ما انفك من عرى الإسلام مصداقا لحديث الرسول الكريم ﷺ في ذلك. لكن لأن الأمور لم تعد بتلك البساطة، فقد ظهر لي احتمال آخر. فلا شك أن الحاكم والرعية في عهد عمر وعثمان وعلي، وحتى عمر بن عبد العزيز، كان كلاهما على درجة من الخيرية لا تسمح بوقوع تلك الفتن وسيلان كل تلك الدماء. لكن ثلة المرجفين كانت تنفذ خطة بعيدة المدى فتآمرت عليهم وأشاعت فيهم التقتيل والتفرقة. وهذا نموذج فريد لأنه يختلف عن نموذج ثنائية الحاكم الفاسد أو الرعية الفاسدة، فهنا كان كل من الحاكم والرعية صالحين ولكن الثلة الفاسدة أفسدت الوضع كله، وهذا ما رصده المستشرق الألماني هاينس هالم، عبر عدة قرون، في كتاب مهم بعنوان «الغنوصية في الإسلام» سنتوقف معه لاحقا. وما زالت تلك الثلة الطفيلية تفعل فعلها الخبيث في الأمم، تحت مسمى الرأسمالية. تلتف حول مراكز الحكم ورؤوسه فتفسدها أو تتخلص منها في إطار سعيها الحثيث الذي لا يتوقف لإظهار سيادتها على الأرض. وكان لهم في ذلك استراتيجية ثابتة من عناصر أربعة أساسية لا تفارقها هي التشويه، بتغيير الحقائق ومعاكسة النظريات الراسخة، والتحزيب، من باب فرق تسد، والإفساد الذي يصل إلى تغيير خلق الله، والتخفي وهو باب بحث كبير يحتاج إلى إطلاق ما يمكن تسميته علم جرح وتعديل التاريخ. وللحديث صلة.
1737
| 09 أغسطس 2023
كان التشويه الذي أثر في تشكيل عقلنا الحديث له بدايات مبكرة منذ الأيام الأولى للإسلام، وتمثل ذلك في الأراجيف والأضاليل التي اتُهم بابتداعها كعب بن ماتع الحميري المسمى بكعب الأحبار، وتابعه عبد الله ابن سبأ المسمى بابن السوداء، وكلاهما أسلم بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وكان ممن تأثر بهؤلاء خلق كثير غَلوا في التعبد الشكلي وانقلبوا على المسلمين فيما بعد، وخاصة في موقعة النهراوين، ثم في الفتنة الكبرى، وهو ما سنتوقف معه لاحقا. لكن قبله يجب أن نحدد، بما يمكن من دقة، البداية الفعلية للانهيار في صرح الإسلام. وذكرت سابقا أن تلك اللحظة، عندي، كانت لحظة وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، واكتمال الدين. إنها تلك اللحظة التي انقطع فيها الوحي بين السماء والأرض، وأصبح المسلمون موكولين إلى أنفسهم فقط في سنة التدافع مع الغير. فطالما كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) موجودا كانت قوة الدفع موجودة وتتجدد، وقادرة على التغلب على أي دفع مضاد. ولكن بوفاته انقطعت تلك القوة. وباتت القوة الدافعة متذبذبة ومتراجعة حينا بعد حين، إلا من استفاقات محدودة. فما الأسباب الحياتية العملية التي نتج عنها بدء سقوط مسيرة الإسلام بمجرد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟ لا شك أن أحد أهم تلك الأسباب، سيكون غياب المرجع الحاسم الفاصل، فطالما كان موجودا (صلى الله عليه وسلم)، كان يحسم الخلاف ويئد الفتنة في مهدها، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها أنه وأد فتنة المهاجرين والأنصار يوم تشاجر فتيان منهما، خلال غزوة بني المصطلق، في السنة الخامسة للهجرة، فاستنجد كل بقومه فسارع إليهم الرسول الكريم بقوله «دعوها إنها منتنة» أي الفتنة ودعوى الجاهلية. ويبدو أن قوى التشويه بذلت جهودا خارقة خلال تلك الغزوة للنيل من وحدة المسلمين إذ شهدت أيضا حادثة الإفك التي استهدفت الرسول نفسه، لكن لأنه الرسول فقد تحولت الفتنة إلى درس يتعلم منه المسلمون عدم الخوض في الشائعات والأعراض. كما أنه صلى الله عليه وسلم عالج تململ الأنصار يوم حنين في السنة الثامنة للهجرة، عندما أغضبهم عدم حصولهم على شيء من الغنائم، وهي حادثة كانت كفيلة بإسالة دماء كثيرة لولا وجود النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم). بل إن الإرجاف كان متقدا على عهد رسول الله ومنه أراجيف ابن سلول، والذين قالوا «إنما نحن مستهزئون»، والذين سخروا من الرسول والمؤمنين في غزوة تبوك، وكلهم نزل فيهم قرآن يفضح ما قالوا ويوقفهم عند حدهم. لكن حينما انتقل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) إلى جوار ربه، أطلت الفتنة برأسها ولم تسحبها مرة أخرى، وقد ظهر ذلك مباشرة يوم وفاته عند اختيار الخليفة الأول، فقد دب الخلاف بين الأنصار والمهاجرين على الأحقية بالخلافة، وعندما حُسم بأخذ البيعة لأبي بكر، أشاع المرجفون أن عليا لم يبايعه، وهي الفتنة التي بدأت وقتها ولم تنته للآن. هنا نخلص إلى أن الغلو المتعمد الذي أثارته أطراف معينة تدور حول ابن سبأ ذاك هي التي أحدثت بذرة تشويه الفكر الإسلامي وتفريق المسلمين أحزابا وجماعات متطاحنة. وقد كانوا بدأوا بالإرجاف منذ سألتهم قريش أنحن أهدى سبيلا أم محمد، فكذبوا وأيدوهم وهم يعلمون أنهم كاذبون. وقبل أن نكمل مع الإسلام نشير إلى أن فكرة الغلو نفسها هي التي استخدمها أسلاف ابن سبأ لتشويه المسيحية من خلال ابتداع فرية تأليه المسيح وأمه مريم البتول، حيث تذكر مصادر التاريخ أن من يسمى بولس الرسول، وكان يهوديا محاربا لاتباع المسيح ثم تحول إلى مسيحي، هو الذي أدخل فكرة تأليه المسيح على النصرانية. بل يذكر ابن كثير أن الغلو في عيسى لم يقف عنده بل تعداه إلى أتباعه الذين تم ادعاء العصمة لبعضهم. وبنفس الطريقة تقريبا، حاول ابن سبأ إشاعة فرية ألوهية علي وسبقها بفرية عصمته ونبوته ووصايته. لقد كان الابتداع أو الغلو أو تشويه الفكر، دائما، السبب الرئيسي وراء تدمير وانهيار الأمم كما سيتبين معنا لاحقا. وفي حالتنا الإسلامية كان هو سبب ظهور الأفكار والطوائف المخالفة للسنة، فظهرت فرق تأثرت بالتشويه الفكري المسمى بالفلسفة فقدسوا العقل وجعلوه حاكما على الوحي بل قدسوا الفلاسفة وقدموا كلامهم، أحيانا، على كلام النبي والصحابة. وقد جاء في كتاب تلبيس إبليس لأبي الفرج بن الجوزى إن أصول الفرق الضالة ستة هى الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية، وتفرعت عنها فرق كثيرة بجانب أهل السنة والجماعة ليصدق عليها حديث الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم )، تفترق أمتى إلى 73 فرقة، وإن اختلفت رواياته. وللحديث صلة.
1065
| 02 أغسطس 2023
في سعينا لمعرفة كيف تشكل عقلنا الحديث خلال عصور الظلام التي عاشها المسلمون، وصلنا إلى أنه كانت هناك دائما قوى خارجية تكيد للإسلام وتدفع نحو ما تعتقد أنه نهاية التاريخ، وهذه النهاية لا تعني توقف الحياة وإنما انتصار منطقها وسيادة فكرها. هذا ما فسر به مفكرون غربيون يوتوبيا أفلاطون أو مدينته الفاضلة، وهذا ما نُقل عن كارل ماركس في اليوتوبيا الشيوعية، وهذا ما ختم به فرانسيس فوكوياما سلسلة نهايات التاريخ، وإن كان تراجع لاحقا وقال إن نهاية التاريخ عنده لم تعد سيادة الفكرة الليبرالية وإنما سيادة العلم والتكنولوجيا. إذن الفكرة قديمة وبدأت مع عصر الفلسفة أي حوالي القرن السادس قبل الميلاد، مع أن هناك آراء غير مسنودة تُرجع بداية الفلسفة إلى عصر النبي إدريس. هنا أقول إنه لو صح مفهوم نهاية التاريخ بأنه سيادة فكر ما فلن ينطبق ذلك على شيء أكثر من الإسلام وسيادته على الأرض لأكثر من ألف عام. وعلاقة ذلك بتشكيل عقلنا الحديث أن الذين وقفوا وراء فكرة نهاية التاريخ تلك أرادوا أن تكون لهم السيادة، سيادة الفكر وسيادة الزمان. لذلك ستجد أنهم كما حاربوا ما جاء به المسيح ووقفوا وراء تشويهه، كانوا هم أيضا وراء الدس على الإسلام والكيد له. وقد بدأ ذلك مبكرا في مسيرة الإسلام لكنه بلغ مداه المؤثر مع التمهيد للفتنة الكبرى التي كانت بدايتها الحقيقية ليس مع مقتل عثمان بن عفان، ولكن مع محاولات قتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، نفسه، ثم ما قيل عن قتل الخليفة الأول أبي بكر الصديق، الذي ذكرت مصادر أنه مات بالسم، ثم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، ثم الخليفة الثالث عثمان. حدث هذا بعدما كان التشويه الفكري والدس قد وصل إلى مرحلة أججت نفوس الكثيرين واستمالت عقول آخرين لإحداث أول صدع وشق حقيقي في الصف الإسلامي بظهور ما سمي بالخوارج الذين كفَّروا الخليفة الرابع علي بن أبي طالب بناء على معتقدات باطلة وفكر ضال ابتدعوه، أو بالأدق ابتدعه من كان يقف وراء الفتنة. في كتابه «نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام» يرجع علي سامي النشار نشأة الخوارج إلى «طائفة القراء» في عصر النبوة. كما تحدث بعض المستشرقين عن ظهور الخوارج من بين تلك الطائفة، وقت التمرد على عثمان. ومن ثم ظهرت ما تسمى بشيعة علي لدى رجوعه من معركة صفّين. وتذكر لنا المصادر ومنها «تاريخ الرسل والملوك» للطبري أن السبب المحوري وراء ظهور تلك الحركات وإثارتها للفتنة كان الأطماع المادية، خوفا على أعطياتهم، والسلطوية، بالزعم بأن عثمان كان يحابي أقاربه. وقد استفحلت فتنة الخوارج حتى وصلت إلى قتل علي رضي الله عنه ولم تكد تمضي 40 عاما على الهجرة. تلك المصادر وإن حددت الأطماع كأسباب للفتنة إلا أنها لم تذكر هوية من كان يقف وراء تحريك تلك الأطماع واستغلالها لشق صف المسلمين. لكن مصادر أخرى منها الطبري وابن الأثير وابن كثير ذكرت أن عبدالله ابن سبأ، المشهور بابن السوداء، وتاريخه معروف، كان هو المحرك الأساسي وراء الفتنة، وأنه أحدث ومَنْ معه ضلالات وبدعا منها أن الناس تعود للدنيا بعد الموت. ويقطع شيخ الإسلام ابن تيمية بأن ابن سبأ هو أول من بالغ في تقديس علي بدعوى إمامته وصولا إلى تأليهه، وأنه أول من بدأ بتوجيه السب والشتم للصحابة الكرام. كما نُسب إلى ابن سبأ وغيره من أحبار يهود دس كثير من الإسرائيليات على الأحاديث النبوية وأخبار الأولين. وعلاقة هذا ببحثنا هو أن له سابقة في التاريخ إذ إن الثابت كما أورد باحثون منهم د. حربي عباس عطيتو ود. سامي الإمام أن الفيلسوف فيلون السكندري (أواخر القرن الأول قبل الميلاد) الذي يعد أول فيلسوف يهودي، كان مقلدا للفلسفة اليونانية وخلط عن عمد بين التوراة والفلسفة، وقارب بين أقوال الفلاسفة وأنبياء بني إسرائيل. كما يرصد الباحث عباس العلي كيف ابتدع أحبار اليهود الفكر الفلسفي بما غيروا وحرفوا في معتقداتهم ليفرقوا بين الماهية والوجود، ما خلق صراعا فكريا وهميا، ما زال العالم يعاني تبعاته. فهو كما يقول «صراع ساحته الزمن التأريخي من وجود آدم على الأرض وسيطرة الهاجس الزمني عليه كلما مضى جزء منه ليتجه إلى اللاشيئية الحتمية. فالحتمية التأريخية تقود التأريخ وتكتب سيرورة الحدث، لأن نهاية هذه السيرورة نهاية التأريخ وهي نهاية الوجود الماهوي والحسي معا. نهاية التأريخ هي إعلان وفاة العقل ليحل محله اللا شيئية التي تنهي الوجود الحسي كله». من هنا يتضح، وكما أشرت سابقا، فساد الفكر الفلسفي من بدايته إذ اعتمد برمته على ذاك الصراع الفكري الوهمي، الذي لا حاجة حقيقية له في حياة الأمم والشعوب. وأعلن مفكرون كثر، منهم مارتن هيدجر، نهاية صلاحيته، مع التقدم العلمي والمعرفي وانعدام الحاجة للتفلسف. هنا نعود لفتنة ابن سبأ لأنها كانت بداية ما سيعرف لاحقا بعصر الفلسفة الإسلامية الذي تبلور على يد يعقوب الكندي الذي تأثر بفكر واصل بن عطاء المعتزلي وغيره مِمن سُموا بالمتكلمين. لكن إذا كانت هذه بدايات التشويه الذي أثر في تشكيل عقلنا الحديث، فمتى كانت البداية الفعلية للانهيار الذي نراه الآن؟ والإجابة عندي أنها كانت مع اكتمال الدين ووفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فليس بعد الكمال إلا النقص. وللحديث صلة.
1371
| 26 يوليو 2023
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8622
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4269
| 09 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
1368
| 07 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1230
| 11 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
1167
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
1017
| 11 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
951
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
843
| 09 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
705
| 12 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
636
| 12 مارس 2026
ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...
636
| 13 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
609
| 08 مارس 2026
مساحة إعلانية