رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان التشويه الذي أثر في تشكيل عقلنا الحديث له بدايات مبكرة منذ الأيام الأولى للإسلام، وتمثل ذلك في الأراجيف والأضاليل التي اتُهم بابتداعها كعب بن ماتع الحميري المسمى بكعب الأحبار، وتابعه عبد الله ابن سبأ المسمى بابن السوداء، وكلاهما أسلم بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وكان ممن تأثر بهؤلاء خلق كثير غَلوا في التعبد الشكلي وانقلبوا على المسلمين فيما بعد، وخاصة في موقعة النهراوين، ثم في الفتنة الكبرى، وهو ما سنتوقف معه لاحقا. لكن قبله يجب أن نحدد، بما يمكن من دقة، البداية الفعلية للانهيار في صرح الإسلام. وذكرت سابقا أن تلك اللحظة، عندي، كانت لحظة وفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم)، واكتمال الدين. إنها تلك اللحظة التي انقطع فيها الوحي بين السماء والأرض، وأصبح المسلمون موكولين إلى أنفسهم فقط في سنة التدافع مع الغير. فطالما كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) موجودا كانت قوة الدفع موجودة وتتجدد، وقادرة على التغلب على أي دفع مضاد. ولكن بوفاته انقطعت تلك القوة. وباتت القوة الدافعة متذبذبة ومتراجعة حينا بعد حين، إلا من استفاقات محدودة.
فما الأسباب الحياتية العملية التي نتج عنها بدء سقوط مسيرة الإسلام بمجرد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)؟
لا شك أن أحد أهم تلك الأسباب، سيكون غياب المرجع الحاسم الفاصل، فطالما كان موجودا (صلى الله عليه وسلم)، كان يحسم الخلاف ويئد الفتنة في مهدها، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها أنه وأد فتنة المهاجرين والأنصار يوم تشاجر فتيان منهما، خلال غزوة بني المصطلق، في السنة الخامسة للهجرة، فاستنجد كل بقومه فسارع إليهم الرسول الكريم بقوله «دعوها إنها منتنة» أي الفتنة ودعوى الجاهلية.
ويبدو أن قوى التشويه بذلت جهودا خارقة خلال تلك الغزوة للنيل من وحدة المسلمين إذ شهدت أيضا حادثة الإفك التي استهدفت الرسول نفسه، لكن لأنه الرسول فقد تحولت الفتنة إلى درس يتعلم منه المسلمون عدم الخوض في الشائعات والأعراض. كما أنه صلى الله عليه وسلم عالج تململ الأنصار يوم حنين في السنة الثامنة للهجرة، عندما أغضبهم عدم حصولهم على شيء من الغنائم، وهي حادثة كانت كفيلة بإسالة دماء كثيرة لولا وجود النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم).
بل إن الإرجاف كان متقدا على عهد رسول الله ومنه أراجيف ابن سلول، والذين قالوا «إنما نحن مستهزئون»، والذين سخروا من الرسول والمؤمنين في غزوة تبوك، وكلهم نزل فيهم قرآن يفضح ما قالوا ويوقفهم عند حدهم.
لكن حينما انتقل الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) إلى جوار ربه، أطلت الفتنة برأسها ولم تسحبها مرة أخرى، وقد ظهر ذلك مباشرة يوم وفاته عند اختيار الخليفة الأول، فقد دب الخلاف بين الأنصار والمهاجرين على الأحقية بالخلافة، وعندما حُسم بأخذ البيعة لأبي بكر، أشاع المرجفون أن عليا لم يبايعه، وهي الفتنة التي بدأت وقتها ولم تنته للآن.
هنا نخلص إلى أن الغلو المتعمد الذي أثارته أطراف معينة تدور حول ابن سبأ ذاك هي التي أحدثت بذرة تشويه الفكر الإسلامي وتفريق المسلمين أحزابا وجماعات متطاحنة. وقد كانوا بدأوا بالإرجاف منذ سألتهم قريش أنحن أهدى سبيلا أم محمد، فكذبوا وأيدوهم وهم يعلمون أنهم كاذبون. وقبل أن نكمل مع الإسلام نشير إلى أن فكرة الغلو نفسها هي التي استخدمها أسلاف ابن سبأ لتشويه المسيحية من خلال ابتداع فرية تأليه المسيح وأمه مريم البتول، حيث تذكر مصادر التاريخ أن من يسمى بولس الرسول، وكان يهوديا محاربا لاتباع المسيح ثم تحول إلى مسيحي، هو الذي أدخل فكرة تأليه المسيح على النصرانية. بل يذكر ابن كثير أن الغلو في عيسى لم يقف عنده بل تعداه إلى أتباعه الذين تم ادعاء العصمة لبعضهم. وبنفس الطريقة تقريبا، حاول ابن سبأ إشاعة فرية ألوهية علي وسبقها بفرية عصمته ونبوته ووصايته.
لقد كان الابتداع أو الغلو أو تشويه الفكر، دائما، السبب الرئيسي وراء تدمير وانهيار الأمم كما سيتبين معنا لاحقا. وفي حالتنا الإسلامية كان هو سبب ظهور الأفكار والطوائف المخالفة للسنة، فظهرت فرق تأثرت بالتشويه الفكري المسمى بالفلسفة فقدسوا العقل وجعلوه حاكما على الوحي بل قدسوا الفلاسفة وقدموا كلامهم، أحيانا، على كلام النبي والصحابة. وقد جاء في كتاب تلبيس إبليس لأبي الفرج بن الجوزى إن أصول الفرق الضالة ستة هى الحرورية والقدرية والجهمية والمرجئة والرافضة والجبرية، وتفرعت عنها فرق كثيرة بجانب أهل السنة والجماعة ليصدق عليها حديث الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم )، تفترق أمتى إلى 73 فرقة، وإن اختلفت رواياته. وللحديث صلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
15480
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
900
| 17 مارس 2026