رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فيما سبق حاولنا استكشاف البيئة التي نشأ فيها العقل العربي المسلم والتي ملأها المرجفون بالفتن والدسائس للقضاء على الإسلام في مهده بحيث لم يتركوا فرصة لذلك العقل لكي يفكر إلا في تثبيت دعائم الحكم.
إذا كان أهم ما يُشكل العقل، أي عقل، هو العلم والثقافة، فسنجد أن العقل العربي المسلم قاوم تلك الفتن بفطرته السليمة وبمقتضى مهمته القويمة. فنجد أن حركة بناء الكيان الإسلامي على الأسس العلمية والحضارية بدأت مبكرا مع الخليفة عمر الذي استفاد من النظم الإدارية للفرس، واستمر ذلك مع عثمان وعلي. لكن مع الاستقرار النسبي الذي بدأ مع حكم معاوية، وإن تحول إلى ملك عضود، فقد بدأت الاستفادة من علوم الأمم الأخرى تنشط وتنطلق، من خلال الترجمة، إلى آفاق النمو الذي يتناسب مع انطلاقة صاروخ الإسلام الصاعد.
لكن مع هذه الحركة العلمية والثقافية المتقدة سارت مكائد الإرجاف بخطى لا تقل سرعة وحماسة لتشويه ذلك العقل الذي شكله، للتو، الرسول الكريم ﷺ. فظهرت لدينا ما سُميت «الفلسفة الإسلامية» التي ستقوّض، ولو بعد حين، جُل ما حصله العقل العربي المسلم من علوم وتقدم لترده إلى عقلية الشعوذة والتخلف، والتي لم يتخلص منها للآن نتيجة سجنه في سجن «الاستخراب» العالمي الذي جعل التخلف فرضا عليه وليس مجرد عملية تشويه وإفساد.
هنا سنجد أن اللحظة التي ستكون سببا في الهبوط التدريجي لصاروخ الإسلام، هي تلك التي بدأ فيها المسلمون بالتخلي عن جوهر العقل المسلم المتمثل في نظام تفكيره وحياته، ألا وهي سنة الرسول الكريم ﷺ، ليعود إلى الجهالة والشعوذات. ولعل التاريخ حافل بنماذج وأمثلة كثيرة على هذا التحول لكن مواقف مهمة في سيرتي عمر ومعاوية توضح بجلاء بداية التحول.
عندما ذهب عمر لاستلام مفاتيح القدس توجه إليها بثوب مُرقعٍ ربما أقل بهاء من ثوب خادمه. بل إنه كان يتبادل ركوب راحلته مع الخادم غير آنف ولا متكبر، حتى تمرغت رجلاه بالوحل. كما أنه عندما وصل هناك جلس على الأرض لتناول طعامه فإذا وقع منه شيء التقطه وأكله. بالمقابل، وهنا مربط الفرس، كان بعض مرافقيه ومنهم معاوية يشيرون إليه، ألا يفعل تلك التصرفات حتى لا يحقِرَه أهل القدس. فيرد عليهم بقولته الشهيرة، «أأترك سنة رسول الله ﷺ من أجل هؤلاء الأجلاف»، إننا قوم أعزنا الله بالإسلام فإذا ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
والعجيب أن ما فعله عمر تحديدا كان هو السر وراء الفتح، سِلْمَا، إذ أخبره صفرونيوس بطريرك القدس إنه يجد فيه كل علامات الرجل الذي يتسلم مفاتيح القدس، ومنها الثوب المرقع ب 17 رقعة. وقد سجل أهل القدس تلك اللحظات في مخطوطات يونانية في دير المصلبة مع رسم يوضح هيئة عمر يومها.
وأورد د. محمد حسين هيكل في كتابه الموسوعي « الفاروق عمر» أن عمر نهَرَ قادته، ومنهم معاوية وخالد وأبو عبيدة، لما رآهم يستقبلونه وعليهم الديباج، وقال لهم «سرُعَ ما لُفِتٌم عن رأيكم!» أي تخليتم عن السنة، مهددا إياهم بعزلهم. بل إنه بكى ليلة الفتح مذكرا بحديث «ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أن تبسط الدنيا عليكم». وكيف لا وهو الذي دخل على الرسول الكريم ﷺ، وهو ينتظر حكم الله في زوجاته، فيجده وقد علٌم الحصيرُ في جسده الشريف فيقول له، باكيا، إن كسرى وقيصر فيما هم فيه وأنت رسول الله، فيقول له ﷺ ألا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة.
وجاء في طبقات ابن سعد أن عمر علا معاوية بالدرة، مرة، لما رآه معجبا بنفسه. ورغم ذلك فسيعيد معاوية بناء قصره في دمشق لأن رسول القيصر لم يعجبه بيته، فيرسل له عمر مستنكرا «أقيصرية يامعاوية»؟.
هنا تتضح لحظة التحول بجلاء. فمعاوية الذي سيصبح خليفة المسلمين لاحقا سيسكن، ومَنْ بعده، القصور ويسيرون سيرة الفرس والروم في تعظيم حكامهم. ورغم أنه ستكون له إنجازات لا تنكر في بناء الكيان الإسلامي إلا أن ذلك التخلي عن سنة النبي ﷺ في نبذ التَرَفْ سيكون له أثره السلبي في نفوس من سيأتي بعده من حكام باستثناءات قليلة، لينطبق على المسلمين حديث الوهن وحب الدنيا. وعند تلك اللحظة سيبدأ التقليد إعجابا بالآخر لينطبق على الأمة، ولو بعد قرون، حديث الرسول ﷺ الآخر عن اتباع سنن الأولين، حتى دخول جحر الضب.
وكان من أخطر الدسائس التي دخلت على المسلمين في ظل هذا التغير الفكري، المصاحب للرغبة في تحصيل علوم الأمم الأخرى، تسرُب الفلسفة الغربية عبر الترجمة ليس كمادة يستفاد منها ولكن كمادة بديلة أو مزاحمة للفكر الإسلامي ذاته. ففي الوقت الذي أطلق معاوية ومَنْ بعده، ومنهم عمر بن عبدالعزيز، حركة الترجمة والنقل، انطلقت أيضا حركات فكرية تشويهية تحدث عنها المستشرق الألماني يوهانس هالم وسماها *الغنوصية في الإسلام*، فيقول:»الغنوصية ظاهرة هرطقية، ظهرت في فترة متأخرة من العصور القديمة، وظهرت بثوب إسلامي بنهاية القرن الأول الهجري، وغلب على مختلف فرقها طابع الغلو والزندقة. وانطلقت من العراق وتركزت في العديد من الفرق.» والأهم أنه يثبت أن الغلو، رغم تعدُد فرقه، يُمثل منذ بداياته وحتى اليوم، تياراً واحداً لتقليد متواصل مبني على أفكار ابن سبأ وقبيله.
واذا كانت الفلسفة تُعرّف بأنها وسيلة لتسهيل التفكير وفهم الأشياء فما حاجتنا نحن المسلمين إلى ذلك وعندنا المرجع الذي لا قبله ولا بعده ولا مثله. ولا غرو أن فتح باب الفلسفة الغربية علينا كان هو «صندوق باندورا» الذي دخلت علينا منه كل الشرور. وللحديث صلة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
5757
| 07 يوليو 2026
قدَّم منتخب الرأس الأخضر في مواجهته أمام الأرجنتين نموذجًا كرويًا يتجاوز القراءة التقليدية لمعادلة القوة في كرة القدم، حيث لم يعد الاسم أو الإرث التاريخي معيارًا حاسمًا لتحديد ملامح التفوق، بل أصبحت التفاصيل الدقيقة داخل المستطيل الأخضر هي التي تعيد تشكيل موازين الهيبة بين المنتخبات. لقد دخل الرأس الأخضر اللقاء بعقلية لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى فرض وجودها كقيمة تنافسية قائمة بذاتها. انضباط يتجاوز الشكل التكتيكي إلى وعيٍ جماعي بكيفية إدارة مجريات المباراة، حيث بدا الفريق وكأنه يتحرك كوحدة واحدة تُدرك بدقة متى تهاجم ومتى تُحسن التمركز، ومتى تُعيد ضبط إيقاعها أمام ضغط خصم يملك خبرة وتاريخًا وثقلاً عالميًا. وفي هذا السياق، لم تكن المواجهة مجرد اختبار فني، بل امتحانًا ذهنيًا أمام أحد أكثر المنتخبات اكتمالًا في كرة القدم الحديثة. فالأرجنتين، رغم تفوقها الفردي، وجدت نفسها أمام خصم لا يمنحها لحظات راحة، ويجبرها على التعامل مع كل تفصيلة في المباراة بجدية كاملة، وكأنها مواجهة مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة. ما قدمه الرأس الأخضر في هذه المواجهة لا يُختزل في أداء لحظي، بل في نموذج سلوكي يعكس أن الهيبة ليست قيمة ثابتة في كرة القدم، بل بناء نفسي يتغير وفق طريقة استقباله من الطرف الآخر. فعندما يُلغى هذا البناء من الوعي، تتغير طبيعة المباراة نفسها. ورغم الخروج من البطولة، فإن الأثر الذي يتركه هذا النوع من الأداء يتجاوز حدود المنافسة اللحظية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الكروية التي تُنصف الفرق التي تُجيد صناعة صورتها داخل الملعب حتى في لحظات الخسارة. كلمة أخيرة: قدّم منتخب الرأس الأخضر درسًا مباشرًا للمنتخبات التي تفتقر إلى الشجاعة داخل الملعب، إذ يثبت أن الجرأة المنضبطة والوعي الجماعي ليسا مجرد أدوات تكتيكية، بل قوة قادرة على قلب موازين المواجهة، وكسر الفوارق مع المنتخبات الكبرى، وفرض الندية الحقيقية بعيدًا عن سطوة الاسم أو التاريخ.
1446
| 05 يوليو 2026
سيلعب منتخب مصر الحبيبة أمام المنتخب الأرجنتيني بأحد عشر لاعباً يساندهم خمسمائة مليون قلب عربي نابض بالأمل في التأهل لدور ربع النهائي. هذه المساندة الجماهيرية ليست رياضيةً فحسب، وإنما هي حبٌّ عظيمٌ لمنتخب الساجدين الذي أحيا الحماسة في شعوب أمتنا عندما عبر المدرب حسام حسن عن النواة الصلبة في ضمائرنا ونفوسنا المتمثلة بفلسطين الحبيبة، حين حمل العلم الفلسطيني في الملعب، فهزَّ وجداننا بالحب لمصر وشعبها اللذينِ لهما مكانةٌ عظيمةٌ في تاريخنا الماضي، وحاضرنا، ومستقبلنا. تابعنا الأداء الفني الرفيع والبطولي المتميز للمنتخب المصري، وشاهدنا الجماهير في مدن وقرى وبوادي ديارنا العربية وهي تسانده بالتشجيع في البيوت والمجمعات الرياضية والمقاهي والساحات، وكأنما كل فرد في أمتنا يشعر شعوراً راسخاً بأن المنتخب يمثله شخصياً، ويمثل مجتمعه المحلي، وأمته المتعطشة لإثبات الوحدة النفسية والعقلية لشعوب تجمعها حضارةٌ مجيدةٌ، ولو كان ذلك من خلال كرة القدم. الذي لفت أنظار العالم هو الحماسة العظيمة لأهلنا في غزة الجريحة الذين تجمعوا بين الخيام والدمار وقد تعلقت قلوبهم بأداء المنتخب المصري، وكيف أرسل إليهم حسام حسن رسالةً تحمل توقيعات قلوب أبناء أمتنا برفع العلم الفلسطيني، مما جعل من مباراة اليوم مع الأرجنتين مباراةً تتابعها شعوبنا وهي تهتف للمنتخب المصري من أعماق قلوبها مؤمنةً بأهمية الفوز لمصر والأمة العربية. نحن ندرك جيداً أن الأداء الفني في المباراة هو الفيصل، ولكننا نؤمن بأن وقود الروح القتالية للاعبي المنتخب المصري هو مساندة الجماهير العربية لهم. ولذلك، نتوجه إليهم برسالة محبةٍ عظيمةٍ ممهورةٍ بثقتنا بجدارتهم بالفوز إن شاء الله. ونقول لهم إننا ننتظر منهم تركيزاً كاملاً، وحضوراً ذهنياً لا يغيب طوال التسعين دقيقة، مع تأكيدنا على ثقتنا بأن الكابتن حسام حسن قادر على استثمار طاقات اللاعبين، وتوظيفهم توظيفاً سليماً يحقق الأمل المنشود من المباراة. الأنظار متجهة إلى الأسطورة الكروية العربية؛ محمد صلاح الذي سيكون الركيزة الأساسية في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية. إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية مانحاً المنتخب خياراتٍ متعددةً وخطورةً مستمرةً نحو مرمى الخصم. كلمةٌ أخيرةٌ: يا لاعبي منتخب مصرنا الحبيبة، حين تسجدون بعد إطلاق صافرة النهاية وقد حققتم الفوز، بإذن الله، ستلامس جباهكم قلوبنا التي كانت معكم في أرضية الملعب.
1425
| 07 يوليو 2026