رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وقفنا سابقا عند جريمة العزوبية التي ارتكبت بحق الإنكشارية وفق نظام «الدوشرمة»، أو «ضريبة الغلمان»، وبمقتضاه كان العثمانيون يأخذون نسبة من أطفال الشعوب الأوروبية التي تخضع لهم ليتولوا تربيتهم كمحاربين مسلمين، وفق مصادر عدة منها كتاب د. إيناس سعدي (تاريخ العراق الحديث). وقيل إنهم كانوا يُنتزعون من أسرهم وأحيانا بموافقتهم كونهم يحصلون على المكانة العالية والثروة. لكن مقابل ذلك كان يحظر عليهم الزواج، ليتفرغوا للجندية، وهو ما خلق ظروفا غير سوية أدت إلى مشاركتهم في عزل 12 سلطانا وقتل عدد كبير آخر، وإثارة حالة مزمنة من الفوضى. وهكذا فإن قوانين كثيرة مثل «الدوشرمة» تُتَوجها مكائد النساء، في سلطنات متعاقبة، كانت بمنزلة طعنات قاتلة للعقل والكيان الإسلامي. لكن نكمل مع كتاب إلهام كاظم الذي يوضح كيف أقنعت روكسلانة السلطان بجلب اليهود، الفارين من إسبانيا زمن محاكم التفتيش، بأعداد كبيرة لأراضي الدولة العثمانية. ما يعزز القول بأنه رغم الإنجازات التي حققها القانوني، إلا أن عهده يعد البداية الفعلية لانهيار الإمبراطورية، بسبب ما قامت به روكسلانة، (وغيرها كثيرات، وخاصة السلطانة صفية)، من دسائس ومؤامرات قضت من خلالها على دور السلطان ، وبذرت الفتنة بين السلاطين وذرياتهم، ناهيك عن استخدام دلالها على السلطان لإيصال اليهود لأجهزة الدولة الحساسة حيث عاثوا فيها فسادا، بعدما وصلوا لأعلى المناصب، وكانوا وراء قرارات خطيرة ستساهم في تراجع مكانة السلطنة وهدمها.
وقد أدى ذلك إلى تداعيات كارثية تمثلت في وقف مسيرة العلم على يد حريم السلاطين المتأخرين وخلصائهن. يوضح ذلك حادثتان شهيرتان وحاسمتان، أديتا إلى سجن العقل العربي المسلم في سجن الخرافة والشعوذات التي كان خلصه منها الإسلام، هما تحريم المطبعة والمرصد والأسطرلاب. فقد حُرمت المطبعة الحديثة التي ظهرت عام 1440، بفرمان بايزيد الثاني الذي خلف الفاتح، بدعوى أن الحرف العربي مقدس، وذلك أواخر القرن التاسع، (886 هـ 1481م)، ولم يُسمح بالعمل بها إلا لغير المسلمين! لتصبح احتكارا يهوديا!.
وعندما سمح السلطان أحمد الثالث بالمطبعة، في 1727، لم يدُم الأمر طويلا حيث قاد ضابط انكشاري اسمه خليل باتروني، بعد سنوات قليلة، ثورة لإحراق المطابع انتهت بعزل السلطان. أي أن المطبعة ظلت محرمة لأكثر من قرنين، استثمرها غير المسلمين لإحداث فارق معرفي كبير يفسر انهيار صاروخ الإسلام وصعود الغرب. والمعروف أن المطبعة، آنذاك، كانت بمنزلة الإنترنت في عصرنا الحالي، بدونها يتوقف العالم وينزوي ويتخلف.
والعجيب أن كل ذلك حدث رغم أن الدولة العباسية، زمن جعفر المنصور، لم تُحرم المطبعة، وكانت تستخدم طرقا أولية للطباعة، ستنقلها عائلة تسمى عائلة ميديتشي المصرفية من مصر، لاحقا، إلى أوروبا (بحسب المؤرخ تامر الزغاري) ليسرقها يوحنا جوتنبرغ ويطور بها المطبعة الحديثة.
أما قصة تحريم الأسطرلاب فتوضح خطورة درجة الشعوذة التي كان قد وصل إليها العقل المسلم آنذاك وتقول إن مُنشئ الأسطرلاب اسمه تقي الدين، وإنه أنجزه في عهد السلطان مراد الثالث، صاحب السلطانة صفية، تلك التي قتلت من أبناء السلطان من محظياته الأخريات ما قتلت ثم مكنت للإنجليز ما مكنت، ولا يُستبعد أنها كانت وراء تحريم الأسطرلاب أيضا. ففور انتهاء تقي الدين من بناء المرصد والأسطرلاب، وتزويده بآلات حديثة اخترعها بنفسه، وظهور نتائج عمله ستتوجه مجموعة ممن يُسمون علماء المسلمين آنذاك، وعلى رأسهم شيخ الإسلام قاضي زاده شمس الدين، (أجمعت المصادر على أنه وأباه من عتقاء موالي الروم، أي أن أصوله ليست إسلامية راسخة، علاوة على كونه من العبيد)، ليقنعوا السلطان بحرمة ذاك المرصد، وبأن «تقي الدين مشرك يسعى لمعرفة الغيب»، حتى سمح السلطان بهدمه، وأوكلت المهمة للانكشارية، بحسب المؤرخ إينالجيك.
وبحسب مؤرخين منهم أوزتونا وإينالجيك، فإن تلك الفترة لم تشهد فقط تحريم المطبعة والاسطرلاب، بل إهمال العلم والعلماء، في إطار جريمة منظمة استهدفت وقف كل أشكال التحديث بذريعة أنه حرام. وكان وراء ذلك، حريم السلطان، والانكشارية، وشيوخ عليهم علامات استفهام خطيرة، منهم أبو السعود أفندي الذي سيُفتي للقانوني بقتل عدد من أبنائه ولابنه بايزيد الثاني بالشيء نفسه، بينما لم يُجِزْ قطع شجرة خوفا على نمل يسكنها!.
وقد أدى تحريم المطبعة وغيرها آنذاك إلى تخريب العقل العربي المسلم وغيابه عن مسيرة الحضارة بينما ستنتعش الثقافة الأوروبية باطراد، وهو ما رصدته الباحثة الأمريكية إليزابيث إيزنشتاين في كتاب بعنوان «الطباعة عامل التغيير». أما قصة وقف التحديث العسكري فحديث آخر له صلة، بإذن الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية.
15480
| 16 مارس 2026
* مع اقترابنا من نهاية هذا الشهر الفضيل، نسأل الله أن يبلغنا ليلة القدر، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، وأن يتقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال. وفي ظل ما يمر به العالم من ظروف صعبة وأحداث مؤلمة، نسأل الله أن يرفع الغمة، وأن يعم الأمن والسلام على بلادنا وسائر بلاد المسلمين. * في هذه الأيام المباركة، تتجه القلوب إلى بيوت الله بحثًا عن السكينة والخشوع، خاصة في المساجد التي يرتبط بها المصلون روحانيًا، ومن بينها المساجد التي يؤم فيها الشيخ عبدالرشيد صوفي، لما لصوته من أثر بالغ في نفوس المصلين، وما يحمله من خشوع يجعل الكثيرين يحرصون على الصلاة خلفه منذ سنوات. * هذا الإقبال الكبير، بطبيعته، يتطلب جاهزية عالية في إدارة المسجد، من حيث تنظيم الدخول والخروج للمواقف، وتوفير المساحات الكافية، وتهيئة المرافق، وحسن التعامل مع المصلين والمصليات، إلا أن الواقع في بعض الحالات لا يعكس هذا المستوى من الجاهزية. * فمن غير المقبول أن يتم التحكم في المرافق الأساسية، وإغلاق دورات المياه، أو تخصيصها لفئة معينة دون غيرها، بما يسبب معاناة للمصليات، ويخلق حالة من الازدحام والتوتر، بل ويدفع بعضهن للخروج إلى المرافق الخارجية للوضوء. كما أن غياب التنظيم الواضح، وترك بعض الجوانب لاجتهادات فردية دون صفة رسمية، قد يؤدي إلى ممارسات لا تتناسب مع حرمة المكان، سواء في أسلوب التعامل أو في آلية إدارة المصلى. * إن بيوت الله يجب أن تظل مفتوحة، رحبة، قائمة على الرفق، كما أرشدنا النبي ﷺ، لا أن تتحول- تحت أي ظرف- إلى بيئة يشعر فيها المصلون بالتضييق أو التمييز أو التوتر. * كما أن ما يُثار حول وجود تدخلات غير رسمية في بعض المساجد، أو التعامل معها وكأنها نطاق خاص، يطرح تساؤلات مشروعة حول ضرورة تعزيز الإشراف المؤسسي، وتأكيد أن المسجد وقف لله، يخضع لتنظيم الجهات المختصة، ولا يُدار وفق اعتبارات شخصية أو علاقات. * إن طرح هذه الملاحظات لا يأتي من باب النقد المجرد، بل من حرص صادق على بيوت الله، وعلى أن تبقى، كما ينبغي، مكانًا للسكينة، والرحمة، والخشوع. * ومع ختام هذا الشهر الكريم، فإن الأمل كبير بإذن الله في أن تؤخذ هذه الملاحظات بعين الاعتبار، وأن يتم التعامل معها بجدية، والاستعداد بشكل أفضل للمواسم القادمة، بما يضمن تهيئة بيئة إيمانية متكاملة، تليق بروحانية رمضان، وبمكانة المساجد، وبحرص المصلين على العبادة فيها. فالمساجد ليست مجرد مباني بل هي روح تُبنى، وقيمة تُصان، وأمانة يجب أن تُحفظ. * آخر جرة قلم حين يحرص الناس على الصلاة خلف إمام بخشوع الشيخ عبدالرشيد صوفي والحرص على الحضور من مناطق بعيدة، والتواجد طوال الشهر، فذلك دليل حياة في القلوب، لا يُقابل بإغلاق باب، ولا بتضييق مرفق، ولا بسوء إدارة. بيوت الله لا تُدار بالمفاتيح، بل بالمسؤولية. ولا تُحفظ بالمنع، بل بالرحمة. فإن لم تُصن روحانية المسجد، فماذا نصون؟ نسأل الله أن يتقبل، وأن يبلغنا وإياكم رمضان أعوامًا عديدة، في أمن وسكينة وطمأنينة. وأن يبلغنا ليلة القدر وما تنزل فيها من كل أمر حكيم.
1230
| 18 مارس 2026
ليست الحياة سوى جند مطواع يفتح ذراعيه لاستقبال كل من حمل في قلبه خيراً فأضاءه، فهي تأنس بمن يأنس إليها، وتلين لمن يطرقُ بابها بعزمٍ صادقٍ، فتفتح مسالكها لمن جاء زارعاً مُعمراً لا عابراً مجتازاً فحسب، وتستقبله هاشةً باشة، وكأنما تُكافئه جزيلاً على سلامة النية، وصفاء المقصد. ثم لا تلبث أن تلاعبه قليلاً لتمتحن شدّة صبره، وتختبر حقيقة جَلده، فيقف عند مفارقها لحظاتٍ يتبيّن فيها مقدار ما في صدره من احتمالٍ وثبات. وفي تلك المداورة الخفيّة تتجلّى معادن النفوس، وتنكشف سرائر الصدور، فمن وثق عزمه ازداد رسوخاً، ومن لانَ ساعده تعلّم من العثرة ما يقوّي خطوه في المرة القادمة. وكأن الحياة في هذا الامتحان لا تريد إلا أن تُظهر خبيئة المرء لنفسه، ليعرف موضع قدمه في دروبها، ومقدار ما يملك من صبرٍ على مسالكها الوعرة. فإن اجتاز.. تباهت به، وكأنها ترفع ذكره بين تجاربها، وتشهد له بأنه ممن صدقوا المسير ولم يهن لهم عزم. وإن علق في بعض منعطفاتها أعطته كرّات أخرى، تُمهله ليعيد المحاولة، ويستنهض الخطوة، ويستأنف السير بعزمٍ أشد وبصيرةٍ أوسع. وهكذا تبادله ودًّا بود، وإقداما بإحجام، في علاقةٍ خفيّة تتوازن فيها الخطوات بين الدفع والتريّث، وبين الجرأة والحكمة. ويمضي الإنسان في هذه المداولة الطويلة، تكرّ به الأيام وتفرّ، وهو يقطع فيافيها وقفارها، عابراً مسالكها البعيدة، متجاوزاً مفازاتها المترامية، حتى يبلغ واحاتٍ يهدأ عندها، ومستراحاتٍ يستردّ فيها أنفاسه. فلا يلبث أن يُدرك أن كل ما قطعه من مسافات كان جزءاً من الطريق إلى تلك السكينة، وأن كل اختبار مرّ به كان درجةً في سلّم النضج والاتساع. لحظة إدراك: هكذا تتبدّى الحياة في وجهها الأصدق: ميدانٌ رحب لمن أحسن قصدها، ورفيقُ مسيرٍ لمن أقبل عليها بنيّة الإعمار والسعي، فليست هذه سوى بتلك !
900
| 17 مارس 2026