رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

أمن سيناء يبدأ برفع الحصار عن غزة

كان هناك كم هائل من التحذيرات والمؤشرات، كان هناك شهود عيان وفيديوات وأشرطة سمعية وبيانات منشورة على المواقع الالكترونية، ومع ذلك لا أحد يعلم لماذا كان هذا التراخي في الحذر الأمني أقلة حماية للجنود المصريين، هل كان يجب أن تقع هذه المأساة المروعة في رفح حتى يستفيق الجميع، ويهب الجيش المصري لشن حملة واسعة النطاق واعادة الأمن إلى شبه جزيرة سيناء، في أي حال لا يزال عصياً على التصديق أن تقوم مجموعة مسلحين يفترض أنهم مسلمون بقتل جنود صائمين لحظة إفطارهم غروب ذلك السبت الأسود، إذ أن جريمة كهذه لا يمكن أن يرتكبها سوى عدد متوحش لا يعرف أي رحمة ولا ديناً. كثرت في الأونة الأخيرة، تحديداً قبل بضعة شهور، شكاوى المواطنين السينائيين من وجود مسلحين، بعضهم غرباء، يتجولون علناً وبحرية تامة، ويفرضون حالاً من الخوف والقلق، وبالتأكيد تناهى الأمر إلى السلطات، واجهزتها في القاهرة، ورغم أن المسؤولين المحليين حرصوا لأسباب غير مفهومة على القول إن الاوضاع عادية، طبيعية فقد كان الأولى أن تؤخذ المعطيات على محمل الجد، وبالتالي التحرك للتعامل مع الوضع حتى لو تطلب التفاهم مع إسرائيل، فالأخيرة اكثرت أيضا من اشاراتها إلى تراجع الأمن في سيناء، واعلنت حكومتها مراراً إنها درست واتخذت اجراءات لمواجهة أي اخطار، لكنها لم تعلن طبعاً أنها لن تتلاعب بالوضع الناشئ ولن تستغله للإفادة منه، فهي لا تتردد في الايذاء، خصوصا بعدما استشعرت في ثورة 25 يناير خسارة استراتيجية لها. قد تتم عملية تطبيع الاوضاع في سيناء بسرعة، وربما من دون صعوبات كبيرة، لكن هذا لا يعني أن الحل الأمني وحده يكفي، كانت مصر استعادت سيناء من الاحتلال الإسرائيلي 1982 بموجب معاهدة السلام، وشهدت وقتئذ فورة حماس لانماء شبه الجزيرة وتحويلها من منطقة صحراوية جرداء إلى بؤرة جاذبة للصناعات والسياحة وفرص العمل، بعد ثلاثين عاما لا يبدو أن الكثير قد تحقق، وأن القليل الذي انجز لم يبد مهتماً بسكان سيناء ولا باغراء مصريين كثيرين بالانتقال للعمل والعيش فيها، وفي الفترة نفسها بددت أموال ضخمة في "مشروع توشكا" على الحدود المصرية- السودانية قبل أن يتبين أنه مجرد وهم، لكن انفقت ايضا، في الفترة نفسها، أموال أكثر ضخامة لإنشاء ومنتجعات سياحية ومجمعات سكنية خارج المدن الكبرى من دون الالتفات إلى تحسين نوعية العيش في بعض نواحي العاصمة أو الشروع في ايجاد حلول للمناطق العشوائية التي بات يقطنها ملايين المصريين وتفتقد المرافق والبنى التحتية المناسبة. لم يكن مستغرباً، إذن، أن يتراكم التهميش والإهمال في سيناء ليشعر سكانها بأنهم متروكون لمصيرهم، بل مدفوعون إلى تدبير شؤونهم بالوسائل التي تبررها الحاجة، ولاشك أنهم وجدوا في قطاع غزة مجالاً حيوياً ومصدراً رئيسياً لرزقهم أقرب إليهم من "مصر الأم".. ومنذ فرضت إسرائيل حصارها اللا إنساني على غزة كان واضحاً أنها تلقي بالمعضلة على كاهل مصر، معضلة إنسانية ينبغي التعامل معها لتخفيف المعاناة، لكن معضلة سياسية أيضا راهنت إسرائيل فيها على الوقت الذي سيزيد ارتباط القطاع بمصر ويتقلص مع سائر المناطق الفلسطينية، وهكذا راحت الانفاق تتكاثر، وغدت خطوط مواصلات ناشطة تتم عبرها كل الانشطة التجارية وغير التجارية. في مثل هذه البيئة تداخل المشروع بالممنوع، والسلاح بالدواء والغذاء، وتهريب السلع بتهريب البشر، في مشهد اقرب إلى السوريالية لكنه في عمق الواقع، ومع ذلك فإن الاعراف الآدمية ترفض قبوله، فلا هو يعالج مشكلة حصار غزة وفقا للقوانين الدولية، ولا هو يؤهل السينائيين لحياة مفتوحة على تنمية صحيحة لأوضاعهم، ولا هو يزيد إلى نضالية غزة وكفاحها، ولا هو أخيراً يزيد الجانب المصري وطنية وقومية، كان هذا الوضع ولايزال معيباً ومخيباً، بل زاده تفاقماً أن إسرائيل والولايات المتحدة وضعتا النظام المصري السابق في اختبار سلوكه ينجح فيه أو يفشل إذا استطاع سد تلك الانفاق، ما لم تفلح فيه إسرائيل يبدو أن المجموعات المسلحة، ذات التوجه "الجهادي".. اضطرت مصر أخيراً إلى اتخاذ قرار طالما استبعدته بشأن الانفاق، فالذين قتلوا الجنود في رفح جاءوا عبر الانفاق واستولوا على المركبات مندفعين بها إلى داخل القطاع. لا يمكن أن نتخيل كم كان التصفيق والتهليل عالياً في غرفة العمليات الإسرائيلية، فهذه عملية كانت ناجحة ومربحة ومجانية إلى اقصى حد، بل إنها تمت كما لو أن "الموساد" خططها وربما على نحو أفضل مما لو كان خططها، وعدا نتائجها وتداعياتها على الجانب المصري فإنها شكلت أفضل اختبار يمكن أن تجريه إسرائيل للحكم الجديد في مصر، ثم إنها وجهت ضربة قوية للعلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمين" وحركة "حماس" التي لم تكل من نفي أي علاقة لها بمجموعة القتلة، لكن الحكومتين المصرية والإسرائيلية اعتبرتاها "مسؤولة" عما حصل كونها سلطة الأمر الواقع في غزة، أما "حماس" نفسها فلعل شكوكها واشتباهاتها ذهبت في اتجاه آخر، فإذا كان جانب من العملية موجهاً لضرب هيبة حكمها فلعل هذا أول انذار ملموس تتلقاه بعد مغادرة قادتها سوريا ونأيها بالنفس عن الخط الإيراني الذي اتكأت عليه وعول عليها لتثبيت نفوذه في القطاع وامتداداته. وسط كل هذه التداعيات يبرز أيضا البعد "القاعدي" بفرعيه الغربي "جيش الإسلام" والسينائي "انصار الجهاد" وكان الاخير أصدر قبل شهور مبايعة لأيمن الظواهري زعيم تنظيم "القاعدة".. لاشك في أن التنظيم وجد بيئة متقبلة في سيناء لا لأفكاره وإنما لـ"فرص العمل" التي يمكن ان يوفرها، ولاشك أيضا أنه يشهد تنافسا بين اختراقات كثيرة تستهدفه وتستخدمه، من هنا أن مهمة اعادة الأمن إلى سيناء يجب أن تكون لمصلحة مصر، كما لمصلحة غزة، أما أن تكون لمصلحة إسرائيل فقط فهذا يبقي المشكلة ويفاقمها من دون أن يعالجها، والأكيد أن البداية لابد أن تكون بانهاء الحصار على القطاع.. فالأمن ليس أمن إسرائيل فقط بل أمن الجميع، ولكل جانبه من المسؤولية.

248

| 13 أغسطس 2012

ميت رومني بين الغباء والصلف

لم يكن مهماً، في حد ذاته "اعتراف" ميت رومني بالقدس "عاصمة" لإسرائيل، فهو حتى لو وصل إلى البيت الأبيض سيجد أن انفراد واشنطن بهذا الاعتراف لن يكون اجراء غير قانوني فحسب، ولا تخريبا متعمداً فحسب، وإنما سيكون "تعطيلاً" لسياسات الولايات المتحدة في المنطقة، أما المهم في خطوة المرشح الجمهوري فهي إنها كشفت إلى أي حد باتت قضية الشعب الفلسطيني مهمشة في كواليس صنع القرار الأمريكي، وإلى أي حد يتسابق رومني ومنافسه الرئيس الحالي باراك اوباما لاسترضاء دولة مارقة اساءت لأمريكا وسمعتها ودورها، ومع ذلك تبقى محجة لأزمة وضرورية لأي مرشح للرئاسة الأمريكية. ورغم أن الأمريكيين – كما الإسرائيليين- يعرفون أن هذا "التهميش" للقضية ما هو إلا وهم، إلا أنهم يجربون زرع الفكرة وترسيخها والعمل بها كأنها صارت واقعاً، وهكذا فإن رومني شاء أن يبدأ من حيث انتهى اوباما، فيبني على فشل الأخير وخيبته، مدركاً أن ثمة فرصة للاستفادة من الاهانة التي تعرض اوباما بفضل دهاء بنيامين نتنياهو وتطرفه، ولأجل ذلك يكفي أن يذهب رومني إلى أبعد مما يتوقعه رئيس الوزراء الإسرائيلي، فالمزايدة إحدى القواعد "المشروعة" في الحملات الانتخابية، فالكلام لا ضريبة عليه، لكنه قد يجتذب أحداث في صناديق الاقتراع. ثم أن ارتكاب موقف عنصري إزاء الفلسطينيين لن يفقده أي صوت حتى بين العرب الأمريكيين المؤيدين عادة للحزب الجمهوري. بدا رومني بالغ الاستماتة لانتزاع لقب "صديق إسرائيل" وللحصول على أصوات اليهود، ولم يبد مهتماً باستعداء لا يخلو من الغباء حيال العرب والفلسطينيين، فهو رجل اعمال يذهب قلبه إلى حيث المصلحة، ومن الواضح أن بينه وبين ملفات السياسة الخارجية مسافة شاسعة، ولا يبدو أن مستشاريه في هذا المجال استطاعوا أن يعوضوا هذا النقص الفادح- فحيث لا يخطئ مرشحهم يتولون هم ترتيب الهفوة بالنيابة عنه، خذوا مثلاً انهم نصحوا رومني بالتعاطي مع هواجس إسرائيل تجاه الملف النووي الإيراني من زاوية تزكية "خيار الحرب". وما لم يقله المرشح صراحة سعى مستشاره للسياسة الخارجية دان سينور الافصاح عنه، إذ قال انه "إذا ارادت إسرائيل التصرف من تلقائها لمنع إيران من تطوير قدرتها النووية فإن رومني سيخدم هذا القرار". لم يكن نتنياهو ولا ايهود باراك ينتظران المرشح الجمهوري لتشجيعهما على الحرب- وليس موقفه هو الذي سيدفعهما إلى اتخاذ قرار متهور كهذا- لكن تهافت رومني وقلة خبرته منحاهما فرصة للتلاعب بالمرشحين معاً، وبالاخص لدعم حججهما ضد إدارة اوباما التي لا تزال، مع الحلفاء الأوروبيين، تستبعد ظاهرياً على الاقل أي عمل عسكري وتفضل نهج العقوبات والمفاوضات مع إيران، وبديهي أن إدارة اوباما تنطلق في ذلك من مصلحة أمريكية خصوصاً وغربية عموماً، أما المرشح الجمهوري فكل ما يهمه في الوقت الراهن أن يؤمن فوزه في الانتخابات، ولا يبدو انه فهم شيئا من المناورات السياسية التي قام بها الإسرائيليون مستغلين زيارته وتصريحاته، كما أنه لم يفهم انه ساهم عمليا في تسخيف مسألة الحرب التي ناقشها نتنياهو مع موفدي اوباما، وفي طليعتهم مستشاره للأمن القومي ووزير دفاعه، فالإسرائيليون يعلمون أن حظوظ رومني في الرئاسة تبقى محدودة وضعيفة، لكنهم يستخدمونه لابتزاز اوباما. حاذر جميع المرشحين، قبل رومني، حتى خلال زياراتهم لإسرائيل، التصريح بمواقف قد لا يتمكنون من الحفاظ عليها في حال انتخبوا، خصوصا إذا كانت من النوع الذي لا يحسم بقرار أمريكي، ففي العام 2008 قصد المرشح اوباما إسرائيل، ولم يتردد حينذاك في الحديث عن "القدس عاصمة لإسرائيل" لكنه شدد على أن هذا الأمر مرتبط بـ"الوضع النهائي" الذي يتفق عليه الفلسطينيون والإسرائيليين من خلال التفاوض، طبعاً.. لم تنل هذه الصيغة اعجاب الإسرائيليين، ولم يكن الفلسطينيون مرتاحين إليها، أما رومني فلم يتجاهل استحقاقات التفاوض فحسب، وإنما ابدى استعداداً للاعتراف أيضا بـ"يهودية" الدولة الإسرائيلية، وطالما أنه اجتاز عتبة العنصرية حين عزا التأخر الاقتصادي الفلسطيني مقارنة بإسرائيل إلى "تفاوت حضاري وثقافي"، فإنه بدا جاهلاً تماما ماذا يمكن أن يفي الاحتلال، بالأخص إذا كان إسرائيلياً، وما يمكن أن يفرضه من اعاقات متعمدة للتنمية. كيف يمكن التعامل مع شخص بهذا العقل السياسي الضيق، إذا قدر له أن يفوز بالرئاسة الأمريكية بعد نحو ثلاثة شهور من الآن، وكيف يمكن لمن يبدي كل هذا الحقد والاحتقار للشعب الفلسطيني أن يدير "عملية سلام"، صحيح أن الهراءات التي اطلقها اثارت حفيظة العرب والفلسطينيين، بل فاجأتهم بفجاجتها، لكنهم لم يكونوا وحدهم "فالاوروبيون، استهجنوها أيضاً وقابلوها بالقلق، إذ أنهم شركاء الولايات المتحدة ويعتمدون عليها بل يسلمون احتكارها القرار الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ولذلك فإن وجود رومني في البيت الأبيض محاطاً بفريقه اليميني الأكثر تطرفاً من فريق جورج دبليو بوش سيعني حقبة بالغة الصعوبة والعقم". اعتاد المرشحون القيام ببعض الرحلات الى الخارج، سواء للتعريف بانفسهم أو لنسج علاقات في انتظار ما سيكون، لكن رومني راكم الهفوات في محطاته الثلاث، بريطانيا، إسرائيل، وبولندا، إلى حد أن احد الرياضيين الأمريكيين المشاركين في الألعاب الاولمبية لاحظ أن الأفضل لبعض الأمريكيين ألا يخرجوا مطلقاً إلى العالم". ولدى عودة المرشح الجمهوري إلى الولايات المتحدة وجد عاصفة من علامات الاستفهام في استقباله، هل هو مؤهل للقيادة؟ والارجح أن الجواب المضمر هو: لا.

452

| 06 أغسطس 2012

مريدو النظام السوري وتسويغ القتل

من جهة ذهب كثيرون منا إلى تأييد مطلب الثورة السورية حماية المدنيين، ولم يبد أن هناك حماية ممكنة إلا بتدخل خارجي طالما أن النظام أفلت القتلة على أبناء الشعب، في المقابل تعالت الأصوات معيبة كل حديث عن تدخل خارجي، ولايزال اصحابها إلى اليوم يهاجمون هذا "التدخل" كأنه حصل، وهو لم يحصل طبعاً، بل إن المرشحين للتدخل لا يفوتون فرصة للقول بأنه لا نية لديهم للقيام بأي عمل عسكري، مؤكدين أن ما كان ممكناً في ليبيا لم يعد ممكناً في سوريا. لم يفطن خصوم التدخل الخارجي، ومنتقدوه إلى أمرين: الأول أن الداعين إليه لم يفعلوا بدافع الرغبة بل للضرورة القصوى البيّنة، والثاني أن أحداً ولاسيما السوريون بالذات، لا يعتبر أن الاستجارة بالخارج مدعاة افتخار، لكن عندما يصبح الركون لرحمة النظام بمثابة انتحار فلابد مما ليس منه بد، والأهم أن رافضي التدخل لحماية المدنيين لم يفطنوا أيضاً، أو لعلهم فعلوا، إلى أنهم سوغوا ويسوغون قتل الشعب استدعاء لاستكانته ورجوعه إلى الصمت والخوف والخنوع. كان ولايزال صادماً ومذهلاً حقاً، أن يكون هناك من يعتبرون انفسهم "وطنيين" و"عروبيين"، "ممانعين" و"مقاومين"، ومن يتسلحون بهذه المزايا لانكار حق الشعب السوري في الحرية والكرامة وتقرير المصير السياسي، وانطلاقاً من ذلك يبدون القلق على السقوط المحتم للنظام وكأن الوطنية والعروبة والمقاومة والممانعة ستسقط بسقوطه، وما كان لها أن توجد إلا من خلاله وبواسطته، لو كان يمثل كل هذه القيم، بما تعنيه حقيقة، لتصرف على نحو مختلف تماماً. لكن الوطنية أضحت معه سحقاً واسكاتاً لصوت الشعب، ولا ريب أنه لم يعط المثال الحسن لما يمكن أن تعنيه العروبة، أما المقاومة فلم تكن سوى شعار يشهد عليه صمت جبهة الجولان وسكونها طوال ثلاثة عقود، تبقى الممانعة التي كان معروفاً منذ البداية انها مجرد صياغة لفظية لأحد الأوهام التي اخترعها النظام ولم يصدقها لكنه اراد أن يصدقها بل أن يعتبرها كما لو أنها أحد أهم الانجازات البطولية للعالم العربي.. يقول مريدوه إن سقوطه سيكون عمليا سقوط آخر قلوع المقاومة والممانعة، ولا يكلفون انفسهم عناء التبصر في ممارسات هذا النظام، وكيف أنه راكم المتضررين والمتشائمين من سياساته في لبنان وفلسطين والعراق فضلا عن سوريا نفسها، وكيف أن إسرائيل والولايات المتحدة اللتين يقاومهما ويمانعهما كانتا فعليا الأقل تضررا منه، بل انهما الأكثر إدراكاً أنه وهو المقاوم سعى بإصرار إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، وأنه وهو الممانع بحث بدأب عن انفتاح الولايات المتحدة عليه، أما ذروة إبداعات هذا النظام فكانت سعيه إلى اقناع العرب بالسير وراء إيران، كما فعل، متجاهلاً أن لإيران مصالحها وخططها، وأنه لم يكن سوى بيدق على رقعة الشطرنج التي تخوض عليها معركة لا تخلو أيضا من أوهام. الأكثر إثارة للعجب أن عدداً من النخب العربية التي شهدت بلدانها ثورات، وبالتالي تغييرات، وجدت أن ما يصح عندها لا يصح في سوريا، ووجد العديد من أصحاب الرأى والمواقف ومن الكتاب والمحللين، مظلة للاختلاف بحجة أن ليبيا، أو مصر، أو اليمن، أو تونس، هي غير سوريا، ووجب أن تعني كلمة "غير" أن نظام سوريا كان أقل استبداداً، أقل دموية، وأقل استحقاقاً للتغيير، لأنه كان نموذجاً للحريات واحترام حقوق الإنسان، أو ربما لأن ديمقراطيته مجهولة، وقد دافع مريدو النظام السوري، غير المريدين لانظمتهم في بلدانهم، عن تغليب "الحل السياسي" على الحل الأمني أو العسكري لم يأخذوا في الاعتبار أن نحو عشرة آلاف قتيل وأضعافهم من الجرحى والمصابين، واضعاف اضعافهم اعتقلوا وعذبوا، خطفوا واحتجزوا ثم فقدوا، قبل أن يسجل أول انشقاق للعسكريين. ولم يهتم المريدون لكون قوات النظام راحت تنظم حملاتها مستهدفة القرى والبلدات التي لجأ إليها المنشقون ليكونوا بين أهلهم، فإذا بها تضطرهم للرحيل والنفي القسريين سواء في الداخل أو إلى الخارج. قرأت وسمعت عرباً يستحسنون مواقف روسيا والصين وإيران، مستعيدين الحنين إلى أيام السوفيات، قالوا إن من يهاجم هذه الدول ومساندتها للنظام السوري لابد أن يكون متأمركاً أو باع نفسه للشيطان، وقالوا إن من يسلح المعارضة ويمكنها من الدفاع عن الشعب والثورة إنما يقدم خدمة لأمريكا وإسرائيل.. كثير من هذه الآراء العجيبة لا يعي أصحابها أنهم يقعون متعمدين أو مخطئين في المعنى المضاد، فماذا لو لم تسلح المعارضة وترك النظام حراً في التقتيل والتدمير أكان هذا يعتبر "ممانعة" لأمريكا و"مقاومة" لإسرائيل؟ يحمي مصالحهم التي انكشفت أخيراً بأنها ليست مصالح سوريا والسوريين. والأكيد أن تلكؤ الدول الغربية، وبالأخص الولايات المتحدة، في مساعدة الشعب السوري كان موجهاً أولاً وأخيراً لاعطاء النظام ورئيسه فرص حل الأزمة داخلياً، لكن النظام بالغ في التهور الدموي إلى حد أنه لم يستطع الشروع ولو بخطوة واحدة ذات مغزى في اتجاه الحل، كانت رسالته إلى الشعب أن يعود إلى الجحر الذي احتجزه فيه طوال عقود، وأن يقنع بـ"الاصلاحات" الشكلية الزائفة التي انتجت في الانتخابات الاخيرة برلمانا بعثياً آخر. أي حل سياسي داخلي يمكن تصوره مع نظام دمر احياء في العاصمة دمشق، وفي حمص وحماة وحلب وإدلب ودير الزور، مع نظام شرد نحو ثلاثة ملايين سوري بين الداخل والخارج، يعلم هذا النظام أنه لكي يحصل على حل سياسي لابد أن يتنازل، بل يعرف ما هي التنازلات الواجبة، لكنه يرفض تقديمها لأنها تمنعه من القتل وتحول دون بقائه، وبالطبع يسانده المريدون معتبرين أن المقاومة والممانعة تستحقان أن يرتكب النظام كل هذا القتل.

328

| 30 يوليو 2012

بين ثورتي 25 يناير و23 يوليو

تتساوى الثورات تاريخياً في انطلاقها دفعاً للظلم ونقمة على الفساد وإرادة شعبية في تغيير أنماط حكم وإدارة للموارد والاقتصاد تعمل لمصلحة فئة محدودة على حساب أبناء الشعب كافة، بهذه الأهداف والشعارات قامت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، واعتبرت صوتاً مفصلياً في العالم العربي، خصوصاً أن الخيارات التي اتخذتها لتطبيق برنامجها غيرت الواقع في مصر، وأدخلت الإقليم في سياسات الاستقطاب الدولية رغم دفاعها الشديد عن خط ثالث عرف بـ "عدم الانحياز". والواقع أن ظروف الحرب الباردة بين المعسكرين الدوليين همشت هذا الاتجاه الاستقلالي الذي بقي معنويا ولم يتمكن من فرض نفسه عملياً سواء لتعديل سياسات المعسكرين أو جعلها تتعايش وتحترم إرادة ما يقرب من خمسين دولة تطمح إلى النأي بذاتها عن صراعاتهما. في الذكرى الستين لثورة 23 يوليو، اليوم، يبرز اتجاه إلى اعتبارها مسؤولة عن الأحوال التي أدت إلى ثورة 25 يناير 2011، ويجري في هذا السياق إسقاط كل السلبيات على "حكم العسكر" الذي انبثق من انقلاب 23 يوليو واستمر بصيغ مختلفة حتى يومنا هذا، وبات أحد أهداف الثورة الجديدة الانتهاء كلياً من أي دور للعسكريين في الحكم والسياسة، ورغم أن هذا هدف مشروع في إطار المطالبة بـ"دولة مدنية" إلا أنه لن يتحقق إلا تدريجياً لئلا يفاقم الانقسام الشعبي والاجتماعي. يجدر التذكير بأن ثورة 23 يوليو استقبلت مصرياً في حينها على أنها إنهاء للظلم وإحقاق للعدل، وبالتالي فإنها أنصفت الجزء الأكبر من الشعب، وها هي أصبحت اليوم محطة في التاريخ المصري الطويل، ويجب الاعتراف بها وتحديد إيجابياتها والمصالح التي حققتها، وكذلك السلبيات والأضرار التي نجمت عن إساءة استخدام السلطة في إطارها، فالفرنسيون لا ينكرون ثورة 1789 رغم ما شاب أعوامها الأولى من فوضى وعنف وسفك دماء، بل إنهم لا يتجاهلون المبادئ والأفكار التي طرحتها الثورة وغدت أساساً ثقافتهم السياسية لا يزال نظامهم الجمهوري يغترف منها ويستند إليها. رفعت ثورة 23 يوليو ستة مبادئ، ثلاثة منها تتعلق بتغيير الوضع السابق: القضاء على الإقطاع، والاستعمار، وسيطرة رأس المال على الحكم. وثلاثة تتعلق بالوضع الجديد: إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وجيش وطني قوي، وعدالة اجتماعية. وإذا أريد الحكم عليها في ضوء هذه المبادئ سيتبين سريعاً أين طرأ الخلل، وكيف أن تطبيق المفاهيم اختلف باختلاف القائد والظروف والخيارات، إذ اتسمت مرحلة جمال عبدالناصر باختلال التوازن بين الطموحات الخارجية والاستحقاقات الداخلية، وبين محاولات استرداد الأرض الفلسطينية المغتصبة ومساعدة حركات التحرر العربية، ودفع مشاريع الوحدة، وبين ضرورات الإنجاز الداخلي لتأمين "الجبهة الداخلية" واستمرار الالتفاف الشعبي حول القيادة، ومنذ هذه المرحلة الناصرية ظهرت بوضوح محدودية الاندفاع نحو "إقامة حياة ديمقراطية سليمة" لمصلحة "إقامة جيش وطني قوي"، ما ساهم في عسكرة الدولة ومؤسساتها من دون التنبه إلى خطورة هذا الاتجاه على المدى الطويل، تحديداً في تهيئة للمجتمع المدني وإعطائه مشروعية للأجهزة وأشخاصها كي يتصرفوا بأنهم هم الدولة وأن الدولة هي هم. في مرحلة أنور السادات أقدم الحكم على جملة مبادرات للتخفف من الأعباء الخارجية وفي طليعتها الصراع مع إسرائيل، كما أجريت انفتاحات في النظام الاقتصادي الاشتراكي ترافقت مع انفتاحات محدودة على الصعيد السياسي إلا أنها لم تبلغ إتاحة الحريات أو الاقتراب من نمط ديمقراطي قابل للتطوير، أدى ذلك أولاً إلى اهتزاز الزعامة العربية لمصر، وانكشاف أن الاستعمار الذي تلقى ضربات مهمة من خلال تأميم قناة السويس وإجراءات أخرى استطاع أن يعود عبر الضغوط الاقتصادية، ثم أن "الانفتاح" غير المنظم افسح المجال سريعاً لنشوة طبقة المستفيدين منه رغم أن هدفه الرئيسي كان أنهاض الاقتصاد الوطني، ثم أن هذه التركة التي آلت إلى حسني مبارك ما لبثت أن تفاعلت سلباً في مختلف الاتجاهات، فالسلام مع إسرائيل أضحى انصياعاً لها، والاقتصاد المنفتح صار ألعوبة في أيدي رجال الأعمال، ومشاريع التنمية كانت في معظمها غطاء للفساد، وحتى الجيش شهد تغييرات في بنيته ووظيفته فغدا أكبر المستثمرين في البلد، كما أن تلاشي معايير العدالة الاجتماعية جعل الهامش المتوقع للحريات بلا أي معنى طالما أنه يقترن بإصلاح سياسي جذري، ورغم أن ثورة 23 يوليو أنهت النظام الملكي، إلا أنه كان مرشحاً للعودة من خلال السعي إلى توريث الحكم إلى نجل الرئيس. السؤال الذي يطرح: هل أن ثورة 23 يوليو هي المسؤولة عن تدهور أحوال مصر؟ أم أن إساءة استخدام السلطة هو الذي صرفها عن مسارها؟ الأكيد أنه لولا الجيش لما استطاعت ثورة 25 يناير أن تنجز بهذه السرعة وهذا الحد الأدنى من الخسائر البشرية والاقتصادية، من الواضح أن "العسكرة" المنتشرة قد فعلت فعلتها، وأن الحلقة المفقودة، أي "إقامة حياة ديمقراطية سليمة"، كانت الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الأنظمة سواء كانت تهتدي بمبادئ الثورة أم لا، لكن الأهم أننا نجد اليوم أن الصراع يدور تحديداً على هذا الهدف، وسط خشية مبررة من استبدال القائد الديني بالقائد العسكري، نظراً إلى تقارب نهجيهما وإلى التنافس التاريخي بينهما، فبعد نقمة "الإخوان المسلمين" على الحكم، وحملة الحكم عليهم في العهود السابقة، يعزى إلى أن "الإخوان" اعتبروا أنفسهم شركاء في ثورة 23 يوليو لكن الضباط الأحرار خذلوهم، ثمة فرصة لتبديد هذا الخلاف بإعادة تركيز بوصلة الحكم في اتجاه الشعب الذي لم يكل من ترديد مطالبه بالحرية والكرامة والعدالة والعيش الكريم.

332

| 23 يوليو 2012

على هامش الانتخابات الليبية

رغم الفوضى التي عاشتها ليبيا منذ السقوط النهائي لنظام معمر القذافي، قبل ثمانية شهور، والتوترات اليومية التي كثيراً ما تتحول إلى مواجهات مسلحة، استطاع الليبيون أن يبرهنوا في السابع من يوليو أنهم لم يعودوا مستعدين للتفريط في الأساسيات، لذا مضوا إلى الانتخابات بكل اندفاع وانتظام. كانت المرة الأخيرة التي صوتوا فيها عام 1965 أيام الملكية، أما في أيام "الجماهيرية" فدعوا إلى استثناءات صورية معروفة النتائج سلفاً، وخلال العقود القذافية الأربعة بلغت أربعة أجيال سن الانتخاب من دون أن تتوافر فرصة التعبير عن خياراتها، فترعرعت معتادة على أن أصواتها لا تعني شيئاً ولا قيمة لها. كان المشهد مفعماً بالدلالات، صفوف من الرجال والنساء من مختلف الأعمار والأزياء، يغلب عليها الحماس والإصرار، طبعاً كانت هناك إشكالات أمنية هنا وهناك وهنالك، وكذلك كانت أخطاء وتأخيرات وشكاوى، لكنها ظلت في حدود المعقول والمتوقع، المهم أن العملية الانتخابية نفسها بدأت وانتهت بنسبة عالية من النزاهة وهذا في حد ذاته شرط لازم للحصول على نتائج تمثيلية صحيحة غير قابلة للدحض، لم ينس أبناء الجيل المخضرم أن انتخابات 1964 قوبلت نتائجها بموجة عارمة من النقد بسبب ما شابها من تزوير، ما أوجب إلغاءها ومعاودة إجرائها في العام التالي، ولم تنس الأجيال التي شبّت أو ولدت في "عهد الثورة" أن نظام الرجل الواحد محا من قاموسه أي انتخابات أو حاجة الشعب إلى المشاركة في صنع المستقبل وطنه. بمعزل عن نتائج انتخابات المجلس الوطني لم يخطئ الذين قالوا، وهم من مختلف الانتماءات، إن المنتصر الحقيقي كان الشعب الليبي، فهذا الاقتراع كان بمثابة اختبار له وقد اجتازه بنجاح، ثم أنه ساهم في إخماد دعوات الانفصال والغدرلة وما إلى ذلك من الخيارات الانفعالية والعشوائية, وبالتالي فهو دشن الاستحقاق الأول في المرحلة الانتقالية، ولم يعد مسموحاً التراجع فيها ولا الاستمرار في النهج الاعتباطي الذي نشأ غداة إسقاط النظام السابق، ومنذ الآن لم يعد مقبولاً الإخلال في بناء الدولة، إذ أن المسؤولية باتت الآن متمتعة بشرعية الانتخابات ولن يكون متاحاً الاختباء وراء أي أعذار، فالمسيرة يجب أن تبدأ وأي خطأ أو تأخير فيها سينعكس على البلد واستقراره. من بين الدول التي شهدت تغييراً في أنظمتها تحت وقع ثورات وانتفاضات، انفردت ليبيا ببروز القوى والأحزاب الليبرالية، وأيضاً بحضور للأحزاب ذات الطابع الديني من دون اكتساح صناديق الاقتراع على غرار ما حصل في مصر وتونس، المسألة لا تحمل تأويلات مركبة ومعقدة، إذ أن الخيار كان حرا وطالما أن الناخبين أقبلوا على قوائم الليبراليين فهذا يعني أنهم يعرفون أي نمط من الأنظمة يريدون لدولتهم الجديدة، لم يشأوا الانتقال من أيديولوجيا إلى أخرى، والأهم أن الاقتراع لم يتحوّل إلى عملية إقصاء لفريق لمصلحة آخر، أي أن المجلس الوطني سيضم أكبر عدد ممكن من الكيانات التمثيلية بما فيها الإسلامية، وهذه المعادلة ستكون شبيهة بالمجتمع ولا هيمنة فيها لطرف واحد. لعل الانتخابات الليبية نجحت في إنجاز ما لم يكن متوقعا منها، وهو أن تعطي الإسلاميين نسبة التمثيل التي هي لهم بكل دقة وإنصاف، فالمسألة غاية في الأهمية لأن الاستحقاق المقبل هو كتابة الدستور، ما يتطلب توازناً في ترجيح المفاهيم، قد يعزى هذا الإنجاز إلى حسن اختيار النظام الانتخابي، وهو ما لم يتأمن في مصر وتونس. ثم إن فصل انتخاب هيئة اعداد الدستور عن انتخاب المجلس الوطني بدا كأنه أراد تجنب الإشكالات التي حصلت في مصر ولا شك أن في ذلك حسن تدبير، لكن الدلالة الأهم لبروز الليبراليين تكمن في أن الليبيين، خلافاً للتونسيين والمصريين، وضعوا شعار "الدولة المدنية"، الذي رفعوه كسواهم خلال الثورة موضع بلورة وتنفيذ بعيدا عن أي شكوك وعن أي أجندات خفية، وأصبح محسوماً أن التناقض بين القبيلة والجماعات الإسلامية هو الذي أعطى الليبراليين هذه المكانة، فالقبيلة هي التي حافظت على ترابط النسيج الاجتماعي، وهي التي بددت التغييرات الجذرية التي حاول النظام السابق فرضها بالقوة على شعب ليبيا، وهي أخيراً التي حالت دون هيمنة الأحزاب الدينية على الواجهة السياسية، إذ كان لافتاً أن بعض الشبان استهجن خطاب الإسلاميين بالقول: إنهم يعتقدون أننا نعبد الأصنام وأنهم جاؤوا لتبشيرنا بالإسلام. من الواضح أن الإسلاميين عولوا على الدور الذي قاموا به خلال الثورة متوقعين أن يكافئهم الشعب في الانتخابات، لكن آخرين كثيرين ساهموا أيضاً في تلك الثورة، ولم يكن منصفاً أن تغمط حقوقهم، ومنهم ذاك الذي نقلت عنه "وكالة الصحافة الفرنسية" قوله: "لم أقاتل وأحمل الشهداء المخضبين بالدماء من خط الجبهة حتى يتولى الإسلاميون السلطة ويعزلونا عن العالم من جديد", العزلة، هي ما عاشته غالبية الليبيين طوال العقود الأربعة الماضية، ولا يريدونه أن يتكرر، هل في ذلك "تشويه" و"افتراء" على الإسلاميين وصورتهم بأنهم لا يحققون الانفتاح، وبالتالي لا يهتمون بمسألة الحريات؟ هذا في أي حال سؤال مطروح عليهم في ليبيا كما في مصر وتونس وفي كل مكان.

325

| 16 يوليو 2012

اغتيال عرفات.. ملف مفتوح

منذ رحيل ياسر عرفات عام 2004 كان يجب وضع كل الاعتبارات جانباً والشروع في تحقيق عميق وفاعل للتوصل إلى نتيجة. كانت هذه مهمة دول وأجهزة عربية بشكل أولي واستثنائي، إلى جانب أي لجنة فلسطينية خاصة. لماذا؟ لأن المسألة لم تكن مسألة وفاة رجل، ورغم أن الوفاة يمكن أن تكون طبيعية وعادية إلا أنها في حال عرفات كانت شبه معلنة قبل أوانها، كما أن مراحل المرض منذ بدايته لم تكن عادية، ولم تكن لها مقدمات ولا سوابق، ثم أن قادة العدو الإسرائيلي، وعلى رأسهم أرييل شارون لم يخفوا نياتهم بضرورة التخلص من الرئيس الفلسطيني. كانت تصفية عرفات، بالنسبة إلى العرب، ضربة مباشرة لشروط "عملية السلام" التي اعتبروها خياراً استراتيجياً في كل مؤتمرات القمة العربية، مؤكدين بذلك تخليهم عن خيار الحرب الذي لم يبد أن إسرائيل أخذته يوماً في الاعتبار، وطالما أن "عملية السلام" قامت أساساً على التفاوض وحتمية قبول المفاوض الآخر، فإن إقدام إسرائيل على محاصرة مقر عرفات ومهاجمته وتدمير أجزاء منه مثل انتهاكاً واضحاً لقواعد التفاوض وتمهيداً لتقويض خطير لـ"عملية السلام"، والدليل أن شطب المفاوض الفلسطيني الأول، أي عرفات، وبموافقة ضمنية من جانب الولايات المتحدة وإدارتها البوشية آنذاك، نسف إمكانات إحياء المفاوضات، ولم يعد السلام أولوية أمريكية أو إسرائيلية. بعد مضي خمسة أعوام على سياسة المسالمة، ورفض العسكرة وبذل أقصى الجهود للتنسيق الأمني، أدركت القيادة الفلسطينية التالية أن إسرائيل اغتالت عرفات لتقول إن "السلام" دفن معه، وأن ما تحقق منه خلال حياته هو أقصى ما تعتزم التنازل عنه، بل أنها انتقلت إلى استغلال نهج المسالمة للتوسع في سرقة الأراضي الفلسطينية ومد رقعة الاستيطان مستهزئة بالإدانات الدولية التي تذكرها بالقوانين الدولية، أكثر من ذلك لم تجد إسرائيل في إعلان الجانب الفلسطيني اعتماد المقاومة الشعبية السلمية ما يلزمها بالإقلاع عن العنف المفرط وإفلات ميليشيات المستوطنين للإمعان في الاعتداء على الفلسطينيين وأملاكهم وأرزاقهم، وحتى عندما اتجهت السلطة الفلسطينية إلى المطالبة بنيل اعتراف مجلس الأمن بالدولة الفلسطينية، جردت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة دبلوماسية شرسة لتعطيل هذا التحرك المشروع، وفي إطار هذه الحملة أرسلت واشنطن وفداً مهمته تهديد الرئيس محمود عباس، كما أن العديد من متطرفي الحكومة الإسرائيلية طالب بالتخلص منه. لا يعني ذلك سوى أن إسرائيل أقامت باغتيال عرفات نهجاً لن تتردد في تكراره إذا لم يفهم الطرف الآخر مغزى رسالة الاغتيالات التي كانت حصدت العديد من القادة، ومنهم الشيخ أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي، وأبو علي مصطفى، قبل أن تقر حكومتها الشارونية اغتيال عرفات بأسلوب استخباري يحول دون استشهاده علناً، لكن الشكوك في وجود عملية مبرمجة للاغتيال بدأت منذ الأنباء الأولى عن "المرض الغامض" الذي يعاني الرئيس الفلسطيني منه. وقبل الوفاة في المستشفى الفرنسي وبعدها نبه الأطباء إلى وجود حال لم يتمكنوا من تشخيصها، خصوصاً أنهم واظبوا طوال أعوام مضت على متابعة وضعه الصحي الذي راح يتدهور تدريجيا، وقد حالت التطورات السياسية دون موافقة عرفات - أو حتى تمكنه - على مغادرة مقره للعلاج، إذ كان يخشى منعه من العودة إليه. في تلك الآونة، وبعد إنذارات الأطباء، كان يجب أن يبدأ التحقيق، بقرار من عرفات شخصياً أو من دونه، وكان يجب أن يكون هناك من بعض العواصم العربية المعنية بالشأن الفلسطيني باعتبار أن المسألة سياسية أولاً وأخيراً. صحيح أن فحوصاً شتى أجريت طبياً ولم تتوصل إلى شيء، إلا أن أي جهاز مولج بالتحقيق لابد أن يعرف أن دولاً كثيرة ومنها إسرائيل توصلت إلى ابتكار أنواع خفية من السموم، وحتى بعد الوفاة كان على التحقيق أن يذهب إلى أقصى الاحتمالات وأكثرها ضعفا، وها هو التحقيق الذي أجرى في المختبر السويسري لمصلحة قناة "الجزيرة" يتوصل إلى فرضية صعبة، وكان الأحرى بالتحقيق "الرسمي" أن يبلغها قبل الآن ليتمكن من التقدم أكثر في حصر الاشتباهات، وهي هنا تقتصر على إسرائيل دون سواها. كان لاغتيال الجاسوس الروسي السابق الكسندر ليفتيننكو عام 2006م، والكشف سريعاً أنه سمم بمادة "البولونيوم" شديدة الإشعاع، أن يدق الناقوس للمحققين الفلسطينيين، سواء لدرس الأعراض التي ظهرت على ليفتيننكو والمراحل التي مر بها خلال مرضه، أو لرصد احتمالات العلاج التي لا يبدو أنها متوافرة، وإلا لكان الأطباء والانجليز توصلوا إلى إنقاذ المريض الروسي، وبحسب الخبراء فإن هذه المادة السامة تصنع ذرياً وتصيب المستهدف بها بإشعاعات لا تظهر آثارها في تحاليل الدم، وبالتالي فإنها لا تتوافر إلا لدى الدول التي تملك قدرات وأنشطة نووية عسكرية، ومن شأن ذلك أن يضيف نطاق أي تحقيق في عملية الاغتيال، لا للعثور على مصدر "البولونيوم" الذي اكتشفت آثاره في مقتنيات عرفات وإنما لحصر مسؤولية إسرائيل والعثور على ما يؤكد وجود قرار يخوّل الأجهزة الاستخبارية إزاحة الرئيس الفلسطيني بأي وسيلة تبعد الاشتباه عن الجهة المتورطة. الاكتشاف الجديد في العملية يؤكد الشكوك السائدة بأن عرفات قتل بالسم، وإذا كان للجامعة العربية أن تدرس القضية وتتخذ قراراً بشأنها، فإن المطالبة بتحقيق دولي لابد أن تصطدم بـ"فيتو"، أمريكي في مجلس الأمن، أما اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لوضع مثل هذا التحقيق على جدول الأعمال الدولي فقد لا يذهب بعيداً، لعل الأهم والأكثر فاعلية أن تتبنى دول الجامعة إنشاء لجنة تحقيق محترفة تعمل بعيداً عن الأضواء وتستخدم معلومات الأجهزة الاستخبارية وعلاقاتها، أساساً كان من الخطأ اعتبار الملف مغلقا، أو أنه يخص الجانب الفلسطيني وحده، فالاغتيال كان فصلاً سياسياً زعزع المصلحة العربية في إقامة سلام، وخطورته تكمن في احتمالات تكراره، أي أن العدو الإسرائيلي سيكرس قاعدة تصفية المفاوض كلما أراد خلط الأوراق وتغيير متطلبات أي سلام.

334

| 09 يوليو 2012

الجزائر "الناجية" من عدوى "الربيع العربي"

يوم الأربعاء الماضي انشغلت بريطانيا بحدث بسيط في ظاهره لكنه اعتبر تاريخياً وعميقاً في مغزاه: مصافحة هي الأولى من نوعها بين الملكة إليزابيث الثانية وأحد قادة "الجيش الجمهوري الأيرلندي" مارتن ماك غينيس الذي أصبح نائب رئيس الوزراء في أيرلندا الشمالية بفعل اتفاق السلام الذي أنهى صراعاً طويلاً وأمكن التوصل إليه بعد أعوام من التفاوض. ورغم أن المشاعر لا تزال ثقيلة بسبب عقود من المواجهات الدامية، بل رغم اليقين بأن التوصل إلى مصالحة حقيقية سيحتاج إلى أجيال، إلا أن تلك المصافحة بين الملكة وأحد الذين عملوا من أجل تقويض سلطتها وضعت تحت عنوان تجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل. بعد أيام تحتفل الجزائر بالذكرى الخمسين لاستقلالها عن الاستعمار الفرنسي الذي دام مائة واثنين وثلاثين عاماً، ولم يقتلع إلا بثورة مسلحة بالغة الكلفة بشرياً، إذ جعلت الجزائر "بلد المليون شهيد"، لكن نصف القرن الذي مضى لا يبدو كافياً للحكم بأن الجزائر تخطت المرحلة الاستعمارية التي استمرت حاضرة إلى اليوم في مجمل الخطاب السياسي والوطني، وذلك رغم تعاقب الأجيال، ورغم جهد بذل لتصفية الاستعمار سياسياً واقتصادياً ولا شك أن المقارنة قد تكون خاطئة وغير منصفة بين الجزائر وأيرلندا، إلا أن الصدفة فرضتها، ففي وقت قياسي انتقل الأيرلنديون إلى الوضع الجديد، وهم يجدون الخطى لبناء مستقبلهم معتبرين أنهم حصلوا على أفضل الممكن، وهو أدنى بكثير من طموحاتهم، لأنهم باقون بشكل أو بآخر تحت العرش البريطاني، أما الجزائر فانتزعت استقلالاً ناجزاً ومستحقاً بفضل التضحيات الضخمة التي قدمها أبناؤها. وإذ بقيت الجزائر بالنسبة إلى فرنسا جرحاً أظهر لها بعضاً من وجوهها القاسية بل الوحشية التي ترغب في نسيانها، فإنها نجحت إلى حد ما في تخطي ما حصل، معتمدة تحديداً على عامل الوقت، غير أنها مخافة عودة الماضي وبشاعاته إلى الواجهة، أحجمت عن كشف أرشيف تلك الفترة، لذلك بقيت "المصالحة"، بينها وبين الجزائر بمثابة مشروع مؤجل، رغم العلاقات القائمة وآلاف "المصافحات"، ووجود عشرات الآلاف من الجزائريين الذين يعيشون لديها، إذ يبدو الأمر وكأن حاجزاً نفسياً سميكاً وعالياً أقيم تلقائياً بين البلدين ومنعهما من "تطبيع" الوضع نهائياً بينهما. بين البلدان التي استعمرتها فرنسا ثم انسحبت منها، تبقى الجزائر حالاً خاصة، فحكومتها حريصة على بروتوكولات الندية مع مستعمرها السابق، بل أكثر حرصاً على الطلاق مع إرثه، وبالأخص الثقافي منه. أما فرنسا فظهرت فيها مئات الكتب التي تطمح للقول إنها تعلمت من التجربة واستوعبتها، في حين أن السؤال الذي طرح نفسه دائماً كان: ما الذي فعلته الجزائر باستقلالها؟ بداية لم تكن مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة مريحة وبناءة بسبب الصراع على السلطة بين أبناء الثورة وعدم اتضاح الرؤية بالنسبة إلى شكل الدولة وملامحها، ولابد من الإشارة إلى أنه كان لابد من إقامة كل شيء من نقطة الصفر. لم تكن الأعوام الثلاثة الأولى مع أحمد بن بلة سوى مرحلة مضطربة، وقليلة الإنجازات، وبعد استيلاء هواري بومدين على الحكم وظهور المداخيل النفطية كان اعتناق النموذج الاشتراكي نعمة ونقمة في آن، إذ حاول تحقيق مشروعات تصنيعية وتنمية البنى التحتية وإقامة نظام للعدالة الاجتماعية، لكن شدة الحكم سوغت له ترسيخ الأمن وتعزيز الإدارة العسكرية للبلاد على حساب الحريات التي لم تعتبر من الأولويات. بعد وفاة بومدين، اتضح أن الحكم متجه للاستمرار في كنف الجنرالات والتسويات والمساومات التي يجرونها في ما بينهم، حاول الشاذلي بن جديد إدخال تحسينات في اتجاه اقتصاد السوق، كما حاول دفع النظام نحو الانفتاح داخلياً، إذ عادت مسألة الحريات تطرح نفسها قبل أن تتفجر في أحداث أكتوبر 1988م، التي اعتبرت "ربيعا" جزائريا باكرا، ما لبث أن توج باكتساح الإسلاميين الانتخابات أواخر 1991 أوائل 1992 فألغى العسكر النتيجة وتصرفوا كما لو أنها لم تكن أصلاً، وبذلك انتهى "الربيع الجزائري" إلى ما يشبه الحرب الأهلية ودخلت البلاد في ما بات يسمى "عشرية الدم" التي استغرقت معظم التسعينيات وحصدت نحو مائتي ألف قتيل، اقتصر الهم الوطني خلالها على استعادة الأمن، وتأكد أن العسكر هم الحكام الفعليون سواء في الواجهة أو من وراء الستار، وبدا أن مرحلة عبدالعزيز بوتفليقة استطاعت أن تمنح العسكر فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بحيث يبدو كأنه يحقق تعددية تحت السيطرة والمراقبة بالتوازي مع استتباب نسبي للأمن، وفي إطار هذه "التعددية" جرى إشراك أحزاب إسلامية في الانتخابات وأحياناً في التركيبات الحكومية، لكن، رغم ذلك بقيت الهيمنة لحزب جبهة التحرير الوطني الذي كان وحيداً في دولة الحزب الواحد، واستمر في ظل نظام التعددية. لم تكن هذه مسيرة تتناسب مع مستوى التضحيات والطموحات، خصوصاً أن الجزائر ليست بلداً فقيراً، لكن ثروتها كانت ولا تزال إما ضحية سوء التخطيط أو سوء الإدارة والتوزيع، فضلاً عن الفساد الممأسس. ولم يكن هناك توازن بين أولوية الإنفاق على التسلح والواجبات الملحة للتنمية، لذلك نشأت هوة عميقة بين "الدولة- الجيش" والمجتمع ليس أدل عليها من النسبة المنخفضة لإقبال الناخبين على الاقتراع، لأنهم يعتبرون ببساطة أن شيئاً لا يتغير، لا يتقدم، بين انتخابات وأخرى. وإذ يفاخر المسؤولون بأن عدوى "الربيع العربي" لم تصل إلى الجزائر إلا بعوارض سطحية، فإنهم يعترفون بعيداً عن أضواء الإعلام بأن البلاد تعاني من أمراض عضال مزمنة لا تنفك تعتمل في أعماقها ولا أحد يعرف كيف ومتى يمكن أن تنفجر. ورغم مساع دائبة لإحداث إصلاحات إلا أنها تحاذر الاقتراب من الملفات التي يديرها الحكام الفعليون، أي العسكر، وهي تتناول تقريباً مختلف المجالات.

421

| 02 يوليو 2012

ربيع بورما.. و"الربيع العربي"!

أثار خروج أونغ سان سو تشي، سيدة بورما الأكثر شهرة، الكثير من التأملات التي يمكن إسقاطها على "الربيع العربي"، للمرة الأولى منذ أربعة وعشرين عاماً تستطيع سو تشي أن تخاطب العالم مباشرة، خرجت من رانغون بعد سجن وإقامة جبرية طويلين، لكن أيضاً بعد انتخابات فازت بها وفاز حزبها بأكثرية ساحقة في برلمان يمكن اعتباره تجريبياً وخطوة أولى للانتقال من حكم الجنرالات إلى حكم ديمقراطي، وُصفت سو تشي بأنها اختزلت في شخصها "سلطة الذين لا سلطة لهم"، ولم يكن لديها في معركتها ضد الحكم المسلح سوى "القوة المعنوية"، الصمود والصبر والصمت وبعض قليل من الكلام الذي كان يكلفها الكثير عندما يتاح لها أن تطلقه، ولو خلسة، لكنها كانت مستعدة دائماً لأي تضحية من أجل بلادها، ومن أجل شعبها الذي لا يزال أسيراً. لم تفعل الطغمة العسكرية الحاكمة في بورما حتى الآن أكثر من تخفيف شدة ممارساتها، لكن هذا القليل، الذي سمح بإجراء انتخابات معقولة، بدا فتحة كبيرة يمكن النفاذ منها إلى تحسين التجربة وتوسيع مساحة الحريات، وفي العادة يبدأ العسكر بالتنازل عندما يبلغ فائض القمع حداً لا يحقق لهم المصلحة التي ينشدونها في مواصلة السيطرة على الحكم، خلال ربع قرن راقبوا بغضب ظاهرة سو تشي اللاعنفية وكيف أنها تسببت لهم بمعضلات لا تفيد فيها ترساناتهم المتخمة بالأسلحة، تفاقمت الأزمات الاقتصادية، كشفهم الزلزال الذي بدوا حياله عاجزين عن واجب إنقاذ الناس بعدما انشغلوا طويلاً في قتلهم أو سجنهم وتعذيبهم، ثم أدركوا أخيراً أن العزلة الدولية التي فرضت عليهم واستهزأوا بها، استطاعت أن تشلهم وتفرغ سطوتهم من أي معنى. السيدة الوحيدة المعزولة أصبحت أيقونة عالمية، الجميع يشببها الآن بنيلسون مانديلا، وهناك من يرى فيها نسخة أخرى من غاندي، كلما أمعن العسكر في عزلها زاد الحديث عنها، فتحوا لها الأبواب لتغادر أكثر من مرة، لكنها عرفت الضغط الذي يشكله وجودها عليهم، سواء كانت في سجنها أو في منزلها، والأهم أن الشعب سيفقد كل أمل إن هي غادرت، صحيح أن إعلام الغرب ذهب إلى أقصى حد في تلميع صورتها، لكن الأصح أنها لم تستغل الإعلام لأمجادها الشخصية وإنما لأجل قضيتها، وفي خروجها الأول إلى أوروبا بدت مهمومة بالمستقبل، وكأنها نسيت تماماً سنوات الألم والجمر، فالمهم لديها الآن الذهاب إلى أمام في مسيرة الديمقراطية، لذلك فهي أكثرت من نداءات المساعدة والانفتاح على بلادها، بل دعت رئيس الوزراء البريطاني إلى استضافة الرئيس البورمي. كتب أحد المعلقين البريطانيين أن ليس هناك أونغ سان سو تشي في مصر، وأن ثوار ميدان التحرير "الذين كسبوا قلوبنا وعواطفنا" بمطالبتهم بالحرية قد "خسروا" الآن معركتهم، واقع الأمر أن نموذج سو تشي لم يوجد في ليبيا ولا في اليمن، ولم يظهر الآن في سوريا، حيث الحاجة ماسة إلى وجه يمثل الثورة ويجسدها، لعله اختلاف الثقافات، رغم تشابه الأنظمة العسكرية البحتة، لا يبلور نماذج عربية، في مسيرة الكفاح ضد الاحتلال الإسرائيلي حفلت سجون العدو بشخصيات مناضلة فلسطينية تجاوزت الرقم القياسي لمانديلا في الاحتجاز، لكن الفارق أن حتى النظام العنصري في جنوب إفريقيا، رغم تخلفه ووحشيته، لم يصل إلى حد إنكار وجود شعب آخر في ذلك البلد، إذ كان تمييزه العنصري ضد السود اعترافاً بوجودهم، وهو الاعتراف الذي أدى بعدئذ إلى الرضوخ للضغط الدولي والاعتراف بحقوقهم، أما النظام الإسرائيلي الأقرب إلى النازي منه إلى أي شيء آخر، تعامل مع الشعب الفلسطيني وكأنه غير موجود أو ما كان له أن يوجد وطالما أنه وجد فلابد من تصفيته بأي شكل وأي أسلوب، ولم يكتف هذا النظام الصهيوني بتحطيم شخصية معتقليه ومعنوياتهم، وإنما عمد أيضاً إلى تصفية قادة الفلسطينيين ورموزهم في الخارج، وحتى بعدما وقعوا معه اتفاق سلام لم يتردد في وضعهم جميعاً على لائحة التصفية، بمن فيهم الذين سعوا إلى سلام حقيقي. قد يطرح السؤال تكراراً، لماذا لا تتيح الثقافة العربية ظهور نماذج لا عنفية تكون قدوة لشعوبها، واقعياً لم يخطط مانديلا ولا غاندي ولا سو تشي لما توصلوا إليه، فالتجربة قادتهم إلى ما هو ممكن ومتاح، وإذ وجدوا احتراماً وتقديراً من الشعب، ومواكبة من العالم، وإرباكاً لدى الخصوم إلى حد إبقائهم على قيد الحياة بدل التخلص منهم، فقد ازدادوا اقتناعاً بجدوى ما يفعلونه وبأنهم مهما بلغت الصعوبات واستشرى العنف يجب أن يبقوا على مسلكهم، في النهاية كان "المشكلة/الحل" للنظام العنصري في بريتوريا، وها هي سو تشي تبدو بمثابة نافذة غير متوقعة للجنرالات البورميين إذ بدأوا يدركون أنه لابد من التصالح مع الشعب وإن بعد مسيرة طويلة، في الحالين كان الموقف الدولي مساعداً، ولو بطيئاً، أما في حال الشعب الفلسطيني فإن المجتمع الدولي يبدو أكثر عنصرية من نظام بريتوريا وأكثر قسوة من نظام بورما في دعمه الأعمى لنظام مجرمي الحرب الإسرائيليين، على العكس، كان الموقف الدولي مستعداً دائماً لتبرير الجرائم، ولا يزال مصراً على تغطيتها. تكمن المفارقة في أن النموذج الإسرائيلي – النازي هو الذي بث العدوى في الثقافة السياسية العربية ما بعد استقلال الدول عن مستعمريها، فانتفى إلى حد كبير إمكان ظهور نماذج مناضلة تستطيع أن تقود شعوبها إلى طموحات الحرية والديمقراطية وبالوسائل اللاعنفية، إذ خيّرت الأنظمة معارضيها بين السجن/القبر أو الاغتيال في المنفى، وكانت تجارب العراق وسوريا وليبيا بالغة الدلالة على ما سمي "التجريف السياسي" الذي يقضي على الظواهر الخصبة التي يمكن أن تسهم في التطوير، ولعل محنة سوريا الراهنة تشير إلى أن هذا النظام مضى حتى أبعد من نظيريه العراقي والليبي في تدمير المدن والمنشآت وإزهاق الأرواح والإصرار على مصادرة مستقبل يعلم أنه لن يكون جزءاً منه.

447

| 24 يونيو 2012

انتظار مصر.. حقيقة أم وهم؟

حفلت المرحلة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير بالعديد من المسلسلات الدرامية المتلاحقة، لم تتوقف المفاجآت حتى عشية الاقتراع الرئاسي، والأرجح أنها ستستمر، كانت هناك لحظات وفاق ولحظات شقاق. وكانت معطيات المشهد تتجاذب ما بين صراع على المستقبل وآخر على الماضي، بين ثورة تريد أن تثبت نفسها بتغيير جذري كامل وثورة مضادة تدافع عما تعتبره مكتسبات تحققت خلال العقود الماضية. لم تكن للثورة وجوه وقيادة متجذرة في الواقع السياسي، ما أتاح للقوى الموجودة والمنتظمة أن تقفز إلى الواجهة،فاجتاح الإسلاميون صناديق الاقتراع، وبالتالي مقاعد مجلس الشعب. فانتقلت القوى الأخرى، بعضها جديد وبعض آخر قديم، إلى الاحتجاج محافظة على تشتتها وتشرذمها ونطقها بأصوات كثيرة ومواقف متناقضة. في غمرة الحماسة، بعد الثورة، بدا من الصعب تحديد ما يجب تغييره وما إذا كان هناك ما يتوجب الحفاظ عليه. بل بدا كأن هناك شعباً شعر بأن لحظته جاءت للخلاص من التهميش والإقصاء، وأنه يريد اقتلاع شعب آخر ليحل محله في كل شيء. الدولة والحكم والمؤسسات والوظائف والفرص والثروات، لكن المعضلة تكمن في أنهما شعب واحد، أي لا يمكن معالجة إقصاء بإقصاء. ومن الاستحقاقات الصعبة والمهمة التي ارتسمت بعد الثورة، ولم يمكن إيجاد تصور عملي لها، الجواب عن السؤال: هل أن مصر باتت جاهزة لديمقراطية كالتي تتمناها، ولرئيس لا يكون، كما يقال، "فرعونا"؟ لاشك أن العملية الانتخابية أثبتت في حد ذاتها شيئاً من هذه الجهوزية، لكن المنتخبين لم يثبتوا في مجلس الشعب أنهم بصدد بناء التجربة الديمقراطية، لم يدركوا أن "العهد الجديد" لم يبدأ معهم بل أنهم في معمعة مرحلة انتقالية لابد من احترام مقتضياتها، وإلا فإن المراحل التالية ستتشوه بأخطائها. لذلك بدا كل شيء أمكن إنجازه خلال أربعة عشر شهراً وكأنه قابل للتفجر مع اقتراب انتخاب الرئيس. واقعياً لم يعمل اللاعبون كافة ما يلزم لإعداد المسرح لهذا الاستحقاق المفتاحي الحاسم إذ دخل البرلمان التعددي المنتخب فعلاً للمرة الأولى، في صراعات وجدالات لا علاقة لها بما يتوقع منه. كان الأجدى أن ينخرط مباشرة في عملية اعداد الدستور الجديد، وأن يختار لهذه المهمة هيئة وطنية تخضع لمعايير ما يفترض أنه "تأسيس" لنظام يعبر عن جميع الفئات، إلا أن البرلمان، أو بالأحرى القوى ذات الغالبية فيه، شرع فوراً في نهج تدافع ومناكفة مع المجلس العسكري، رغم أن هذا المجلس التزم خطة متوافقا عليها لخطوات تسليم المقاليد إلى سلطة منتخبة. يمكن أن يتهم المجلس العسكري بأنه خطط للاستمرار في الحكم، وأنه سعى إلى ضمان دور المؤسسة العسكرية ودورها الذي مارسته منذ ثورة 1952، وأنه بذل المستطاع لحماية النظام السابق الذي بقي حاكماً وفاعلاً رغم سقوط رئيسه ومحاكمته والحكم عليه بالسجن المؤبد، أكثر من ذلك، يمكن أن يتهم بأنه مارس كل الألاعيب المتاحة لمنع وصول مرشح إسلامي، تحديداً من "الاخوان المسلمين"، إلى سدة الرئاسة، ولعله رتب "الانقلاب الناعم"، عبر المحكمة الدستورية، فحلّ البرلمان تحسباً لفوز رئيس "اخواني"، إذ يحرمه بذلك من برلمان تحت سيطرة الإسلاميين ويضطره إلى تنظيم انتخابات جديدة لابد أن تختلط فيها الأوراق لتأتي تركيبته الجديدة أقرب إلى الواقع، بل يمكن الذهاب إلى أن المجلس العسكري تعمد كل هذه البلبلة في الحياة السياسية ليبقى ما أمكنه من خيوط الحكم في يده حتى بعد انتخاب الرئيس. واقعياً، كان على مختلف القوى السياسية، ولا سيما الإسلاميين، أن تتعامل مع مكانة الجيش ووجوده عبر أجهزته في مختلف أروقة الدولة ومؤسساتها على أنه معطى موضوعي لا يمكن إزالته بـ"مليونية" في ميدان التحرير، لأنه صار راسخاً أصلاً في المجتمع، وبالتالي فإن تفكيكه وابعاده عن الحكم والسياسة لا يتم إلا بعمل ديمقراطي دؤوب، وعلى مدى زمني قد يطول وقد يقصر بحسب نجاح التجربة الديمقراطية في مجالاتها المتعددة، وفي النموذج التركي ما يمكن أن يفيد ببعض الصبر، وأهمها أن الجيش هناك خسر سيطرته تدريجياً، إلى أن فقدها الآن تماماً، لكن وصول "حزب العدالة والتنمية" إلى الحكم وعمله ونجاحه واتساع شعبيته وتأكيد مصداقيته تمت كلها في ظل الجيش واستقوائه. ولو سعى حزب رجب طيب أردوغان إلى تحدي الجيش وإزاحته وكسر هيبته، منذ لحظة وصوله إلى الحكم، لكان أخلّ بمعادلة ارتضاها الشعب والمجتمع. فالقاعدة في الجمهوريات أن الجيش يحمي النظام، ولا يستطيع أن يكون هو النظام، لكنه عند التحولات التاريخية الكبرى يضطر إلى الحفاظ على ما يعرفه في انتظار تبلور الجديد الذي لم يثبت أهليته بعد. كان الانتقال من شعار "الشعب والجيش يد واحدة" إلى "الشعب يريد إسقاط حكم العسكر" دليلاً على أن الشارع لم يعرف الحدود التي يجب أن يقف عندها، والخطأ هنا ليس خطأه، وإنما خطأ القوى السياسية التي لم ترد أن تعترف بحقائق البلد بل اندفعت إلى تحكيم طموحاتها وعواطفها في الصراع الطبيعي الذي نشأ غداة الثورة، فالإسلاميون سارعوا إلى اعتبار أن ستين عاما من تاريخ مصر محيت واندثرت ولم يعد لها أثر، و"الليبراليون" - كما يسمون اختصاراً للدلالة إلى قوى سياسية غير دينية – أرادوا إما مغازلة الإسلاميين في السعي إلى التغيير الاجتثاثي، وإما مغازلة العسكر ضد الإسلاميين تحصيلاً لمكاسب من دون عناء. لكن الخريطة السياسية التي ارتسمت في البرلمان شكلت مؤشراً واضحاً إلى أن الجيش لم يتملق أحداً ولم يتدخل، لكنه وضع "الاخوان" على المحك: إما أن يكتفوا بهذا الانتصار كبداية، وإما أن يطمعوا بالاستحواذ على كل المؤسسات، وهو ما لن يمر ببساطة. ربما كان العالم العربي يترقب تخلق النظام الجديد في مصر ليبني على ذلك توقعاته لعودتها إلى ممارسة دور إقليمي مفقود حاليا، الواقع أن تعقيدات الوضع الداخلي قد تؤخر هذه العودة، وبالتالي سيطول الانتظار. فأياً يكن الرئيس المنتخب سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه: صلاحيات غير واضحة، دستور مؤقت موضع اعتراضات، انتخابات تشريعية ينبغي إجراؤها، وضع اقتصادي هش.. والأهم أنه مطالب بمبادرات سريعة لوضع ركائز لمصالحة وطنية، وإلا فإنه سيواجه مجتمعاً سياسياً متضارب الأهواء وشارعاً غاضباً يرغب في إسقاطه، ستحتاج مصر إلى السنوات الأربع الآتية، مدة ولاية الرئيس، لاستعادة أنفاسها، واسترداد عافيتها قبل أن تصبح غير قادرة على ممارسة دورها المتصور. وأي نظام جديد لا يستند إلى بلد متصالح مع نفسه لن يتمتع بمصداقية كافية لطرح رؤية إقليمية، رغم أن مصر محكومة بأن تكون لاعباً إقليمياً سواء في محيطها العربي المرتبط بها تاريخيا أو بجوارها الإفريقي المرتبط معها بنهر النيل.

392

| 17 يونيو 2012

المالكي متعثراً بسيطرته على الحكم

ليس معروفاً تماماً من يمكن أن يخلف نوري المالكي في رئاسة الوزراء، لكن ردود فعله على المشاورات والمحاولات لإزاحته بسحب الثقة منه أوحت وكأن خصومه السياسيين يمسون مقدساً، ورغم أنهم وإياه ينتمون إلى الثقافة السياسية ذاتها، المستمد بعض منها من معايشة الدكتاتور السابق وبعض آخر من تعرضهم لبطشه واستبداده، إلا أنهم يتصرفون حتى الآن في إطار ما تتيحه لهم "الديمقراطية" الناشئة في العراق. المشكلة أن الوسط السياسي العراقي استيقظ متأخراً لإبصار الواقع الذي نسجه المالكي، متجاوزاً الدستور والقوانين، ومدشناً أعرافاً وتطبيقات كان يفترض أنها أصبحت محرمة بعد سقوط النظام السابق، وهو استفاد من جملة عناصر، بينها الاستقطاب المذهبي والانقسام السياسي-الاجتماعي، لكن أهمها أنه جعل من شخصه نقطة التفاهم غير المعلن وغير المعترف به بين النفوذين الإيراني والأمريكي، وعلى هذا الأساس غدا رقما صعبا في المعادلة، خصوصا في مرحلة الاستعداد الأمريكي للانسحاب والتقدم الإيراني لتكريس وضع يد على الحياة السياسية في العراق. من هنا فإن الإزاحة أو الإطاحة لا تتوقف فقط على وجود إرادة سياسية داخلية، فالمالكي يعرف، كما يعرف الآخرون، انه لا يدين لهم بوجوده في منصبه، إذ حاولوا بعد الانتخابات في مارس 2010م، دفع مرشحين آخرين ولم يفلحوا، ورغم أن إياد علاوي استطاع إحراز التكتل الأكبر في الانتخابات، واعتبر نفسه مرشحاً طبيعياً لتشكيل، أو لمحاولة تشكيل، تحالف حكومي توافقي، إلا أن الرجل أفصح في مناسبات عدة عن أن طهران بادرت إلى رفضه، وأن الولايات المتحدة ما لبثت أن وافقت على إقصائه. وبعد أزمة استمرت تسعة شهور قضى "التفاهم الثنائي"، الأمريكي-الإيراني، بفرض المالكي رئيساً للوزراء بلا جدل، ولا منازع، وتولى الطرف "الوسطي"، أي التحالف الكردي، ترتيب تفاصيل الإخراج السياسي لما تقتضيه "الديمقراطية التوافقية"، وليس ما تقتضيه ديمقراطية صناديق الاقتراع. وهكذا كان اتفاق أربيل (ديسمبر 2010) الذي وضع تفاصيل الائتلاف الحكومي، وتضمن بنداً خاصاً بإنشاء مجلس أعلى للسياسات على أن يترأسه علاوي ويكون بمثابة الرقيب والوسيط الذي يشخص مصلحة الحكم وعلاقة الحكومة مع البرلمان وتكون له صلاحيات توجيه وتخطيط، صحيح أن المجلس هذا بدا أشبه بـ"ترضية" لعلاوي وفريقه، لكن فكرته ولدت عملياً من الأزمة نفسها، باعتبار أن الدستور والقوانين لا تستطيع وحدها إيجاد قواعد لـ"التوافق" الحكومي والسياسي وإنما تحتاج إلى مرجع ينظر في الخلافات ويقترح لها معالجات. لم يهتم المالكي بما نص عليه اتفاق أربيل إلا بكونه أنهى الأزمة بإبقائه في المنصب، ولم يكن متوقعاً أن يسهل أو يتعامل بأريحية مع إجراءات إنشاء "مجلس السياسات"، مستنداً إلى أن هذا جسم مستحدث ولا مجال لمده بصلاحيات يعود بعض منها إلى رئيس الوزراء (الحاكم الفعلي بموجب الدستور) وبعض آخر إلى البرلمان (مرجعية الرقابة الوحيدة على السلطة التنفيذية) ظاهرياً لم يعرقل المالكي الإجراءات، لكنه ترك المشروع يتعثر هنا وهناك، أما الأهم فهو أن رئيس الوزراء لم ينفذ ما يوجبه اتفاق أربيل، وكان أبرز ما نكث به عدم ملء الحقائب الوزارية المتعلقة بالقوات المسلحة والأمن والاستخبارات، ثم أنه توسع في الاستحواذ على القرار من خلال التحكم بالتعيينات للوظائف الأساسية، حتى أن حلفاءه المفترضين في "التحالف الوطني" (الأحزاب الشيعية الرئيسية) عانوا من الإقصاء الذي يمارسه ضد أنصارهم، أما السنة فراح يتجاهل المنتخبين منهم لتلميع آخرين لاعباً على المصالح والتناقضات لشق صفوفهم، ثم دخل في علاقات مضطربة ومتقلبة مع إقليم كردستان وفقاً لأجندات غامضة وغير مفهومة، إذ لم يستطع أن يوضح ما إذا كان يواجه الكرد باسم الحكومة المركزية أم لمصلحة زعامته الشخصية والحزبية. لذلك غدا وجود المالكي في الحكم، وفي هذا المنصب، إشكالياً وعندما غضب ممن وصفوه بـ"الدكتاتور" لم يحاول أن يثبت العكس فعدا أنصاره الحزبيين الذين يتعاملون معه باعتباره "الزعيم الأوحد"، ينقسم الآخرون بين خصوم كارهين أو أصحاب مصالح، وبين من يهابون شروره ومن يعتبرون أنهم يجب أن يكونوا دائمي الحذر من ضرباته، وأحد هؤلاء الأخيرين قال في حديث خاص: "لدينا رئيس وزراء يستخدم ميليشياه الخاصة عندما لا يرى ضرورة لتوريط القوى الأمنية في انتقام شخصي يريده. غير أن العبارة التي تختصر المشكلة الراهنة جاءت على لسان مسعود بارزاني حين قال إن المالكي يملك القرار السياسي والأمني والقضائي والمالي، ولا أحد يخالف عمليا هذا الرأي، فمن يسيطر على القوة والمال يتحكم بكل شيء. الفارق بين الحقيقة والتلفيق يمكن أن يكون أحياناً مجرد خيط رفيع، وهذا ما لم يتضح في قضية الاتهامات الموجهة إلى نائب الرئيس طارق الهاشمي، فقد يكون القضاء تصرف بما لديه من معطيات، لكن هذه لم تكن المرة الأولى التي توضع فيها علامات استفهام على مصداقية القضاء، والسبب، ببساطة، أن المالكي لا يتردد في استخدامه فأي إخراج آخر طبيعي ومحترم، كان سيؤدي الغرض إذا كان الهاشمي متورطا فعلا، لكن الطريقة التي اتبعت أساءت إلى كل السلطات والأجهزة، أي أنها أساءت إلى "الدولة"، إذ وشت بأن الهدف هو إقصاء سياسي بما له من أبعاد مذهبية. سيكون على المالكي أن يجري مراجعة كاملة لأدائه ولسياساته، إذا أراد أن يبقى في المنصب. صحيح أن الأزمة الحالية أظهرت أن لديه أوراقاً يستطيع أن يلعبها للمناكفة والتحدي وزيادة الانقسام، إلا أنه محكوم بنظام قائم على "التوافقية" أكثر من ذلك، إذا كان هناك توافق أمريكي-إيراني عليه، إلا أن الدولتين لم توظفاه ليدير العراق كأنه حاكم مدى الحياة، فالتوافق الخارجي يتكيف مع التوافق الداخلي ويحاول تطويعه، لكنه لا يخضع مصالحه كل الوقت لمزاج شخص واحد.

302

| 11 يونيو 2012

رهانات روسيا في المنعطف السوري الأخير

بددت روسيا كل الآمال التي توقعت منها أن تتخذ موقف دولة كبرى وأن تتحمل المسؤولية على النحو الذي يمكن أن يحقق، على الأقل، وفقاً للنزيف المستمر في سوريا، فهي تقف بفظاظة إلى جانب النظام الذي أثبت فشله في إعادة الأوضاع إلى طبيعتها، وباتت روسيا شريكته المباشرة في دفع الأزمة إلى حرب أهلية لن يتغلب فيها أي طرف، إلا أنها ستضع وحدة سوريا شعباً وأرضاً ودولة على محك الانقسام. تخطط موسكو، متأخرة جداً، للدعوة إلى مؤتمر دولي. وفي نيتها أن تبدل الاصطفاف في إطار "أصدقاء الشعب السوري"، إلى محور يكون ظاهره محايداً وحقيقته محاولة أخيرة لإنقاذ النظام، ويبدو أن موسكو تريد تمرير مثل هذا المؤتمر وكأنه في سباق دفع خطة المبعوث الدولي-العربي كوفي أنان إلى التنفيذ، خصوصاً في بندها المتعلق بـ"إطلاق عملية سياسية شاملة"، وبذلك تستكمل عملية المصادرة لخطة أنان كما بدأت مع دمشق منذ اللحظة الأولى لإطلاقها. ليس مؤكداً أن موسكو ستنجح في هذا المسعى مكشوف الأهداف، لكنها تقدم عليه بمنحى ابتزازي واضح، إذ تخيّر مختلف الأطراف بين هذا المؤتمر وبين الذهاب بالتأزيم إلى أقصاه، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات تفجيرية في المحيط الإقليمي لسوريا، كان بإمكان روسيا أن تطرح فكرة هذا المؤتمر غداة "الفيتو" الأول الذي شهرته مع الصين في مجلس الأمن. إذ كانت آنذاك لا تزال تتمتع بشيء من المصداقية، ولم تكن مواقفها ومراميها انكشفت كما هي الآن، بل كان هناك من يتفهم وجهات نظرها الداعية إلى امتناع القوى الخارجية عن مفاقمة الأزمة، أكثر من ذلك ظن كثيرون أن موسكو يمكن أن تلعب دور الوسيط النزيه، وأنها تريد فعلاً إظهار الفارق مع المقاربات الغربية-الأطلسية، أما وقد انفضح انحيازها الكامل إلى نظام بات منبوذاً دولياً. وأصبح سياسة إبادة منهجية، فإنها فقدت إمكان التوسط لتكتفي بمد عمر النظام من دون أي جدوى لبقائه. دول الغرب تتحمل مسؤولية مثلثة الأبعاد، فهي أولاً عجزت عن مساعدة الشعب السوري وتأخرت في الاعتراف بعجزها الذي ظهر جلياً في مجلس الأمن، وهي تلكأت، ثانياً، ولا تزال تتلكأ في بلورة تفاهم مع روسيا على حدود ما هو مقبول وغير مقبول في سوريا، حتى انتهى بها الأمر إلى وضعية غامضة فلا هي في تناقض صريح مع روسيا ولا هي في حال صراع معها، وبالتالي أعطتها الوقت والمجال للتلاعب بالمعالجة الدولية للأزمة، ثم أنها مسؤولة، ثالثاً، عن التغول المتفلت للنظام السوري، إذ سكتت طويلاً على ممارساته الوحشية ما شجعه على الاستمرار في العنف، موقناً بأن أحداً لن يتعرض له ولن يستطيع محاسبته وها هو ينتقل أخيراً من مجرد القتل إلى تنظيم عمليات تطهير مذهبي متعمد لتغيير الطبيعة السكانية لبعض المناطق، وذلك بهدف وصل مناطق معينة ببعضها بعضاً في إطار رسمه لخريطة "دويلة علوية" لابد أن روسيا تعلم بأن يخطط لها، ولا يعني سكوتها عنه سوى موافقة على سيناريو تقسيمي لا ريب فيه، ولم تكن مجزرة الحولة رد فعل عفويا على حادث محلي، بل أن القتل المتعمد بهذه الطريقة وتكرار القصف على البلدة بعد المجزرة استهدف إكمال تهجير السّنة الذي بدأ في حمص وإذ تقع الحولة في الريف الغربي للمدينة فإنها تشكل عقبة أمام اتصال القرى العلوية المتاخمة لها بـ"الدويلة"، التي صارت بالنسبة إلى النظام أشبه بهدف استراتيجي. في أكثر من مناسبة أكد الأمريكيون أنهم في حوار لم ينقطع مع الروس بشأن سوريا، وكان مفهوماً أن مهمة كوفي أنان انطلقت مسلحة بدعم أمريكي-روسي، لكن لم يطل الوقت حتى تبين أن هذه المهمة لم تتمكن من إحداث أي تغيير في مجرى الأزمة، بل صارت سريعاً تحت رحمة تفاهم روسي-سوري على حدود ما يسمح لها أن تحققه، لذلك تشوشت الصورة ولم يعد مفهوما إذا كان الحوار الأمريكي-الروسي يريد فعلاً هذه النتيجة أم أن مهمة أنان خرجت عمليا عن سيطرة مجلس الأمن الذي يفترض أنها تعمل بتكليف منه. لكن يبدو أن الأمريكيين أنفسهم فوجئوا بأن الروس لا يملكون أي تصور لوقف العنف ولا للحل السياسي. ففيما ظلت واشنطن تتحدث عن "نقل سلمي للسلطة"، واظبت موسكو على التحذير من "أوهام" السعي إلى تغيير النظام. هناك احتمال من اثنين قد يبدوان متعارضين لكنهما لا يلبثان أن يلتقيا في نهاية المطاف، فإما أن واشنطن موافقة تماماً على الطريقة الروسية في إدارة الأزمة السورية بما فيها من مخاطر، طالما أنها تؤمن لها غطاء للتهرب من أي مسؤولية، وإما أن واشنطن استنتجت أن روسيا غير قادرة على التأثير في خيارات النظام، ولذا فهي تتركها تتصرف مع علمها بالمخاطر والنتائج التي ستترتب عليها. فإذا كان تفتيت سوريا إلى دويلات هو ما سيحصل، فلاشك أن واشنطن وإسرائيل لن تتصديا لذلك بل تشجعانه، خصوصاً أن روسيا هي التي تتلبس المسؤولية. تقاطعت معلومات عدة مفادها أن الروس حددوا أهدافاً ثلاثة لأي تفاهم على إنهاء الأزمة، أن يحتفظوا بقاعدتهم في طرطوس، وأن تكون لهم كلمة في الحل السياسي المحتمل، وأن يضمنوا ديونهم العسكرية المترتبة على دمشق، وفي ضوء السياسة التي يتبعونها فإنهم لا يضمنون أياً من هذه الأهداف، لكن كل شيء يصبح ممكناً إذا طرحوا أي صيغة يحترمون فيها الشعب وإرادته، وإذا أنهوا رهانهم على نظام ماضٍ في التخريب لعلمه أنه خاسر.

328

| 04 يونيو 2012

مصر تفوِّت فرصة "الرئيس الوسطي"

كانت الحملة الانتخابية الرئاسية في مصر كثيرة الدلالات والرموز، وكحملة أولى من نوعها لم تكن ناجحة فحسب، بل نموذجاً في التواصل بين المرشحين والجمهور، لذلك يعتبرها كثير من المراقبين متقدمة في التأسيس لممارسة ديمقراطية غير بعيدة عن المقاييس المتعارف عليها، فعدا البرامج المتمايزة والمتكاملة في رصدها طموحات المجتمع وتوقعاته، كانت المخالفات لافتة في محدوديتها، وكان دور الإعلام بارزاً فيها إذ أضفى دخول قنوات فضائية جديدة مزيداً من الحيوية إذ وضع المرشحين تحت الضوء في حوارات صريحة بل محرجة أحياناً. نجحت الحملة ونجح الاقتراع، وأبدى الجميع مسبقاً قبوله النتائج، ولم يكن هناك تزوير أو شبهة تزوير، ما يشكل قطعا حقيقيا مع الماضي، وهذا في حد ذاته إنجاز لابد أن ينسب إلى "ثورة 25 يناير" بمختلف تياراتها وأطيافها، بمعزل عمن استثمرها وقطف ثمارها، أو صادرها واختطفها، ذاك أن التغيير كان حتميا، وكما أن المعركة الانتخابية علمت المصريين الكثير مما لم يكونوا يعرفونه عن بلدهم ومجتمعهم ومشاكلهم وكذلك عن المرشحين، كذلك تعلم هؤلاء أنفسهم الكثير أيضا ويكفي ان الجميع كان يقول صباح الثالث والعشرين من مايو 2011 ان هذه الانتخابات الأولى منذ عهد الفراعنة، وفي ذلك إشارة الى جسامة التجربة، وإلى كسر احد "التابوات" المتوارثة التي كانت تقرر بحسم ان مصر لا يحكمها إلا "فرعون"، أي حاكم غير منتخب. لعل الخرافة الثانية التي انتفت مع هذه التجربة، تلك التي كانت تفيد بأن شعب مصر غير مؤهل للديمقراطية، لا ثقافة ولا ممارسة، والأكيد أن ما حققه حتى الآن لا يعدو كونه تجربة، إلا أنه أقبل عليها وخاضها على أفضل وجه، فكان أداؤه أفضل من أداء العديد من أعضاء مجلس الشعب سواء بتصرفاتهم الفردية والشخصية أو بالاقتراحات التشريعية التي أعطوها أولوية لا تستحقها. كان المحللون متفقين إلى حد كبير على أن طبيعة الانتخابات التشريعية مختلفة عن تلك الرئاسية، وقالوا إن الاعتبارات المحلية، العائلية والعشائرية، تلعب دورا حاسما في الأولى، في حين أن الثانية تعكس اصطفافات على المستوى الوطني العام، بل توقعوا أن تخضع اتجاهات التصويت الرئاسية لمعايير، منها شخصية المرشح وحسن إدارة حملته وشبكة العلاقات التي يقيمها خلال جولاته على المناطق، فضلا عن برنامجه، وعلى ذلك فإن نتائج الرئاسيات لابد أن تأتي بتصور آخر لما كانت عليه نتائج التشريعيات. لكن، في النهاية تغلب الواقع ومنطقه على التحليلات كافة. هذا الواقع يفيد بأن مصر مصران، وأن هناك انقساماً في البلد بين رؤيتين، أو قل بين طرفين يمثل كل منهما صراعا للآخر، ولكل منهما حججه، لذلك ارتسم الخيار بين "الإسلامي" و"الفلول" وفقاً للتصنيف الشائع شعبيا، ولم يفلح التيار الوسطي في فرض نفسه على المنافسة النهائية، قدم "الإسلامي" نفسه، ممثلا بحزب الحرية والعدالة المنبثق من جماعة "الاخوان المسلمين"، على أنه قوة جديدة لم يسبق أن جربت في الحكم، وقدم "الفلولي" نفسه باعتباره أخذ علماً بما حصل من تغيير وأنه لا يزال الأقدر على استعادة الاستقرار سواء بمواجهة المشاكل الاقتصادية أو بطمأنة مؤسسة الجيش والقوى الدولية صاحبة المصالح، والمعنية بالاستقرار في مصر. أما الوسط فتمثل عملياً بثلاثة وجوه: عمرو موسى الذي ظهر خلال العهد السابق لكنه تمايز عنه معظم الأحيان، وعبدالمنعم أبوالفتوح "الاخواني" المنشق الذي لم يبد مقنعاً بليبراليته، وحمدين صباحي الذي تمايز عن الخط الناصري التقليدي واستطاع أن يبرز كقوة سياسية جديدة تستقطب المؤيدين أفقيا وعموديا، وسيكون لها شأن في المشهد السياسي المصري مستقبلا إذا واظب صاحبها على العمل متخطيا إطار حزبه. ومن الواضح أن هذه الرموز الوسطية لم تتمكن من إحراز تغيير للاستقطاب بين التوجيهين الرئيسيين، علما بأن مصر كانت تحتاج للسنوات الأربع المقبلة رئيسا حكما لتمرير الاستحقاقات الصعبة ككتابة الدستور الجديد وبناء علاقة مستقرة مع الجيش. في نهاية المطاف، انتصرت "الماكينة" الانتخابية الأقوى، فجماعة الاخوان حشدوا كل رصيدهم البشري، والفلول أوقظوا كل الشخصيات المفتاحية في مختلف المناطق وهي التي كانت تعمل في حملات الحزب الوطني (الحاكم سابقاً) وقد أثبت هذا التكتيك جدواه في صنع نتائج الدورة الأولى، أي أن "الماكينة" عوّضت محمد مرسي الخلل الذي طرأ على شعبية الاخوان جراء المواجهة بينهم وبين المجلس العسكري ولانتقادات التي اتهمتهم بالاستئثار والاستحواذ على مؤسسات الحكم. بل انها عوّضت أحمد شفيق التأخر في بدء حملته وانطلاقه من وضعية المستبعد والمشكوك في سلامة ترشيحه إلى الصعود كمنافس قوي للخصم الإسلامي، ويمكن القول إن هذه المنافسة تحديدا هي التي لجمت إقدام النظام السابق على أي انتخابات مفتوحة وحرة، سواء كانت تشريعية أو رئاسية، وبالتالي فإن نتيجتها ستظهر إلى أي حد كانت مخاوف النظام السابق صائبة، علماً بأن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه تمثل في محاولة توريث المنصب الرئاسي، فكان أن خسره وخسر إمكان توريثه وقد يؤدي مجرد الخوف من إعادة إنتاجه إلى خسارة أحد أبرز رجاله في الدورة الثانية. لعل الخيار الصعب بين الاتجاهين يفسر نسبة الإقبال المتواضعة على التصويت مقارنة بما سجلته الانتخابات التشريعية، هناك توقعات بأن ترتفع هذه النسبة في الاقتراع الحاسم، والسؤال المطروح الآن: كيف ستتوزع الأصوات التي نالها المرشحون الثلاثة الوسطيون بغض النظر عما إذا أعلنوا أو لم يعطوا تأييدهم لأي من المرشحين الباقين في السباق، فناخبو الوسط يرفضون "الفلولي" بمقدار رفضهم لـ"الإسلامي"، وعليهم أن يختاروا، فمنهم من يعتبر انه يجب دفع "منطق الثورة" إلى أقصاه وهذا في مصلحة مرسي، لكن هناك من يفضل تحذير الاخوان وتأجيل وصولهم إلى الرئاسة وهذا يحقق مصلحة شفيق كل شيء سيتوقف على مبادرات الاثنين لطمأنة المجتمع خلال الفترة الممتدة بين الدورتين.

328

| 28 مايو 2012

alsharq
ملتقى المكتسبات الخليجية.. نحو إعلام خليجي أكثر تأثيرًا

لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما...

2913

| 13 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

2694

| 12 مايو 2026

alsharq
على جبل الأوليمب.. هل يمكن؟

كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه...

1260

| 13 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

1020

| 11 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

645

| 12 مايو 2026

alsharq
احتكار المعرفة.. التدريب الإداري والمهني

قال تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) في الوقت الذي...

645

| 13 مايو 2026

alsharq
الأب.. الرجل الذي لا يغيب

في كل مرة نتحدث فيها عن الحنان، تُذكر...

636

| 13 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

633

| 09 مايو 2026

alsharq
اصحب كتاباً

يطل علينا في هذا اليوم الخميس الرابع عشر...

597

| 13 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

573

| 11 مايو 2026

alsharq
اتفاق الممكن بين الحرب والسلام

في الحروب الطويلة لا تكون المشكلة دائما في...

549

| 12 مايو 2026

أخبار محلية