رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس معروفاً تماماً من يمكن أن يخلف نوري المالكي في رئاسة الوزراء، لكن ردود فعله على المشاورات والمحاولات لإزاحته بسحب الثقة منه أوحت وكأن خصومه السياسيين يمسون مقدساً، ورغم أنهم وإياه ينتمون إلى الثقافة السياسية ذاتها، المستمد بعض منها من معايشة الدكتاتور السابق وبعض آخر من تعرضهم لبطشه واستبداده، إلا أنهم يتصرفون حتى الآن في إطار ما تتيحه لهم "الديمقراطية" الناشئة في العراق.
المشكلة أن الوسط السياسي العراقي استيقظ متأخراً لإبصار الواقع الذي نسجه المالكي، متجاوزاً الدستور والقوانين، ومدشناً أعرافاً وتطبيقات كان يفترض أنها أصبحت محرمة بعد سقوط النظام السابق، وهو استفاد من جملة عناصر، بينها الاستقطاب المذهبي والانقسام السياسي-الاجتماعي، لكن أهمها أنه جعل من شخصه نقطة التفاهم غير المعلن وغير المعترف به بين النفوذين الإيراني والأمريكي، وعلى هذا الأساس غدا رقما صعبا في المعادلة، خصوصا في مرحلة الاستعداد الأمريكي للانسحاب والتقدم الإيراني لتكريس وضع يد على الحياة السياسية في العراق.
من هنا فإن الإزاحة أو الإطاحة لا تتوقف فقط على وجود إرادة سياسية داخلية، فالمالكي يعرف، كما يعرف الآخرون، انه لا يدين لهم بوجوده في منصبه، إذ حاولوا بعد الانتخابات في مارس 2010م، دفع مرشحين آخرين ولم يفلحوا، ورغم أن إياد علاوي استطاع إحراز التكتل الأكبر في الانتخابات، واعتبر نفسه مرشحاً طبيعياً لتشكيل، أو لمحاولة تشكيل، تحالف حكومي توافقي، إلا أن الرجل أفصح في مناسبات عدة عن أن طهران بادرت إلى رفضه، وأن الولايات المتحدة ما لبثت أن وافقت على إقصائه.
وبعد أزمة استمرت تسعة شهور قضى "التفاهم الثنائي"، الأمريكي-الإيراني، بفرض المالكي رئيساً للوزراء بلا جدل، ولا منازع، وتولى الطرف "الوسطي"، أي التحالف الكردي، ترتيب تفاصيل الإخراج السياسي لما تقتضيه "الديمقراطية التوافقية"، وليس ما تقتضيه ديمقراطية صناديق الاقتراع. وهكذا كان اتفاق أربيل (ديسمبر 2010) الذي وضع تفاصيل الائتلاف الحكومي، وتضمن بنداً خاصاً بإنشاء مجلس أعلى للسياسات على أن يترأسه علاوي ويكون بمثابة الرقيب والوسيط الذي يشخص مصلحة الحكم وعلاقة الحكومة مع البرلمان وتكون له صلاحيات توجيه وتخطيط، صحيح أن المجلس هذا بدا أشبه بـ"ترضية" لعلاوي وفريقه، لكن فكرته ولدت عملياً من الأزمة نفسها، باعتبار أن الدستور والقوانين لا تستطيع وحدها إيجاد قواعد لـ"التوافق" الحكومي والسياسي وإنما تحتاج إلى مرجع ينظر في الخلافات ويقترح لها معالجات.
لم يهتم المالكي بما نص عليه اتفاق أربيل إلا بكونه أنهى الأزمة بإبقائه في المنصب، ولم يكن متوقعاً أن يسهل أو يتعامل بأريحية مع إجراءات إنشاء "مجلس السياسات"، مستنداً إلى أن هذا جسم مستحدث ولا مجال لمده بصلاحيات يعود بعض منها إلى رئيس الوزراء (الحاكم الفعلي بموجب الدستور) وبعض آخر إلى البرلمان (مرجعية الرقابة الوحيدة على السلطة التنفيذية) ظاهرياً لم يعرقل المالكي الإجراءات، لكنه ترك المشروع يتعثر هنا وهناك، أما الأهم فهو أن رئيس الوزراء لم ينفذ ما يوجبه اتفاق أربيل، وكان أبرز ما نكث به عدم ملء الحقائب الوزارية المتعلقة بالقوات المسلحة والأمن والاستخبارات، ثم أنه توسع في الاستحواذ على القرار من خلال التحكم بالتعيينات للوظائف الأساسية، حتى أن حلفاءه المفترضين في "التحالف الوطني" (الأحزاب الشيعية الرئيسية) عانوا من الإقصاء الذي يمارسه ضد أنصارهم، أما السنة فراح يتجاهل المنتخبين منهم لتلميع آخرين لاعباً على المصالح والتناقضات لشق صفوفهم، ثم دخل في علاقات مضطربة ومتقلبة مع إقليم كردستان وفقاً لأجندات غامضة وغير مفهومة، إذ لم يستطع أن يوضح ما إذا كان يواجه الكرد باسم الحكومة المركزية أم لمصلحة زعامته الشخصية والحزبية.
لذلك غدا وجود المالكي في الحكم، وفي هذا المنصب، إشكالياً وعندما غضب ممن وصفوه بـ"الدكتاتور" لم يحاول أن يثبت العكس فعدا أنصاره الحزبيين الذين يتعاملون معه باعتباره "الزعيم الأوحد"، ينقسم الآخرون بين خصوم كارهين أو أصحاب مصالح، وبين من يهابون شروره ومن يعتبرون أنهم يجب أن يكونوا دائمي الحذر من ضرباته، وأحد هؤلاء الأخيرين قال في حديث خاص: "لدينا رئيس وزراء يستخدم ميليشياه الخاصة عندما لا يرى ضرورة لتوريط القوى الأمنية في انتقام شخصي يريده. غير أن العبارة التي تختصر المشكلة الراهنة جاءت على لسان مسعود بارزاني حين قال إن المالكي يملك القرار السياسي والأمني والقضائي والمالي، ولا أحد يخالف عمليا هذا الرأي، فمن يسيطر على القوة والمال يتحكم بكل شيء.
الفارق بين الحقيقة والتلفيق يمكن أن يكون أحياناً مجرد خيط رفيع، وهذا ما لم يتضح في قضية الاتهامات الموجهة إلى نائب الرئيس طارق الهاشمي، فقد يكون القضاء تصرف بما لديه من معطيات، لكن هذه لم تكن المرة الأولى التي توضع فيها علامات استفهام على مصداقية القضاء، والسبب، ببساطة، أن المالكي لا يتردد في استخدامه فأي إخراج آخر طبيعي ومحترم، كان سيؤدي الغرض إذا كان الهاشمي متورطا فعلا، لكن الطريقة التي اتبعت أساءت إلى كل السلطات والأجهزة، أي أنها أساءت إلى "الدولة"، إذ وشت بأن الهدف هو إقصاء سياسي بما له من أبعاد مذهبية.
سيكون على المالكي أن يجري مراجعة كاملة لأدائه ولسياساته، إذا أراد أن يبقى في المنصب. صحيح أن الأزمة الحالية أظهرت أن لديه أوراقاً يستطيع أن يلعبها للمناكفة والتحدي وزيادة الانقسام، إلا أنه محكوم بنظام قائم على "التوافقية" أكثر من ذلك، إذا كان هناك توافق أمريكي-إيراني عليه، إلا أن الدولتين لم توظفاه ليدير العراق كأنه حاكم مدى الحياة، فالتوافق الخارجي يتكيف مع التوافق الداخلي ويحاول تطويعه، لكنه لا يخضع مصالحه كل الوقت لمزاج شخص واحد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4710
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4626
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1521
| 13 مايو 2026