رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حفلت المرحلة الانتقالية بعد ثورة 25 يناير بالعديد من المسلسلات الدرامية المتلاحقة، لم تتوقف المفاجآت حتى عشية الاقتراع الرئاسي، والأرجح أنها ستستمر، كانت هناك لحظات وفاق ولحظات شقاق. وكانت معطيات المشهد تتجاذب ما بين صراع على المستقبل وآخر على الماضي، بين ثورة تريد أن تثبت نفسها بتغيير جذري كامل وثورة مضادة تدافع عما تعتبره مكتسبات تحققت خلال العقود الماضية. لم تكن للثورة وجوه وقيادة متجذرة في الواقع السياسي، ما أتاح للقوى الموجودة والمنتظمة أن تقفز إلى الواجهة،فاجتاح الإسلاميون صناديق الاقتراع، وبالتالي مقاعد مجلس الشعب. فانتقلت القوى الأخرى، بعضها جديد وبعض آخر قديم، إلى الاحتجاج محافظة على تشتتها وتشرذمها ونطقها بأصوات كثيرة ومواقف متناقضة.
في غمرة الحماسة، بعد الثورة، بدا من الصعب تحديد ما يجب تغييره وما إذا كان هناك ما يتوجب الحفاظ عليه. بل بدا كأن هناك شعباً شعر بأن لحظته جاءت للخلاص من التهميش والإقصاء، وأنه يريد اقتلاع شعب آخر ليحل محله في كل شيء. الدولة والحكم والمؤسسات والوظائف والفرص والثروات، لكن المعضلة تكمن في أنهما شعب واحد، أي لا يمكن معالجة إقصاء بإقصاء. ومن الاستحقاقات الصعبة والمهمة التي ارتسمت بعد الثورة، ولم يمكن إيجاد تصور عملي لها، الجواب عن السؤال:
هل أن مصر باتت جاهزة لديمقراطية كالتي تتمناها، ولرئيس لا يكون، كما يقال، "فرعونا"؟ لاشك أن العملية الانتخابية أثبتت في حد ذاتها شيئاً من هذه الجهوزية، لكن المنتخبين لم يثبتوا في مجلس الشعب أنهم بصدد بناء التجربة الديمقراطية، لم يدركوا أن "العهد الجديد" لم يبدأ معهم بل أنهم في معمعة مرحلة انتقالية لابد من احترام مقتضياتها، وإلا فإن المراحل التالية ستتشوه بأخطائها.
لذلك بدا كل شيء أمكن إنجازه خلال أربعة عشر شهراً وكأنه قابل للتفجر مع اقتراب انتخاب الرئيس. واقعياً لم يعمل اللاعبون كافة ما يلزم لإعداد المسرح لهذا الاستحقاق المفتاحي الحاسم إذ دخل البرلمان التعددي المنتخب فعلاً للمرة الأولى، في صراعات وجدالات لا علاقة لها بما يتوقع منه. كان الأجدى أن ينخرط مباشرة في عملية اعداد الدستور الجديد، وأن يختار لهذه المهمة هيئة وطنية تخضع لمعايير ما يفترض أنه "تأسيس" لنظام يعبر عن جميع الفئات، إلا أن البرلمان، أو بالأحرى القوى ذات الغالبية فيه، شرع فوراً في نهج تدافع ومناكفة مع المجلس العسكري، رغم أن هذا المجلس التزم خطة متوافقا عليها لخطوات تسليم المقاليد إلى سلطة منتخبة.
يمكن أن يتهم المجلس العسكري بأنه خطط للاستمرار في الحكم، وأنه سعى إلى ضمان دور المؤسسة العسكرية ودورها الذي مارسته منذ ثورة 1952، وأنه بذل المستطاع لحماية النظام السابق الذي بقي حاكماً وفاعلاً رغم سقوط رئيسه ومحاكمته والحكم عليه بالسجن المؤبد، أكثر من ذلك، يمكن أن يتهم بأنه مارس كل الألاعيب المتاحة لمنع وصول مرشح إسلامي، تحديداً من "الاخوان المسلمين"، إلى سدة الرئاسة، ولعله رتب "الانقلاب الناعم"، عبر المحكمة الدستورية، فحلّ البرلمان تحسباً لفوز رئيس "اخواني"، إذ يحرمه بذلك من برلمان تحت سيطرة الإسلاميين ويضطره إلى تنظيم انتخابات جديدة لابد أن تختلط فيها الأوراق لتأتي تركيبته الجديدة أقرب إلى الواقع، بل يمكن الذهاب إلى أن المجلس العسكري تعمد كل هذه البلبلة في الحياة السياسية ليبقى ما أمكنه من خيوط الحكم في يده حتى بعد انتخاب الرئيس.
واقعياً، كان على مختلف القوى السياسية، ولا سيما الإسلاميين، أن تتعامل مع مكانة الجيش ووجوده عبر أجهزته في مختلف أروقة الدولة ومؤسساتها على أنه معطى موضوعي لا يمكن إزالته بـ"مليونية" في ميدان التحرير، لأنه صار راسخاً أصلاً في المجتمع، وبالتالي فإن تفكيكه وابعاده عن الحكم والسياسة لا يتم إلا بعمل ديمقراطي دؤوب، وعلى مدى زمني قد يطول وقد يقصر بحسب نجاح التجربة الديمقراطية في مجالاتها المتعددة، وفي النموذج التركي ما يمكن أن يفيد ببعض الصبر، وأهمها أن الجيش هناك خسر سيطرته تدريجياً، إلى أن فقدها الآن تماماً، لكن وصول "حزب العدالة والتنمية" إلى الحكم وعمله ونجاحه واتساع شعبيته وتأكيد مصداقيته تمت كلها في ظل الجيش واستقوائه. ولو سعى حزب رجب طيب أردوغان إلى تحدي الجيش وإزاحته وكسر هيبته، منذ لحظة وصوله إلى الحكم، لكان أخلّ بمعادلة ارتضاها الشعب والمجتمع.
فالقاعدة في الجمهوريات أن الجيش يحمي النظام، ولا يستطيع أن يكون هو النظام، لكنه عند التحولات التاريخية الكبرى يضطر إلى الحفاظ على ما يعرفه في انتظار تبلور الجديد الذي لم يثبت أهليته بعد.
كان الانتقال من شعار "الشعب والجيش يد واحدة" إلى "الشعب يريد إسقاط حكم العسكر" دليلاً على أن الشارع لم يعرف الحدود التي يجب أن يقف عندها، والخطأ هنا ليس خطأه، وإنما خطأ القوى السياسية التي لم ترد أن تعترف بحقائق البلد بل اندفعت إلى تحكيم طموحاتها وعواطفها في الصراع الطبيعي الذي نشأ غداة الثورة، فالإسلاميون سارعوا إلى اعتبار أن ستين عاما من تاريخ مصر محيت واندثرت ولم يعد لها أثر، و"الليبراليون" - كما يسمون اختصاراً للدلالة إلى قوى سياسية غير دينية – أرادوا إما مغازلة الإسلاميين في السعي إلى التغيير الاجتثاثي، وإما مغازلة العسكر ضد الإسلاميين تحصيلاً لمكاسب من دون عناء. لكن الخريطة السياسية التي ارتسمت في البرلمان شكلت مؤشراً واضحاً إلى أن الجيش لم يتملق أحداً ولم يتدخل، لكنه وضع "الاخوان" على المحك: إما أن يكتفوا بهذا الانتصار كبداية، وإما أن يطمعوا بالاستحواذ على كل المؤسسات، وهو ما لن يمر ببساطة.
ربما كان العالم العربي يترقب تخلق النظام الجديد في مصر ليبني على ذلك توقعاته لعودتها إلى ممارسة دور إقليمي مفقود حاليا، الواقع أن تعقيدات الوضع الداخلي قد تؤخر هذه العودة، وبالتالي سيطول الانتظار. فأياً يكن الرئيس المنتخب سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه: صلاحيات غير واضحة، دستور مؤقت موضع اعتراضات، انتخابات تشريعية ينبغي إجراؤها، وضع اقتصادي هش.. والأهم أنه مطالب بمبادرات سريعة لوضع ركائز لمصالحة وطنية، وإلا فإنه سيواجه مجتمعاً سياسياً متضارب الأهواء وشارعاً غاضباً يرغب في إسقاطه، ستحتاج مصر إلى السنوات الأربع الآتية، مدة ولاية الرئيس، لاستعادة أنفاسها، واسترداد عافيتها قبل أن تصبح غير قادرة على ممارسة دورها المتصور. وأي نظام جديد لا يستند إلى بلد متصالح مع نفسه لن يتمتع بمصداقية كافية لطرح رؤية إقليمية، رغم أن مصر محكومة بأن تكون لاعباً إقليمياً سواء في محيطها العربي المرتبط بها تاريخيا أو بجوارها الإفريقي المرتبط معها بنهر النيل.
سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه
مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد
51
| 17 مايو 2026
العراق .. واختبار الدولة
منذ عام 2003 والعراق يعيش داخل دائرة سياسية مغلقة، تتبدل فيها الحكومات وتتغير الوجوه، لكن الأزمة الجوهرية بقيت... اقرأ المزيد
81
| 17 مايو 2026
العلاقات التركية - الجزائرية من الماضي إلى الحاضر
تستند العلاقات بين تركيا والجزائر إلى روابط تاريخية وثقافية قوية تعود إلى العهد العثماني. مع انضمام برباروس خير... اقرأ المزيد
60
| 17 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5223
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4989
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1710
| 13 مايو 2026