رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تتساوى الثورات تاريخياً في انطلاقها دفعاً للظلم ونقمة على الفساد وإرادة شعبية في تغيير أنماط حكم وإدارة للموارد والاقتصاد تعمل لمصلحة فئة محدودة على حساب أبناء الشعب كافة، بهذه الأهداف والشعارات قامت ثورة 23 يوليو 1952 في مصر، واعتبرت صوتاً مفصلياً في العالم العربي، خصوصاً أن الخيارات التي اتخذتها لتطبيق برنامجها غيرت الواقع في مصر، وأدخلت الإقليم في سياسات الاستقطاب الدولية رغم دفاعها الشديد عن خط ثالث عرف بـ "عدم الانحياز". والواقع أن ظروف الحرب الباردة بين المعسكرين الدوليين همشت هذا الاتجاه الاستقلالي الذي بقي معنويا ولم يتمكن من فرض نفسه عملياً سواء لتعديل سياسات المعسكرين أو جعلها تتعايش وتحترم إرادة ما يقرب من خمسين دولة تطمح إلى النأي بذاتها عن صراعاتهما.
في الذكرى الستين لثورة 23 يوليو، اليوم، يبرز اتجاه إلى اعتبارها مسؤولة عن الأحوال التي أدت إلى ثورة 25 يناير 2011، ويجري في هذا السياق إسقاط كل السلبيات على "حكم العسكر" الذي انبثق من انقلاب 23 يوليو واستمر بصيغ مختلفة حتى يومنا هذا، وبات أحد أهداف الثورة الجديدة الانتهاء كلياً من أي دور للعسكريين في الحكم والسياسة، ورغم أن هذا هدف مشروع في إطار المطالبة بـ"دولة مدنية" إلا أنه لن يتحقق إلا تدريجياً لئلا يفاقم الانقسام الشعبي والاجتماعي.
يجدر التذكير بأن ثورة 23 يوليو استقبلت مصرياً في حينها على أنها إنهاء للظلم وإحقاق للعدل، وبالتالي فإنها أنصفت الجزء الأكبر من الشعب، وها هي أصبحت اليوم محطة في التاريخ المصري الطويل، ويجب الاعتراف بها وتحديد إيجابياتها والمصالح التي حققتها، وكذلك السلبيات والأضرار التي نجمت عن إساءة استخدام السلطة في إطارها، فالفرنسيون لا ينكرون ثورة 1789 رغم ما شاب أعوامها الأولى من فوضى وعنف وسفك دماء، بل إنهم لا يتجاهلون المبادئ والأفكار التي طرحتها الثورة وغدت أساساً ثقافتهم السياسية لا يزال نظامهم الجمهوري يغترف منها ويستند إليها.
رفعت ثورة 23 يوليو ستة مبادئ، ثلاثة منها تتعلق بتغيير الوضع السابق: القضاء على الإقطاع، والاستعمار، وسيطرة رأس المال على الحكم. وثلاثة تتعلق بالوضع الجديد: إقامة حياة ديمقراطية سليمة، وجيش وطني قوي، وعدالة اجتماعية. وإذا أريد الحكم عليها في ضوء هذه المبادئ سيتبين سريعاً أين طرأ الخلل، وكيف أن تطبيق المفاهيم اختلف باختلاف القائد والظروف والخيارات، إذ اتسمت مرحلة جمال عبدالناصر باختلال التوازن بين الطموحات الخارجية والاستحقاقات الداخلية، وبين محاولات استرداد الأرض الفلسطينية المغتصبة ومساعدة حركات التحرر العربية، ودفع مشاريع الوحدة، وبين ضرورات الإنجاز الداخلي لتأمين "الجبهة الداخلية" واستمرار الالتفاف الشعبي حول القيادة، ومنذ هذه المرحلة الناصرية ظهرت بوضوح محدودية الاندفاع نحو "إقامة حياة ديمقراطية سليمة" لمصلحة "إقامة جيش وطني قوي"، ما ساهم في عسكرة الدولة ومؤسساتها من دون التنبه إلى خطورة هذا الاتجاه على المدى الطويل، تحديداً في تهيئة للمجتمع المدني وإعطائه مشروعية للأجهزة وأشخاصها كي يتصرفوا بأنهم هم الدولة وأن الدولة هي هم.
في مرحلة أنور السادات أقدم الحكم على جملة مبادرات للتخفف من الأعباء الخارجية وفي طليعتها الصراع مع إسرائيل، كما أجريت انفتاحات في النظام الاقتصادي الاشتراكي ترافقت مع انفتاحات محدودة على الصعيد السياسي إلا أنها لم تبلغ إتاحة الحريات أو الاقتراب من نمط ديمقراطي قابل للتطوير، أدى ذلك أولاً إلى اهتزاز الزعامة العربية لمصر، وانكشاف أن الاستعمار الذي تلقى ضربات مهمة من خلال تأميم قناة السويس وإجراءات أخرى استطاع أن يعود عبر الضغوط الاقتصادية، ثم أن "الانفتاح" غير المنظم افسح المجال سريعاً لنشوة طبقة المستفيدين منه رغم أن هدفه الرئيسي كان أنهاض الاقتصاد الوطني، ثم أن هذه التركة التي آلت إلى حسني مبارك ما لبثت أن تفاعلت سلباً في مختلف الاتجاهات، فالسلام مع إسرائيل أضحى انصياعاً لها، والاقتصاد المنفتح صار ألعوبة في أيدي رجال الأعمال، ومشاريع التنمية كانت في معظمها غطاء للفساد، وحتى الجيش شهد تغييرات في بنيته ووظيفته فغدا أكبر المستثمرين في البلد، كما أن تلاشي معايير العدالة الاجتماعية جعل الهامش المتوقع للحريات بلا أي معنى طالما أنه يقترن بإصلاح سياسي جذري، ورغم أن ثورة 23 يوليو أنهت النظام الملكي، إلا أنه كان مرشحاً للعودة من خلال السعي إلى توريث الحكم إلى نجل الرئيس.
السؤال الذي يطرح: هل أن ثورة 23 يوليو هي المسؤولة عن تدهور أحوال مصر؟ أم أن إساءة استخدام السلطة هو الذي صرفها عن مسارها؟ الأكيد أنه لولا الجيش لما استطاعت ثورة 25 يناير أن تنجز بهذه السرعة وهذا الحد الأدنى من الخسائر البشرية والاقتصادية، من الواضح أن "العسكرة" المنتشرة قد فعلت فعلتها، وأن الحلقة المفقودة، أي "إقامة حياة ديمقراطية سليمة"، كانت الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الأنظمة سواء كانت تهتدي بمبادئ الثورة أم لا، لكن الأهم أننا نجد اليوم أن الصراع يدور تحديداً على هذا الهدف، وسط خشية مبررة من استبدال القائد الديني بالقائد العسكري، نظراً إلى تقارب نهجيهما وإلى التنافس التاريخي بينهما، فبعد نقمة "الإخوان المسلمين" على الحكم، وحملة الحكم عليهم في العهود السابقة، يعزى إلى أن "الإخوان" اعتبروا أنفسهم شركاء في ثورة 23 يوليو لكن الضباط الأحرار خذلوهم، ثمة فرصة لتبديد هذا الخلاف بإعادة تركيز بوصلة الحكم في اتجاه الشعب الذي لم يكل من ترديد مطالبه بالحرية والكرامة والعدالة والعيش الكريم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5724
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5238
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1728
| 13 مايو 2026