رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ رحيل ياسر عرفات عام 2004 كان يجب وضع كل الاعتبارات جانباً والشروع في تحقيق عميق وفاعل للتوصل إلى نتيجة. كانت هذه مهمة دول وأجهزة عربية بشكل أولي واستثنائي، إلى جانب أي لجنة فلسطينية خاصة. لماذا؟ لأن المسألة لم تكن مسألة وفاة رجل، ورغم أن الوفاة يمكن أن تكون طبيعية وعادية إلا أنها في حال عرفات كانت شبه معلنة قبل أوانها، كما أن مراحل المرض منذ بدايته لم تكن عادية، ولم تكن لها مقدمات ولا سوابق، ثم أن قادة العدو الإسرائيلي، وعلى رأسهم أرييل شارون لم يخفوا نياتهم بضرورة التخلص من الرئيس الفلسطيني.
كانت تصفية عرفات، بالنسبة إلى العرب، ضربة مباشرة لشروط "عملية السلام" التي اعتبروها خياراً استراتيجياً في كل مؤتمرات القمة العربية، مؤكدين بذلك تخليهم عن خيار الحرب الذي لم يبد أن إسرائيل أخذته يوماً في الاعتبار، وطالما أن "عملية السلام" قامت أساساً على التفاوض وحتمية قبول المفاوض الآخر، فإن إقدام إسرائيل على محاصرة مقر عرفات ومهاجمته وتدمير أجزاء منه مثل انتهاكاً واضحاً لقواعد التفاوض وتمهيداً لتقويض خطير لـ"عملية السلام"، والدليل أن شطب المفاوض الفلسطيني الأول، أي عرفات، وبموافقة ضمنية من جانب الولايات المتحدة وإدارتها البوشية آنذاك، نسف إمكانات إحياء المفاوضات، ولم يعد السلام أولوية أمريكية أو إسرائيلية.
بعد مضي خمسة أعوام على سياسة المسالمة، ورفض العسكرة وبذل أقصى الجهود للتنسيق الأمني، أدركت القيادة الفلسطينية التالية أن إسرائيل اغتالت عرفات لتقول إن "السلام" دفن معه، وأن ما تحقق منه خلال حياته هو أقصى ما تعتزم التنازل عنه، بل أنها انتقلت إلى استغلال نهج المسالمة للتوسع في سرقة الأراضي الفلسطينية ومد رقعة الاستيطان مستهزئة بالإدانات الدولية التي تذكرها بالقوانين الدولية، أكثر من ذلك لم تجد إسرائيل في إعلان الجانب الفلسطيني اعتماد المقاومة الشعبية السلمية ما يلزمها بالإقلاع عن العنف المفرط وإفلات ميليشيات المستوطنين للإمعان في الاعتداء على الفلسطينيين وأملاكهم وأرزاقهم، وحتى عندما اتجهت السلطة الفلسطينية إلى المطالبة بنيل اعتراف مجلس الأمن بالدولة الفلسطينية، جردت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة دبلوماسية شرسة لتعطيل هذا التحرك المشروع، وفي إطار هذه الحملة أرسلت واشنطن وفداً مهمته تهديد الرئيس محمود عباس، كما أن العديد من متطرفي الحكومة الإسرائيلية طالب بالتخلص منه.
لا يعني ذلك سوى أن إسرائيل أقامت باغتيال عرفات نهجاً لن تتردد في تكراره إذا لم يفهم الطرف الآخر مغزى رسالة الاغتيالات التي كانت حصدت العديد من القادة، ومنهم الشيخ أحمد ياسين وعبدالعزيز الرنتيسي، وأبو علي مصطفى، قبل أن تقر حكومتها الشارونية اغتيال عرفات بأسلوب استخباري يحول دون استشهاده علناً، لكن الشكوك في وجود عملية مبرمجة للاغتيال بدأت منذ الأنباء الأولى عن "المرض الغامض" الذي يعاني الرئيس الفلسطيني منه.
وقبل الوفاة في المستشفى الفرنسي وبعدها نبه الأطباء إلى وجود حال لم يتمكنوا من تشخيصها، خصوصاً أنهم واظبوا طوال أعوام مضت على متابعة وضعه الصحي الذي راح يتدهور تدريجيا، وقد حالت التطورات السياسية دون موافقة عرفات - أو حتى تمكنه - على مغادرة مقره للعلاج، إذ كان يخشى منعه من العودة إليه.
في تلك الآونة، وبعد إنذارات الأطباء، كان يجب أن يبدأ التحقيق، بقرار من عرفات شخصياً أو من دونه، وكان يجب أن يكون هناك من بعض العواصم العربية المعنية بالشأن الفلسطيني باعتبار أن المسألة سياسية أولاً وأخيراً.
صحيح أن فحوصاً شتى أجريت طبياً ولم تتوصل إلى شيء، إلا أن أي جهاز مولج بالتحقيق لابد أن يعرف أن دولاً كثيرة ومنها إسرائيل توصلت إلى ابتكار أنواع خفية من السموم، وحتى بعد الوفاة كان على التحقيق أن يذهب إلى أقصى الاحتمالات وأكثرها ضعفا، وها هو التحقيق الذي أجرى في المختبر السويسري لمصلحة قناة "الجزيرة" يتوصل إلى فرضية صعبة، وكان الأحرى بالتحقيق "الرسمي" أن يبلغها قبل الآن ليتمكن من التقدم أكثر في حصر الاشتباهات، وهي هنا تقتصر على إسرائيل دون سواها.
كان لاغتيال الجاسوس الروسي السابق الكسندر ليفتيننكو عام 2006م، والكشف سريعاً أنه سمم بمادة "البولونيوم" شديدة الإشعاع، أن يدق الناقوس للمحققين الفلسطينيين، سواء لدرس الأعراض التي ظهرت على ليفتيننكو والمراحل التي مر بها خلال مرضه، أو لرصد احتمالات العلاج التي لا يبدو أنها متوافرة، وإلا لكان الأطباء والانجليز توصلوا إلى إنقاذ المريض الروسي، وبحسب الخبراء فإن هذه المادة السامة تصنع ذرياً وتصيب المستهدف بها بإشعاعات لا تظهر آثارها في تحاليل الدم، وبالتالي فإنها لا تتوافر إلا لدى الدول التي تملك قدرات وأنشطة نووية عسكرية، ومن شأن ذلك أن يضيف نطاق أي تحقيق في عملية الاغتيال، لا للعثور على مصدر "البولونيوم" الذي اكتشفت آثاره في مقتنيات عرفات وإنما لحصر مسؤولية إسرائيل والعثور على ما يؤكد وجود قرار يخوّل الأجهزة الاستخبارية إزاحة الرئيس الفلسطيني بأي وسيلة تبعد الاشتباه عن الجهة المتورطة.
الاكتشاف الجديد في العملية يؤكد الشكوك السائدة بأن عرفات قتل بالسم، وإذا كان للجامعة العربية أن تدرس القضية وتتخذ قراراً بشأنها، فإن المطالبة بتحقيق دولي لابد أن تصطدم بـ"فيتو"، أمريكي في مجلس الأمن، أما اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لوضع مثل هذا التحقيق على جدول الأعمال الدولي فقد لا يذهب بعيداً، لعل الأهم والأكثر فاعلية أن تتبنى دول الجامعة إنشاء لجنة تحقيق محترفة تعمل بعيداً عن الأضواء وتستخدم معلومات الأجهزة الاستخبارية وعلاقاتها، أساساً كان من الخطأ اعتبار الملف مغلقا، أو أنه يخص الجانب الفلسطيني وحده، فالاغتيال كان فصلاً سياسياً زعزع المصلحة العربية في إقامة سلام، وخطورته تكمن في احتمالات تكراره، أي أن العدو الإسرائيلي سيكرس قاعدة تصفية المفاوض كلما أراد خلط الأوراق وتغيير متطلبات أي سلام.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
4695
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
4335
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1506
| 13 مايو 2026