رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كان هناك كم هائل من التحذيرات والمؤشرات، كان هناك شهود عيان وفيديوات وأشرطة سمعية وبيانات منشورة على المواقع الالكترونية، ومع ذلك لا أحد يعلم لماذا كان هذا التراخي في الحذر الأمني أقلة حماية للجنود المصريين، هل كان يجب أن تقع هذه المأساة المروعة في رفح حتى يستفيق الجميع، ويهب الجيش المصري لشن حملة واسعة النطاق واعادة الأمن إلى شبه جزيرة سيناء، في أي حال لا يزال عصياً على التصديق أن تقوم مجموعة مسلحين يفترض أنهم مسلمون بقتل جنود صائمين لحظة إفطارهم غروب ذلك السبت الأسود، إذ أن جريمة كهذه لا يمكن أن يرتكبها سوى عدد متوحش لا يعرف أي رحمة ولا ديناً.
كثرت في الأونة الأخيرة، تحديداً قبل بضعة شهور، شكاوى المواطنين السينائيين من وجود مسلحين، بعضهم غرباء، يتجولون علناً وبحرية تامة، ويفرضون حالاً من الخوف والقلق، وبالتأكيد تناهى الأمر إلى السلطات، واجهزتها في القاهرة، ورغم أن المسؤولين المحليين حرصوا لأسباب غير مفهومة على القول إن الاوضاع عادية، طبيعية فقد كان الأولى أن تؤخذ المعطيات على محمل الجد، وبالتالي التحرك للتعامل مع الوضع حتى لو تطلب التفاهم مع إسرائيل، فالأخيرة اكثرت أيضا من اشاراتها إلى تراجع الأمن في سيناء، واعلنت حكومتها مراراً إنها درست واتخذت اجراءات لمواجهة أي اخطار، لكنها لم تعلن طبعاً أنها لن تتلاعب بالوضع الناشئ ولن تستغله للإفادة منه، فهي لا تتردد في الايذاء، خصوصا بعدما استشعرت في ثورة 25 يناير خسارة استراتيجية لها.
قد تتم عملية تطبيع الاوضاع في سيناء بسرعة، وربما من دون صعوبات كبيرة، لكن هذا لا يعني أن الحل الأمني وحده يكفي، كانت مصر استعادت سيناء من الاحتلال الإسرائيلي 1982 بموجب معاهدة السلام، وشهدت وقتئذ فورة حماس لانماء شبه الجزيرة وتحويلها من منطقة صحراوية جرداء إلى بؤرة جاذبة للصناعات والسياحة وفرص العمل، بعد ثلاثين عاما لا يبدو أن الكثير قد تحقق، وأن القليل الذي انجز لم يبد مهتماً بسكان سيناء ولا باغراء مصريين كثيرين بالانتقال للعمل والعيش فيها، وفي الفترة نفسها بددت أموال ضخمة في "مشروع توشكا" على الحدود المصرية- السودانية قبل أن يتبين أنه مجرد وهم، لكن انفقت ايضا، في الفترة نفسها، أموال أكثر ضخامة لإنشاء ومنتجعات سياحية ومجمعات سكنية خارج المدن الكبرى من دون الالتفات إلى تحسين نوعية العيش في بعض نواحي العاصمة أو الشروع في ايجاد حلول للمناطق العشوائية التي بات يقطنها ملايين المصريين وتفتقد المرافق والبنى التحتية المناسبة.
لم يكن مستغرباً، إذن، أن يتراكم التهميش والإهمال في سيناء ليشعر سكانها بأنهم متروكون لمصيرهم، بل مدفوعون إلى تدبير شؤونهم بالوسائل التي تبررها الحاجة، ولاشك أنهم وجدوا في قطاع غزة مجالاً حيوياً ومصدراً رئيسياً لرزقهم أقرب إليهم من "مصر الأم".. ومنذ فرضت إسرائيل حصارها اللا إنساني على غزة كان واضحاً أنها تلقي بالمعضلة على كاهل مصر، معضلة إنسانية ينبغي التعامل معها لتخفيف المعاناة، لكن معضلة سياسية أيضا راهنت إسرائيل فيها على الوقت الذي سيزيد ارتباط القطاع بمصر ويتقلص مع سائر المناطق الفلسطينية، وهكذا راحت الانفاق تتكاثر، وغدت خطوط مواصلات ناشطة تتم عبرها كل الانشطة التجارية وغير التجارية.
في مثل هذه البيئة تداخل المشروع بالممنوع، والسلاح بالدواء والغذاء، وتهريب السلع بتهريب البشر، في مشهد اقرب إلى السوريالية لكنه في عمق الواقع، ومع ذلك فإن الاعراف الآدمية ترفض قبوله، فلا هو يعالج مشكلة حصار غزة وفقا للقوانين الدولية، ولا هو يؤهل السينائيين لحياة مفتوحة على تنمية صحيحة لأوضاعهم، ولا هو يزيد إلى نضالية غزة وكفاحها، ولا هو أخيراً يزيد الجانب المصري وطنية وقومية، كان هذا الوضع ولايزال معيباً ومخيباً، بل زاده تفاقماً أن إسرائيل والولايات المتحدة وضعتا النظام المصري السابق في اختبار سلوكه ينجح فيه أو يفشل إذا استطاع سد تلك الانفاق، ما لم تفلح فيه إسرائيل يبدو أن المجموعات المسلحة، ذات التوجه "الجهادي".. اضطرت مصر أخيراً إلى اتخاذ قرار طالما استبعدته بشأن الانفاق، فالذين قتلوا الجنود في رفح جاءوا عبر الانفاق واستولوا على المركبات مندفعين بها إلى داخل القطاع.
لا يمكن أن نتخيل كم كان التصفيق والتهليل عالياً في غرفة العمليات الإسرائيلية، فهذه عملية كانت ناجحة ومربحة ومجانية إلى اقصى حد، بل إنها تمت كما لو أن "الموساد" خططها وربما على نحو أفضل مما لو كان خططها، وعدا نتائجها وتداعياتها على الجانب المصري فإنها شكلت أفضل اختبار يمكن أن تجريه إسرائيل للحكم الجديد في مصر، ثم إنها وجهت ضربة قوية للعلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمين" وحركة "حماس" التي لم تكل من نفي أي علاقة لها بمجموعة القتلة، لكن الحكومتين المصرية والإسرائيلية اعتبرتاها "مسؤولة" عما حصل كونها سلطة الأمر الواقع في غزة، أما "حماس" نفسها فلعل شكوكها واشتباهاتها ذهبت في اتجاه آخر، فإذا كان جانب من العملية موجهاً لضرب هيبة حكمها فلعل هذا أول انذار ملموس تتلقاه بعد مغادرة قادتها سوريا ونأيها بالنفس عن الخط الإيراني الذي اتكأت عليه وعول عليها لتثبيت نفوذه في القطاع وامتداداته.
وسط كل هذه التداعيات يبرز أيضا البعد "القاعدي" بفرعيه الغربي "جيش الإسلام" والسينائي "انصار الجهاد" وكان الاخير أصدر قبل شهور مبايعة لأيمن الظواهري زعيم تنظيم "القاعدة".. لاشك في أن التنظيم وجد بيئة متقبلة في سيناء لا لأفكاره وإنما لـ"فرص العمل" التي يمكن ان يوفرها، ولاشك أيضا أنه يشهد تنافسا بين اختراقات كثيرة تستهدفه وتستخدمه، من هنا أن مهمة اعادة الأمن إلى سيناء يجب أن تكون لمصلحة مصر، كما لمصلحة غزة، أما أن تكون لمصلحة إسرائيل فقط فهذا يبقي المشكلة ويفاقمها من دون أن يعالجها، والأكيد أن البداية لابد أن تكون بانهاء الحصار على القطاع.. فالأمن ليس أمن إسرائيل فقط بل أمن الجميع، ولكل جانبه من المسؤولية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4617
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026