رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يوم الأربعاء الماضي انشغلت بريطانيا بحدث بسيط في ظاهره لكنه اعتبر تاريخياً وعميقاً في مغزاه: مصافحة هي الأولى من نوعها بين الملكة إليزابيث الثانية وأحد قادة "الجيش الجمهوري الأيرلندي" مارتن ماك غينيس الذي أصبح نائب رئيس الوزراء في أيرلندا الشمالية بفعل اتفاق السلام الذي أنهى صراعاً طويلاً وأمكن التوصل إليه بعد أعوام من التفاوض. ورغم أن المشاعر لا تزال ثقيلة بسبب عقود من المواجهات الدامية، بل رغم اليقين بأن التوصل إلى مصالحة حقيقية سيحتاج إلى أجيال، إلا أن تلك المصافحة بين الملكة وأحد الذين عملوا من أجل تقويض سلطتها وضعت تحت عنوان تجاوز الماضي والتطلع إلى المستقبل.
بعد أيام تحتفل الجزائر بالذكرى الخمسين لاستقلالها عن الاستعمار الفرنسي الذي دام مائة واثنين وثلاثين عاماً، ولم يقتلع إلا بثورة مسلحة بالغة الكلفة بشرياً، إذ جعلت الجزائر "بلد المليون شهيد"، لكن نصف القرن الذي مضى لا يبدو كافياً للحكم بأن الجزائر تخطت المرحلة الاستعمارية التي استمرت حاضرة إلى اليوم في مجمل الخطاب السياسي والوطني، وذلك رغم تعاقب الأجيال، ورغم جهد بذل لتصفية الاستعمار سياسياً واقتصادياً ولا شك أن المقارنة قد تكون خاطئة وغير منصفة بين الجزائر وأيرلندا، إلا أن الصدفة فرضتها، ففي وقت قياسي انتقل الأيرلنديون إلى الوضع الجديد، وهم يجدون الخطى لبناء مستقبلهم معتبرين أنهم حصلوا على أفضل الممكن، وهو أدنى بكثير من طموحاتهم، لأنهم باقون بشكل أو بآخر تحت العرش البريطاني، أما الجزائر فانتزعت استقلالاً ناجزاً ومستحقاً بفضل التضحيات الضخمة التي قدمها أبناؤها.
وإذ بقيت الجزائر بالنسبة إلى فرنسا جرحاً أظهر لها بعضاً من وجوهها القاسية بل الوحشية التي ترغب في نسيانها، فإنها نجحت إلى حد ما في تخطي ما حصل، معتمدة تحديداً على عامل الوقت، غير أنها مخافة عودة الماضي وبشاعاته إلى الواجهة، أحجمت عن كشف أرشيف تلك الفترة، لذلك بقيت "المصالحة"، بينها وبين الجزائر بمثابة مشروع مؤجل، رغم العلاقات القائمة وآلاف "المصافحات"، ووجود عشرات الآلاف من الجزائريين الذين يعيشون لديها، إذ يبدو الأمر وكأن حاجزاً نفسياً سميكاً وعالياً أقيم تلقائياً بين البلدين ومنعهما من "تطبيع" الوضع نهائياً بينهما.
بين البلدان التي استعمرتها فرنسا ثم انسحبت منها، تبقى الجزائر حالاً خاصة، فحكومتها حريصة على بروتوكولات الندية مع مستعمرها السابق، بل أكثر حرصاً على الطلاق مع إرثه، وبالأخص الثقافي منه. أما فرنسا فظهرت فيها مئات الكتب التي تطمح للقول إنها تعلمت من التجربة واستوعبتها، في حين أن السؤال الذي طرح نفسه دائماً كان: ما الذي فعلته الجزائر باستقلالها؟ بداية لم تكن مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة مريحة وبناءة بسبب الصراع على السلطة بين أبناء الثورة وعدم اتضاح الرؤية بالنسبة إلى شكل الدولة وملامحها، ولابد من الإشارة إلى أنه كان لابد من إقامة كل شيء من نقطة الصفر. لم تكن الأعوام الثلاثة الأولى مع أحمد بن بلة سوى مرحلة مضطربة، وقليلة الإنجازات، وبعد استيلاء هواري بومدين على الحكم وظهور المداخيل النفطية كان اعتناق النموذج الاشتراكي نعمة ونقمة في آن، إذ حاول تحقيق مشروعات تصنيعية وتنمية البنى التحتية وإقامة نظام للعدالة الاجتماعية، لكن شدة الحكم سوغت له ترسيخ الأمن وتعزيز الإدارة العسكرية للبلاد على حساب الحريات التي لم تعتبر من الأولويات.
بعد وفاة بومدين، اتضح أن الحكم متجه للاستمرار في كنف الجنرالات والتسويات والمساومات التي يجرونها في ما بينهم، حاول الشاذلي بن جديد إدخال تحسينات في اتجاه اقتصاد السوق، كما حاول دفع النظام نحو الانفتاح داخلياً، إذ عادت مسألة الحريات تطرح نفسها قبل أن تتفجر في أحداث أكتوبر 1988م، التي اعتبرت "ربيعا" جزائريا باكرا، ما لبث أن توج باكتساح الإسلاميين الانتخابات أواخر 1991 أوائل 1992 فألغى العسكر النتيجة وتصرفوا كما لو أنها لم تكن أصلاً، وبذلك انتهى "الربيع الجزائري" إلى ما يشبه الحرب الأهلية ودخلت البلاد في ما بات يسمى "عشرية الدم" التي استغرقت معظم التسعينيات وحصدت نحو مائتي ألف قتيل، اقتصر الهم الوطني خلالها على استعادة الأمن، وتأكد أن العسكر هم الحكام الفعليون سواء في الواجهة أو من وراء الستار، وبدا أن مرحلة عبدالعزيز بوتفليقة استطاعت أن تمنح العسكر فرصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي بحيث يبدو كأنه يحقق تعددية تحت السيطرة والمراقبة بالتوازي مع استتباب نسبي للأمن، وفي إطار هذه "التعددية" جرى إشراك أحزاب إسلامية في الانتخابات وأحياناً في التركيبات الحكومية، لكن، رغم ذلك بقيت الهيمنة لحزب جبهة التحرير الوطني الذي كان وحيداً في دولة الحزب الواحد، واستمر في ظل نظام التعددية.
لم تكن هذه مسيرة تتناسب مع مستوى التضحيات والطموحات، خصوصاً أن الجزائر ليست بلداً فقيراً، لكن ثروتها كانت ولا تزال إما ضحية سوء التخطيط أو سوء الإدارة والتوزيع، فضلاً عن الفساد الممأسس.
ولم يكن هناك توازن بين أولوية الإنفاق على التسلح والواجبات الملحة للتنمية، لذلك نشأت هوة عميقة بين "الدولة- الجيش" والمجتمع ليس أدل عليها من النسبة المنخفضة لإقبال الناخبين على الاقتراع، لأنهم يعتبرون ببساطة أن شيئاً لا يتغير، لا يتقدم، بين انتخابات وأخرى.
وإذ يفاخر المسؤولون بأن عدوى "الربيع العربي" لم تصل إلى الجزائر إلا بعوارض سطحية، فإنهم يعترفون بعيداً عن أضواء الإعلام بأن البلاد تعاني من أمراض عضال مزمنة لا تنفك تعتمل في أعماقها ولا أحد يعرف كيف ومتى يمكن أن تنفجر. ورغم مساع دائبة لإحداث إصلاحات إلا أنها تحاذر الاقتراب من الملفات التي يديرها الحكام الفعليون، أي العسكر، وهي تتناول تقريباً مختلف المجالات.
ليشهدوا منافع لهم
سويعات قليلة، وتدخل على الأمة أعظم أيام الدنيا، الأيام التي لا تشبه مرور الزمن المعتاد، بل تشبه مرور... اقرأ المزيد
165
| 17 مايو 2026
توطين الصناعة من قيود الممرات
قد تكون الجغرافيا قدرًا ثابتًا، خاصةً لدول تكتسب حساسيتها من التواجد في مناطق ملتهبة بالصراعات والتوترات، لكن الاستثمار... اقرأ المزيد
408
| 17 مايو 2026
سيرة يكتبها صاحبها.. وسيرة تفضحه
مؤخراً.. أصبحت بعض دور النشر العربية تنظر إلى المحرر الأدبي بوصفه شريكًا حقيقيًا في صناعة الكتاب، بعدما ظل... اقرأ المزيد
144
| 17 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5724
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5256
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1734
| 13 مايو 2026