رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

من المسؤول عن قتل المتظاهرين في سوريا ؟

في سمر ساخن التقينا كإخوة أصدقاء نتحدث أمس حول الذي يجري في بلادنا سوريا الغالية من أحداث يشيب لهولها الولدان حيث لا لغة تستعمل عند أصحاب القرار ضد المتظاهرين المسالمين إلا لغة الرصاص والنار والحديد وكأن هذه العصابات الهمجية فعلاً ترش زخات الموت على الذباب أو الحشرات المؤذية لا على بشر من بني الإنسان لهم كرامتهم وحقوقهم وإن اختلفوا في الرأي معهم، بل الأزيد على القتل والجرح الخطف والتعذيب والاحتقار والإهانة والانتقام الدموي الخسيس الإجرامي والشتم المقذع الذي ينم عن حقد رفين وسفه غير محدود ولكم تأثرنا ونحن نرى ونسمع أزير الرصاص وكوابل زخات المطر ينهمر على المتظاهرين العزل الأحرار الأعزاء وهم يهتفون للحرية المفقودة فعلا وحقيقة في بلاد الشام منذ أكثر من أربعة عقود ولما تابعنا عدة لقطات في مختلف الفضائيات عن ثورات الاحتجاجات في دمشق وريفها والحرم الجامعي في حلب وفي حمص الباسلة وادلب الأبية ومناطق درعا وبانياس والقامشلي ومشاهد مؤثرة في حماة ومناطق وقرى أخرى حتى عمت سوريا كلها غير آبهة باتساع تحرك الدبابات والمدرعات والحصار والتطويق الذي ضرب على أهمها كدرعا وبانياس وحمص ومعرة النعمان وحماه وسقبا وغيرها بارزة بصدورها الشجاعة ضد آلة الظلم من جيش وأمن وشبيحة متحدية في جمعة آزادي الحرية الموت وأنه أفضل من المذلة بل إن كل مجزرة وسام للشرفاء ولعنة على الجزارين، وكان مما هيج نار غضبنا وغضب كل حر رأى وشاهد ذاك المشهد الذي يظهر أحد المتظاهرين وقد أخذه الشبيحة والجلاوزة جانبا في مدينة حماه وانهال عليه منهم أكثر من عشرين عنتريا بالضرب حتى فقد روحه أو وعيه وهم يجرونه كالحيوان الذبيح، يا لها من شجاعة يرى القاتلون فيها أنهم أمهر من فرسان عبس وذبيان وطرزان! وهنا تبادلنا الأسئلة والتعليقات فقال أحدنا: إنني لأعجب من شبابنا الأبطال كيف يسجلون أسطورة التاريخ المعاصر إذ إنهم منذ عشرة أسابيع يرمون بالرصاص الحي وهم صامدون لا يحميهم إلا قميص رقيق على الصدر؟! فأجاب الآخر: يا أخانا العزيز أنسيت ما هم فيه من مخزون الإيمان والإرادة والإباء، ألم تسمع هتافاتهم المدوية؟: المنية ولا الدنية، النار ولا العار فهل تحدي عقلية النظام المسلحة مع من يتمنى الشهادة ويعيد ألف مرة شعر المتنبي: عش عزيزا أو مت وأنت كريم فسأل صديق آخر ولماذا هذه المعالجة الدموية الوحشية؟ وهل إلى سبيل غيرها لو عقل النظام؟ فرد أخ آخر قائلا: إن من يفهم المعالجة الأخوية الوطنية قوم لهم دين يردعهم أو قيم تحجزهم ولكن هيهات هيهات لو عرفوا ما جاء في الأثر من منع أي أحد أن يشير إلى أخيه بالسلاح وأن من فعل ذلك فإن الملائكة تلعنه. وهذا بمجرد الإشارة حقنا لدم المسلم فهل يمكن أن يفعلوا ذلك؟ فتذكر السائل قول جميل صدقي الزهاوي: وكل حكومة بالسيف تقتضي فإن أمامها يوما عصيبا فقال: هؤلاء لن ينجحوا عاجلا أو آجلا لأنه كما يقول المثل التركي: السلاح عدو صاحبه، ولأن انتقامهم من المحتجين المسالمين إنما هو عدالة الهمجيين كما يقول فرانسيس بايكون إنها النفس التي حرم الله قتلها وقنصها في جميع الشرائع والأديان ومع ذلك فلا تنس أن هذا التعاطي الفاشل إنما هو تعاطي الجبناء الذين تمتلئ قلوبهم بغضا ولا يعرفون للمحبة مكانا والبغض انتقام الجبان كما يقول برناردشو وبناء البغض مشيد بحجارة الإهانات وإن هؤلاء الجبناء إنما يحاربون عندما لا يسعهم الفرار كما يقول شكسبير فيصبحون كأنهم فرسان الميدان ضد الأبرياء العزل: وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا وقد أصاب المتنبي، فإن مثل هؤلاء يفكرون بأرجلهم ساعة الخطر فهم في عبودية والشجعان في حرية وهم لا يستأسدون إلا على أهل وطنهم أما حيال الصهاينة والمعتدين فهم حمائم وديعة: أسد علي وفي الحروب نعامة ربداء تنفر من صفير الصافر قال الصديق الآخر: إنهم يوسعون المعتقلين الذين باتوا بعشرات الآلاف تعذيبا جسديا واحتقارا باللسان أيضا، وليس ذلك بغريب على من بلغ به الحقد مداه والخصومة أوجها وكما قال عنترة: لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب وليس رئيس القوم من يحمل الحقد كما قال المقنع الكندي، إن هؤلاء كتل ضخمة هائلة من الحقد على كل ما هو حضاري فماذا تتوقع منهم وقد ذكر علي بن أبي طالب من جرى عليه مثل هذا الوصف: إن الحقود وإن تقادم عهده فالحقد باق في الصدور مغيب وإن بينهم وبين المثل العربي: عند الشدائد تذهب الأحقاد بعد الأرض عن السماء إن مثل هؤلاء السفهاء قادرون على ارتكاب كل شيء كما يقول فولتير أو كما كان يصف الشاعر العراقي معروف الرصافي من كانوا يتآمرون على الوطن من أبناء الجلدة وهم تبع للأجانب حقيقة لا مراء فيها: كلاب للأجانب هم ولكن على أبناء جلدتهم أسود قال صديق آخر: فماذا نقول في النازحين الذين فروا إلى لبنان وتركيا والأردن، وقد قارب عددهم الآن فقط إلى لبنان خمسة آلاف ومن درعا إلى الأردن كثير وكثير، فأجبنا هذه هي حالات الظلم والجور التي يضطر الناس فيها إلى الهروب لأي ملاذ آمن وقد قتل بعض ذويهم واعتقل أو فقد آخرون وقد رأينا بأعيننا الصبية الصغيرة التي فقدت أباها وعمها وهي تبكي فكيف لا يهاجرون من وطن يذلون فيه: وإذا نزلت بدار ذل فارحل ورب عيش أخف منه الحمام ثم كان لابد من هذا السؤال المهم: من المسؤول عن قتل المتظاهرين وسفك الدم البريء والاعتقال التعسفي وانتهاك الحرمات والتعذيب العجيب في المشهد السوري هذا، وهنا كان الجميع على إجابة واحدة لا اضطراب فيها: إن المسؤول الأول هو رئيس السلطة ولا نقول دولة لأنه ليس فيها مواصفات الدولة في علم السياسة والاجتماع، إن الرئيس ومن معه من الأركان من وزير دفاع ووزير داخلية وأجهزة أمنية واستخبارات يتحملون وزر كل ما جرى ويجري على أرض الشام المباركة من قتل وجرح وإيذاء وانتهاكات للرجاء والنساء والشباب والشواب والمعارضين بالرأي الآخر وقد جاء في الأثر أن الزعيم غارم، وقال عمر رضي الله عنه: أشقى الولاة من شقيت به رعيته، وقال محمد عبده: شر السلاطين من خافه البريء والراعي مسؤول عن رعيته كما في الحديث وكما قال علي: ليس تصلح الرعية إلا بالولاة، وكان أبو بكر يقول في خطبة ولايته: إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني والحكومة المثلى هي حكومة القانون والمؤسسات لا حكومة الأشخاص، كما قال جون مارشال وهو ما ينطبق على المشهد السوري بحكم العائلة والحزب القائد والمنتفعين، وكما يقول المثل البلجيكي: إن أكثر أمراض الحكومة سوءا ما يكون في الرأس أي لأنه المسؤول الأول وهو الذي يفتخر بهذه المسؤولية طالما أنه يتأتى إليه نفع فكيف يمكن له التملص منها عندما يجلب الشر على الناس إنه الذي تسبب بظلمهم وإن الذين وقفوا في وجهه قاموا بالسنة والمروءة والديمقراطية والحرية ينادون متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ! كما قال عمر ويعرفون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب من عنده، إن مثل هؤلاء الحكام الذين لم يتركوا بينهم وبين شعوبهم حتى شعرة معاوية كيف لا يسألون ويحاسبون على هذه الدماء أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى وآلاف آلاف المعتقلين والمعذبين والمهجرين سابقا وحاضرا، وإنما السياسة اقتياد القلوب بالإنصاف كما قال عبد الملك بن مروان، وإن هذه الجرائم المقترفة بحق شعبنا الباسل هي التي تجر إلى العار والتاريخ لن ينسى ذلك ويا ليت مثل هؤلاء عرفوا ما قاله بوالا: يمكن للمرء أن يكون بطلا دون أن يدمر الأرض ولكن الحرب عند هؤلاء إنما هي تسلية لهم ضد شعوبهم وإذا كان الرئيس كما يقول: اتخذ قرارا بعدم رمي الرصاص على المتظاهرين فلماذا لا يطاع، إن كان انشقاق في النخب حوله فيجب أن يعلن ذلك وأن ينحاز إلى الحق، ثم إنه على كل حال إن كان رئيسا منتخبا حقا فهو مسؤول وإن انتخب بالقوة والوراثة فهو مسؤول أيضا لأنه حكم بالتغلب فما عدل بل ظلم وطغى وبغى فلابد له من محاسبته ثم خرج جميع الأصدقاء بالحكمة التي قالها عبد الرحمن الكواكبي: إن الحكم القائم على الظلم لا يدوم.

772

| 23 مايو 2011

متى يتعلم البعض فقه الحرية في سورية؟

إن الحرية كلمة غالية نفيسة ترتسم على كل ألسنة البشر ولا يمكن أن ينكرها بمفهومها السليم إلا كل مختل مضطرب في الفكر والسلوك والدراية بأحوال حياة الناس، ويكفي أن نقرأ أن أي إنسان منذ أن يظهر على مسرح هذه الدنيا فإنه يجب أن يتمتع بحق الحرية لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة.". والفطرة تقتضي الحرية ولذلك فإن أي مخالفة لهذا الأمر الذي وهبه الله للإنسان تعتبر اعتداء صارخا على أصل تكوينه جسدا وروحا منذ البداية ولا بأس أن نذكر هنا بشاهد لمثل هذا الأمر وهو الذي يتمثل في حكم ذكره الفقهاء وهو أنه لو عثر على صبي صغير مجهول النسب فادعى رجل مسلم أنه عبده وهو سيده وادعى رجل كافر أنه ابنه حكم به له لا للمسلم وذلك لأجل أن ينشأ هذا الطفل حرا لا عبدا ثم الله كفيل بهدايته إلى الإسلام أو عدم هدايته، إذ المهم هو أن يشم رائحة الحرية من أول حياته وأن تتنفس رئته هذه الحرية لأن الحرية هي أيضا رئته التي لا يعيش من دونها وهذا يصدق على المجتمع كذلك فإذا ما كان حامل هذه الرئة كان حرا وعاش الناس فيه بأنعم سعادة وإلا عم الشقاء واستفحل البلاء إذ ثمة فرق كبير بين جنة الحرية وجهنم العبودية وإذا كان ذلك كذلك فإن الإسلام جعل الناس أحراراً في اختيار معتقداتهم وأفكارهم وتعابيرهم (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي...)، "البقرة: 255"، وغاية نظرة الإسلام في الدعوة إلى دينه القويم أنه يعرض ولا يفرض أبداً النظرة الإسلامية عند المسلمين هي فيما ذكره ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر أن العقل أصل الشرع والإسلام يحترم عقول الناس ولا يستخف بها فيجبرها أن توافق على ما لم تقتنع به وتنحصر مهمته في التبليغ والدعوة والتنوير (وهديناه النجدين)، "البلد: 9". ومن المعروف أنه في حين كان هذا الإسلام يعمل على تحرير الإنسان في هذا الجانب كنا نرى مواطني أوروبا يزدادون ذلاً وعبودية ويتغطرس قادتهم وأحبارهم معتدين على العقل والحرية وما يزلل إسلامنا الحضاري والحمد لله ينصب علامات ومنائر الهداية لإنارة حياة الحرية وطمس ظلام العبودية ماديا ومعنويا وإنما الإشكال الخطير هو في انحراف الحكام الظلمة عن هذا المنهج لأن فتيل الحرية يحرق مناصبهم ولعل في المفهوم الغالب عن هذه الحرية أن يراد بها على وجه الحقيقة اليوم حرية الفكر والتعبير بالرأي والرأي الآخر وبحوار الذات وحوار الآخر وأن كل إنسان في ظلال الحرية موجود ومعتبر ويشعر أن له معنى جوهريا في الحياة يشارك مع الآخرين أدوارهم على مختلف الأصعدة والمستويات، حيث يدرك أن الحرية هي بداية كل تقدم وتحضر ولا يمكن أن يسلبها فهي ليست علماً يدرس أكاديميا ولكنها حاجة إنسانية كالطعام والشراب والهواء والماء وأن العدالة بين بني البشر لا يمكن أن تتحقق بغير الحرية، هذه الحرية التي وضع لها الإسلام ضمانات حقيقية لا يمكن لأحد أن يلعب بها كما يشاء وأنه متى ما التزم الحاكم والمحكوم بصيانتها وحراستها حل الأمن الخارجي والداخلي في البلاد ولم يتمكن أي طاغية مهما امتلك قوات خارقة من سلطان وجاه ومال وأتباع أن يبقى محتكراً لها طويلاً دون مراعاة لحقوق الشعب لأنه في النهاية سيظهر أن هذا الشعب أقوى منه ومن سلطته وباطله واستبداده وأن هذا الشعب وإن أرهقته الأمراض التي سببها الحاكم غالبا فسرعان ما يتعافى وينتفض ويثور كما حدث عبر التاريخ وحدث اليوم ويحدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وأن الفكرة القوية والمبدأ الثابت حيث المطالبة بدفن النظم البالية وإحلال النظم الجديدة لمرحلتنا هذه قد نجحت سلميا وشكلت طوق النجاة لتجاوز أمواج كثير من الحماقات ولم تخسر إلا القليل من الضحايا غالبا وهي التي تنجح أيضا بامتلاك القوة ليبزغ إلى الناس نظام جديد أساسه الرضا الشعبي العام من شرائح المجتمع المدني بكل أطيافه ومكوناته وهنا هنا يشعر الناس بالحرية الحقيقية التي ينادون بها خاصة منها السياسية والاجتماعية، ويخطئ من وجهة نظرنا من يظن أن الحرية لها مفهوم هلامي لا ينطلق إلا من لسان السلطان وفهمه للتعاطي معها مهما كان ظالما شعبه سالبا حقوقه وحتى لو كان حائزا على بعض شروطه كحاكم منتخب مثلا وظهرت له بدايات من الإصلاح والنهضة. ففي حديث صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم!" ويشرح الإمام النووي ذلك أن الحطمة هو العنيف في رعيته بحيث يؤذي الأمة ويحطمها والتحذير هنا لأنه يرعى أمة لا قطعيا وهذا ما لاحظنا شواهد له تاريخيا ونشاهده اليوم في ليبيا واليمن وسوريا من شر الرعاء الذين تسببت قراراتهم الطائشة بكل ضرر وخيم على الأمة وما ذلك إلا لأنهم ضربوا المقوم الأول لحياتها وهو الحرية كما يقول أحمد لطفي السيد وبذلك دمروا ويدمرون الوطن بسبب أنانياتهم ونرجسياتهم إذ الوطن هو الحرية وهي التي تحيكه أيضا وكذلك فإن مثل هؤلاء الحكام الظلمة والمتحدثين بألسنتهم عبر الإعلام كثيرا ما يتشدقون أن لديهم حرية كبيرة يمنحونها شعوبهم ناسين أو متناسين أن الحرية تؤخذ ولا توهب وغافلين عن مسؤولياتهم تجاه شعوبهم لأن المسؤولية والحرية توأمان ولا حرية دون تحمل المسؤولية كما قال جان جاك روسو إنهم ومن يلوذ بهم أحرار في كل شيء في الحياة ولا تنقصهم أي حاجة فيتوهمون أن الشعب كذلك ويقنعون أنفسهم بهذه الخيالات والأحلام وإذا سلطنا الضوء على شمس الحقيقة رأينا أنهم يقتلون شعوبهم باسم هذه الحرية والديمقراطية المزعومتين ويستخدمون أبواقهم لتضليل الناس والرد على المطالبين بالحرية متسائلين أي حرية تريدون يا أرباب المؤامرات والعصابات. هذه النغمات والأسطوانات والفبركات التي كنا نسمع بها منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان كلما لاح بارق للتغيير من مصلحين أحرار ولعل الذي جرى ويجري في الشام سورية الحبيبة أبرز مثال على الاعتداء الصارخ ضد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فبينما يعتبر مونتسيكو أن الحرية خير يمكن الجميع من التمتع بسائر الخيرات فإننا نجد أن امتيازات الخيرات في بلادنا لا يظفر بها إلا النظام العائلي وشركاؤه من المقربين على مختلف الجوانب فأين هي الحرية التي تحقق المساواة للشعب وبينما نرى البلابل كحيوانات تعتبر أبطال الحرية نرى بلابل الشعب السوري الذين أطلقوا شرارة وشعلة الحرية ونادوا بها يطلق عليهم الرصاص الحي القاتل ليكون الشهداء الشواهد الحقيقيين على أعداء الحرية، وإذا كانت العقوبات في الإسلام بحسب الجنايات فمن يقول إن الذي يعارض بلسانه يجب أن يزول من الوجود شباب في عمر الزهور والورود رباهم أهلوهم لينتفع المجتمع منهم فكان جزاؤهم القتل والجرح والخطف والركل على وجوههم والرقص فوق أجسادهم يا لها من حرية فريدة كما يفهمها المتجبرون الحاقدون، القتلى أكثر من ألف والجرحى أزيد كثيرا ولا تنسى الشهيدات من النساء والمعتقلين والمعتقلات في سجون الحرية، ما أجبن وأنذل من يطلق الرصاص ويقتل الأمهات ويعذب الأطفال لدرجة قلع أظفارهم دون رحمة وشفقة. ثم الحرية التي ينادون بها إعلاميا هي في التعتيم الرهيب وحظر أي جهة عربية أو إسلامية أو عالمية لتغطية الحقائق لأخذ الفرصة لتزويرها بإعلام كذاب أحادي وعلى الجميع أن يقتنع برواياته محبة للحرية السورية في فهمهم ثم دعوة لحوار وطني لا يشمل الجميع تمسكا بالسلطة فأين الحرية وبالجملة كيف يفهم الحرية نظام الطغمة والمافيا الاقتصادية والسياسية ورفض الاعتراف بالواقع الذي فرضه الأحرار في مظاهراتهم وتضحياتهم بأبهظ الثمن وهم يهتفون: حر ومذهب كل حر مذهبي ما كنت بالغاوي ولا المتعصب فمتى تفهمون معنى الحرية في سورية؟ [email protected]

493

| 16 مايو 2011

سوريا.. من يحاسب من ومن يعفو عن من؟

رغم كل إرهاب السلطة السورية المتمثلة حقيقة بحفنة عائلية تعد على الأصابع تقوم بحكم هذا البلد العريق حضارة وتراثا باتجاه تركيع أحرار الشعب الذين هبوا منذ الخامس عشر من مارس في وجه الطغيان والاستبداد والاستعباد بكل تكبر وتجبر وفرعنة غير مبالين بالدماء والأشلاء والجرح والذبح والحصار الجهنمي في درعا وليس في الجولان طبعا والحصار الحالي لمدينتي بانياس وحمص المجاهدتين ورغم إطلاق الرصاص المنهمر نهاراً وليلاً في تلك المدن وسواها كحماة واللاذقية وإدلب والقامشلي ودير الزور ودوما وتل حنين.. وقتل العديد من هؤلاء المتظاهرين البررة الأطهار بدم بارد، رغم كل ذلك تطلع وزارة الداخلية منذ الأسبوع الماضي بقرار منع التظاهرات تحت أي عنوان وبقرار أنها تمهل هؤلاء أسبوعين حتى يسلموا أنفسهم فإن فعلوا فقد نالوا العفو منها وإلا فسوف تعاقبهم كما تشاء طبقا لما أصدرته من قانون تنظيم التظاهر وأنه لابد له من ترخيص طبعا لقد بات الجميع يعرف أن هذا القانون قد تضمن في شروطه ألا يتم إلا بعد تقديمه من جهة مرخصة، كأن تكون هيئة أو حركة أو حزب أو... ومعلوم لدى الجميع أنه لا يوجد حزب في سوريا إلا حزب البعث وأن الجبهة الديمقراطية تابعة للسلطة تماما منذ تأسيسها وإلا فإنها ربما كانت تفعل شيئا ما في البلاد، ما يعني أن هذا القانون هو مجرد حبر على ورق وهو ما ودعته جماهير المتظاهرين الذين لم يأبهوا لتحذير السلطة وخرجوا في جمعة الغضب والتحدي بعد ذلك بعشرات الآلاف حيث لم تستطع درعا البلد أن تشارك بسبب حصارها الجسيم – فك الله أسرها وأسر المدن الأخرى بعدها – نعم إن هذا الشباب البطل الحر لا يمكنه أبدا الانصياع والطاعة لمن سفكوا دماء إخوانه ومازالوا يسفكون بل تجاوز ذلك أول أمس إلى قتل أربع نسوة وهن يطالبن وأولادهن في منطقة بانياس ويتظاهرن سلميا ولا ينشدن إلا الحرية والكرامة، ولكن ماذا تتوقع وأنت أمام آمرين لا دين لهم ولا مبدأ ولا أخلاق ولا عقل فأنى للسياسة أن تأخذ دورها وللحوار والإصلاح والاعتراف بالآخر من الشعب نفسه أن يجد له مساحة مع أناس دمويين متوحشين قاتلين بإطلاق النار على المدنيين العزل المسالمين المتظاهرين الذين أخذ الشبيحة يطأون رؤوسهم وظهورهم بعد أن يعذبوهم أو يقتلوهم أو قبل القتل حتى يجهزوا عليهم كما حدث والد أحد الشباب ريس الجمهورية لدى لقائه بالعشائر في دير الزور أن الجندي أخذ يدوس على رأس ابنه الجريح والوالد يستغيث به ويناشده الله ألا يقتله ولكنه قتله، ثم سأل الريس أما ترى في الفضائيات ماذا يحدث فأجاب التلفزيون لديّ عاطل! فعلا أنى يرى ويسمع من أتى إلى السلطة بالوراثة بانتخابات شيطانية تغير فيها الدستور بأقل من ساعة ليتمكن الريس من دخولها وهو الوحيد المرشح طبعا فيها وقد تمت كما يعرف الجميع بحال القوة وليس في وضع ديمقراطي شفاف نزيه، وبدل أن يكون الريس وهو طبيب دكتور معالجا للمرضى راثيا لحال الموتى والقتلى والشهداء أصبح المسؤول الأول عن هذا القتل شاء أم أبى إذ قد يقول إنه لم يأمر بإطلاق الرصاص ولا جرح المتظاهرين ولكن الحقيقة تؤكد أنه مسؤول وإلا فليعلن مرة ثانية وثالثة أنه لا يستطيع التحكم بقرارات أخيه ماهر الشيطان في القتل والهمجية أو غيره من حرس قديم أو جديد أو فليتنح ويقدم استقالته إن كان وطنيا حقا أو كان واعظا حكيما كما بدا في كلمته إلى الحكومة الجديدة وأنه متواضع وحليم فليهب أن أحرار الشعب ظلموه بالمظاهرات المزعجة السلمية أفلا يكون الأجدر به أن يطبق ما زعمه ويفهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن تعفو عمن ظلمك) أو أن التسامح جزء من العدالة كما قال جوزيف جوبير أو كما جاء في المثل الانجليزي الذي من المفترض أنه سمعه حين درس في بريطانيا: أشرف الثأر العفو! ولكن الحقيقة التي لا معدل عنها أن النفوس الكبيرة هي وحدها التي تعرف التسامح كما كان جواهر لال نهرو يقول. والله إنك لتعجب منه ومن زمرته الباغية التي تقترف كل هذه الجرائم باسم الوطنية والقومية والحرية وما هم إلا كما قال رولان: أيتها الحرية كم من الجرائم ترتكب باسمك، نعم باسم الحرية يصفون خصومهم ومن هؤلاء الخصوم أفراد الشعب الثائر سلميا ضد القهر والعبودية والذي أعلن منذ البداية لمستشارة الرئيس حين أراد أن يسكتهم بتحسين الرواتب وتنزيل الأسعار يابثينة ياشعبان الشعب السوري ما جوعان كما في المثل القائل: حمصة في حرية خير من وليمة في عبودية، إن من أحق الحق الاعتراف بالواقع والأزمة المتفاقمة في البلاد وأنه لا يمكن حلها بغرض القبضة الأمنية وزحف الدبابات والمدرعات والوحدات الخاصة من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة من الجيش لإدامة قتل الناس وتخويف الشيوخ والأطفال والنساء لا ريب أن هذه الشلة لا رحمة لهم ولا أدل على ذلك من الشقاق جزء من الجيش في درعا وفي الرستن وفي حمص ممن رفضوا رمي المتظاهرين والأبرياء فقتلوهم وهذه حقيقة لا يمكن رفضها ثم ادعوا أن عصابات مسلحة هي التي قتلت ضباط الأمن وجنوده وأخذوا يتخذون ذلك ذريعة وحجة لقمع الشعب باسم استرداد الأمان ولابد لهذه الفضائح أن تظهر دوما وهكذا مرة يقولون مؤامرة خارجية، كما قال غيرهم في مصر وتونس ومرة عصابات مسلحة وأخرى سلفية ورابعة مندسين، ولا غرو في ذلك فالجبان إذا استأسد بأرض فعل كما يشاء سيما أنه سد الأبواب جميعا أمام أي إعلام عربي أو أجنبي مهما كان إذ لو سمحوا حتى للإعلام الروسي والصيني بالدخول وتغطية الأحداث لرضينا بذلك فهما مهما وافقاه سيعرضون كثيرا من الحقائق! ولكن ماذا يفعل الشعب مع من هو حاقد عليه متخلف عن ركب العلم والسلوك الحضاري ليس لديه آلة إلا تكميم الأفواه وإلا المجازر المستمرة كما فعلوا في حماة خاصة عام 1982 حيث ذهب ضحيتها اثنان وأربعون ألفا وإلى اليوم فالعالم نائم والتعتيم الإعلامي قائم ومحاسبة المجرمين السفاحين الذين يجب أن يحاكموا في محاكم الجرائم ضد الإنسانية غائبة فإلى متى هذا التآمر ومن يجب أن يحاسب من ومن يعفو عن من في الذي جرى ويجري الآن ولا وقت لانتهائه وفي نهاية المطاف فلابد أن نؤكد أن ما تستمر به السلطة من القتل والإجهاز على الجرحى وحتى ضرب الأطباء وخطف الجرحى من المشافي وحتى العمل الآن على تغيير معالم العمارات ودهنها بعد تخريبها وإسكان آخرين بدل الذين قتلوا أو هربوا تلبيسا على لجنة حقوق الإنسان في درعا من قبل الأمم المتحدة وغير ذلك من الفظائع لن يوقف التظاهر في عصر الشهداء. [email protected]

686

| 09 مايو 2011

من ينقذ درعا من مراضع الخائنين؟

لقد اعتنى الإسلام بالأخلاق عامة في جميع جوانب الحياة وأولى الأخلاق السياسية اهتماماً فائقاً وجعل الحكمة في فم هذه الأخلاق وأقام عليها حارسا يقظا سماه الأمانة واعتبرها من أبرز القيم الخلقية للحاكم خاصة ولبني البشر عامة (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، "الأحزاب: 72"، وحرم الله الخيانة في أي مجال كانت، خاصة إذا نجمت بين الحاكم والشعب لأنها بذلك خيانة لمجموع الأمة لا لفرد وجماعة بعينها قولا أو فعلا أو حالا وتصرفا أو مشت على رذيلة السياسة الميكيافيلية: الغاية تبرر الوسيلة لأن الإسلام يعتبر النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة كما قال سيد قطب في الظلال 3/1542 ولأن الغاية واحدة عند الحاكم والمحكوم في الإسلام وهي ابتغاء مرضاة الله، فالحاكم يسهر على مصلحة المحكوم والمحكوم يطيع الحاكم في غير معصية والذريعة الميكيافيلية كلها معصية وجناية وخيانة لأنها تفصل بين غايات الجانبين، إذ غاية الحاكم فيها العظمة بل جنون العظمة والغطرسة، كما نرى اليوم عند البعض وكذلك محبة الشهرة والزعامة وإن كانت زائفة وكذلك القوة التي ترهب المحتجين والمخالفين له في الآراء فلا يحاور إلا بالتهديد والسلاح متجاهلا أن الحق بطبيعته أشد من القوة وأن الشعب أقوى من السلطة في نهاية المطاف، ومن هنا رأينا أن الحق تعالى يبغض كل خائن لأنه لا يمكن وصفه بالإيمان والإسلام ما لم يتب إلى الله (إن الله لا يحب الخائنين)، "الأنفال: 58"، والحاكم الخائن يزيد سوءاً حينما يعلم الناس أن الأمانة خيانة وأن الخيانة أمانة، كما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامات آخر الزمان الذي يخون فيه الأمين ويؤتمن الخائن، وهكذا يصبح الإنسان الخلوق الملتزم خائنا وإذا تحرك بأي قول أو عمل ضد الحاكم فهو الخائن الذي يجب أن يلجم ويسجن ويعذب بل يقتل بل يمثل به، وبالعكس يوصف كل خائن مرذول عديم الدين والخلق متآمر على ثوابت الأمة هو المعتمد سندا وبوقا دائما لهذا الحاكم فيقدم ويكرم وهكذا يرتفع التحوت على الوعول في آخر الزمان كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: وما التحوت؟ قال: أسافل الناس، قيل وما الوعول؟ قال: كرام الناس وإنه كم يؤسفنا ويؤسف كل حر ما نراه في بلدنا الغالي سوريا من مظالم وجرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية والأخلاق الفاضلة في هذه الأحداث التي تعصف بالوطن والشعب في معظم المحافظات والقرى مثل دمشق وحمص وحماه وحلب أحيانا واللاذقية وبانياس وتلبية وطرطوس وجبلة وسلمية والرستن ودوما والتل وجوبر وداريا والكسوة والسويداء والجولان.. خاصة درعا البطلة التي كانت مهد الاحتجاج الثوري المسالم عن طريق الجهاد المدني التي لم تعد تحتمل الجور والتجاوز وقدمت الشهداء بالدم الغزير مع أخواتها كبعض ثمن للحرية، وظن المساكن الطيبون أن الحاكم وحزبه يمكن أن يرضوهم ببعض الإصلاحات الشكلية كتغيير المحافظ مثلا لا التغيير الحقيقي بتلبية مطالب المحتجين الاجتماعية والسياسية وجعل سوريا بلدا للحرية والعدالة لا سجنا كبيرا لأهلها فما كان ممن وصف درعا بالشهامة والكرامة والشجاعة قولا إلا أن رجع إلى طبيعته فجهز عدته بالدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة يوجهها إلى حوران ودرعا فيها لا إلى الجولان المحاذية لها، حيث لا يستطيع ومن معه حتى أن يحملوا بندقية صيد فيها فضبط النفس مطلوب بكل إتقان حيالها أما على شعبه وبلده فلا كما قال الشاعر: كل امرئ راجع يوما لشيمته وإن تخلق أخلاقا إلى حين ثم لا يهم بعد ذلك أن يجري الذعر في درعا وتحاصر من كل المنافذ وتغلق الحدود مع الأردن ويقطع الماء والكهرباء عن أهلها وتشح المواد الغذائية بما فيها حليب الأطفال ويصرخ الكهول وتستغيث ذوات الخدور والعجائز ولكن أين الرحمة، إذ فاقد الشيء لا يعطيه وإذا عرف السبب بطل العجب فلا مكانة للأخلاق السياسية عند هؤلاء أبدا، القتلى في الشوارع والجثث تتفسخ والجرحى لا يعالجون ومن يمضي لينقذ هؤلاء لابد من اصطياده حتى لو كان من النساء بل خرجت مظاهرة نسائية صامتة منذ يومين في دمشق تضامنا مع درعا لفك الحصار عنها فاعتقلت الإحدى عشرة امرأة منهن وما زلن في السجن فأين المعتصم وشهامته، كما قال أبوريشة: لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم ولم تجد عشرات آلاف الحناجر في جمعة الغضب أن فكوا الحصار عن درعا أبدا، وكأن درعا هي تل أبيب معاذ الله فدولة المقاومة والممانعة شعارها أنه لابد من تطهير درعا الحدودية الباسلة وإبادة ضميرها ثم يأتي دور إسرائيل على مزاعمهم التي لم تطلق رصاصة واحدة على أهلها لا في الجولان ولا غيره منذ أكثر من أربعة عقود والذي أقنع الجميع كما قال عدة مفكرين صهاينة إن الحكم في دمشق اليوم هو أفضل لنا لأن الجبهة هادئة مع سوريا وما ندري من يأتي غير هؤلاء وكيف ستصير الأمور بعد ذلك؟ إن الأبواق التي تدخل على القنوات الفضائية وتمثل وجهة النظر الرسمية للنظام لا تفتأ تكذب كرؤسائها وتفتري وتبدل وتغير في الكلام وتدافع عن مواعيد عرقوب الإصلاحية وتخون معهم الأمانة لهي الصفات الذميمة التي تحققت قبل ذلك في أمثالهم ممن نعتهم رسول الله بقوله: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" وإن قوات الأمن التي لم تقصر في إزهاق أرواح شباب الثورة المؤمنين واعتقال آلاف الشرفاء الأحرار بدرعا وهي تبحث في هجمتها التفتيشية الشرسة عن أعضائها الذين استقالوا طوعا من حزب البعث الحاكم وتبحث عن المفتي البطل الذي ستقال أيضاً لتؤدبهم أو تقتلهم أو... لأنها لا يمكن أن تتفهم الرأي الآخر وكان ما كان ويكون إذ ما زال الحصار مستمرا ومازال العديد من الأسر تهرب باتجاه الأردن، ثم يتوج هذا النصر لهؤلاء الظلمة بأنهم اقتحموا المسجد العمري في درعا.. إنه لنصر كبير إذ أن هذا المسجد هو منطلق احتجاجات الشباب وهو الذي ادعت السلطة كذبا وزورا أن فيه مسلحين وأسلحة. نعم لقد وضعوا فيه الأسلحة من قبل وهربوا وادعوا أن هذه هي أسلحة الشعب وتلك وأمثالها رواياتهم الكاذبة التي لا تعرف الحقيقة أبدا وقد بات الجميع يعرفون أن الإعلام السوري الرسمي كذاب بامتياز ولا أدل على ذلك بأنهم لم يسمحوا ولن يسمحوا لأي إعلام عربي أو غربي محايد بالاطلاع على الأوضاع كيلا يفتضحوا ويدعوا دون خجل أن التلفزيون السوري وحده الذي يعرض الحقيقة كبرت كلمة من أفواههم وأفواه الطبالين الزمارين منهم الذين سبقوا مسيلمة في الكذب وخانوا الله ورسوله والجماهير في سوريا وغيرها ولم يعولوا في جميع مداخلاتهم إلا على الشخصية ومدح سيادة الرئيس المعجزة. ولم يميزوا بين الوفاء والغدر والاستقامة والانحراف وحفظ الدماء أو التعطش لها بكل قسوة ووحشية بل لم يترحموا على شهداء الشباب لأنهم في عرفهم أعداء ولم ينصحوا الراعي الذي يجب أن يكون رحيما شفافا حريصا على النفوس بل كان متوعدا بأنه جاهز للمعركة، إنها شجاعة لم يصل إليها شارون من قبل! ومع ذلك يستشهد بالقرآن وهو كما قال علي: من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة ولذلك كان المتظاهرون محقين في شعاراتهم: كل من يقتل شعبه خائن والراعي الذي يفتخر بالذئب لا يحب الخراف كما قال ديدرو وإنه ربما تنجح الخيانة مؤقتا كما في حصار درعا ولكن النتيجة أن الخائن يكرهه الجميع وللتاريخ الذي يسجل حساب عسير لمن ليس له أخلاق في السلم والحرب. [email protected]

1360

| 02 مايو 2011

المشهد السوري.. بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا!

لا ريب أن منزلة العلماء عند الله تعالى والبشر منزلة عظيمة رفيعة ولعل النصوص في ذلك أكثر من أن تحصر كمثل قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)، "الزمر: 9"، وكقول الحسن البصري رحمه الله: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء ومن هنا رأينا أهمية ركوب موسى عليه السلام البحر وذهابه إلى الخضر عليه السلام من أجل طلب العلم ولكن ثمة سؤالاً يتردد على الألسنة دوما ما المقصود بمصطلح العلم هذا ومن هم العلماء المستحقون لحمله والتشرف به، ولعلنا نجد الإجابة من خلال النظرة الإسلامية والإنسانية كذلك، فالعلم بناء على ذلك هو الفهم والمعرفة على وجه النفع والفائدة والذي يظهر على جوارح وأركان المتعلم سواء كان علما لصالح الدين أو لصالح الدنيا وهو يشمل بعد ذلك الأسرة والمجتمع العام فيغذي بكل مفيد يؤدي إلى النجاح في الحياة أما ما كان علما ظاهريا أو تجريبيا ولكنه لا يسعد فيها فهو الضرر بعينه وكما قال حافظ إبراهيم: والعلم إن لم تكتنفه شمائل تعليه كان مطية الإخفاق كم عالم مد العلوم حبائلا لوقيعة وقطيعة وفراق فالعلم والعلماء في الأمة أسباب للعمار أو للدمار وأمثلة للمحاسن أو للمساوئ ولذلك قسم علماء الإسلام ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء "1/59" أمر أهل العلم إلى صنفين علماء الآخرة وعلماء الدنيا أو علماء السوء فإذا ما ذكرنا الجانب الأول منهم فإننا نرى أنهم يتصفون بعلامات عديدة من أهمها أنهم يريدون وجه الله وحده بعلمهم ولا يطلبون الدنيا به بل يزهدون فيها ويصبرون على ما قد يعتريهم من الفقر والحاجة احتسابا بالله تعالى وخدمة للأمة بحفظ الأصول والفروع كما قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "ص 6" والغزالي في الإحياء "1/62" والإمام مالك كما في كتاب صفحات من صبر العلماء "168". ومنها أنهم يكونون خير قدوة للناس لا تخالف أفعالهم أقوالهم لأن ذلك من كبائر الذنوب (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)،"الصف: 3"، وقد نقل الغزالي في الإحياء "2/340"، أن الله أوحى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا استح مني. وروى مرفوعا وموقوفا عن أبي الدرداء كما في اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي "ص 47" (ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة واحدة وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات)، وكذا ما ورد عن معاذ ابن جبل وابن عباس بنحوه كما في قوت القلوب "2/58" وإتحاف السادة المتقين "1/374"، إذا زل العالم زل بزلته العالم من الخلق أو احذروا زلته لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه جماعات وتبلغ زلته الآفاق وقد ورد عن عيسى عليه السلام أن مثل هؤلاء أشد الناس فتنة. ومنها أنهم يكونون بعداء عن السلاطين الظلمة فلا يدخلون عليهم البتة ويحترزون عن مخالطتهم، إذا المخالطة قد لا تخلو عن تكلف في طيب مرضاتهم واستمالة قلوبهم مع أن الواجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدورهم لإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم فإذا سكت يكون مداهنا لهم، وإنما علماء الآخرة على طريق الاحتياط لا الدخول في مواقع الفتن وقد قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم وطريق الفتن قالوا وما هي؟ قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم فيصدقهم بالكذب ويقول فيهم ما ليس فيهم، ولذلك كان صلاح الأمراء بصلاح العلماء كما في الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عنه صلى الله عليه وسلم: "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء. فعلماء الآخرة يرون أنهم لابد لهم من محاسبة الحاكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لأنهم هم القادة الحقيقيون للأمة وذلك بعد النصح والتذكير ففي الحديث الذي خرجه أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضا وليلعنكم كما لعن بني إسرائيل" وعند الحاكم بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره فنهاه فقتله) وكم عانى علماء السلف من محن في سبيل الإصلاح ومجاهدة الباطل ويعاني العلماء المعاصرون الكثير المرهق أمام جبروت الطغاة المفسدين وأولئك الذين وصفهم المولى في كتابه باستشعار الخوف منه لاستفادتهم من العلم الذي خصهم به (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، "فاطر: 28". (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله)، الأحزاب: 39، وبمثل هؤلاء يصلح الراعي وتصلح الرعية وتعم السعادة. أما عن علماء الدنيا الذين هم علماء السوء فهم الذين لا يزالون في لهث على الدنيا وطلب الجاه والمال ولو من غير وجه حلال وهم الذين لا تنفعهم علومهم في الآخرة بل يعذبون بسببها وقد ورد في الحديث أن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. وقد ورد في الخبر لا يكون العالم عالما إلا إذا كان بعلمه عاملا وعلق بعضهم على ذلك بأنه إذا لم يكن بعلمه عاملا دعي وعاء علم! ثم إن من هؤلاء من يتعلم العلم للرياء والمفاخرة وما إلى ذلك وهو ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار، ومنهم الذين يثنون على السلطان الجائر ويدخلون في كبيرة المداهنة من أجل أنفسهم أو من أجله فيضحون بدينهم لكسب دنياهم ويعاشرون كل فاسق مظهرين الرضا بما هو فيه كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح "10/428" وقال ابن القيم في الروح "ص 23" والمداهنة من أخلاق المنافقين أي النفاق العملي لا القعدي في الحياة بإقرار السلطان على باطله وهو ما حذر منه ابن مسعود أن يكون باباً للتعامل مع أي إنسان كما ذكر الإمام أحمد في العلل "1/268": أن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيلقي الرجل له إليه حاجة فيقول: إنك لذلت تثني عليه بما ليس فيه وعسى ألا يحلى أي يحظى من حاجته بشيء فيرجع فيسخط الله عليه فيرجع وما معه من دينه شيء! وهكذا يظهر أن ما يفعله بعض المنتسبين للعلم من هذا القبيل يتسبب بعقوبة لهم في الدنيا وهي موت القلب كما قال مالك بن دينار ترحل عنهم بركات العلم ويبقى عليهم رسمه كما في البداية والنهاية لابن كثير "9/268"، ومنهم المفتون الذين يسهلون على الولاة الأحكام في الحلال والحرام وهم المسلمون الذين ينزلقون حتى الهاوية في ذلك فيجرون مجرى السفهاء ويجرون على الأمة الويلات ومنهم صنف آخر وصفهم عيسى بن مريم عليه السلام بقوله: مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا هي تترك هذا الماء يخلص إلى الزرع! فلنحذر من علماء السوء فإن دورهم في الأمة دور النار في الهشيم أقول ذلك حيث الذي دفعني أن أنصح نفسي وإخواني من أهل العلم لما وجدته في وطني الغالي سوريا من نماذج مضيئة مشرقة تمثل أقوالا وأفعالا من عرجنا على بعض أوصافهم من علماء الآخرة حيث نصحوا الرئيس بشار والحكومة والشعب لله ولم يخافوا في الله لومة لائم رغم القبضة الأمنية الرهيبة والاعتقالات.. فكانوا خير خلف لخير سلف أطال الله في أعمارهم وزاد في حسن أعمالهم وذلك في مختلف المحافظات السورية رغم الأحداث الدامية وأحيي منهم أيضا مفتي درعا البطل الذي استقال من منصبه الحكومي احتجاجا على التعاطي الدموي الوحشي الرهيب فانحاز للقرآن لا للسلطان لكنني من جهة أخرى أدعو الله تعالى أن يلهم من ساروا في الدرب الآخر أن يصحوا من سكرتهم وينحازوا للشعب الذي هو أقوى من الحكومة وحقه أقوى من قوتها ويفقهوا قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)، الشورى: 42، وماذا يفيدهم الرئيس والظلمة في الدنيا ويوم القيامة؟ أنا أعرف أن منهم من كان أستاذا لنا نجله ونحترمه ونحبه ولكننا نقول: إن زلته في هذا الجانب والتقرب إلى السلطان سابقا ولاحقا تجعل الحق أحب إلى قلوبنا منه في هذا الخطأ وما كنا نتمنى أن ينضم إلى الصف الرسمي الذي أذيع عبر التلفزيون السوري بحضرة وزير الأوقاف الذي شن هجوما جارحا على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة العلامة المجاهد الشيخ يوسف القرضاوي قواه الله وقال: هؤلاء لا صلة لهم بالعلم ولا بالإسلام عليه من الله ما يستحق ومن وافقه ويجري معه في كذبه، ثم أخذ ومن معه ممن يتصدر للفتوى وهو الذي لا يعرف كلمة لا أبدا إلا حاضر سيدي ويتهمون الاتحاد بالعمل لأجندة خارجية وبألسنة حداد تجردهم من أخلاق العلماء وللأسف الشديد، يا ويل من يتعاطف مع الظالم ضد المظلوم ومع الجلاد ضد الضحايا والشهداء الذين زينوا ربيع سوريا بدمائهم الزكية لقد تبين مما صرح به الأجانب وهيآتهم أنهم أشد احتراما لحق الشعب السوري ولكن ماذا نملك إذا نزعت الرحمة من القلوب؟! وسوف ينتصر الحق بإذن الله ويخسأ هؤلاء ما لم يتوبوا كما خسئ علماء النفاق في كل زمان ومكان. [email protected]

3448

| 25 أبريل 2011

متى يفرح السوريون حقاً بيوم الجلاء؟

إن يوم جلاء المحتل الفرنسي عن سوريا يوم مجيد للوطن الغالي فهو يوم الاستقلال الغالي للبلاد والعباد وهو الزمن الحقيقي المعتبر بساعاته الغاليات التي هي زبدة عمر التضحية والجهاد من أجل الحرية التي دفع الأحرار دماءهم مهورا حتى فتحوا أبوابها، لقد كان ذلك منذ بدء الاحتلال الفرنسي لسوريا في 25 يوليو عام 1920 حتى 17 أبريل عام 1946 فكانت الفرحة الكبرى ونامت سوريا ملء جفونها وتبدد حلم غورو كما يقول الشيخ علي الطنطاوي وخابت أماني ديغول قبله وتحققت أماني يوسف العظمة شهيد ميلسون وعادت أيام معاوية وعبدالملك بن مروان والوليد ابنه واتصل التاريخ الذي كان قد انقطع منذ قرون وأنشد الشاعر الحموي بدرالدين الحامد: عيد الجلاء هو الدنيا وزهوتها لنا ابتهاج وللباغين إرغام غورو يجيء صلاح الدين منتقما مهلا فدنياك أقدار وأيام هؤلاء هم الفرنسيون الذين جاؤوا مع البريطانيين، فرنسا صاحبة الثورة الكبرى والنهضة التي ادعت أنها قامت على العدالة والحرية وهي التي أنجبت جان جاك روسو وهوكو ولامارتين، وهي التي صنعت تمثال الحرية ثم أهدته إلى أمريكا، فرنسا أم الحرية التي ذبحت هذه الحرية في الشام وأساءت إلى تاريخها إلى أن أعطاها الثوار درسا لن تنساه فلم يخشوها حين كانت تخشاها الدول القوية، أما بريطانيا التي لم تكن الشمس تغيب عنها فلم تكن أقل سوء إذ كان الجنرال سبيرس بريطانيا يعمل كل حيلة لأن تحل بلاده مكان فرنسا في الاحتلال ولكننا ابتلينا بالاستعمار الفرنسي الشنيع الإرهابي كما ابتليت بلاد غيرنا به، وإننا نقول: إنه لولا تشرشل البريطاني ما نجح شارل ديغول هذا الرجل الذي هاجم المجلس النيابي في سوريا بقواته الغادرة ومثل بالشرطة عام 1364هـ، وبقر جنوده البطون وسملوا الأعين وسرقوا الصندوق المالي للبرلمان، لقد كان الاحتلال الفرنسي بشعا جدا، حيث فجع الشعب بأبنائه وبناته وأطفاله حتى قال شوقي عن دمشق: وبي مما رمتك به الليالي جراحات لها في القلب عمق وللمستعمرين وإن ألانوا قلوب كالحجارة لا ترق وحتى قال عزالدين التنوخي عن حماة: أعلمت أن حماة لم يدعوا بها حجرا على حجر يريك ظلالها الله للأطفال كيف غدت لقى صرعى القنابل بعثرت أوصالها ولكن هل يترك أهل سوريا فرنسا المتحضرة تخوض في دمائهم يا ترى كلا فقد هب الثوار الأبطال رجالا ونساء يدافعون عن الحمى ويطلبون الشهادة كي توهب لهم الحياة واستهزؤوا بقوات المستعمر وآلياته فكانوا أقوى شكيمة منه وفتح الشباب صدورهم للرصاص وصمدوا أمام هذا الجيش اللجب وفعلوا بالمحتل الأفاعيل حتى ضاقت المقابر بالشهداء فرقموا التاريخ بدمائهم. دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم أنه نور وحق وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق وكانت ثورة إبراهيم هنانو الذي قاد أكثر من سبع وعشرين معركة حتى استرد مواقع عديدة منها منطقته كفر تخاريم وأصدر الفرنسيون أربع مرات قرارات بإعدامه حتى توفي عام 1935م، بعد أن تولى الجهاد في جبل الزاوية وحلب وما حولها، وكانت الثورة من غوطة دمشق ومن جبال اللاذقية إلى جبل العرب ومن أعالي حلب إلى أدنى حمص وحماة، وهنا يجب ألا ننسى كما فعل عديد من المؤرخين للثورة السورية الجهود الجبارة التي قام بها شيخ العلماء والمحدث الأكبر بدر الدين الحسيني تـ 1935م، حيث كان مقره في داره والجامع الأموي ودار الحديث فتحرك وطاف في البلاد يحرص الناس حتى الشمال والجنوب فكانت هبته هي الشرارة الأولى للالتقاء في غوطة دمشق ثم الانطلاق منها، وقد حدثني والدي حفظه الله وهو ممن اشترك في القتال في الغوطة وحماة مع المحاربين القدماء كيف كان التخطيط وكيف كان توجه المجاهدين في ضرب دبابات فرنسا وإصابته مازال أثرها في جسمه حتى اليوم، وعرفت منه أيضا كيف كان من الوطنيين الشرفاء الدكتور عبدالرحمن الشهبندر وحسن الحكيم وزكي الخطيب وسعيد حيدر، حيث قابلوا منذ اندلاع الثورة كراين المندوب الأمريكي الذي حضر لتقصي بعض الحقائق ثم كان نصيب هؤلاء لأنهم شرفاء أن نفوا إلى جزيرة ارواد، ولقد كان مع الشيخ بدر الدين الحسني الشيخ خالد الخطيب حيث كان المتظاهرون يخرجون بعد خطبة الجمعة وكانت ثورة المساجد على المحتل في دمشق وريفها وكانت معركة ميسلون الشهيرة، حيث استشهد يوسف العظمة رحمه الله ولعل من الجدير بالذكر أن لا نغفل ذكرى البطل حسن الخراط الذي كان حارسا ليليا وقد استطاع أن يدخل دمشق ولا يبقي فيها فرنسيا بعد أن وقفت فرنسا بجيشها تخاف أن تعبر جسرا تورا المعروف وقامت ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب وكانت البداية منذ جاءه رجل لبناني اسمه أدهم محكوم عليه بالإعدام فأجاره ثم تحركت الثورة وكانت ثورة الشيخ صالح العلي التي انطلقت من قرية بدر في الساحل، وفي عام 1943م، تسلم الوطنيون الحكم في سوريا على رأسهم شكري بك القوتلي الذي رفض الاعتراف بمركز فرنسا، ورغم أن تشرشل الانجليزي أخذ يستميله ويطمعه من خلال اقتراحات بذلك لكنه رفض اقتراحاته وكان ما كان حتى أكرم الله شعب سوريا الأبي والأبطال الأشاوس المؤمنين المجاهدين بالنصر وكما يقول الشيخ الطنطاوي في مذكراته "1/269" و "5/101" و "8/273"، ويفصل في أشياء كثيرة يجب أن نكون حريصين على معرفتها وفهمها: لقد كسرنا فرنسا في مواقع عديدة في دمشق وسائر المحافظات، أقول: وقد عرف الشعب السوري وقتها بوحدته الوطنية التي كانت قائمة على احترام الرجال وأحوالهم وإن كان للدين الإسلامي أوفر نصيب في دحر فرنسا عن بلاد الشام. والجدير بالذكر أننا نقول ذلك وسوريا تمر بظروف حساسة بما جرى ويجري من أحداث تتطلب قراءة جديدة لمرحلة جديدة في عصر التقنية والمعلومات وتحرر الشعوب من حكامها المتجبرين، فحتى لا يعيش الناس بين محتل ومستغل فلابد من الإفادة من تاريخنا المجيد في الثورة السورية والعمل على نهضة حقيقية لا شكلية في بلادنا ونحن مهما قدمنا من تضحيات في سبيل حريتنا وكرامتنا وتخلصنا من الاستبداد والاستذلال والخوف فهذا شيء قليل وكما قال علي رضي الله عنه: لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرا، وأن نعمل بعقل فكما قال (لبنتز) العقل روح الحرية ولا حرية دون مسؤولية كما قال جان جاك روسو، وعلى هذا فيمكننا القول بكل شفافية إن كلمة الرئيس بشار الأسد التي وجهها أول أمس لوزراء الحكومة الجديدة وإن كان فيها بعض الشيء الخدمي الذي هو أصلا من حقوق الشعب ولا علاقة له بالإصلاحات أو المنح لم ترق أبداً أن تركز على مهمات وزارة الداخلية وكف قبضتها الأمنية، ولا وزارة الدفاع والتطرق إلى أن الجيش مهمته الحماية من إسرائيل والأعداء ولا ذلك وزارة الخارجية وتنسيقها بما يحفظ هيبة الدولة إذ هيبتها من هيبة الشعب وأين التركيز مع الخارجية على تسهيل وثائق السفر والآليات ذات الصلة للمواطنين إن الشكوى في ذلك على كل لسان تقريبا، ثم وزارة المالية وأن كان جيدا ما ذكره الرئيس من ضرورة أن يسجل كل وزير رصيد حسابه من بداية تسلمه ثم تراجع حساباته أقول: إلا أن هذا يجب أن يعم الجميع من الهرم إلى القدم وألا تكون هناك ثلة من القرابة لها امتيازات يعرفها الجميع لا تحاسب ولا تراقب! باختصار أن معظم مطالب المحتجين لم يتناولها الرئيس والتي أهمها الحرية السياسية وهي تعني اشتراك كل سوري مهما كان رأيه مخالفا في القرار فسوريا للسوريين جميعا وكذلك إطلاق سراح المعتقلين القدامى والجدد والبت في الملفات الإنسانية ووضع حال المهجرين قسرا وصل مجلس الشعب الذي لا يمثل الشعب حقيقة وإبعاد حزب البعث عن القيادة وحده، وكم آلمني أمس وأنا أسمع التليفزيون السوري الساعة الثانية ليلا بمناسبة عيد الجلاء أن يتصل متصل مقيم في السعودية وهو سوري من الرقة اسمه رحيمي مع مقدم البرنامج الأستاذ علاء ويقول غير معلق على الجلاء ويذكر القرضاوي بألفاظ بذيئة وآخر فنان اسمه حسن حسن يقول: البعث ديني وبشار الأسد ربي!! أي والله فيبرر له علاء أن هذا مجاز فكيف تتوقف الاحتجاجات؟ وإن المجازر المستمرة لن تقبرها. [email protected]

1552

| 18 أبريل 2011

الدور السياسي للإعلام الشمولي.. سوريا نموذجاً

لقد بات من الحقائق التي لا يختلف فيها اثنان أن الإعلام يحتل المراكز الأولى في مجريات الحياة وجوانبها المتعددة لما له من أدوار بارزة في التأثير لبناء النهضة العامة لكل أمة من جهة، ولكونه أداة حل ناجع لكثير من مشكلاتها ولذلك ذهب كثير من فقهاء الإسلام اليوم إلى أن التخصص في ميدان الإعلام يعتبر فرض عين لكونه شكلا واضحا من أشكال الدعوة الإسلامية للتواصل والحوار مع المسلمين أنفسهم ومع غيرهم من المخالفين، لتكون صور الحياة معبرة عن واقعها بحيث لا تضطرب الرؤية ولا تلتبس المفاهيم وتؤد الشبه والشائعات في مهدها كيلا تشكل سلاحا فتاكا في الأمة جسما وروحا بل إن الإعلام الحقيقي هو الذي يربط أي حدث بخلفيته التاريخية ويعتمد على السنن الكونية في الحضارات ويستشرف مستقبل الأمة، وبمثل هذا يكون بناؤه عتيدا مكينا لا سبخة هشة لا تثبت على قرار وتأسيسا على ذلك اعتبر المستشار عبدالله العقيل في كتابه الإعلام وهوية الأمة "ص 17" أن الإعلام الحق له دور أهم من دور الصاروخ اليوم مركزا على مسؤولية الصحفيين كما في "ص 52" في البحث عن الحقيقة في تعاطي الأخبار وتغطيتها وذلك بتحري الدقة وتحمل المسؤولية بالصدق والأمانة وألا يخضع الإعلاميون إلى أي ضغط وابتزاز من الحكومات أو الشركات المتخصصة في هذا المجال ولعل كثيرا من هذه الأدبيات قد أشير إليها في المؤتمر العاشر للصحفيين العرب المنعقد في القاهرة عام 2004 التي جرى التأكيد عليها التزاما بميثاق الشرف الصحفي، وبناء على هذا التمهيد نقول: كم يكون الإنسان في أي مجتمع ووطن مطمئنا إذا كان الإعلام يسير بخطى ثابتة على هذا النهج حيث يشعر بالانطلاق والحرية ولا يبقى حبيس الإعلام الشمولي المنغلق على ذاته وغيره فيشعر المتلقي بالكبت بل بتسلط أسنة وسهام الإعلام المحتكر نحوه فلا مكان إلا للقلق والكآبة والحيرة خاصة إذا كان الموضوع سياسيا يتعلق بأهم مهمات الأمة بين النهوض والسقوط والمناداة بالإصلاح أو الجهر بالفساد والإفساد، وهذا ما حدا بالكثيرين أن يتساءلوا في بلدنا الغالي سوريا هذه الأيام بالذات حيث تتواصل الاحتجاجات السلمية في المحافظات والأرياف مطالبة بالإصلاح والتغيير وقطع دابر الفساد وتتناقض الروايات في وصف الأحداث وتغطيتها خاصة أن المئات من الشهداء قد سقطوا وأمثالهم من الجرحى خاصة في مدينة درعا وضواحيها، فما دور الإعلام الصادق هاهنا وما المطلوب من الحكومة والشعب؟ إنه سؤال جد مهم يلهج به كل سوري وطني في داخل البلاد وخارجها، وإذا كنا منصفين حقا فلابد أن نبين أن الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد القائد لا تستطيع غالبا إلا أن يكون إعلامها موجها لصالح سياستها ورؤيتها دون الاهتمام بالرأي الآخر وإعطائه مساحة كافية ليعبر عن وجهة نظره سواء في الحوار مع الذات أو مع الآخر بعد ذلك وإن ما جرى منذ 15 مارس ويجري من أحداث دامية تحترق لها القلوب الوطنية بدل أن تضحك وتهدد وترغي وتزيد ليحتم علينا أن نقول: إن المطالبة بانفتاح الإعلام وأخذه الحرية سياسيا لهو المطلب الذي يجب ألا نحيد عنه كيلا ينتشر التضليل والتعتيم على حساب الحقيقة ودماء الشهداء والجرحى والمعتقلين، ومن هنا فإننا نتساءل لماذا لا تركز وكالة سانا في سوريا إلا على الأخبار التي تتموضع لصالح النظام؟ بل إذا نقلت أي خبر من الوكالات فإنها تعمل على الصياغة التي لا تروق إلا لمزاجها في معظم الأحوال خاصة في مرحلة الأحداث هذه مع أنه من حيث فطرة الإنسان إن كان سويا مستقيما فإن التعاطف غالبا ما يكون فيما يذاع لصالح الشعب لا لجانب السلطة بوجه عام لأنه كما يقول مصطفى صادق الرافعي: الشعب بمجموعة أقوى من الحكومة والحق أقوى من القوة، وهذا ما أحسنا به في ثورتي تونس ومصر بل واليمن وليبيا اليوم إن الصدق أولى بالإتباع، فإن تذكر الأخبار أن المظاهرات لم تكن موجودة ثم يقال إنما هي بالعشرات ثم يتبين أمام العالم أنها بدأت بالمئات وأصبحت بآلاف الآلاف خاصة في درعا ودوما وبانياس.. إن هذا لعب وكذب على الحقيقة التي تأبى إلا أن تطل بوجهها كالشمس الساطعة وهو ما اضطرت الحكومة إلى الاعتراف بوقوعه وحجمه مؤخرا، لماذا؟ أليس لأن الإعلام المغلق هو سبب هذه الادعاءات والافتراءات، وإذا كان هذا ضربا من الحرب النفسية فإن معظم الشعب السوري واع لا تنطلي عليه مثل هذه الأساليب القديمة، فإذا ما انتقلنا إلى التلفزيون السوري فإننا نجد أنه قد فقد كثيرا من المصداقية في تناوله للأحداث واختراع روايات أو ترويج مسرحي عفا عليه الزمان ففي حين كنا ومازلنا نرى بأم أعيننا والعالم يشهد أن المظاهرات سلمية لم يطلق من المتظاهرين فيها رصاصة واحدة حقا يأتي النظام ليذيع عبر شاشته أنها تظاهرات مسلحة وأن ثمة عصابة مسلحة مندسة هي التي تقتل المتظاهرين الذين هم بدورهم يقتلون ويجرحون عناصر الأمن ونحن إلى الآن لم ندر من هؤلاء؟ وما أسماؤهم؟ وإذا كان بعض ذلك صحيحا فمن المسؤول عن الفلتان الأمني؟ وأين الدولة التي لا تكاد تستطيع ذبابة أن تطير إلا وتعرفها إذن فقط عند هذه العصابة المسلحة المدعاة بفروعها في درعا واللاذقية وحمص خاصة كيف لا تنكشف ثم السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تتحين هذه العصابة يوم الجمعة فقط لتكون من أركان التدخل السريع في الأحداث؟ لماذا لا تظهر في أي يوم آخر؟ ولماذا لم تظهر أبدا لدى خروج المظاهرات المليونية المؤيدة للنظام؟ ولماذا سمح للمراسلين من سائر القنوات العربية والأجنبية بتغطية هذه المظاهرات ونشرها من سوريا وخارجها دون قيد في حين لا يسمح لهؤلاء من أي القنوات أن يدخلوا ساحة الحدث ويصوروا ويعطونا الخبر المحايد؟ إذا كانت السلطة شجاعة فلتسمح لهم بالتصوير والتغطية وألا تكتفي برواتها التي غدت ممجوجة ومكررة واكتشف افترائها حتى الصبي الصغير فضلا عن أهل الرأي والعقل والفهم، ومازال المتظاهرون يرسلون عبر هواتفهم النقالة الصور الحقيقية للأحداث وهي وإن لم تكن واضحة لكنها منظورة وتبرز الحقيقة لكل الناس وإننا لنعجب ممن يصدقون رواية النظام سواء من العوام أو الإمعان أو أرباب المصالح المنتفعين منه في شتى المصالح، كيف يكون للإنسان عقل واع وحس وطني ودين وخلق وحرقة على البلاد ثم يصدق مثل هذه الاسطوانات المعروضة المغرضة التي تتم فبركتها أو أحداثها من جهات أخرى وليس عليها شهداء محايدون لنعرف الحقيقة (فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون)، "النور: 13"، والكاذب كالسراب يقرب إليك البعيد ويبعد عنك القريب كما قال علي رضي الله عنه وإن حبل الكذب قصير كما يقول المثل العربي ونتمنى ألا نصل مع الإعلام السوري خاصة التلفزيون إلى حد أن نخاطبه بما قاله الأخطل الصغير: إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل لدى الناس كذابا وإن كان صادقا نقول هذا ولا نبخس أحدا شيئا إذ بعد ضغط الشارع ذكرت صحيفة الوطن شبه الرسمية التي تقول منظمة مراسلون بلا حدود إنها مملوكة لرجل الأعمال ابن خال الرئيس بشار رامي مخلوف مؤخرا أن سوريا بحاجة إلى عقد اجتماعي للإصلاح بوقفة عمل بلا انفعالات موضحة أن المتظاهرين خرجوا للشارع يقولون كلمتهم وأن الناس تعاطفوا معهم لأسباب منها أنهم قدموا الأرواح والدماء وكذلك فإن مطالبهم مشروعة وهو ما كانت اعترفت به بثينة شعبان قبل أسبوعين وكذلك اليوم وزير الخارجية وليد المعلم إذن فأين الادعاءات الأخرى في الصحف والتلفزيون، إن الانتفاضة فتنة معد لها وأنها مرتبطة بمؤامرات خارجية وبمشايخ يثيرون الفتنة إن الأفضل لكم أن تصلحوا وتبعدوا مشايخ النفاق فإنهم يورطونكم بلا ريب وإذا بقي الأمر كذلك فإن هذا لا يبشر بخير من فرط تناقضاتكم ورهاناتكم على الأمن والقوة وقتل الناس وجرحهم واعتقالهم بغير وجه حق، إن هذا لم يغضبنا نحن السوريين الأحرار فقط بل أصبح يغضب العالم عليكم وعلى هذا الإعلام المتحيز والحائز على الدكتوراه في قلب الحقائق والأحداث وهو الآن بعد أربعين سنة لا يذيقنا إلا الخطر حيث التصعيد الرهيب لانتهاك الحريات مع ممارسة أبشع سياستي التعتيم والتضليل وتلك مشكلة من أهم التحديات أمام الجماهير لاسيما أن سوريا قد أتت في المرتبة 153 بين الدول وفقا للمؤشر السنوي العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود حيث سيطرة الدولة على الإعلام وفي ظل قانون الطوارئ الذي يخيف المعارضين من الإعلاميين ويطول الإعلام الإلكتروني أيضاً ويعمد إلى عمليات القرصنة ضده ويعاقب ويجرم، وليس هذا المجال لذكر عشرات الأسماء التي سجنت في سوريا من السوريين أو غيرهم بسبب الرأي الحر أو غرمت غرامات مالية أو فصلت من العمل كمثل الذي حصل قبل يومين لرئيسة تحرير جريدة تشرين سميرة مسالمة لدى مداخلة لها في قناة الجزيرة عن شهداء درعا ورجال أمن قتلوا كما تقول الحكومة ويبدو أن بعض الكلام لم يرق لهم والشواهد أكثر من أن تحصى ولدى مراجعة موقع الجزيرة نت تجد العجب العجاب ولكن المصل الواقي من الدجل مازال عندنا قويا. [email protected]

805

| 11 أبريل 2011

سوريا.. الشهداء يقرعون أبواب الحرية

سألني كثير من الناس لماذا أطلق شباب الانتفاضة في سوريا على جمعتهم جمعة الشهداء فأجبتهم: ولماذا لا يسمونها كذلك وهم الذين باتوا مقتنعين أن من يقرع يده المضرجة بالدم باب النصر والحرية فهو الإنسان الذي يستحق الحياة السعيدة في الدنيا والآخرة بل ما قيمة وجودنا في هذه الحياة من دون الحرية، لقد فهم شباب ورجال الانتفاضة الشجاعة أن الدم هو الطاقة الأقوى التي تحرك الأبطال البسلاء في الميدان وأنشدوا مع أمير الشعراء شوقي: وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق لقد وصل الأحرار الحقيقيون في سوريا إلى وضع لم يعودوا يرون مخرجا من مآزقه إلا بهدم جدران الخوف بزئير الأسود التي تخرج من عرائنها صادحة بهتافات الله، سوريا، حرية وبس، وقد أكدوا أن هذا الاستمرار على هذه الطريقة وإن تكن سلمية لابد أن تكلفهم في بلد مثل سوريا منذ أربعة عقود شيئا كثيرا من التضحيات قتلا وجرحا وتعذيبا واعتقالا ونهبا للثروة والمال فكانوا أكبر من نفوسهم وما يملكون إذ كل ذلك رخيص يجودون به من أجل المبادئ والقيم وراحة الضمائر والجود بالنفس أقصى غاية الجود. وما ظنكم برجال يعبدون دروبهم بدمائهم أليسوا على الحق المبين وهم الشهداء حقا لأنهم قتلوا ظلما وعدوانا وهم لم يقاتلوا إلا بألسنتهم المجاهدة وأي قيمة لشعب ليس له لسان. وأردف السائلون: ولماذا كان الهتاف الأكثر في معظم المحافظات والقرى السورية حرية، حرية فقلت: وهل شيء يعدل الحرية، التي قدستها أديان السماء خاصة دين الإسلام الذي دعا إلى حرية العقيدة أولا (لا إكراه في الدين)، "البقرة: 256". إذ إن الإسلام يعرض على الآخرين ولا يفرض عليهم، بل ذهب الفقهاء إلى حد القول إنه لو عثر على صبي صغير مجهول النسب فادعى رجل مسلم أنه عبده وادعى كافر أنه ابنه حكم به له لا للمسلم لينشأ منذ طفولته حرا لا عبدا والله هو الكفيل بهدايته للإيمان بعد ذلك إذ المهم أن يشم رائحة الحرية من أول حياته! ولذا أكد منهج الإسلام على حرية الفرد والجماعة والوطن والمواطن وحرية الرأي وعدم مصادرته ضمن ضوابط المصلحة الشرعية المعتبرة وأجاز القتال دفاعا عن هذه الحرية، ففي الحديث الشريف عند أبي داود عنه صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون أهله فهو شهيد"، وقد أقام الإسلام مفاهيم تلك الحرية على الحق والعدل ووضع لها من الضمانات ما يحفظها دوما، نعم إن الناس ارتفعت أصواتهم في الاحتجاجات على ظلم النظام بطلب الحرية ورأينا لافتات واضحة قد كتبت عليها مقالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ليفهم الجميع كم يعاني هؤلاء الأحرار ومن لا ظهر لهم في سورية الحرة أصلا عبر التاريخ. لقد عاش الجميع مكممي الأفواه في معظم الأحوال التي كان الشاعر قد عبر عنها في بلادنا بقوله: كيف يا سادتي يغني المغني بعدما خيطوا له شفتيه والآن ولى عصر الخوف، وأطل زمن الحرية إن شاء الله فهب هؤلاء الأبطال المتميزون بدءا من درعا ومرورا بالعاصمة دمشق فحمص فحماة فاللاذقية وبانياس والقامشلي ودوما وتل منين وعامودا والصنمين وجاسم وطرطوس.. وقفوا هازئين بحياة الذل والعبودية رادين على الهاتفين جبرا وزورا ونفاقا وجهلا بالتأييد للمستبد: الحر يأبى أن يبيع ضميره بجميع ما في الأرض من أموال إن الأحرار في الدنيا جميعا يرون أن الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس لأنها أثمن ما في الوجود إذ هي الحياة المعتبرة ولذلك فإن أحرار سوريا لا يريدون غيرها وإنهم ليصبرون على طعام الخبز والبصل والماء مع الحرية لا أن يطلبوا أي دنيا مهما بلغت من دونها كما في المثل الإنجليزي: أن تموت جوعا وأنت حر خير من أن تعيش عبدا وأنت سمين، فلا يحسبن النظام أنه يفلح بحل مشكلة الخبز والحليب حتى لو أخر القرارات الإدارية للإصلاح شهورا وسنين فهذا قلب للحقائق واحتقار لعقول السوريين لأن القرارات إذا نفذت صلح أمر الأمة على جميع المستويات، ولذلك نقول: حيث تكون الحرية يكون الوطن إذن فالوطن اليوم معتقل في زنزانة انفرادية كبيرة ويجب عليه أن ينطلق حرا وأن شعب هذا الوطن يستحق الحرية حقا، وإنه اليوم حيث طلب الموت فدى لهذا الوطن سوف توهب له الحياة والنصر إن شاء الله. قال السائلون: لقد أتحفتنا بما وصل إليه الوعي عند هؤلاء الشباب والأحرار في سوريا ولكن لماذا رأينا عبر التلفزيون السوري مئات الآلاف يخرجون تأييدا للرئيس ويهتفون "لا تهتم نعبئ الدنيا دم"! ويؤكدون على الشخصانية في شعاراتهم ولم نر قطرة تراق من دمائهم على كثرتهم. قلت: أجل لقد كان شباب الانتفاضة واعين جدا أسوياء في هتافاتهم السلمية مع أن عددهم بالآلاف في بعض المناطق وبالمئات والعشرات في أخرى وقد ضيق عليهم في الخروج وطعنوا في المساجد لأن النور يخيف الظلام وأطلق عليهم الرصاص الحي من القناصة فسالت دماء واستشهد من استشهد وجرح من جرح وشيعت جنازاتهم كأكبر دليل على ذلك بينما الآخرون المؤيدون وهم أبواق النفاق للسلطة فلم يمسوا بشيء لأن الأحرار لا يعرفون الاعتداء أبداً، زد إلى ذلك حراسة الدولة والأمن لمظاهراتهم ثم التخويف والترهيب بأن من لم يخرج سيحاسب فهو إخراج لا خروج بينما الأبطال هبوا بكل طواعية ورضا ورغم كل الترهيب والادعاء أنهم متآمرون وينفذون فتنة تروجها لهم المعارضة في الخارج ومشايخ الفتنة كالقرضاوي – حاشاه من ذلك – بل الذين اتهموه هم الذين يفتنون المؤمنين كما قال الله في قصة أصحاب الأخدود (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات)، "البروج: 10"، فهم أرباب السلطة ورجال الدين المنافقون من يفتنون الناس ولا يصلح أمر الأمة إلا بالأمراء والعلماء أي إن كانوا صالحين عادلين مستقيمين لا يخافون في الله لومة لائم. أما عن القلة والكثرة فأفيدكم: إن القليل الذي هو على الحق يعتبر هو الكثير وهو الجماعة وهذا مبدأ قرآني فريد (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم...) ص 24، (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)، "يوسف: 103"، (وقليل من عبادي الشكور)، "سبأ: 13". وقد قال الشاعر: تعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل وقال الآخر: تمسك إن ظفرت بذيل حر فإن الحر في الدنيا قليل وقال ابن حزم في الأحكام في أصول الأحكام "5/87" مبحث الشذوذ والجماعة: والجماعة هم أهل الحق ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد فهم الجماعة وهكذا كان الأنبياء وقال ربنا عن نوح عليه السلام: (وما آمن معه إلا قليل)، "هود: 40"، وقد أسلم أولا أبو بكر وخديجة فكانا هما الجماعة وكان الباقون على كثرتهم أهل شذوذ وفرقة. وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان "1/69" الأمر بلزوم الجماعة لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك به قليلا والمخالف كثيرا ولا نظرة إلى كثرة أهل البدع وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "3/409" إن كان الناس كلهم إلا واحدا خالفوا الحق فهم الشاذون وذلك الواحد هو الجماعة وقد شذ الناس في زمان الإمام أحمد بن حنبل الحاكم والقضاة والمفتون وكان أحمد وحده على الحق. أقول والشواهد في هذا الباب كثيرة حتى لا يقع الالتباس في الفهم على من يتعاطى التحليل في مظاهرات سورية، وأضيف إلى ذلك أن جميع مراسلي القنوات الفضائية قد سمح لهم بتغطية مظاهرات التأييد في حين لم يسمح لمراسلي القنوات بأي تغطية لمظاهراتهم بل العكس سلط التعتيم الإعلامي الرهيب حجبا للحقائق وفبركة للمسرحيات التي تلفقها السلطة عن الأحرار وأنهم عصابة أو ينفذون أجندة خارجية. أقول: مهما سألتم فسوف نجيب ولكن ثقوا أن جولة الباطل ساعة وصولة الحق حتى قيام الساعة. [email protected]

1397

| 04 أبريل 2011

سوريا.. بين الفجر الصادق والفجر الكاذب

أن تكون سورياً في هذا العصر السوري بالذات معناه أن تظل حائراً تضيع في مهامه التيه أو تطير في مهب الريح قشة لا وزن لها ولا اعتبار هذا إن شئت أن تحيا حراً كريماً، وأما إن أردت أن تعيش في حظائر الذكور لا الرجال، فإنك قد تجد لك مكانا فسيحا ومرتعا مريحا، وإن كنت على بساط الذل طريحا، وإن كل فرد سوري مشى فيما اختاره إن طوعا أو كرها في زمن القهر والظلم والاستبداد والاستعباد، واستحمار عقول أولي النهى والألباب، ولكنني بالرغم من ذلك أجزم أن السوري النظيف الشريف العفيف الوطني المحب لله ولسوريا والحرية مهما كان شأنه قد غدا منذ عشرة أيام إنساناً آخر انطلق وهب منقلبا على واقع الماضي الأليم والحاضر الرهيب الذي اصطنعه أرباب الابتكارات الثورية المزيفة وحكموه بها ومازالوا بالحديد والنار وجعلوا القبضة الأمنية من الهول والضخامة والقتل والإبادة بحيث غدت تستوعب جسم الأمة الجريحة برمتها في معظم المقاتل والجوارح المهمة وبقية الأعضاء حتى حازوا أعلى الشهادات البهلوانية في أكاديميات الاحتيال والغش والأذى واللصوصية والحقد والأنانية التي أعمت أبصارهم وبصائرهم وجعلت أكثرهم مثل الرجل الطحان الذي يتصور أن القمح إنما ينمو لتشغيل طاحونته وحسب كما قال المفكر غوته ونسي أو تناسى أن النرجسية وحب الأنانية سراب الضعفاء وأن الشقاء إنما يولد من حب الذات وأن المرء الشرير ليس إنسانا وهو كل من لا يعمل إلا لمصلحته الذاتية ومن يلوذ به كما قال سيروس، أقول: إن الذين يحكمون بهذه الأخلاق الذميمة شعوبهم لا يمكن أن يظلوا علامة صدق وحب وإخلاص وتقدم وازدهار كي تتبوأ هذه الشعوب مراكز الصدارة في التاريخ لأن الرأس إن كان فاسدا حاقدا فكيف سيصلح الجسد، بل سيقضي عليه لكن الذي يحدث الآن ما هو إلا خارقة من الخوارق التي أيد الله بها هذا الشعب الأبي فأراد أن ينتشله من وادي الهلاك المحقق إلى سفح الحياة الحرة العزيزة فهب من مدينة درعا الأبية بالآلاف وبكل فطرة وعفوية ليعبر الأحرار عن مطالبهم ويرفعوا رايات التغيير بالوسائل السلمية والبعد عن العنف كليا فكانت وما زالت احتجاجات حضارية وانتقادات حقيقية تتسم بنبراتها بسياسة الصدق لا النفاق وتفسح لنفسها مجالا لحرية التعبير المقيدة حتى القاع في بلاد لم تعهد هذا التقييد في عصورها الزاهية قبل ذلك وإن كل الشعارات التي انطلقت بها الحناجر هاتفة قد التزمت بالصيغ السلمية وحتى لا تجعل للحكومة والأمن مدخلا في الرد العنيف عليهم، ولكن الذي حدث وشاهده العالم هو ما رمز إليه الشاعر: إذا كان الطباع طباع سوء فلا لبن يفيد ولا حليب بدأ الرد بالعنف المفرط وسقط الشهداء حتى قاربوا المائة أما الجرحى فهم كثر جدا هكذا بالرصاص الحي يرمى المتظاهرون مما لا يمكن أن يتوقعه الإنسان في هذا العصر الذي ينادي المجتمع الدولي فيه بالحوار، وتستمر المأساة وما تزال دون تغييرات حقيقية لمطالب المحتجين ودون التأسف حتى على دماء الشهداء التي أزهقت ظلما وحقدا بل يطلع الإعلام الرسمي على الناس بأن عصابة صغيرة هجمت على سيارة إسعاف وتدخلت قوات الأمن وقتلت هذه العصابة الناس، وهو الفيلم الذي عرضوه مرة أخرى عن محافظات ثانية وبإخراج مفبرك واضح مزور، وإن هذه الأساليب عرفناها منذ كنا صغارا بمثل هذه الادعاءات غير الحقيقية التي بات حتى البله لا يصدقونها في عصر انفجار المعلومات وتقنية الإنترنت والتصوير والفيسبوك، ولعل من أعجب ما يدعو إلى السخرية والسخف أن تطلع علينا المتحدثة باسم الرئيس وهي كاتبة يبدو على مواضيعها الانفتاح والتحرر وإنكار الفساد كما نرى في مقالاتها عبر جريدة الشرق غالبا تطلع لتؤكد هذه الروايات وتزعم أيضا أن الرئيس لم يأمر بإطلاق الرصاص فهو رحيم بشعبه. وقد أصدر قرارا بذلك، ونحن نعرف في سوريا أن الرئيس إذا قرر أمرا فمحال حتى على أكبر الكبار في البلد إلا أن ينفذه إذن فمن الذي يرمي ولماذا لا يطاع الرئيس؟ والأنكى من ذلك أنها بل ووزير الإعلام ينكران ما يرسل إلى القنوات من توثيق الهجومات القاتلة للأبرياء المتظاهرين وكأن كل ما يرسل كذب وروايتهم وحدها الصادقة إذا كان ذلك كذلك فلماذا منعوا مراسلي القنوات والإذاعات من دخول درعا وأمروهم بالعودة إلى دمشق، ولماذا اضطرت القنوات إلى أن تتصل بشاهدي العيان ليزودوها كذلك بالأخبار، أفهؤلاء كاذبون أيضا، ولا ريب أن ما دافع به رئيس الصحفيين في دمشق أنه لم ير مظاهرات إلا ما كان مؤيدا للرئيس ولم يحدث قتل وجرح واعتداء على الجامع الأموي والجامع العمري وتدنيسهما وضرب الناس فيهما بالرصاص والعصي هو الأدخل في باب البعد عن الحقيقة التي يجب أن ينأى أي صحفي عن أن يخالفها، فضلاً عن أن يكون رئيسا للصحفيين أو غيره كبعض أعضاء مجلس الشعب الذين لا يعرفون الصراخ إلا من الأبواق الرسمية، بل الأدهى من ذلك والأمر أن تسمع مثل هذه الأسطوانة ممن نصبوه مفتيا للبلاد أن يكون كرفاقه مع الظالم ضد المظلوم ومع الجلاد ضد الضحية وكذلك من ادعى من أهل العلم سامحه الله أن هؤلاء المتظاهرين في درعا وغيرها ساعون إلى الفتنة وربما يتلقون أموالا من الخارج وإني لا أستطيع أن أخاطب أمثال هؤلاء ومن لف لفهم من السياسيين إلا بما قاله المعري: ثوب الرياء يشف عما تحته فإذا التحفت به فإنك عار أما كان الأجدر بهم لو كانوا مخلصين حقا أن يعزوا أسر الشهداء ويعملوا على العسكرة بجانب الضحايا وإسداء كلمة نصح حقيقية إلى السلطان الجائر. لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس نعم إنهم في هذا الباب مفلسون من الحقيقة سيما بعد تهجمهم على رمز التضحية والثبات والجهاد العلامة يوسف القرضاوي حماه الله وهو وإن لم يكن معصوما إلا أنه حجة على هؤلاء وأمثالهم وفي نهاية المطاف لدى هذه العجالة من فتح أول صفحة من الملفات الضرورية في سوريا للتغيير فقد يكون من المناسب أن نقول بإيجاز شديد للدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس إن ما عرض من نقاط ذكرتها في هذا الباب غير كاف أبدا ولا يلبي أدنى طموحات الشعب السوري الحر الأبي الذي بنى حضارة الأمم منذ عشرة آلاف سنة، وإني كنت أظنك أكبر من أن يملى عليك ولكن الذي يعمل مع الحاكم لابد أن يكون قراره بيده.. أببعض الليرات والمهدئات والاقتراحات التي قالت إنها كانت تدرس منذ خمس سنين يا جماعة منذ خمس سنين تأملوا الآن تأتي الفطنة بعد أن طفح الكيل وبلغ السيل الزبى تريد متحدثتنا أن تئد ما تسميه الفتنة والطائفية ولعمري إن في ثنايا كلامها لدعوة لها إن عقلنا وللأسف، أين أصحاب القرارات وأين مدعو الممانعة ضد إسرائيل وهم يقتلون شعوبهم لابد لحلحلة الأمر إن صدقت النية من تلبية مطالب الشعب الذي هو أقوى من الحكومة حقا ولابد من فك أسر جميع معتقلي الرأي سابقا ولاحقا وحل مشكلة المهجرين من بلادهم ظلما وأن يسهم كل سوري ببناء سوريا لا أسرة واحدة إما أن تحكمنا أو تقتلنا فهذا الطرح ولى إن شاء الله إلى غير رجعة، وصب الله شآبيب الرحمة على شهدائنا الأبرار في كل ربوع سورية الحرة الأبية وسيروا على بركة الله. [email protected]

1325

| 28 مارس 2011

ليبيا.. بين مرض المختل وطمع المحتل

لعل الوضع الخطير في المشهد الليبي بشدة حساسيته وتعقيد أزمته يلجئنا إذا كنا منصفين في التحليل من جهة والعمل على حله أو التخفيف من آثار مشكلاته على الشعب الليبي عامة والثوار والنازحين من البلاد نتيجة هذه الكارثة، خاصة من جهة أخرى، أن نضع الأمور في نصابها قدر الإمكان وأن ننطلق من وعي شرعي ووطني وإنساني للعمل على حلحلة هذه العقد بألغازها الظاهرة والخفية سيما أن التدخل العسكري الأجنبي تحالف بعد قراري مجلس الأمن 1970-1973 للسير سريعا على وقف شلالات الدم التي تسيل في هذه البلاد وحماية المدنيين على حد تعبير دول التحالف تلك وعلى رأسها فرنسا التي تزعم رئيسها ساركوزي هذه الحملة معلنا أنها من واجبات التاريخ المعاصر لإنقاذ الشعب من فظائع القذافي المستبد العنيد. وأيا كانت الرؤى والسيناريوهات المتوقعة للمشهد الليبي حاليا فإننا نرى ضرورة التذكير بالمعالم والمنائر التي قد تفيدنا الآن وفي المستقبل حياك ذلك وصولاً إلى التوازن في المواقف. أولاً: إن الثوار الليبيين المباركين قد بدأوا تحركاتهم لعملية التغيير سلميا، ثم جرت الاعتداءات الفعلية عليهم بل وعلى المدنيين فاضطروا أن يمتشقوا السلاح الذي استطاعوا أن يغنموا كثيرا منه عن كتائب القذافي أو الذي أحرزوه بعد أن حرروا بعض المدن والقرى وعلى رأسها بنغازي لاشك أن هؤلاء الثوار محقون في مطالبهم التي احتجوا من أجلها ليزول فساد نظام القذافي الذي أذاقهم الويلات على مدى أربعة عقود ولذلك لم يكن غريبا أن يضحوا بآلاف القتلى والجرحى والمشردين من أجل الحرية والكرامة فالمجد لا يقوم إلا على رؤوس الضحايا فطوبى لهم وألف طوبى ونرجو منهم من باب الأخوة ألا ينسوا الإفادة من الخطاب الإسلامي السياسي الرشيد والمرن والقوي بآن واحد، خاصة ما يستلهم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيها المعين الكافي، وكم أعجبني موقف لأحد أمراء الجهاد الأفغاني المشهورين وهو المرحوم أحمد شاه مسعود عندما سأله أحد الصحافيين أنه سمع وقرأ أن أحمد شاه يعتمد في شن عملياته القتالية خاصة في وادي بنجشير في الشمال على ما يطلع عليه من كتب فرنسية متخصصة في مجال حرب العصابات ضد الجيش وهنا ضد السوفييت بعتادهم المتطور المعروف آنذاك، فأجاب: لا أبداً أنا لم أعتمد في كل معاركي إلا على ما فهمته وتعلمته من السيرة النبوية في مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة والتابعين في الفتوحات بعده، وأقول: إن على الثوار ومسؤوليهم خاصة المجلس الانتقالي الجديد بزعامة الوزير مصطفى عبدالجليل أن يتريثوا في تصريحاتهم وأن يدرسوها بعمق أكثر وينظروا إلى مآلاتها ومقاصدها بعناية ويفيدوا من الحركات التي سبقتهم في الصراع الفعلي وهي معروفة فعلى حين سمعنا بيانات وإجابات وتعليقات ومداخلات مقدرة جدا عبر العديد من الفضائيات رأينا بعض الخطابات الأخرى أقرب إلى العاطفة ومجرد التهديد والوعيد ضد القذافي وكذلك بعض المداخلات التي كانت على مستوى الوعظ فقط وإن كنا لا نقلل من قيمة ذلك ولكن لكل مقام مقال، وإذا كان صحيحا كمثال أن ما وعد وتوعد به البعض نفذ على الأرض ضد القذافي وكتائبه وتم إسقاط طائرات وتدمير دبابات وعربات و... فإن الاستهانة بما عنده وكونه أصبح منتهيا ولم يعد إلا بمثابة الفأر الذي سيخرجه الثوار من جحره و.... لم يكن دقيقا، فالطاغية أبرز ويبرز تحديا فعليا قويا واستطاعت كتائبه ومرتزقته أن تتقدم وتسترجع عددا من المدن والمواقع وإن انهزمت في أخرى بسبب صدق المجاهدين وصلابتهم وإرادتهم وتفضيلهم الموت على حياة الذل والعمل بشعار القائد الفذ عمر المختار رحمه الله نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت ومن كافأنا بالمكر كافأناه بالغدر به وهو ما فعلوه حماهم الله وإن كانت الحرب سجالا فرا وكرا ولكن التصريح الذي يجب أن ينضج يكون أكثر تقديرا وتأثيرا، ومن جهة أخرى فقد صرح الثوار ومعهم جميع أحرار ليبيا أنهم لن يقبلوا بحال من الأحوال التدخل الأجنبي والاستقواء به قبل ومنذ أن تحركت بعض البوارج الأمريكية في ساحل البحر المتوسط تجاه السواحل الليبية وتكرر هذا التصريح، ولكن الذي حدث وأنا أعتقد أنه منذ تم هذا الأمر كان معظم الغرب قد بيت النية للتدخل بأطماعه الدنيوية وأهمها النفط والغاز، إذ أخذ رئيس المجلس السيد مصطفى عبدالجليل يطلبون التدخل عندما اشتدت عليهم الخطوب وحتى لما بدأ التدخل وضربت فرنسا قبل غيرها أهدافا للدفاعات الجوية الليبية وكانت الكتائب على إشراف بني غازي صرح الأخ عبدالجليل أن التدخل جاء متأخرا! ومع أني في هذا الموقف الحرج للثوار أميل إلى أن الضرورات تبيح المحظورات كما قال الفقهاء وأكد الإمام الشافعي أنه إن رأى الإمام أن الكافر حسن الرأي والأمانة في المسلمين وكانت الحاجة داعية إلى الاستعانة به جاز وإلا فلا، كما جاء في مغني المحتاج "4/221" وعلق الدكتور البوطي في فقه السيرة "ص 178" على ذلك بقوله: إن المسألة داخلة في السياسة الشرعية إذ إنه إن لم تكن حاجة فلا يجوز طلب المعونة منهم كما ذهب إليه جمهور كبير من أهل العلم، وهنا أقول: إن القرائن المتكررة عن أفعال هذه الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا وطبائع أشخاص قادتهم مثل ساركوزي لا تدل على أنهم أصفياء وذوي نيات طيبة في الغالب والأمثلة أكثر من أن تحصر ولعل حروب الخليج واحتلال العراق الذي سبقت له تصريحات أنه لن يحتل ثم احتل أكبر شاهد معاصر أمامنا فهؤلاء لا تهمهم في النهاية إلا مصالحهم ولو كانت ليبيا من البلاد الزراعية مثلا التي تخلو من النفط والغاز.. لما تقدم مثل هؤلاء فيما أظن بحجة حماية المدنيين فقط والشاهد ماثل أمامنا فقد سئل وزير الخارجية الأمريكي اليهودي الأسبق هنري كيسنجر لما حررت الكويت من احتلال صدام هل لو كانت تزرع البطاطا والطماطم تحررونها فقال: وي كيم فور أويل أتينا للبترول! وهكذا فلعلي أذكر نفسي والإخوة في ليبيا أن الضرورة تقدر بقدرها كما قال الفقهاء فكونوا على حذر كيلا تختطف ثورتكم مستقبلا لا سمح الله والله يقول (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم...)، "النساء: 71". وكما يقول المتنبي: إذا رأيت نيوب الليث بارزة فلا تظنن أن الليث يبتسم وكما قال أبو الشرايا: كن بحيلتك أوثق منك بشدتك وبحذرك أوثق منك بشجاعتك وإني لأكبر فيكم إباءكم وعزتكم في وجه الريح المتغطرسة من العقيد فشعاركم المنية ولا الدنية النار ولا العار، لنا الصور دون العالمين أو القبر ولكن احذروا أن تشوه صورتكم بعد التدخل الأجنبي. ثانياً: إن القذافي بتعنته القميء وحماقته التي تستعصي على أي دواء هو السبب المباشر للتدخل الأجنبي العسكري ولو كان وطنيا وإنسانيا حقا لتنازل لصالح الشعب وحقن الدماء، كما فعل الحسن بن علي مع معاوية رضي الله عنهما وكما فعل رئيس سوريا الأسبق أديب الشيشكلي ورئيس السودان الأسبق المشير عبدالرحمن سوار الذهب مثلا ولكن القذافي كأنه مختل في تفكيره ومضطرب لا يملك أي توازن في شخصيته وإن من شروط الحاكم في الإسلام كونه رشيدا عاقلا لا انفصام عنده. ثالثاً: إن التدخل المباشر والقصف السريع الذي قامت به فرنسا وبريطانيا وأمريكا بالصواريخ وعطلت معظم الدفاعات الجوية الليبية غير مقبول بهذا الشكل إذ اتفق أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، ومن معه مع أولئك على حظر جوي وقائي يختلف عن هذا التعاطي العسكري المباشر منهم ومع ذلك عارضته دول أخرى وإن الخطأ بل الخطر منا نحن العرب فلو ملكنا القدرة باسم الجامعة على الاشتراك الفعال لن يكون لهؤلاء مجال كما أكد رئيس الوزراء القطري معالي الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني في باريس ولكن كما قلت هؤلاء لهم مصالحهم فالإنجليز يريدون الـ"9.5" مليون طن من غاز الخردل، كما صرحوا وفرنسا وغيرها عيونها على البترول. رابعاً: علينا أن نعتمد على الذات مهما طال الأمر وزادت التضحيات وألا ننزلق إلى حرب شاملة وأن نحذر من تقسيم ليبيا والوقوع في كمائن القذافي أو الأجانب فالليالي حبالى يلدن كل عجيبة.

548

| 21 مارس 2011

علي حسن الجابر.. في الخالدين

خير المطالع تسليم على الشهدا أزكى الصلاة على أرواحهم أبدا فلتنحن إلهاما إجلالاً وتكرمة لكل حر عن الأوطان مات فدى وهكذا ننشد قصيد الشعر الواثب للأجيال مع الشاعر القروي سليم الخوري الذي حباه الله آخر حياته التعرف على حقيقة الإسلام فدخل فيه سراً قبل أن يموت وكان قد أكد ذلك شيخنا العالم المربي محمد المبارك عميد كلية الشريعة في دمشق آنذاك في حديث له مع الشاعر الكبير، أجل إنه من أبرع الاستهلال ما أتى به فيض القريض في شأن الشهداء لأنهم بلا ريب أكرم منا جميعا، وكيف لا وهم مهوى تنزل الملائكة على أرواحهم التي تصعد لخير لقاء كما ذكر أبو عبد الله محمد الحنبلي في كتابه تسلية أهل المصائب "305-306"، حيث إن الله مع ملائكته يشهدون لهم بالجنة لأنهم قاموا بشهادة الحق حتى قتلوا ولأنهم يشهدون ما أعد الله لهم من الكرامة بالقتل ولسقوطهم على الأرض التي تشهد لهم ويشهد دمهم على ذلك أقول ولعل أخانا وحبيبنا بل حبيب الملايين اليوم ممن رزقهم الله هذا الحظ السعيد فاتخذهم واختارهم إلى جواره في الخالدين (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)، "آل عمران: 169"، فيا سعادته بما يلقى من فضل هذه الشهادة عند ربه تعالى، جاء في صحيح البخاري "رقم 1037" قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة". ويكفيه مرافقة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين في نعيم الجنة، كما أنه يشفع في سبعين من أهل بيته كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجه أبو داود في سننه "2/479"، فهنيئاً لك أخي الأثير الصالح علي حسن الجابر هذه البشائر من الله ورسوله. وأقول للقراء الكرام إن هذا الرجل كان في حياته سليم النية والطوية والفطرة النقية من جلس معه أحبه ومن عاشره عشق صحبته، وقد لمست هذا حقا إذ كانت معرفتي به رحمه الله هنا في الدوحة لدى حضورنا أحد المؤتمرات الثقافية وكنت قد علقت على حديث أحد المحاضرين في فعاليات المؤتمر، ولدى جلوسنا على الغداء بعد ذلك تعرفت عليه وسألته عن عمله فقال إنه مصور فقلت هل أنت تعمل في هذا العمل فعلا إذ تخيلت أن المصورين غالبا ما يكونون في مقتبل العمر لا في الخمسينيات قال أجل إنني والله أحب هذه المهنة لأوثق الحقائق وأنقل للمشاهدين ما تعكسه الصورة بأمانة في أي ميدان نبيل كانت، قلت إذن أنت على ثغرة من ثغرات الإسلام بارك الله فيك، والذي كنت أشعر به حيال هذا الإنسان المتواضع البسيط الفكه منذ ذلك الوقت أنه من محبي خدمة الدين والحقيقة والكرامة وأن عنده تقدما ومبادأة ومبادرة ربما لا تكون عند سواه من المصورين وهو بصمته أقوى منه تأثيرا فهو صاحب حال لا مقال، كما يقولون وكم نحن بأمس الحاجة إلى مثل هؤلاء الرجال، لقد دخلت إلى بيتي أمس بعد العشاء وإذا بقناة الجزيرة تبث خبر استشهاد مصور وجرح آخر ثم أعيد الخبر مع الصورة فإذا به حبيبنا السيد علي حسن الجابر وصديقه ناصر الهدار الذي جرح، كان علي رئيساً لقسم التصوير في القناة وشاءت إرادة الله تعالى أن يقضى في الميدان الليبي، حيث الصراع بين معسكر الحق والباطل، لقد هب رحمه الله نصرة لإخوانه في ليبيا المكلومة وما يدري وهو يحمل الكاميرا أو يحركها أن القدر منه على مسافة قريبة ولكن حس الشهيد يتكلم فقد ذكر مرافقوه أنه قبل تعرضهم للكمين الغادر من كتائب القذافي كان يقول لهم: لا تخافوا اطمأنوا ويمكن أن نموت في كل مكان أجل كما قال تعالى (وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)، "لقمان: 34". لقد اختلطت دماء شهيد مسلم قطري بدماء الشهداء الليبيين، وعلى أرضهم تلك فما أقواها من وشيجة وما أكرمها من خلة عند الله والمؤمنين من كان يدري أن عشرات الآلاف في ليبيا يشيعون علي الجابر ومن كان يدري أنه سيكون من المصطفين الأخيار بهذه الميتة الشريفة في خضم الثورة والثوار، وأن أحرار العالم من كل مكان، فضلاً عن بلده قطر أخذوا يؤدون حق العزاء، والله إن للشهيد منزلة لا يعلم قيمتها إلا الله تعالى وعلى سبيل المثال فقد أطلقت جامعة عمر المختار في ليبيا اسم علي على رواقها ومدرجها الخاص بالمؤتمرات. إن هذا التفاعل الفريد من إخوتنا هناك والذي ضجت به الحناجر بعد القلوب تأثرا على الفقيد واستنكارا لهذا الاعتداء الإجرامي الغادر لموقف لا يستطيع التاريخ أن يمحوه من الذاكرة أبداً حقا لقد تقدم مصورنا علي العلي والحسن والجابر ليقول لكل حر هذا هو الطريق مفروش بالشوك والعوسج والدم لا الورود والزهور فتقدموا واصنعوا الثورة ضد الظالمين كما حرض عمر أبو ريشة: تقضي البطولة أن نمد جسومنا جسرا فقل لرفاقنا أن يعبروا أليس الجود بالنفس أقصى غاية الجود وهكذا فإن المجد لا يبنى إلا على رؤوس الضحايا وإن أرواح الشهداء تباركنا وتنعش أرواحنا وتقوينا على الجهاد كما قال كاريل إن اسمك يا علي قد غدا أخلد الأسماء لأنك عرفت حقاً أن أول عناوين الفضيلة التضحية بالنفس كما قال أهل الحكمة، لقد ضحيت من قبل فلم تدع ميدان صراع ونزال في بلاد العرب والمسلمين إلا وثبت إليه معطيا للإعلام دوره في الحياة وتنازع البقاء كنت صاحب واجب لا وظيفة ولا رزق عيش أديت الرسالة وحفظت الأمانة في أفغانستان في البوسنة والهرسك في حرب الكويت في غزة وها أنت فارس تترجل ثم تتمدد شهيداً في أرض عمر المختار الذي علمنا أننا لا نستسلم وننتصر أو نموت وعلمنا كذلك أن من أخذ الناس بالمكر كوفئ بالغدر طالباً منا أن نقتص من هؤلاء المجرمين الضالين، لقد شاء الله لك أن تزور مدينة صغيرة اسمها سنوب فيها ضريح عمر المختار لتغطية أحداث مظاهرات مؤيدة للثوار هناك، ولدى العودة مع رفاق الدرب كان الكمين وهبت رياح الجنة عليك كما هبت من قبل على عمر المختار وصحبه، رحمك الله يا علي فقد كنت مدرسة أخلاق كاملة في السلم والحرب خدمت الأمة وسرت في الطريق الصحيح غير مكترث بالمخاطر فالإخلاص رائدك الأول نصرا لمبدأ واجبك الأصيل، وكما قال مرافقك مراسل قناة الجزيرة الذي كان برفقتك في بنغازي بيبه ولد أمهادي إن استشهادك نصر على القذافي وزبانيته وكل من يريد إخفاء الحقيقة، إن دمك لن يذهب هباء وستنتقل بسمتك العذبة إلى وجوه الملايين وكما تغلغلت جوالات الهواتف باسمك ستدخل قلوب الملايين أيها الحبيب الغائب لقد مررت في الدنيا ولم تذهب وإن الكاميرا التي حملتها وحركتها في العالم رسمت الحق الذي لا يوجد إلا فيها كأخيك الشهيد طارق أيوب رحمه الله وغيره، أما صاحبنا العقيد الذي يظن أنه يركب الشعب إلى يوم القيامة ولا يشيخ وأنه سيدفنهم قبل أن يدفنوه، فإلى زوال.. إلى زوال.. إلى زوال. [email protected]

1023

| 14 مارس 2011

الثورة البيضاء.. والثور الأحمر!

ألح عليَّ وهو يسأل مراراً ما هذه الثورة في بلاد ليبيا وماذا تعني في اللغة والعرف وما ضرورة هذا التغيير الثوري وهل يقتصر حراكه على السلم أم للقوة والحرب فيه نصيب.. فقلت يا صاحبي: لعلي أختصر لك ذلك مما ذكره ابن منظور في لسان العرب "2/148" في مادة ثور حيث تحتمل عدة معان عند العرب أهمها اثنان ينسحب أولهما على معنى جميل ومفيد، ويرد الآخر على معنى يحمل القلق والتوتر والغضب، فإذا ما جرينا على الأول وجدنا أن المراد بالثور السيد وبه كني عمرو بن معدي كرب أبا ثور، وكني به الفقيه المعروف أبوثور صاحب الرأي المذهبي الذي اجتهد فيه ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه كان سيدا وأبيض لانتشار الشيب في رأسه. كما أنه يقال: بنو ثور وهم الذين ينتسب إليهم سفيان الثوري إمام الدنيا في زمانه من قبيلة مضر رحمه الله وفي التنزيل: أثاروا الأرض أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا منها بركاتها، ويقال: ثوّر القرآن أي: بحث عن معانيه وعلمه، وفي حديث عبدالله: أثيروا القرآن فإن فيه خير الأولين والآخرين وتثوير القرآن: المفاتشة في تفسيره وهكذا فإننا نرى أن تلك المعاني جملة تعبر عن السيادة والوصف الحسن سواء في إثارة عمل مادي وحركة محسوسة مفيدة أو في استخلاص كنز معنوي يتمثل في فهم القرآن والعلم واستنباطهما وإفادة الناس بهما ولعلي يا صاحبي أستأنس بهذا التأويل فأقول لك: إن مثاورة الشعب الليبي الأصيل مع العقيد معمر القذافي كانت تنطلق من هذا المسار، فالشعب في نفسه منذ دخل الإسلام أرضه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مثال الالتزام الأخوي في جميع قبائله التي تميزت بالتماسك الاجتماعي والتضامن وأنهم كانوا يعيشون كجسم واحد مهما اختلفوا ومن هذه القبائل الورفلة والزوية والتبو والترهونة وقبائل الطوارق ومر الدهر على ليبيا بآماله وآلامه فتأقلموا في الزمكان والأحوال من حيث السراء والضراء وتعاملوا مع الخلافة العثمانية واستطاعوا بحركاتهم السلمية والجهادية أن يزيحوا الطغيان الإيطالي ولم تزل هتافاتهم الوطنية والإسلامية تردد كلمات عمر المختار رحمه الله: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، من كافأ الناس بالمكر كافأوه بالغدر وعلى هذه القواعد بنوا صروحهم العتيدة وبدأوا ثوراتهم بالسلم حتى إن عمر المختار لما بدأ القتال لم يكن يملك أي سلاح، وهكذا فإن بدايات الثورات غالبا ما تكون بيضاء تضرب السيوف بالورود ولكن عندما كان يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى ما كان نشيدهم إلا هكذا: إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها وعند ذلك تثور القبائل وتنتصر ويقتل الباغي بسيفه كما أشار عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لأن المحقين عندها يثأرون من قاتل الأمل ووائد الحرية والكرامة ويعلمون البشرية أن حياة الشجعان إنما تكون في موتهم فالجبن هو العبودية، كما قال فرجيل.. وهكذا عرفنا تاريخ ليبيا والليبيين شجاعة لا تعرف المستحيل وأبطالا يقضون واقفين دوما ولأن الطموح لا يشيخ كما في المثل التشيكي فإنهم يعتزون حين يخرون شهداء لأنهم يوقنون أن سقوط الجواهر على الأرض لا يفقدها قيمتها بل قد يرفعها أكثر وأكثر، وإذا أردت أن أوجز لك الأمر يا صاحبي عن شعب ليبيا فإنني أقول لك هم أهل الإباء والعزة والتعاون والاتحاد والتسامح والإحسان والإخلاص والصدق والإنصاف والعدل والكرم والتواضع والتفاؤل والتفاني والحب والوعي والفكر والحق والصبر والعلم والحلم والرحمة والشدة والسياسة والحرب والصلاح والنجاح والغنى والشكر والقناعة والعمل وإن مثل هذه الأوصاف لتؤهل أصحابها بعون الله أن يكونوا من أرباب الوفاء بالعهود والفوز بنصره الموعود وأن غدا لناظره قريب. أما ما وعدتك ببيانه يا صاحبي عن المعنى الثاني فإنه لا يفوتك أن الثور هو الذكر من البقر وغالبا ما يوصف بالهيجان والشدة المفرطة مع بني فصيلته حتى رأينا مباراة الثيران بالمناطحة المستمرة المستعرة بقرونها ويضرب هذا مثلا للحدة وقد استعير هذا المعنى للإنسان العنيد الذي يثور ويهيج لغير مبرر معقول ولذا يقال: هو ثائر فائر هائج مائج وقد ثور الغضب حدته والثورة هنا هي: الهيج وقد قام صاحبها ثائرا فريصته أي منتفخ الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف أي عصب الرقبة وعروقها وهكذا يثور به الدم حتى يثور على الناس شرا بالمقال أو الفعال فإذا ما عرفت حقيقة هذا المعنى يا صاحبي أدركت مدى صحة نزوله على مثل القذافي الهائج بثورته الدموية الحمراء وهي التي تعتبر امتدادا لما بدأه منذ أربعة عقود حتى تأكد الجميع أن هذا عادة سيئة له باستعمال الأذى ماديا ومعنويا وكما قالوا: حب الأذية من طباع العقرب أو كما قال الشاعر: إذا كان الطباع طباع سوء فلا لبن يفيد ولا حليب أو كما قال توماس فولر: التجعيدة القديمة لا تمحى أبدا، وبهذا نشر الرعب في كل نفس بريئة حتى حسبت نفسها متهمة وقد قال الإمام محمد عبده: شر الرعية من خافه البرئ وكم فات القذافي ومن حذا حذوه ويحذو أن الغضب مفتاح كل شر كما قال سقراط وقبل كل ذلك أكدت نصوصنا القرآنية والحديثية هذه المعاني باستفاضات وفيرة، لقد قام مخرب القذافي بالاعتداءات المعنوية والحسية فشنق عشرات العلماء وشباب الفكر والنهضة وسجن الآلاف المؤلفة في الصراع الممتد إلى هذه الأوقات ثم أطلق بعضا منهم ليعمل على فتح صفحة جديدة للتصالح الماكر وأدخل ابن سيف الجاهلية الذي لا يتمتع أصلا بأي منصب وذلك لاتقان سيناريو التوريث له في شأن حكم ليبيا كما نعلم، كما آذى من سماهم بالقاعدة والجماعات المقاتلة ضد ظلمه وكان وما يزال مثالا قذرا للكبرياء والغطرسة والغرور والطغيان والديكتاتورية والعمالة التي كشفت من قبل ومن بعد وصار كما يقال في المثل الفرنسي من يشتريه الشيطان يبيعه الشيطان كما فعل بمن قبله زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكما سيفعل بأمثالهم من الفراعنة المتألهين المستبدين، إن عامنا هذا الذي نمر فيه إنما هو عام سقوط هذه الديكتاتوريات ونهايات الظالمين، ألم تر يا صاحبي كيف هب الشعب الليبي هبة الثورة البيضاء ليكون حجة على حكامه ولم يستعمل أي سلاح غير الاحتجاج العفوي النظيف لا العنيف، فماذا وجد من هذا الثور الأحمر الهائج، لعلك والبشر في العالم على قول واحد: إنه لم يجد إلا الدم للمواجهة حتى ودعنا من نحسب أنهم يرتعون في جنان الخلد من آلاف الثوار وحتى لم تفارق عيوننا بل قلوبنا آلاف آلاف الجرحى الذين قضى كثير منهم حيث لم يكن الاسعاف له كافيا أو حيث كانت الجراحات في المقاتل، جرى هذا ويجري كالنهر الدموي دون انقطاع في طرابلس وبنغازي والزاوية ومصراتة في الشرق والغرب وكل مكان ولكن لأن الحق مؤيد ومسدد من الله ونواميس الكون بإذنه تعالى فقد انقلب السحر على الساحر وكانت هذه الدماء هي الشرارات المتوقدة للتخلص من الليل البهيم الذي دام أكثر من أربعين عاما، فالمدن والحمد لله تتساقط وتضم قلوب الثوار وينفض أصحاب القذافي السياسيون والدبلوماسيون في الداخل والخارج من حوله ويصطفون مع شعبهم وقبائلهم إلا القليل القليل بعذر أو بآخر وهكذا يتعرى ملك ملوك الأفارقة والزعيم الوحيد ويحاول كما يقول تحرير ليبيا من شعبها في كل مكان فيخسأ غالبا ويتقدم الثوار وعما قريب إن شاء الله يصلون مدينة سرت مسقط رأسه ثم طرابلس حيث الحسم بإذن الله وسيظهر للجميع يا صاحبي أنه لم يعد إلا فقاعة أو طحلبا فوق الماء كما قال اللغويون في معنى آخر للثور وإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، فهل من معتبر؟

1150

| 07 مارس 2011

alsharq
قراءة في ظاهرة المدير السام

في عالم الأعمال والإدارة، كثيرًا ما تُعزى نجاحات...

1446

| 23 مايو 2026

alsharq
طافك رمضان؟ تفضل

في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من...

1314

| 19 مايو 2026

alsharq
الدوحة تحتفي بالكتاب

​لا يُعدّ معرض الدوحة الدولي للكتاب مجرد حدثٍ...

1116

| 21 مايو 2026

alsharq
لماذا الديستوبيا في الإبداع أكثر ؟

كثيرة هي الكتب الفلسفية التي كتبت عن اليوتوبيا...

1083

| 21 مايو 2026

alsharq
غريب في البيت

لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...

732

| 24 مايو 2026

alsharq
المنازعات الإيجارية

أصبح توجُّه المشرع القطري خلال العشرية الأخيرة يرتكز...

726

| 20 مايو 2026

alsharq
معرض الدوحة.. كلمات تتحول إلى لوحة فنية

في الرابع عشر من مايو، انطلقت في أرض...

690

| 21 مايو 2026

alsharq
قطر في قلب اتفاق تجاري خليجي بريطاني جديد

أبرمت المملكة المتحدة هذا الأسبوع مع دولة قطر...

642

| 20 مايو 2026

alsharq
"الدوحة للكتاب".. منارة لا تنطفئ

يتجاوز معرض الدوحة للكتاب حدود الفعل الثقافي التقليدي،...

564

| 19 مايو 2026

alsharq
"الأمراض الإدارية" والانهيار الصامت

في قلب الدوحة الآن، حيث يبرز معرض الدوحة...

555

| 19 مايو 2026

alsharq
ناصر العثمان.. عميد الصحافة المحبوب

من حسن حظي أنني عملتُ مع قامة من...

531

| 19 مايو 2026

alsharq
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام

ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله...

531

| 22 مايو 2026

أخبار محلية