رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ألح عليَّ وهو يسأل مراراً ما هذه الثورة في بلاد ليبيا وماذا تعني في اللغة والعرف وما ضرورة هذا التغيير الثوري وهل يقتصر حراكه على السلم أم للقوة والحرب فيه نصيب.. فقلت يا صاحبي: لعلي أختصر لك ذلك مما ذكره ابن منظور في لسان العرب "2/148" في مادة ثور حيث تحتمل عدة معان عند العرب أهمها اثنان ينسحب أولهما على معنى جميل ومفيد، ويرد الآخر على معنى يحمل القلق والتوتر والغضب، فإذا ما جرينا على الأول وجدنا أن المراد بالثور السيد وبه كني عمرو بن معدي كرب أبا ثور، وكني به الفقيه المعروف أبوثور صاحب الرأي المذهبي الذي اجتهد فيه ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض يعني عثمان بن عفان رضي الله عنه لأنه كان سيدا وأبيض لانتشار الشيب في رأسه. كما أنه يقال: بنو ثور وهم الذين ينتسب إليهم سفيان الثوري إمام الدنيا في زمانه من قبيلة مضر رحمه الله وفي التنزيل: أثاروا الأرض أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا منها بركاتها، ويقال: ثوّر القرآن أي: بحث عن معانيه وعلمه، وفي حديث عبدالله: أثيروا القرآن فإن فيه خير الأولين والآخرين وتثوير القرآن: المفاتشة في تفسيره وهكذا فإننا نرى أن تلك المعاني جملة تعبر عن السيادة والوصف الحسن سواء في إثارة عمل مادي وحركة محسوسة مفيدة أو في استخلاص كنز معنوي يتمثل في فهم القرآن والعلم واستنباطهما وإفادة الناس بهما ولعلي يا صاحبي أستأنس بهذا التأويل فأقول لك: إن مثاورة الشعب الليبي الأصيل مع العقيد معمر القذافي كانت تنطلق من هذا المسار، فالشعب في نفسه منذ دخل الإسلام أرضه في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان مثال الالتزام الأخوي في جميع قبائله التي تميزت بالتماسك الاجتماعي والتضامن وأنهم كانوا يعيشون كجسم واحد مهما اختلفوا ومن هذه القبائل الورفلة والزوية والتبو والترهونة وقبائل الطوارق ومر الدهر على ليبيا بآماله وآلامه فتأقلموا في الزمكان والأحوال من حيث السراء والضراء وتعاملوا مع الخلافة العثمانية واستطاعوا بحركاتهم السلمية والجهادية أن يزيحوا الطغيان الإيطالي ولم تزل هتافاتهم الوطنية والإسلامية تردد كلمات عمر المختار رحمه الله: نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت، من كافأ الناس بالمكر كافأوه بالغدر وعلى هذه القواعد بنوا صروحهم العتيدة وبدأوا ثوراتهم بالسلم حتى إن عمر المختار لما بدأ القتال لم يكن يملك أي سلاح، وهكذا فإن بدايات الثورات غالبا ما تكون بيضاء تضرب السيوف بالورود ولكن عندما كان يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى ما كان نشيدهم إلا هكذا:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا
فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وعند ذلك تثور القبائل وتنتصر ويقتل الباغي بسيفه كما أشار عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لأن المحقين عندها يثأرون من قاتل الأمل ووائد الحرية والكرامة ويعلمون البشرية أن حياة الشجعان إنما تكون في موتهم فالجبن هو العبودية، كما قال فرجيل.. وهكذا عرفنا تاريخ ليبيا والليبيين شجاعة لا تعرف المستحيل وأبطالا يقضون واقفين دوما ولأن الطموح لا يشيخ كما في المثل التشيكي فإنهم يعتزون حين يخرون شهداء لأنهم يوقنون أن سقوط الجواهر على الأرض لا يفقدها قيمتها بل قد يرفعها أكثر وأكثر، وإذا أردت أن أوجز لك الأمر يا صاحبي عن شعب ليبيا فإنني أقول لك هم أهل الإباء والعزة والتعاون والاتحاد والتسامح والإحسان والإخلاص والصدق والإنصاف والعدل والكرم والتواضع والتفاؤل والتفاني والحب والوعي والفكر والحق والصبر والعلم والحلم والرحمة والشدة والسياسة والحرب والصلاح والنجاح والغنى والشكر والقناعة والعمل وإن مثل هذه الأوصاف لتؤهل أصحابها بعون الله أن يكونوا من أرباب الوفاء بالعهود والفوز بنصره الموعود وأن غدا لناظره قريب.
أما ما وعدتك ببيانه يا صاحبي عن المعنى الثاني فإنه لا يفوتك أن الثور هو الذكر من البقر وغالبا ما يوصف بالهيجان والشدة المفرطة مع بني فصيلته حتى رأينا مباراة الثيران بالمناطحة المستمرة المستعرة بقرونها ويضرب هذا مثلا للحدة وقد استعير هذا المعنى للإنسان العنيد الذي يثور ويهيج لغير مبرر معقول ولذا يقال: هو ثائر فائر هائج مائج وقد ثور الغضب حدته والثورة هنا هي: الهيج وقد قام صاحبها ثائرا فريصته أي منتفخ الفريصة وهي اللحمة بين الجنب والكتف أي عصب الرقبة وعروقها وهكذا يثور به الدم حتى يثور على الناس شرا بالمقال أو الفعال فإذا ما عرفت حقيقة هذا المعنى يا صاحبي أدركت مدى صحة نزوله على مثل القذافي الهائج بثورته الدموية الحمراء وهي التي تعتبر امتدادا لما بدأه منذ أربعة عقود حتى تأكد الجميع أن هذا عادة سيئة له باستعمال الأذى ماديا ومعنويا وكما قالوا: حب الأذية من طباع العقرب أو كما قال الشاعر:
إذا كان الطباع طباع سوء
فلا لبن يفيد ولا حليب
أو كما قال توماس فولر: التجعيدة القديمة لا تمحى أبدا، وبهذا نشر الرعب في كل نفس بريئة حتى حسبت نفسها متهمة وقد قال الإمام محمد عبده: شر الرعية من خافه البرئ وكم فات القذافي ومن حذا حذوه ويحذو أن الغضب مفتاح كل شر كما قال سقراط وقبل كل ذلك أكدت نصوصنا القرآنية والحديثية هذه المعاني باستفاضات وفيرة، لقد قام مخرب القذافي بالاعتداءات المعنوية والحسية فشنق عشرات العلماء وشباب الفكر والنهضة وسجن الآلاف المؤلفة في الصراع الممتد إلى هذه الأوقات ثم أطلق بعضا منهم ليعمل على فتح صفحة جديدة للتصالح الماكر وأدخل ابن سيف الجاهلية الذي لا يتمتع أصلا بأي منصب وذلك لاتقان سيناريو التوريث له في شأن حكم ليبيا كما نعلم، كما آذى من سماهم بالقاعدة والجماعات المقاتلة ضد ظلمه وكان وما يزال مثالا قذرا للكبرياء والغطرسة والغرور والطغيان والديكتاتورية والعمالة التي كشفت من قبل ومن بعد وصار كما يقال في المثل الفرنسي من يشتريه الشيطان يبيعه الشيطان كما فعل بمن قبله زين العابدين بن علي وحسني مبارك وكما سيفعل بأمثالهم من الفراعنة المتألهين المستبدين، إن عامنا هذا الذي نمر فيه إنما هو عام سقوط هذه الديكتاتوريات ونهايات الظالمين، ألم تر يا صاحبي كيف هب الشعب الليبي هبة الثورة البيضاء ليكون حجة على حكامه ولم يستعمل أي سلاح غير الاحتجاج العفوي النظيف لا العنيف، فماذا وجد من هذا الثور الأحمر الهائج، لعلك والبشر في العالم على قول واحد: إنه لم يجد إلا الدم للمواجهة حتى ودعنا من نحسب أنهم يرتعون في جنان الخلد من آلاف الثوار وحتى لم تفارق عيوننا بل قلوبنا آلاف آلاف الجرحى الذين قضى كثير منهم حيث لم يكن الاسعاف له كافيا أو حيث كانت الجراحات في المقاتل، جرى هذا ويجري كالنهر الدموي دون انقطاع في طرابلس وبنغازي والزاوية ومصراتة في الشرق والغرب وكل مكان ولكن لأن الحق مؤيد ومسدد من الله ونواميس الكون بإذنه تعالى فقد انقلب السحر على الساحر وكانت هذه الدماء هي الشرارات المتوقدة للتخلص من الليل البهيم الذي دام أكثر من أربعين عاما، فالمدن والحمد لله تتساقط وتضم قلوب الثوار وينفض أصحاب القذافي السياسيون والدبلوماسيون في الداخل والخارج من حوله ويصطفون مع شعبهم وقبائلهم إلا القليل القليل بعذر أو بآخر وهكذا يتعرى ملك ملوك الأفارقة والزعيم الوحيد ويحاول كما يقول تحرير ليبيا من شعبها في كل مكان فيخسأ غالبا ويتقدم الثوار وعما قريب إن شاء الله يصلون مدينة سرت مسقط رأسه ثم طرابلس حيث الحسم بإذن الله وسيظهر للجميع يا صاحبي أنه لم يعد إلا فقاعة أو طحلبا فوق الماء كما قال اللغويون في معنى آخر للثور وإذا فسدت السياسة ذهب السلطان، فهل من معتبر؟
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
462
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
550
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
366
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
4131
| 11 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1611
| 09 أغسطس 2026
خلق الله - عز وجل - آدم وجعله خليفته في الأرض وأوكل إليه مهمة إعمارها وإقامة العدل فيها؛ لكن ذريته من بعده هابيل وقابيل كانت قصتهم عبارة عن أول انقسام بين الخير والشر، وبين السمو والدنو؛ الأمر الذي يفسر لنا مآلات الحياة بعدهم من أحداث ماضينا وحاضرنا. إن الإنسان إذا تحلى بالإرادة القوية والإدارة السليمة يستطيع التحكم في الموارد التي أودعها الله في كونه، فالإنسان عبد لله سيد للكون، كما قال الله تعالى، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡه إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ " (سورة الجاثية آية 13). في العصر الحديث في مجتمعاتنا العربية برزت نماذج في عالم السياسة، منها ما كان له أثر سيئ مما أدى إلى حالات انفجار في بعض الدول كسوريا وغيرها، ومنها ما كان له أثر طيب في رفعة بلاده ووضعها في مقدمة الدول مع صغر حجمها، كحاكم دولة قطر الراحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - فقد كان صاحب مبدأ يستمده من المنهج السماوي الذي حدد للإنسان مهمته، وهي عمارة الأرض، كما قال الله تعالى " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا"(سورة هود آية 61) فأحدث رحمه الله في دولة قطر نهضةً في العمران معتمداً على تنمية الإنسان. إن التطور الذي حدث في دولة قطر في عهد الراحل الكريم - يرحمه الله – يجعلنا نقف أمامه احتراماً وتقديراً، فقد كان صاحب رؤية نافذة سبقت عصره ومحيطه الإقليمي، وتجاوزت تحديات الجغرافيا الضيقة وعدد السكان، فدولة قطر قبل حكمه ليست هي بعد حكمه فهو باني نهضتها، ويتجلى ذلك في وضعها الإنساني والاقتصادي، ودورها المحوري في قضايا الأمة، والوساطة الإيجابية في حل بعض الأزمات الدولية. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله – أهمية الإعلام وقيمته في العالم الحديث، وأنه أشرس أسلحة القوى الناعمة؛ لذلك قام بإنشاء قناة الجزيرة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وجعل لها كامل الاستقلالية المهنية التي هي معيار النجاح في عالم الإعلام الضخم والمتسارع، وأسهمت هذه القناة في رفع حالة الوعي في المجالات المختلفة والثقافة العامة في أرجاء العالم العربي. كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني داعماً لخيارات الشعوب، ويؤمن بأن كرامة الإنسان هي رأس المال الحقيقي للأوطان والأمم، الأمر الذي جعل دولة قطر والتي لقبت بكعبة المضيوم - كما أسماها الراحل - تدفع ثمناً باهظاً بسبب هذا الموقف الإنساني المشرف. إن الشعوب لا تنسى من يحكمها، والراحل الكريم - يرحمه الله – يكفي أنه كان يلقب بين أبناء شعبه بدفان الفقر أو باني قطر الحديثة، وكلا النوعين ذكرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه الشريف:" خِيارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تحبُّونَهُم ويحبُّونَكُم وتُصلُّونَ علَيهِم ويصلُّونَ علَيكُم وشرارُ أئمَّتِكُمُ الَّذينَ تبغَضونَهُم ويبغَضونَكُم وتَلعنونَهُم ويَلعنونَكُم" (رواه مسلم ). لقد كان سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - يتسم بسعة الأفق والفكر المستنير والسلامة النفسية، وكان يجمع بين عمق الشخصية وبساطة الأسلوب. أدرك سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني - يرحمه الله - حقيقة المنصب فكان أكبر من المنصب، ولم يتشبث بالكرسي إيمانا منه بضرورة التغيير لتعاقب الأجيال، فقام بالتنازل عنه طواعية وهو في قمة نجاحه لسمو الأمير تميم، وهو خير خلف لخير سلف. وأختم فأقول: الإنسان أثر وذكرى، والرجل أثره عظيم وذكراه طيبة، فقد كان صاحب مدرسة إنسانية راقية في عالم السياسة، ونموذجاً عربياً مشرفاً للحاكم في العصر الحديث، وصدق القائل: ما قـيمة الناس إلا في مبادئهم ** لا المال يبقى ولا الألقاب والرتب. قال الله تعالى:" إن الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ"(سورة فصلت آية 8) سلام الله على روح سمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في الخالدين، وغفر له وأسكنه جنات النعيم.
960
| 09 أغسطس 2026