رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن منزلة العلماء عند الله تعالى والبشر منزلة عظيمة رفيعة ولعل النصوص في ذلك أكثر من أن تحصر كمثل قوله تعالى: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب)، "الزمر: 9"، وكقول الحسن البصري رحمه الله: الدنيا كلها ظلمة إلا مجالس العلماء ومن هنا رأينا أهمية ركوب موسى عليه السلام البحر وذهابه إلى الخضر عليه السلام من أجل طلب العلم ولكن ثمة سؤالاً يتردد على الألسنة دوما ما المقصود بمصطلح العلم هذا ومن هم العلماء المستحقون لحمله والتشرف به، ولعلنا نجد الإجابة من خلال النظرة الإسلامية والإنسانية كذلك، فالعلم بناء على ذلك هو الفهم والمعرفة على وجه النفع والفائدة والذي يظهر على جوارح وأركان المتعلم سواء كان علما لصالح الدين أو لصالح الدنيا وهو يشمل بعد ذلك الأسرة والمجتمع العام فيغذي بكل مفيد يؤدي إلى النجاح في الحياة أما ما كان علما ظاهريا أو تجريبيا ولكنه لا يسعد فيها فهو الضرر بعينه وكما قال حافظ إبراهيم:
والعلم إن لم تكتنفه شمائل
تعليه كان مطية الإخفاق
كم عالم مد العلوم حبائلا
لوقيعة وقطيعة وفراق
فالعلم والعلماء في الأمة أسباب للعمار أو للدمار وأمثلة للمحاسن أو للمساوئ ولذلك قسم علماء الإسلام ومنهم الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه الإحياء "1/59" أمر أهل العلم إلى صنفين علماء الآخرة وعلماء الدنيا أو علماء السوء فإذا ما ذكرنا الجانب الأول منهم فإننا نرى أنهم يتصفون بعلامات عديدة من أهمها أنهم يريدون وجه الله وحده بعلمهم ولا يطلبون الدنيا به بل يزهدون فيها ويصبرون على ما قد يعتريهم من الفقر والحاجة احتسابا بالله تعالى وخدمة للأمة بحفظ الأصول والفروع كما قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله "ص 6" والغزالي في الإحياء "1/62" والإمام مالك كما في كتاب صفحات من صبر العلماء "168".
ومنها أنهم يكونون خير قدوة للناس لا تخالف أفعالهم أقوالهم لأن ذلك من كبائر الذنوب (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)،"الصف: 3"، وقد نقل الغزالي في الإحياء "2/340"، أن الله أوحى إلى عيسى عليه السلام يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا استح مني.
وروى مرفوعا وموقوفا عن أبي الدرداء كما في اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي "ص 47" (ويل لمن لا يعلم ولا يعمل مرة واحدة وويل لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات)، وكذا ما ورد عن معاذ ابن جبل وابن عباس بنحوه كما في قوت القلوب "2/58" وإتحاف السادة المتقين "1/374"، إذا زل العالم زل بزلته العالم من الخلق أو احذروا زلته لأن قدره عند الخلق عظيم فيتبعونه جماعات وتبلغ زلته الآفاق وقد ورد عن عيسى عليه السلام أن مثل هؤلاء أشد الناس فتنة.
ومنها أنهم يكونون بعداء عن السلاطين الظلمة فلا يدخلون عليهم البتة ويحترزون عن مخالطتهم، إذا المخالطة قد لا تخلو عن تكلف في طيب مرضاتهم واستمالة قلوبهم مع أن الواجب على كل متدين الإنكار عليهم وتضييق صدورهم لإظهار ظلمهم وتقبيح فعلهم فإذا سكت يكون مداهنا لهم، وإنما علماء الآخرة على طريق الاحتياط لا الدخول في مواقع الفتن وقد قال حذيفة رضي الله عنه: إياكم وطريق الفتن قالوا وما هي؟ قال: أبواب الأمراء يدخل أحدكم فيصدقهم بالكذب ويقول فيهم ما ليس فيهم، ولذلك كان صلاح الأمراء بصلاح العلماء كما في الحديث الذي رواه أبو نعيم في الحلية عنه صلى الله عليه وسلم: "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء. فعلماء الآخرة يرون أنهم لابد لهم من محاسبة الحاكم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا لأنهم هم القادة الحقيقيون للأمة وذلك بعد النصح والتذكير ففي الحديث الذي خرجه أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم بعضا وليلعنكم كما لعن بني إسرائيل" وعند الحاكم بسند صحيح عنه صلى الله عليه وسلم (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر فأمره فنهاه فقتله) وكم عانى علماء السلف من محن في سبيل الإصلاح ومجاهدة الباطل ويعاني العلماء المعاصرون الكثير المرهق أمام جبروت الطغاة المفسدين وأولئك الذين وصفهم المولى في كتابه باستشعار الخوف منه لاستفادتهم من العلم الذي خصهم به (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، "فاطر: 28".
(الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله)، الأحزاب: 39، وبمثل هؤلاء يصلح الراعي وتصلح الرعية وتعم السعادة.
أما عن علماء الدنيا الذين هم علماء السوء فهم الذين لا يزالون في لهث على الدنيا وطلب الجاه والمال ولو من غير وجه حلال وهم الذين لا تنفعهم علومهم في الآخرة بل يعذبون بسببها وقد ورد في الحديث أن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه. وقد ورد في الخبر لا يكون العالم عالما إلا إذا كان بعلمه عاملا وعلق بعضهم على ذلك بأنه إذا لم يكن بعلمه عاملا دعي وعاء علم! ثم إن من هؤلاء من يتعلم العلم للرياء والمفاخرة وما إلى ذلك وهو ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء ولتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم فمن فعل ذلك فهو في النار، ومنهم الذين يثنون على السلطان الجائر ويدخلون في كبيرة المداهنة من أجل أنفسهم أو من أجله فيضحون بدينهم لكسب دنياهم ويعاشرون كل فاسق مظهرين الرضا بما هو فيه كما ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح "10/428" وقال ابن القيم في الروح "ص 23" والمداهنة من أخلاق المنافقين أي النفاق العملي لا القعدي في الحياة بإقرار السلطان على باطله وهو ما حذر منه ابن مسعود أن يكون باباً للتعامل مع أي إنسان كما ذكر الإمام أحمد في العلل "1/268": أن الرجل ليخرج من بيته ومعه دينه فيلقي الرجل له إليه حاجة فيقول: إنك لذلت تثني عليه بما ليس فيه وعسى ألا يحلى أي يحظى من حاجته بشيء فيرجع فيسخط الله عليه فيرجع وما معه من دينه شيء! وهكذا يظهر أن ما يفعله بعض المنتسبين للعلم من هذا القبيل يتسبب بعقوبة لهم في الدنيا وهي موت القلب كما قال مالك بن دينار ترحل عنهم بركات العلم ويبقى عليهم رسمه كما في البداية والنهاية لابن كثير "9/268"، ومنهم المفتون الذين يسهلون على الولاة الأحكام في الحلال والحرام وهم المسلمون الذين ينزلقون حتى الهاوية في ذلك فيجرون مجرى السفهاء ويجرون على الأمة الويلات ومنهم صنف آخر وصفهم عيسى بن مريم عليه السلام بقوله: مثل علماء السوء كمثل صخرة وقعت على فم النهر لا هي تشرب الماء ولا هي تترك هذا الماء يخلص إلى الزرع!
فلنحذر من علماء السوء فإن دورهم في الأمة دور النار في الهشيم أقول ذلك حيث الذي دفعني أن أنصح نفسي وإخواني من أهل العلم لما وجدته في وطني الغالي سوريا من نماذج مضيئة مشرقة تمثل أقوالا وأفعالا من عرجنا على بعض أوصافهم من علماء الآخرة حيث نصحوا الرئيس بشار والحكومة والشعب لله ولم يخافوا في الله لومة لائم رغم القبضة الأمنية الرهيبة والاعتقالات.. فكانوا خير خلف لخير سلف أطال الله في أعمارهم وزاد في حسن أعمالهم وذلك في مختلف المحافظات السورية رغم الأحداث الدامية وأحيي منهم أيضا مفتي درعا البطل الذي استقال من منصبه الحكومي احتجاجا على التعاطي الدموي الوحشي الرهيب فانحاز للقرآن لا للسلطان لكنني من جهة أخرى أدعو الله تعالى أن يلهم من ساروا في الدرب الآخر أن يصحوا من سكرتهم وينحازوا للشعب الذي هو أقوى من الحكومة وحقه أقوى من قوتها ويفقهوا قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)، الشورى: 42، وماذا يفيدهم الرئيس والظلمة في الدنيا ويوم القيامة؟ أنا أعرف أن منهم من كان أستاذا لنا نجله ونحترمه ونحبه ولكننا نقول: إن زلته في هذا الجانب والتقرب إلى السلطان سابقا ولاحقا تجعل الحق أحب إلى قلوبنا منه في هذا الخطأ وما كنا نتمنى أن ينضم إلى الصف الرسمي الذي أذيع عبر التلفزيون السوري بحضرة وزير الأوقاف الذي شن هجوما جارحا على الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة العلامة المجاهد الشيخ يوسف القرضاوي قواه الله وقال: هؤلاء لا صلة لهم بالعلم ولا بالإسلام عليه من الله ما يستحق ومن وافقه ويجري معه في كذبه، ثم أخذ ومن معه ممن يتصدر للفتوى وهو الذي لا يعرف كلمة لا أبدا إلا حاضر سيدي ويتهمون الاتحاد بالعمل لأجندة خارجية وبألسنة حداد تجردهم من أخلاق العلماء وللأسف الشديد، يا ويل من يتعاطف مع الظالم ضد المظلوم ومع الجلاد ضد الضحايا والشهداء الذين زينوا ربيع سوريا بدمائهم الزكية لقد تبين مما صرح به الأجانب وهيآتهم أنهم أشد احتراما لحق الشعب السوري ولكن ماذا نملك إذا نزعت الرحمة من القلوب؟! وسوف ينتصر الحق بإذن الله ويخسأ هؤلاء ما لم يتوبوا كما خسئ علماء النفاق في كل زمان ومكان.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
498
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
610
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
417
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12153
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10257
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3483
| 22 أكتوبر 2026