رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في سمر ساخن التقينا كإخوة أصدقاء نتحدث أمس حول الذي يجري في بلادنا سوريا الغالية من أحداث يشيب لهولها الولدان حيث لا لغة تستعمل عند أصحاب القرار ضد المتظاهرين المسالمين إلا لغة الرصاص والنار والحديد وكأن هذه العصابات الهمجية فعلاً ترش زخات الموت على الذباب أو الحشرات المؤذية لا على بشر من بني الإنسان لهم كرامتهم وحقوقهم وإن اختلفوا في الرأي معهم، بل الأزيد على القتل والجرح الخطف والتعذيب والاحتقار والإهانة والانتقام الدموي الخسيس الإجرامي والشتم المقذع الذي ينم عن حقد رفين وسفه غير محدود ولكم تأثرنا ونحن نرى ونسمع أزير الرصاص وكوابل زخات المطر ينهمر على المتظاهرين العزل الأحرار الأعزاء وهم يهتفون للحرية المفقودة فعلا وحقيقة في بلاد الشام منذ أكثر من أربعة عقود ولما تابعنا عدة لقطات في مختلف الفضائيات عن ثورات الاحتجاجات في دمشق وريفها والحرم الجامعي في حلب وفي حمص الباسلة وادلب الأبية ومناطق درعا وبانياس والقامشلي ومشاهد مؤثرة في حماة ومناطق وقرى أخرى حتى عمت سوريا كلها غير آبهة باتساع تحرك الدبابات والمدرعات والحصار والتطويق الذي ضرب على أهمها كدرعا وبانياس وحمص ومعرة النعمان وحماه وسقبا وغيرها بارزة بصدورها الشجاعة ضد آلة الظلم من جيش وأمن وشبيحة متحدية في جمعة آزادي الحرية الموت وأنه أفضل من المذلة بل إن كل مجزرة وسام للشرفاء ولعنة على الجزارين، وكان مما هيج نار غضبنا وغضب كل حر رأى وشاهد ذاك المشهد الذي يظهر أحد المتظاهرين وقد أخذه الشبيحة والجلاوزة جانبا في مدينة حماه وانهال عليه منهم أكثر من عشرين عنتريا بالضرب حتى فقد روحه أو وعيه وهم يجرونه كالحيوان الذبيح، يا لها من شجاعة يرى القاتلون فيها أنهم أمهر من فرسان عبس وذبيان وطرزان! وهنا تبادلنا الأسئلة والتعليقات فقال أحدنا: إنني لأعجب من شبابنا الأبطال كيف يسجلون أسطورة التاريخ المعاصر إذ إنهم منذ عشرة أسابيع يرمون بالرصاص الحي وهم صامدون لا يحميهم إلا قميص رقيق على الصدر؟! فأجاب الآخر: يا أخانا العزيز أنسيت ما هم فيه من مخزون الإيمان والإرادة والإباء، ألم تسمع هتافاتهم المدوية؟: المنية ولا الدنية، النار ولا العار فهل تحدي عقلية النظام المسلحة مع من يتمنى الشهادة ويعيد ألف مرة شعر المتنبي:
عش عزيزا أو مت وأنت كريم
فسأل صديق آخر ولماذا هذه المعالجة الدموية الوحشية؟ وهل إلى سبيل غيرها لو عقل النظام؟ فرد أخ آخر قائلا: إن من يفهم المعالجة الأخوية الوطنية قوم لهم دين يردعهم أو قيم تحجزهم ولكن هيهات هيهات لو عرفوا ما جاء في الأثر من منع أي أحد أن يشير إلى أخيه بالسلاح وأن من فعل ذلك فإن الملائكة تلعنه. وهذا بمجرد الإشارة حقنا لدم المسلم فهل يمكن أن يفعلوا ذلك؟ فتذكر السائل قول جميل صدقي الزهاوي:
وكل حكومة بالسيف تقتضي
فإن أمامها يوما عصيبا
فقال: هؤلاء لن ينجحوا عاجلا أو آجلا لأنه كما يقول المثل التركي: السلاح عدو صاحبه، ولأن انتقامهم من المحتجين المسالمين إنما هو عدالة الهمجيين كما يقول فرانسيس بايكون إنها النفس التي حرم الله قتلها وقنصها في جميع الشرائع والأديان ومع ذلك فلا تنس أن هذا التعاطي الفاشل إنما هو تعاطي الجبناء الذين تمتلئ قلوبهم بغضا ولا يعرفون للمحبة مكانا والبغض انتقام الجبان كما يقول برناردشو وبناء البغض مشيد بحجارة الإهانات وإن هؤلاء الجبناء إنما يحاربون عندما لا يسعهم الفرار كما يقول شكسبير فيصبحون كأنهم فرسان الميدان ضد الأبرياء العزل:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
وقد أصاب المتنبي، فإن مثل هؤلاء يفكرون بأرجلهم ساعة الخطر فهم في عبودية والشجعان في حرية وهم لا يستأسدون إلا على أهل وطنهم أما حيال الصهاينة والمعتدين فهم حمائم وديعة:
أسد علي وفي الحروب نعامة
ربداء تنفر من صفير الصافر
قال الصديق الآخر: إنهم يوسعون المعتقلين الذين باتوا بعشرات الآلاف تعذيبا جسديا واحتقارا باللسان أيضا، وليس ذلك بغريب على من بلغ به الحقد مداه والخصومة أوجها وكما قال عنترة:
لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب
وليس رئيس القوم من يحمل
الحقد كما قال المقنع الكندي، إن هؤلاء كتل ضخمة هائلة من الحقد على كل ما هو حضاري فماذا تتوقع منهم وقد ذكر علي بن أبي طالب من جرى عليه مثل هذا الوصف:
إن الحقود وإن تقادم عهده
فالحقد باق في الصدور مغيب
وإن بينهم وبين المثل العربي: عند الشدائد تذهب الأحقاد بعد الأرض عن السماء إن مثل هؤلاء السفهاء قادرون على ارتكاب كل شيء كما يقول فولتير أو كما كان يصف الشاعر العراقي معروف الرصافي من كانوا يتآمرون على الوطن من أبناء الجلدة وهم تبع للأجانب حقيقة لا مراء فيها:
كلاب للأجانب هم ولكن
على أبناء جلدتهم أسود
قال صديق آخر: فماذا نقول في النازحين الذين فروا إلى لبنان وتركيا والأردن، وقد قارب عددهم الآن فقط إلى لبنان خمسة آلاف ومن درعا إلى الأردن كثير وكثير، فأجبنا هذه هي حالات الظلم والجور التي يضطر الناس فيها إلى الهروب لأي ملاذ آمن وقد قتل بعض ذويهم واعتقل أو فقد آخرون وقد رأينا بأعيننا الصبية الصغيرة التي فقدت أباها وعمها وهي تبكي فكيف لا يهاجرون من وطن يذلون فيه:
وإذا نزلت بدار ذل فارحل
ورب عيش أخف منه الحمام
ثم كان لابد من هذا السؤال المهم: من المسؤول عن قتل المتظاهرين وسفك الدم البريء والاعتقال التعسفي وانتهاك الحرمات والتعذيب العجيب في المشهد السوري هذا، وهنا كان الجميع على إجابة واحدة لا اضطراب فيها: إن المسؤول الأول هو رئيس السلطة ولا نقول دولة لأنه ليس فيها مواصفات الدولة في علم السياسة والاجتماع، إن الرئيس ومن معه من الأركان من وزير دفاع ووزير داخلية وأجهزة أمنية واستخبارات يتحملون وزر كل ما جرى ويجري على أرض الشام المباركة من قتل وجرح وإيذاء وانتهاكات للرجاء والنساء والشباب والشواب والمعارضين بالرأي الآخر وقد جاء في الأثر أن الزعيم غارم، وقال عمر رضي الله عنه: أشقى الولاة من شقيت به رعيته، وقال محمد عبده: شر السلاطين من خافه البريء والراعي مسؤول عن رعيته كما في الحديث وكما قال علي: ليس تصلح الرعية إلا بالولاة، وكان أبو بكر يقول في خطبة ولايته: إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني والحكومة المثلى هي حكومة القانون والمؤسسات لا حكومة الأشخاص، كما قال جون مارشال وهو ما ينطبق على المشهد السوري بحكم العائلة والحزب القائد والمنتفعين، وكما يقول المثل البلجيكي:
إن أكثر أمراض الحكومة سوءا ما يكون في الرأس أي لأنه المسؤول الأول وهو الذي يفتخر بهذه المسؤولية طالما أنه يتأتى إليه نفع فكيف يمكن له التملص منها عندما يجلب الشر على الناس إنه الذي تسبب بظلمهم وإن الذين وقفوا في وجهه قاموا بالسنة والمروءة والديمقراطية والحرية ينادون متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ! كما قال عمر ويعرفون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم بعقاب من عنده، إن مثل هؤلاء الحكام الذين لم يتركوا بينهم وبين شعوبهم حتى شعرة معاوية كيف لا يسألون ويحاسبون على هذه الدماء أكثر من ألف قتيل وآلاف الجرحى وآلاف آلاف المعتقلين والمعذبين والمهجرين سابقا وحاضرا، وإنما السياسة اقتياد القلوب بالإنصاف كما قال عبد الملك بن مروان، وإن هذه الجرائم المقترفة بحق شعبنا الباسل هي التي تجر إلى العار والتاريخ لن ينسى ذلك ويا ليت مثل هؤلاء عرفوا ما قاله بوالا: يمكن للمرء أن يكون بطلا دون أن يدمر الأرض ولكن الحرب عند هؤلاء إنما هي تسلية لهم ضد شعوبهم وإذا كان الرئيس كما يقول: اتخذ قرارا بعدم رمي الرصاص على المتظاهرين فلماذا لا يطاع، إن كان انشقاق في النخب حوله فيجب أن يعلن ذلك وأن ينحاز إلى الحق، ثم إنه على كل حال إن كان رئيسا منتخبا حقا فهو مسؤول وإن انتخب بالقوة والوراثة فهو مسؤول أيضا لأنه حكم بالتغلب فما عدل بل ظلم وطغى وبغى فلابد له من محاسبته ثم خرج جميع الأصدقاء بالحكمة التي قالها عبد الرحمن الكواكبي: إن الحكم القائم على الظلم لا يدوم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2580
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
حين يطلب أحد أبناء العائلة منصبًا إداريًا في شركتها، فإن طريقة التعامل مع طلبه تكشف كيف تُدار المؤسسة. هل تُراجع خبرته وحاجة العمل، أم تكفي موافقة والده؟ وإذا اختلف الملاك على تعيينه، فمن يحسم الأمر؟ قد يبدو السؤال متعلقًا بوظيفة واحدة، لكنه يختبر قدرة الشركة على اتخاذ قرارات تحظى بالقبول، خصوصًا حين تتسع العائلة ويتوزع أصحابها بين أجيال وفروع متعددة. تقدم مجموعة يوسف بن أحمد كانو مثالًا خليجيًا يستحق التأمل. فبحسب تقرير نشره معهد الشركات العائلية بجامعة سنغافورة للإدارة في أبريل 2019، امتدت أعمال المجموعة عبر ستة أجيال. ونقل التقرير عن فيصل خالد كانو ممارسات لتنظيم مشاركة العائلة في الأعمال. ومن هذه الممارسات يمكن استخلاص منهج عملي لمعالجة مشكلات تواجه كثيرًا من الشركات العائلية. يبدأ المنهج بإعداد أفراد العائلة قبل منحهم المسؤولية. فقد ذكر التقرير اشتراط عملهم خارج المجموعة ثلاث سنوات قبل الانضمام إليها، وربط شغل الوظائف بالكفاءة. يتيح هذا الإجراء للابن اكتساب خبرة في بيئة يُقيَّم فيها بعيدًا عن مكانة والده، ويتعلم خلالها تحمل المسؤولية والتعامل مع مدير وزملاء يحتاج إلى كسب ثقتهم بأدائه. ويقدم المسار المهني لمشعل حمد كانو مثالًا على اكتساب الخبرة خارج أعمال العائلة. فبحسب سيرته المنشورة على موقع مجموعة كانو في الإمارات، التحق بالشركة عام 1991 مساعدًا لمدير الملاحة، ثم عمل مدققًا لدى آرثر أندرسن في دبي، قبل العودة إلى المجموعة نائبًا للرئيس عام 1997. وهكذا تضمن مساره إلى القيادة خبرة داخل الشركة وخارجها. ولنأخذ مثالًا افتراضيًا لتطبيق المبدأ: يتقدم أحد الأبناء لإدارة المبيعات. إذا كانت سياسة التوظيف واضحة، تُراجع خبرته ونتائجه ومتطلبات الوظيفة، ويُقيَّم وفق معايير معلومة. وإذا لم يكن جاهزًا، يُحدد له ما يحتاج إلى استكماله. بذلك يتحول النقاش من «لماذا لم يُعيَّن ابننا؟» إلى «هل استوفى شروط الوظيفة؟». وهذه نقلة تحمي الشركة، وتساعد العائلة على تقبل القرار. لكن تنظيم التوظيف لا يكفي؛ فهناك ملاك لا يعملون في الشركة، ولهم مصالح تحتاج إلى تمثيل. ولهذا تناول التقرير وجود مجلس عائلي في كانو يضم أجيالًا مختلفة، إلى جانب دستور عائلي قابل للتطور يؤكد اتباع الإجراءات واحترام التسلسل الإداري. يعالج هذا الترتيب مشكلة انتقال مطالب الملاك مباشرة إلى الموظفين. فقد يفضل أحدهم توزيع الأرباح، ويريد آخر تمويل التوسع، ويعترض ثالث على أداء نشاط. وتحتاج هذه المسائل إلى قناة للنقاش، حتى لا يجد المدير نفسه أمام تعليمات متعارضة من أفراد يحمل كل منهم صفة المالك. والدرس القابل للتطبيق هو تحديد مسار كل مسألة: أين تُناقش مطالب العائلة؟ وما الذي يُرفع إلى مجلس الإدارة؟ وما الذي يدخل ضمن صلاحيات الإدارة التنفيذية؟ وضوح هذه القنوات يسمح للمالك بعرض ملاحظته ومتابعتها، وللمدير بأداء عمله وفق مرجعية معلومة. وتحتاج العلاقة إلى اتفاق مكتوب يُرجع إليه عند الخلاف. يمكن أن يبدأ بشروط عمل أفراد العائلة، وحدود التدخل في الإدارة، وتعارض المصالح، وآلية تسوية النزاعات، وطريقة مراجعة الاتفاق. ويُختبر نجاحه عندما يطبق على شخص صاحب نفوذ؛ فالتزامه يمنح بقية الأفراد سببًا للثقة في القواعد. بعد تنظيم العلاقة بين العائلة والشركة، يأتي تنظيم القرار التجاري. فقد أوضح تقرير 2019 أن اللجان التنفيذية للأقسام السبعة آنذاك جمعت قيادات من العائلة وأعضاء من الإدارة العليا، بحيث يُتخذ القرار عبر اللجنة بدل انفراده بيد شخص واحد. تكمن فائدة هذا الترتيب في إخضاع المقترح لأكثر من زاوية نظر. عند بحث توسع جديد، قد يرى صاحب الفكرة فرصة نمو، ويسأل المسؤول المالي عن التمويل، ويتحقق مدير التشغيل من القدرة على التنفيذ. وتساعد المراجعة على كشف ما قد يغيب عن صاحب المقترح، مهما كانت خبرته. وللاستفادة من المبدأ، تحدد الشركة القرارات التي تحتاج إلى مراجعة جماعية، والبيانات المطلوبة لاعتمادها، والمسؤول عن تنفيذها. ثم تراجع النتائج: هل تحقق المتوقع؟ وأين اختلف الواقع عن الافتراضات؟ بذلك يصبح القرار قابلًا للتقييم والتصحيح، ويقل احتمال تحول نقده إلى خلاف شخصي مع من اقترحه. ويمتد تنظيم القرار إلى تحديد هدف الأموال المستثمرة. فقد ميّز التقرير بين توجه مكتب العائلة نحو حفظ الثروة على المدى الطويل، وتوجه الأعمال الأكثر ريادية واستعدادًا لاقتناص الفرص. وهذا يعالج اختلافًا شائعًا بين من يريد دخلًا مستقرًا ومن يبحث عن نمو ويتقبل مخاطره. فقبل السؤال عن جاذبية الاستثمار، ينبغي تحديد الغرض من الأموال: هل تحتاجها الأسرة لاستقرار دخلها؟ أم خُصصت لتوسع تجاري؟ وما حاجتها إلى السيولة؟ وما حجم الخسارة الذي تستطيع تحمله؟ وضوح الإجابات يمنع مناقشة الاستثمار نفسه بأهداف متعارضة، ويجعل تقييمه أكثر انضباطًا. وتكتمل هذه الترتيبات بمراجعة مهنية. ويُظهر الموقع الرسمي الحالي لكانو وجود أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة، إلى جانب إطار للحوكمة ومدونة للسلوك وآلية للإبلاغ عن المخالفات. وتتيح هذه الأدوات مساءلة القرارات والممارسات متى توفرت المعلومات والصلاحيات اللازمة. لا تثبت المعلومات المنشورة أن هذه الممارسات وحدها صنعت استمرار كانو، لكنها تكشف ترتيبات يمكن الاستفادة منها: خبرة تسبق المنصب، وقناة تنظم مطالب العائلة، وقواعد تضبط الصلاحيات، ومراجعة جماعية للقرارات، وأهداف واضحة للاستثمار. ويمكن البدء بتحويل هذه المبادئ إلى سياسة توظيف، واتفاق بين الملاك، وجدول للصلاحيات، ثم اختبار استخدامها في القرارات اليومية. وتضع تجربة كانو أمام كل مؤسس سؤالًا مباشرًا: إذا غبت غدًا، فهل يعرف أبناؤك كيف يختارون المدير، ويعتمدون الاستثمار، ويحاسبون المقصّر، ويحسمون الخلاف؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على حضورك، فبناء المؤسسة لم يكتمل بعد. يبدأ العمل بتحديد هذه القواعد وتجربتها في حياتك، حين تستطيع تصحيحها وترسيخ احترامها. فالمؤسس يترك لأبنائه ثروة، لكنه يترك لهم أيضًا طريقة إدارتها؛ وقد تتبدد الأولى إذا ترك الثانية لاجتهاداتهم.
1113
| 18 أكتوبر 2026