رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد بات من الحقائق التي لا يختلف فيها اثنان أن الإعلام يحتل المراكز الأولى في مجريات الحياة وجوانبها المتعددة لما له من أدوار بارزة في التأثير لبناء النهضة العامة لكل أمة من جهة، ولكونه أداة حل ناجع لكثير من مشكلاتها ولذلك ذهب كثير من فقهاء الإسلام اليوم إلى أن التخصص في ميدان الإعلام يعتبر فرض عين لكونه شكلا واضحا من أشكال الدعوة الإسلامية للتواصل والحوار مع المسلمين أنفسهم ومع غيرهم من المخالفين، لتكون صور الحياة معبرة عن واقعها بحيث لا تضطرب الرؤية ولا تلتبس المفاهيم وتؤد الشبه والشائعات في مهدها كيلا تشكل سلاحا فتاكا في الأمة جسما وروحا بل إن الإعلام الحقيقي هو الذي يربط أي حدث بخلفيته التاريخية ويعتمد على السنن الكونية في الحضارات ويستشرف مستقبل الأمة، وبمثل هذا يكون بناؤه عتيدا مكينا لا سبخة هشة لا تثبت على قرار وتأسيسا على ذلك اعتبر المستشار عبدالله العقيل في كتابه الإعلام وهوية الأمة "ص 17" أن الإعلام الحق له دور أهم من دور الصاروخ اليوم مركزا على مسؤولية الصحفيين كما في "ص 52" في البحث عن الحقيقة في تعاطي الأخبار وتغطيتها وذلك بتحري الدقة وتحمل المسؤولية بالصدق والأمانة وألا يخضع الإعلاميون إلى أي ضغط وابتزاز من الحكومات أو الشركات المتخصصة في هذا المجال ولعل كثيرا من هذه الأدبيات قد أشير إليها في المؤتمر العاشر للصحفيين العرب المنعقد في القاهرة عام 2004 التي جرى التأكيد عليها التزاما بميثاق الشرف الصحفي، وبناء على هذا التمهيد نقول: كم يكون الإنسان في أي مجتمع ووطن مطمئنا إذا كان الإعلام يسير بخطى ثابتة على هذا النهج حيث يشعر بالانطلاق والحرية ولا يبقى حبيس الإعلام الشمولي المنغلق على ذاته وغيره فيشعر المتلقي بالكبت بل بتسلط أسنة وسهام الإعلام المحتكر نحوه فلا مكان إلا للقلق والكآبة والحيرة خاصة إذا كان الموضوع سياسيا يتعلق بأهم مهمات الأمة بين النهوض والسقوط والمناداة بالإصلاح أو الجهر بالفساد والإفساد، وهذا ما حدا بالكثيرين أن يتساءلوا في بلدنا الغالي سوريا هذه الأيام بالذات حيث تتواصل الاحتجاجات السلمية في المحافظات والأرياف مطالبة بالإصلاح والتغيير وقطع دابر الفساد وتتناقض الروايات في وصف الأحداث وتغطيتها خاصة أن المئات من الشهداء قد سقطوا وأمثالهم من الجرحى خاصة في مدينة درعا وضواحيها، فما دور الإعلام الصادق هاهنا وما المطلوب من الحكومة والشعب؟ إنه سؤال جد مهم يلهج به كل سوري وطني في داخل البلاد وخارجها، وإذا كنا منصفين حقا فلابد أن نبين أن الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد القائد لا تستطيع غالبا إلا أن يكون إعلامها موجها لصالح سياستها ورؤيتها دون الاهتمام بالرأي الآخر وإعطائه مساحة كافية ليعبر عن وجهة نظره سواء في الحوار مع الذات أو مع الآخر بعد ذلك وإن ما جرى منذ 15 مارس ويجري من أحداث دامية تحترق لها القلوب الوطنية بدل أن تضحك وتهدد وترغي وتزيد ليحتم علينا أن نقول: إن المطالبة بانفتاح الإعلام وأخذه الحرية سياسيا لهو المطلب الذي يجب ألا نحيد عنه كيلا ينتشر التضليل والتعتيم على حساب الحقيقة ودماء الشهداء والجرحى والمعتقلين، ومن هنا فإننا نتساءل لماذا لا تركز وكالة سانا في سوريا إلا على الأخبار التي تتموضع لصالح النظام؟ بل إذا نقلت أي خبر من الوكالات فإنها تعمل على الصياغة التي لا تروق إلا لمزاجها في معظم الأحوال خاصة في مرحلة الأحداث هذه مع أنه من حيث فطرة الإنسان إن كان سويا مستقيما فإن التعاطف غالبا ما يكون فيما يذاع لصالح الشعب لا لجانب السلطة بوجه عام لأنه كما يقول مصطفى صادق الرافعي: الشعب بمجموعة أقوى من الحكومة والحق أقوى من القوة، وهذا ما أحسنا به في ثورتي تونس ومصر بل واليمن وليبيا اليوم إن الصدق أولى بالإتباع، فإن تذكر الأخبار أن المظاهرات لم تكن موجودة ثم يقال إنما هي بالعشرات ثم يتبين أمام العالم أنها بدأت بالمئات وأصبحت بآلاف الآلاف خاصة في درعا ودوما وبانياس.. إن هذا لعب وكذب على الحقيقة التي تأبى إلا أن تطل بوجهها كالشمس الساطعة وهو ما اضطرت الحكومة إلى الاعتراف بوقوعه وحجمه مؤخرا، لماذا؟ أليس لأن الإعلام المغلق هو سبب هذه الادعاءات والافتراءات، وإذا كان هذا ضربا من الحرب النفسية فإن معظم الشعب السوري واع لا تنطلي عليه مثل هذه الأساليب القديمة، فإذا ما انتقلنا إلى التلفزيون السوري فإننا نجد أنه قد فقد كثيرا من المصداقية في تناوله للأحداث واختراع روايات أو ترويج مسرحي عفا عليه الزمان ففي حين كنا ومازلنا نرى بأم أعيننا والعالم يشهد أن المظاهرات سلمية لم يطلق من المتظاهرين فيها رصاصة واحدة حقا يأتي النظام ليذيع عبر شاشته أنها تظاهرات مسلحة وأن ثمة عصابة مسلحة مندسة هي التي تقتل المتظاهرين الذين هم بدورهم يقتلون ويجرحون عناصر الأمن ونحن إلى الآن لم ندر من هؤلاء؟ وما أسماؤهم؟ وإذا كان بعض ذلك صحيحا فمن المسؤول عن الفلتان الأمني؟ وأين الدولة التي لا تكاد تستطيع ذبابة أن تطير إلا وتعرفها إذن فقط عند هذه العصابة المسلحة المدعاة بفروعها في درعا واللاذقية وحمص خاصة كيف لا تنكشف ثم السؤال الذي يطرح نفسه لماذا تتحين هذه العصابة يوم الجمعة فقط لتكون من أركان التدخل السريع في الأحداث؟ لماذا لا تظهر في أي يوم آخر؟ ولماذا لم تظهر أبدا لدى خروج المظاهرات المليونية المؤيدة للنظام؟ ولماذا سمح للمراسلين من سائر القنوات العربية والأجنبية بتغطية هذه المظاهرات ونشرها من سوريا وخارجها دون قيد في حين لا يسمح لهؤلاء من أي القنوات أن يدخلوا ساحة الحدث ويصوروا ويعطونا الخبر المحايد؟ إذا كانت السلطة شجاعة فلتسمح لهم بالتصوير والتغطية وألا تكتفي برواتها التي غدت ممجوجة ومكررة واكتشف افترائها حتى الصبي الصغير فضلا عن أهل الرأي والعقل والفهم، ومازال المتظاهرون يرسلون عبر هواتفهم النقالة الصور الحقيقية للأحداث وهي وإن لم تكن واضحة لكنها منظورة وتبرز الحقيقة لكل الناس وإننا لنعجب ممن يصدقون رواية النظام سواء من العوام أو الإمعان أو أرباب المصالح المنتفعين منه في شتى المصالح، كيف يكون للإنسان عقل واع وحس وطني ودين وخلق وحرقة على البلاد ثم يصدق مثل هذه الاسطوانات المعروضة المغرضة التي تتم فبركتها أو أحداثها من جهات أخرى وليس عليها شهداء محايدون لنعرف الحقيقة (فإن لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون)، "النور: 13"، والكاذب كالسراب يقرب إليك البعيد ويبعد عنك القريب كما قال علي رضي الله عنه وإن حبل الكذب قصير كما يقول المثل العربي ونتمنى ألا نصل مع الإعلام السوري خاصة التلفزيون إلى حد أن نخاطبه بما قاله الأخطل الصغير:
إذا عرف الكذاب بالكذب لم يزل
لدى الناس كذابا وإن كان صادقا
نقول هذا ولا نبخس أحدا شيئا إذ بعد ضغط الشارع ذكرت صحيفة الوطن شبه الرسمية التي تقول منظمة مراسلون بلا حدود إنها مملوكة لرجل الأعمال ابن خال الرئيس بشار رامي مخلوف مؤخرا أن سوريا بحاجة إلى عقد اجتماعي للإصلاح بوقفة عمل بلا انفعالات موضحة أن المتظاهرين خرجوا للشارع يقولون كلمتهم وأن الناس تعاطفوا معهم لأسباب منها أنهم قدموا الأرواح والدماء وكذلك فإن مطالبهم مشروعة وهو ما كانت اعترفت به بثينة شعبان قبل أسبوعين وكذلك اليوم وزير الخارجية وليد المعلم إذن فأين الادعاءات الأخرى في الصحف والتلفزيون، إن الانتفاضة فتنة معد لها وأنها مرتبطة بمؤامرات خارجية وبمشايخ يثيرون الفتنة إن الأفضل لكم أن تصلحوا وتبعدوا مشايخ النفاق فإنهم يورطونكم بلا ريب وإذا بقي الأمر كذلك فإن هذا لا يبشر بخير من فرط تناقضاتكم ورهاناتكم على الأمن والقوة وقتل الناس وجرحهم واعتقالهم بغير وجه حق، إن هذا لم يغضبنا نحن السوريين الأحرار فقط بل أصبح يغضب العالم عليكم وعلى هذا الإعلام المتحيز والحائز على الدكتوراه في قلب الحقائق والأحداث وهو الآن بعد أربعين سنة لا يذيقنا إلا الخطر حيث التصعيد الرهيب لانتهاك الحريات مع ممارسة أبشع سياستي التعتيم والتضليل وتلك مشكلة من أهم التحديات أمام الجماهير لاسيما أن سوريا قد أتت في المرتبة 153 بين الدول وفقا للمؤشر السنوي العالمي لحرية الصحافة الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود حيث سيطرة الدولة على الإعلام وفي ظل قانون الطوارئ الذي يخيف المعارضين من الإعلاميين ويطول الإعلام الإلكتروني أيضاً ويعمد إلى عمليات القرصنة ضده ويعاقب ويجرم، وليس هذا المجال لذكر عشرات الأسماء التي سجنت في سوريا من السوريين أو غيرهم بسبب الرأي الحر أو غرمت غرامات مالية أو فصلت من العمل كمثل الذي حصل قبل يومين لرئيسة تحرير جريدة تشرين سميرة مسالمة لدى مداخلة لها في قناة الجزيرة عن شهداء درعا ورجال أمن قتلوا كما تقول الحكومة ويبدو أن بعض الكلام لم يرق لهم والشواهد أكثر من أن تحصى ولدى مراجعة موقع الجزيرة نت تجد العجب العجاب ولكن المصل الواقي من الدجل مازال عندنا قويا.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1950
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1350
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1167
| 11 أكتوبر 2026