رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد اعتنى الإسلام بالأخلاق عامة في جميع جوانب الحياة وأولى الأخلاق السياسية اهتماماً فائقاً وجعل الحكمة في فم هذه الأخلاق وأقام عليها حارسا يقظا سماه الأمانة واعتبرها من أبرز القيم الخلقية للحاكم خاصة ولبني البشر عامة (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، "الأحزاب: 72"، وحرم الله الخيانة في أي مجال كانت، خاصة إذا نجمت بين الحاكم والشعب لأنها بذلك خيانة لمجموع الأمة لا لفرد وجماعة بعينها قولا أو فعلا أو حالا وتصرفا أو مشت على رذيلة السياسة الميكيافيلية: الغاية تبرر الوسيلة لأن الإسلام يعتبر النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة كما قال سيد قطب في الظلال 3/1542 ولأن الغاية واحدة عند الحاكم والمحكوم في الإسلام وهي ابتغاء مرضاة الله، فالحاكم يسهر على مصلحة المحكوم والمحكوم يطيع الحاكم في غير معصية والذريعة الميكيافيلية كلها معصية وجناية وخيانة لأنها تفصل بين غايات الجانبين، إذ غاية الحاكم فيها العظمة بل جنون العظمة والغطرسة، كما نرى اليوم عند البعض وكذلك محبة الشهرة والزعامة وإن كانت زائفة وكذلك القوة التي ترهب المحتجين والمخالفين له في الآراء فلا يحاور إلا بالتهديد والسلاح متجاهلا أن الحق بطبيعته أشد من القوة وأن الشعب أقوى من السلطة في نهاية المطاف، ومن هنا رأينا أن الحق تعالى يبغض كل خائن لأنه لا يمكن وصفه بالإيمان والإسلام ما لم يتب إلى الله (إن الله لا يحب الخائنين)، "الأنفال: 58"، والحاكم الخائن يزيد سوءاً حينما يعلم الناس أن الأمانة خيانة وأن الخيانة أمانة، كما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامات آخر الزمان الذي يخون فيه الأمين ويؤتمن الخائن، وهكذا يصبح الإنسان الخلوق الملتزم خائنا وإذا تحرك بأي قول أو عمل ضد الحاكم فهو الخائن الذي يجب أن يلجم ويسجن ويعذب بل يقتل بل يمثل به، وبالعكس يوصف كل خائن مرذول عديم الدين والخلق متآمر على ثوابت الأمة هو المعتمد سندا وبوقا دائما لهذا الحاكم فيقدم ويكرم وهكذا يرتفع التحوت على الوعول في آخر الزمان كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: وما التحوت؟ قال: أسافل الناس، قيل وما الوعول؟ قال: كرام الناس وإنه كم يؤسفنا ويؤسف كل حر ما نراه في بلدنا الغالي سوريا من مظالم وجرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية والأخلاق الفاضلة في هذه الأحداث التي تعصف بالوطن والشعب في معظم المحافظات والقرى مثل دمشق وحمص وحماه وحلب أحيانا واللاذقية وبانياس وتلبية وطرطوس وجبلة وسلمية والرستن ودوما والتل وجوبر وداريا والكسوة والسويداء والجولان.. خاصة درعا البطلة التي كانت مهد الاحتجاج الثوري المسالم عن طريق الجهاد المدني التي لم تعد تحتمل الجور والتجاوز وقدمت الشهداء بالدم الغزير مع أخواتها كبعض ثمن للحرية، وظن المساكن الطيبون أن الحاكم وحزبه يمكن أن يرضوهم ببعض الإصلاحات الشكلية كتغيير المحافظ مثلا لا التغيير الحقيقي بتلبية مطالب المحتجين الاجتماعية والسياسية وجعل سوريا بلدا للحرية والعدالة لا سجنا كبيرا لأهلها فما كان ممن وصف درعا بالشهامة والكرامة والشجاعة قولا إلا أن رجع إلى طبيعته فجهز عدته بالدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة يوجهها إلى حوران ودرعا فيها لا إلى الجولان المحاذية لها، حيث لا يستطيع ومن معه حتى أن يحملوا بندقية صيد فيها فضبط النفس مطلوب بكل إتقان حيالها أما على شعبه وبلده فلا كما قال الشاعر:
كل امرئ راجع يوما لشيمته
وإن تخلق أخلاقا إلى حين
ثم لا يهم بعد ذلك أن يجري الذعر في درعا وتحاصر من كل المنافذ وتغلق الحدود مع الأردن ويقطع الماء والكهرباء عن أهلها وتشح المواد الغذائية بما فيها حليب الأطفال ويصرخ الكهول وتستغيث ذوات الخدور والعجائز ولكن أين الرحمة، إذ فاقد الشيء لا يعطيه وإذا عرف السبب بطل العجب فلا مكانة للأخلاق السياسية عند هؤلاء أبدا، القتلى في الشوارع والجثث تتفسخ والجرحى لا يعالجون ومن يمضي لينقذ هؤلاء لابد من اصطياده حتى لو كان من النساء بل خرجت مظاهرة نسائية صامتة منذ يومين في دمشق تضامنا مع درعا لفك الحصار عنها فاعتقلت الإحدى عشرة امرأة منهن وما زلن في السجن فأين المعتصم وشهامته، كما قال أبوريشة:
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
ولم تجد عشرات آلاف الحناجر في جمعة الغضب أن فكوا الحصار عن درعا أبدا، وكأن درعا هي تل أبيب معاذ الله فدولة المقاومة والممانعة شعارها أنه لابد من تطهير درعا الحدودية الباسلة وإبادة ضميرها ثم يأتي دور إسرائيل على مزاعمهم التي لم تطلق رصاصة واحدة على أهلها لا في الجولان ولا غيره منذ أكثر من أربعة عقود والذي أقنع الجميع كما قال عدة مفكرين صهاينة إن الحكم في دمشق اليوم هو أفضل لنا لأن الجبهة هادئة مع سوريا وما ندري من يأتي غير هؤلاء وكيف ستصير الأمور بعد ذلك؟
إن الأبواق التي تدخل على القنوات الفضائية وتمثل وجهة النظر الرسمية للنظام لا تفتأ تكذب كرؤسائها وتفتري وتبدل وتغير في الكلام وتدافع عن مواعيد عرقوب الإصلاحية وتخون معهم الأمانة لهي الصفات الذميمة التي تحققت قبل ذلك في أمثالهم ممن نعتهم رسول الله بقوله: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" وإن قوات الأمن التي لم تقصر في إزهاق أرواح شباب الثورة المؤمنين واعتقال آلاف الشرفاء الأحرار بدرعا وهي تبحث في هجمتها التفتيشية الشرسة عن أعضائها الذين استقالوا طوعا من حزب البعث الحاكم وتبحث عن المفتي البطل الذي ستقال أيضاً لتؤدبهم أو تقتلهم أو... لأنها لا يمكن أن تتفهم الرأي الآخر وكان ما كان ويكون إذ ما زال الحصار مستمرا ومازال العديد من الأسر تهرب باتجاه الأردن، ثم يتوج هذا النصر لهؤلاء الظلمة بأنهم اقتحموا المسجد العمري في درعا.. إنه لنصر كبير إذ أن هذا المسجد هو منطلق احتجاجات الشباب وهو الذي ادعت السلطة كذبا وزورا أن فيه مسلحين وأسلحة.
نعم لقد وضعوا فيه الأسلحة من قبل وهربوا وادعوا أن هذه هي أسلحة الشعب وتلك وأمثالها رواياتهم الكاذبة التي لا تعرف الحقيقة أبدا وقد بات الجميع يعرفون أن الإعلام السوري الرسمي كذاب بامتياز ولا أدل على ذلك بأنهم لم يسمحوا ولن يسمحوا لأي إعلام عربي أو غربي محايد بالاطلاع على الأوضاع كيلا يفتضحوا ويدعوا دون خجل أن التلفزيون السوري وحده الذي يعرض الحقيقة كبرت كلمة من أفواههم وأفواه الطبالين الزمارين منهم الذين سبقوا مسيلمة في الكذب وخانوا الله ورسوله والجماهير في سوريا وغيرها ولم يعولوا في جميع مداخلاتهم إلا على الشخصية ومدح سيادة الرئيس المعجزة.
ولم يميزوا بين الوفاء والغدر والاستقامة والانحراف وحفظ الدماء أو التعطش لها بكل قسوة ووحشية بل لم يترحموا على شهداء الشباب لأنهم في عرفهم أعداء ولم ينصحوا الراعي الذي يجب أن يكون رحيما شفافا حريصا على النفوس بل كان متوعدا بأنه جاهز للمعركة، إنها شجاعة لم يصل إليها شارون من قبل!
ومع ذلك يستشهد بالقرآن وهو كما قال علي: من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة ولذلك كان المتظاهرون محقين في شعاراتهم: كل من يقتل شعبه خائن والراعي الذي يفتخر بالذئب لا يحب الخراف كما قال ديدرو وإنه ربما تنجح الخيانة مؤقتا كما في حصار درعا ولكن النتيجة أن الخائن يكرهه الجميع وللتاريخ الذي يسجل حساب عسير لمن ليس له أخلاق في السلم والحرب.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
18
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
36
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
54
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4302
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2613
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2289
| 02 يونيو 2026