رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن الحرية كلمة غالية نفيسة ترتسم على كل ألسنة البشر ولا يمكن أن ينكرها بمفهومها السليم إلا كل مختل مضطرب في الفكر والسلوك والدراية بأحوال حياة الناس، ويكفي أن نقرأ أن أي إنسان منذ أن يظهر على مسرح هذه الدنيا فإنه يجب أن يتمتع بحق الحرية لأنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة.". والفطرة تقتضي الحرية ولذلك فإن أي مخالفة لهذا الأمر الذي وهبه الله للإنسان تعتبر اعتداء صارخا على أصل تكوينه جسدا وروحا منذ البداية ولا بأس أن نذكر هنا بشاهد لمثل هذا الأمر وهو الذي يتمثل في حكم ذكره الفقهاء وهو أنه لو عثر على صبي صغير مجهول النسب فادعى رجل مسلم أنه عبده وهو سيده وادعى رجل كافر أنه ابنه حكم به له لا للمسلم وذلك لأجل أن ينشأ هذا الطفل حرا لا عبدا ثم الله كفيل بهدايته إلى الإسلام أو عدم هدايته، إذ المهم هو أن يشم رائحة الحرية من أول حياته وأن تتنفس رئته هذه الحرية لأن الحرية هي أيضا رئته التي لا يعيش من دونها وهذا يصدق على المجتمع كذلك فإذا ما كان حامل هذه الرئة كان حرا وعاش الناس فيه بأنعم سعادة وإلا عم الشقاء واستفحل البلاء إذ ثمة فرق كبير بين جنة الحرية وجهنم العبودية وإذا كان ذلك كذلك فإن الإسلام جعل الناس أحراراً في اختيار معتقداتهم وأفكارهم وتعابيرهم (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي...)، "البقرة: 255"، وغاية نظرة الإسلام في الدعوة إلى دينه القويم أنه يعرض ولا يفرض أبداً النظرة الإسلامية عند المسلمين هي فيما ذكره ابن الجوزي في كتابه صيد الخاطر أن العقل أصل الشرع والإسلام يحترم عقول الناس ولا يستخف بها فيجبرها أن توافق على ما لم تقتنع به وتنحصر مهمته في التبليغ والدعوة والتنوير (وهديناه النجدين)، "البلد: 9".
ومن المعروف أنه في حين كان هذا الإسلام يعمل على تحرير الإنسان في هذا الجانب كنا نرى مواطني أوروبا يزدادون ذلاً وعبودية ويتغطرس قادتهم وأحبارهم معتدين على العقل والحرية وما يزلل إسلامنا الحضاري والحمد لله ينصب علامات ومنائر الهداية لإنارة حياة الحرية وطمس ظلام العبودية ماديا ومعنويا وإنما الإشكال الخطير هو في انحراف الحكام الظلمة عن هذا المنهج لأن فتيل الحرية يحرق مناصبهم ولعل في المفهوم الغالب عن هذه الحرية أن يراد بها على وجه الحقيقة اليوم حرية الفكر والتعبير بالرأي والرأي الآخر وبحوار الذات وحوار الآخر وأن كل إنسان في ظلال الحرية موجود ومعتبر ويشعر أن له معنى جوهريا في الحياة يشارك مع الآخرين أدوارهم على مختلف الأصعدة والمستويات، حيث يدرك أن الحرية هي بداية كل تقدم وتحضر ولا يمكن أن يسلبها فهي ليست علماً يدرس أكاديميا ولكنها حاجة إنسانية كالطعام والشراب والهواء والماء وأن العدالة بين بني البشر لا يمكن أن تتحقق بغير الحرية، هذه الحرية التي وضع لها الإسلام ضمانات حقيقية لا يمكن لأحد أن يلعب بها كما يشاء وأنه متى ما التزم الحاكم والمحكوم بصيانتها وحراستها حل الأمن الخارجي والداخلي في البلاد ولم يتمكن أي طاغية مهما امتلك قوات خارقة من سلطان وجاه ومال وأتباع أن يبقى محتكراً لها طويلاً دون مراعاة لحقوق الشعب لأنه في النهاية سيظهر أن هذا الشعب أقوى منه ومن سلطته وباطله واستبداده وأن هذا الشعب وإن أرهقته الأمراض التي سببها الحاكم غالبا فسرعان ما يتعافى وينتفض ويثور كما حدث عبر التاريخ وحدث اليوم ويحدث في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا وأن الفكرة القوية والمبدأ الثابت حيث المطالبة بدفن النظم البالية وإحلال النظم الجديدة لمرحلتنا هذه قد نجحت سلميا وشكلت طوق النجاة لتجاوز أمواج كثير من الحماقات ولم تخسر إلا القليل من الضحايا غالبا وهي التي تنجح أيضا بامتلاك القوة ليبزغ إلى الناس نظام جديد أساسه الرضا الشعبي العام من شرائح المجتمع المدني بكل أطيافه ومكوناته وهنا هنا يشعر الناس بالحرية الحقيقية التي ينادون بها خاصة منها السياسية والاجتماعية، ويخطئ من وجهة نظرنا من يظن أن الحرية لها مفهوم هلامي لا ينطلق إلا من لسان السلطان وفهمه للتعاطي معها مهما كان ظالما شعبه سالبا حقوقه وحتى لو كان حائزا على بعض شروطه كحاكم منتخب مثلا وظهرت له بدايات من الإصلاح والنهضة.
ففي حديث صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم: "إن شر الرعاء الحطمة فإياك أن تكون منهم!" ويشرح الإمام النووي ذلك أن الحطمة هو العنيف في رعيته بحيث يؤذي الأمة ويحطمها والتحذير هنا لأنه يرعى أمة لا قطعيا وهذا ما لاحظنا شواهد له تاريخيا ونشاهده اليوم في ليبيا واليمن وسوريا من شر الرعاء الذين تسببت قراراتهم الطائشة بكل ضرر وخيم على الأمة وما ذلك إلا لأنهم ضربوا المقوم الأول لحياتها وهو الحرية كما يقول أحمد لطفي السيد وبذلك دمروا ويدمرون الوطن بسبب أنانياتهم ونرجسياتهم إذ الوطن هو الحرية وهي التي تحيكه أيضا وكذلك فإن مثل هؤلاء الحكام الظلمة والمتحدثين بألسنتهم عبر الإعلام كثيرا ما يتشدقون أن لديهم حرية كبيرة يمنحونها شعوبهم ناسين أو متناسين أن الحرية تؤخذ ولا توهب وغافلين عن مسؤولياتهم تجاه شعوبهم لأن المسؤولية والحرية توأمان ولا حرية دون تحمل المسؤولية كما قال جان جاك روسو إنهم ومن يلوذ بهم أحرار في كل شيء في الحياة ولا تنقصهم أي حاجة فيتوهمون أن الشعب كذلك ويقنعون أنفسهم بهذه الخيالات والأحلام وإذا سلطنا الضوء على شمس الحقيقة رأينا أنهم يقتلون شعوبهم باسم هذه الحرية والديمقراطية المزعومتين ويستخدمون أبواقهم لتضليل الناس والرد على المطالبين بالحرية متسائلين أي حرية تريدون يا أرباب المؤامرات والعصابات.
هذه النغمات والأسطوانات والفبركات التي كنا نسمع بها منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان كلما لاح بارق للتغيير من مصلحين أحرار ولعل الذي جرى ويجري في الشام سورية الحبيبة أبرز مثال على الاعتداء الصارخ ضد الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان فبينما يعتبر مونتسيكو أن الحرية خير يمكن الجميع من التمتع بسائر الخيرات فإننا نجد أن امتيازات الخيرات في بلادنا لا يظفر بها إلا النظام العائلي وشركاؤه من المقربين على مختلف الجوانب فأين هي الحرية التي تحقق المساواة للشعب وبينما نرى البلابل كحيوانات تعتبر أبطال الحرية نرى بلابل الشعب السوري الذين أطلقوا شرارة وشعلة الحرية ونادوا بها يطلق عليهم الرصاص الحي القاتل ليكون الشهداء الشواهد الحقيقيين على أعداء الحرية، وإذا كانت العقوبات في الإسلام بحسب الجنايات فمن يقول إن الذي يعارض بلسانه يجب أن يزول من الوجود شباب في عمر الزهور والورود رباهم أهلوهم لينتفع المجتمع منهم فكان جزاؤهم القتل والجرح والخطف والركل على وجوههم والرقص فوق أجسادهم يا لها من حرية فريدة كما يفهمها المتجبرون الحاقدون، القتلى أكثر من ألف والجرحى أزيد كثيرا ولا تنسى الشهيدات من النساء والمعتقلين والمعتقلات في سجون الحرية، ما أجبن وأنذل من يطلق الرصاص ويقتل الأمهات ويعذب الأطفال لدرجة قلع أظفارهم دون رحمة وشفقة.
ثم الحرية التي ينادون بها إعلاميا هي في التعتيم الرهيب وحظر أي جهة عربية أو إسلامية أو عالمية لتغطية الحقائق لأخذ الفرصة لتزويرها بإعلام كذاب أحادي وعلى الجميع أن يقتنع برواياته محبة للحرية السورية في فهمهم ثم دعوة لحوار وطني لا يشمل الجميع تمسكا بالسلطة فأين الحرية وبالجملة كيف يفهم الحرية نظام الطغمة والمافيا الاقتصادية والسياسية ورفض الاعتراف بالواقع الذي فرضه الأحرار في مظاهراتهم وتضحياتهم بأبهظ الثمن وهم يهتفون:
حر ومذهب كل حر مذهبي
ما كنت بالغاوي ولا المتعصب
فمتى تفهمون معنى الحرية في سورية؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
5754
| 14 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1839
| 12 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
1284
| 18 يوليو 2026