رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهر يغفل الناس عنه . بهذا عنون النبي صلى الله عليه وسلم سمة الناس في هذا الشهر الكريم، وهي إشارة لها دلالة يحسن الوقوف عليها وقد أوشك ثلثه الأول أن يرحل عنا ! أسامة بن زيد لاحظ كثرة صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان فسأله: لم أرك تصوم شهرا من الشهور ما تصوم من شعبان ؟ وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: " ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم " هي إشارة عملية أن الأوقات التي يغفل الناس عنها لا ينبغي أن يتغافل عنها طلاب الآخرة، خاصة وقد يكون فيها من الفضل ما لا يدركه البعض في غيرها، وقد ذكر أهل العلم فوائد للعمل في أوقات الغفلة منها:- أن العمل يكون أخفى، وغفلة الناس عنه تجعله أرجى في القبول، وهنا نستذكر مآثر سلف الأمة رضي الله عنهم فقد ذكر ابن القيم أن أحد السلف صام أربعين سنة لا يعلم به أحد، كان يخرج من بيته إلى سوقه ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته، وحين يعود إلى بيته يقدم له العشاء وهو فطوره، وحسبه أن الله مطلع عليه عالم بحاله.- العمل في وقت الغفلة يكون شاقا على النفس، وأفضل الأعمال أشقها لمن اعتبر ولعل هذا بعض قول النبي صلى الله عليه وسلم :(للعامل منهم أجر خمسين منكم، إنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدون). - الأعمال في أوقات غفلة الناس عظيمة القدر عند الله، يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله: واعلم أن الأوقات التي يغفل الناس عنها معظمة القدر لاشتغال الناس بالعادات والشهوات، فإذا ثابر عليها طالب الفضل دل على حرصه على الخير . ولهذا فضل شهود الفجر في جماعة لغفلة كثير من الناس عن ذلك الوقت، وخاصة ساعة السحر، ساعة أن يخلو الإنسان بربه لا يشغله عن الله شيء فيخاطبه بانكسار قائلا:بذلِّي أرتجي ربا فضيلا ***** حميدا أبتغي منه القبولا وأبتهل ابتهال العبد يدعو ***** إلها واحدا صمدا وكيلا فكن لي دائما ربي معينا ***** وكن لي واهب الحسنى دليلا تقبَّل صومنا اللهم نحيا ***** بخلد يحتوي الظل الظليلا !ثم في هذا الشهر ليلة النصف من شعبان التي يكثر الجدل فيها بين مانع ومجيز، والحق أنه لم يرد في فضل هذه الليلة حديث واحد صحيح ليس فيه مطعن، بل كما قال العلامة الألباني رحمه الله: (إن أحاديث ليلة النصف إن كان المقصود منها ما يتعلق بالأمر بقيام ليلها وصيام نهارها - كما هو الظاهر من كلامه- فهو حديث واحد لا يوجد سواه وإسناده ضعيف جدا، كما هو مبين في المجلد الخامس من " سلسلة الأحاديث الضعيفة، وإن كان المقصود حديث المغفرة لجميع الخلق إلا من استثني فيه فهو حديث واحد أيضا جاء من طرق عن جمع من الصحابة وبألفاظ مختلفة لا يسلم طريق منها من علة ولذلك ضعفها أكثر العلماء كما قال ابن رجب وصحح أحدها ابن حبان وفيه انقطاع فمن الممكن تصحيحه أو تحسينه على الأقل لتلك الطرق ومن أجلها خرجته في " السلسلة الصحيحة " وبهذا يكون الحديث الوحيد الذي ذكره الألباني في السلسلة الصحيحة هو : (يطلع الله تبارك وتعالى إلى خلقه ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن ) وهذا الحديث جعله الألباني دائرا بين الصحة والحسن، وهذا أرجى أن تكون لهذه الليلة ميزة من هذا الوجه، فإذا أضيف إلى ذلك ما اشتهر عن جماعة من السلف ثبت اعتناؤهم بها لكان مستأنسا، ومن ذلك مثلا ما قاله ابن رجب الحنبلي: (وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها)وقال ابن تيمية: «وأما ليلة النصف فقد روي في فضلها أحاديث وآثار ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها، فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا»الشاهد أن الدعوى بأن الليلة فيها أحاديث تحث على قيام ليلها وصيام نهارها دعوى جوفاء، تماما مثل الدعوى أنها مثل أي ليلة، وعليه فقول شيخ الإسلام رحمه الله السالف له وجهة قوية . لم يتبق من شعبان إلا أيام فهل من عودة وتوبة ورجوع استعدادا لشهر الخير والفضل، أم سيصير شعبان مثل رجب !مضى رجب وما أحسنت فيه وهذا شهر شعبان المبارك فيا من ضيع الأوقات جهلا بحرمتها أفق واحذر بوارك فسوف تفارق اللذات قسرا ويخلي الموت كرها منك دارك تدارك ما استطعت من الخطايا بتوبة مخلص واجعل مدارك على طلب السلامة من جحيم فخير ذوي الجرائم من تدارك اللهم بلغنا رمضان واجعلنا ممن صام نهاره وقام ليلة احتسابا لوجهك الكريم.
2626
| 27 مايو 2015
للمصائب رماح على العباد مشرعة، ولها سهام إلى أهل الصلاح مرسلة، يبتلي الله الصفوة، ويسلط عليهم من شرار أهل الأرض السفلة، فيحاكم الذليلُ العزيز، ويصادر الصغيرُ حق الكبير، ويصبح الأمين هو المضيع الخائن، والخائن هو الحفيظ المؤتمن، والصادق هو الكذوب، والكاذب أضحى صديقا! هنا لابد للمبتلى من أحد يبثه نجواه، ويشكو إليه بلواه، كما قال بشار بن برد:ولابُدَّ من شَكْوَى إِلى ذي مُروءَة **** يُوَاسِيكَ أَوْ يُسْلِيكَ أو يَتَوَجَّعلكن بشارا، الذي ولد في نهاية القرن الأول 96هـ لم يعش زماننا، ولم يدرك أن صاحب المروءة أضحى نادرا، والقاضي المنتظر منه قول الحق صار خائنا! ياحـرّ كـبـدي وياهـمـي على وطني إذ صار حاميها حراميها.لم يدرك بشار عصرا فقد فيه من يسمع وينصف، أو من يسمع ويخفي على عدوك أمرك، ولو بشار في عصرنا لغير البيت قائلا:إذَا أَرْهَقَتْكَ هُمُومُ الْحَيَــاةِ *** وَمَسَّكَ مِنْهَا عَظِيمُ الضَّـرَرْوَذُقْتَ الْأَمَرَّيْنِ حَتَّى بَكَيْـتَ *** وَضَجَّ فُؤادُكَ حَتَّى انْفَجَـرْوَسُدَّتْ بِوَجْهِكَ كُلُّ الدُّرُوبِ *** وَأَوْشَكْتَ تَسْقُطُ بَيْنَ الْحُفَرْفَيَمِّمْ إِلَى اللهِ فِي لَهْفَـــةٍ *** وَبُثَّ الشَّكَاةَ لِرَبِّ الْبَشَـرْوإن أردت أن تسأل بشارا عن سبب هذا التغيير سيجيبك قائلا:قد يفقد المـرء بين الناس عـزته إذا شكا أمره أو سب محنتهفكن كليث الشرى ما باع هيبته ولا تشكَّ إلى خلق فتـشمتههكذا هي الحكمة إذا، ولعل حكما أخرى غيرها يجليها الأحنف والربيعأما الأحنف فقد ورد عنه قوله: "شكوت إلى عمي داء في بطني فنهرني، ثم قال: يا ابن أخي لا تشكو إلى أحد ما نزل بك، فإنما الناس رجلان صديق تسوؤه — بهذه الشكوى وتؤلمه — وعدو تسره، يا ابن أخي: إحدى عيني هاتين ما أبصرت بهما سهلاً ولا جبلاً منذ أربعين سنة، وما اطلعت على ذلك امرأتي ولا أحد من أهلي".إن الوقوف على الأبواب حرمـان والعجز أن يرجو الإنسان إنسانمتى تؤمـل مخـلوقاً وتقصــده إن كــان عندك بالرحمن إيمانوأما الربيع بن خثيم فكان يقول في دعائه: "اللهم أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إلا إليك، واستغفر منها وأتوب إليك"أُصعِّد أنفاسي وأحدر عبرتي بحيث يرى ذاك الإله ويسمعإلى الله أشكو لا إلى الناس إنما مكان الشكايا لا يضر وينفعنعم هو الرحمن الذي يسمع الشكوى، وينصر المظلوم، ويسمع أنين المكلوم، ويجيب دعوة المضطرين:يا من يَرى ما في الضمير ويسمَعُ... أنت المُعّدُّ لكل ما يتُوقَّعُيا من يُرجَّى للشدائِد كلَّها... يا مَن إليه المُشتكَى والمَفزَعُيا من خزائنُ رِزْقه في قولِ كُن... امنُنْ فإن الخيرَ عندك اجمعما لي سِوَى فقرِي إليك وسيلةٌ... فبالافتقارِ إليك فَقْرِي أدفعما لي سوى قَرْعِي لبابِك حِيلةٌ... فلئنْ رَدَدْتَ فأيَّ بابٍ أقرعومَن الذي أدعُو وأهْتِف باسمه... إن كان فَضْلُكَ عن فقيرٍ يُمنعحاشى لمجِدك أن تُقنَّط عاصياً... الفَضْلُ أجزلُ والمَواهبُ أوسعالشكوى إلى الله ليست ضعفاً ولا سلبية إذا صاحبها فعل ما ينبغي وبذل الجهد حد الاستطاعة، لأن الضعف إلى الله قوة، والامور بيده سبحانه، ولا يقع في ملكه ما لا يريد، ولا يقع أمر في ملكه إلا لحكمة، والاحتماء بالله وقاية.بعث أحد الوزراء إلى أحد العلماء يريد أن يقتله، وقال لجلسائه مهدداً: قتلني الله إن لم أقتله! فلما دخل العالم المجلس قال بينه وبين ربه: "اللهم أحرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بكنفك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليّ، ولا أهلكُ وأنت رجائي، كم من نعمة أنعمت بها علي قلّ لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قلّ لك عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، وقلّ عند بليته صبرني فلم يخذلني، ورآني على الخطأ فلم يفضحني يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبداً، ويا ذا النعم التي لا تحصى أبداً، اللهم بك أدرأ في نحره، واستعيذك من شره، اللهم احفظني مما غيبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرت، يا من لا تضره الذنوب ولا تنقصه المغفرة أسألك فرجاً وصبراً جميلاً ورزقاً واسعاً والعافية من جميع البلاء وشكر العافية"، فلما وصل إليه إذا به يطرق إطراقاً طويلاً، ثم مدّ يده فصافحه وأجلسه على مفرشه، ثم قال لعلنا: أخفناك، اذهب في حفظ الله وكلاءته ثم ألحق بها جائزة وكسوة" فالأمر بيد الله وحده، والمثبت هو الله، والموعد الله، وما ثبات أهل الحق على حقهم، وصبرهم على فراق ذويهم إلا امتداد لسلف هذه الأمة، خبيب بن عدي حينما رفعوه على خشبة الصلب اشتكى حاله إلى ربّه، فقال:لَقَدْ جَمَّعَ الأحزابُ حَوْلِي وأَلَّبُـوا *** قَبَائِلَهم واستَجْمَعُوا كـلَّ مَجْمَــعِوَقَدْ جَمَّعُوا أَبْنَاءَهُم وَنِسَاءَهُــم *** وَقُرِّبْتُ مِن جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنَّـــعِإِلَى اللهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْـدَ كُرْبَتِي *** وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ بِي عِنْدَ مَصْرَعِيفَذَا الْعَرْشِ صَبِّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي *** فَقَدْ بَضَّعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَـعِيوَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَــأْ *** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَـــزَّعِلَعَمْرِيَ مَا أَحْفَلْ إِذَا مِتُّ مُسْلِمًـا *** عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ للهِ مَضْجَعِـــياللهم إنا نضرع إليك أن تنصر المظلومين، وأن تقهر الظالمين، وأن تعين المكروبين، وأن تبرد قول أهل الحق بذهاب سطوة أهل الباطل.لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا وبت أشكـو إلى مولاي ما أجـدوقلت يا أملي في كل نـائـــبة ومن عليه لكشف الضـر أعتمـدأشكـو إليـك أموراً أنت تعـلمها ما لي على حملها صـبر ولا جلـدوقــد مددت يدي بالذل مبـتهلاً إليك يا خير من مدت إليـه يــدفــلا تردنـّها يــا رب خـائبة فبحـر جودك يـرد كـل من يـرد
290
| 20 مايو 2015
لأجلها اشتاق الصالحون، وسعى السالكون، وعمل العاملون، وتزود المخلصون. فمنّ الله عليهم بفضله فجعلها إرثاً لهم قال تعالى: "وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون"، "تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا"، هي النعيم الخالد، والسعادة الأبدية، والراحة الدائمة، والقطوف الدانية، هي رجاء الصالحين، وأمل المؤمنين، ومطمع الطائعين، وأمان الخائفين، وواحة الساجدين، ونعيم المخْبِتين".. قال صلى الله عليه وسلم: إنَّمَا يُدْخِلُ اللَّهُ الْجَنَّةَ مَنْ يَرْجُوهَا، وَإِنَّمَا يُجَنِّبُ النَّارَ مَنْ يَخْشَاهَا، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ يَرْحَمُ".. من ذاق نعيمها "ينسى" كل بؤس مر عليه من شدة حلاوتها، قال صلى الله عليه وسلم: "يُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، وَاللهِ، يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ".. شَم نسيمَ عبيرِها جعفر بن أبي طالب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان في بداية الأربعين من عمره، وذلك في معركة مؤتة؛ وقد أدرك أن الموت محيط به، وأن سهم المنية أقرب إليه، فتذكر سلعة الله فهانت عليه نفسه، خاطب سلعة ربه بأبيات قال فيها:يَا حَبَّذَا الْجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَاطَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَاوَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَاكَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَاعَلَيَّ إِذْ لاقَيْتُهَا ضِرَابُهَاثم وثب عن ظهر فرسه، ثُمَّ عَقَرَهَا حَتَّى لا يَنْتَفِعَ بِهَا، ودخل في صفوف الروم يهدهم بسيفه هدّاً، حتى ارتقى إلى ربه شهيداً. لم تكن هذه حال جعفر، بل كانت حال أصحاب النبي، وكل محب صادق، لك أن تستمع إلى عبدالله بن رواحة وقد قام بعده، وأدرك أن مصيره كمصير أخيه جعفر، فخاطب نفسه يذكرها بسلعة الله الغالية، وكان مما قال:أقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلِنَّهْطَائِعَةً أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْإِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرَّنَّةْمَا لِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الْجَنَّةْقَدْ طَالَمَا قَدْ كُنْتِ مُطْمَئِنَّةْهَلْ أَنْتِ إِلا نُطْفَةٌ فِي شَنَّةْوقال أيضاً:يَا نَفْسُ إِلا تُقْتَلِي تَمُوتِيهَذَا حِمَامُ الْمَوْتِ قَدْ صُلِيْتِوَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِإِنْ تَفْعَلِي فِعْلَهُمَا هُدِيتِوَإِنْ تَأَخَّرْتِ فَقَدْ شَقِيتِهذا سيد بني سلمة (عمرو بن الجموح) رضي الله عنه سمع عنها من فيِّ رسول الله، يقول مخاطبا أصحابه: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم متوسلاً أن يأذن له في الجهاد، قائلاً له: "يا رسول الله إنّ بنيّ يريدون أن يحبسوني عن الخروج معك، إلى الجهاد، ووالله إني لأرجو أن أخْطُرَ بعرجتي هذه.. في الجنة". وقد رأي النبي شوقه إلى سلعة ربه، وعلم أن الشوق قد بلغ به الحد الأقصى، فأذن له في الجهاد، فقام رضي الله عنه فرحاً مسروراً، وقال:"اللهم ارزقني الشهادة، ولا تردّني إلى أهلي".. وهي كلمة تُنبئ عن عظَمة المبتغى. وأنس بن النضر قالها مواسياً أخاه سعد بن معاذ، ومبشراً إياه بالخاتمة الحسنة، فقال له: "واهاً لريح الجنة أجده دون أُحد".تسعى بهم أعمالهم سوقاً إلى الـــدارين سَوْقَ الخيل للركبانصبروا قليلاً فاستراحوا دائماً — — — يا عــزة التوفيق للإنسانباعوا الذي يفنى من الخزف الخســـ — — — يس، بدائم من خالص العقبان.. وتَسَابَقَ الأقوام وابتدروا لها — — — كتسابق الفرسان يوم رهان.. وأخو الهوينى في الديار مخلَّفٌ — — — مع شكله يا خيبة الكسلان..إنه الشوق الذي بلغ بهم الدرجات العالية، واليقين الذي أذهب مهج قلوبهم، يقول وكيع: سمعت سفيان يقول: لو أن اليقين استقر في القلوب لطارت شوقاً أو حزناً، إما شوقاً إلى الله عز وجل، وإما فَرَقاً من النار!! لا شك أنك تريد المزيد، والحديث عن الجنة لا ينقطع، والسير في رحاب حديثها لا يتوقف، ولكني أدلك على من أبدع في وصفها، وضم ما تفرق عنها في قصيدة؛ بلغت سة آلاف بيت في بحر واحد، وهو (بحر الكامل)، وقافية واحدة: (النون).. بدأها بالحديث عن العقيدة والأخلاق ثم تحدث عن الجنة وما فيها، وأبوابها، ولباس أهلها، وطعامهم وكان مما قال:يا سلعة الرحمنِ لستِ رخيصةًَ *** بل أنت غاليةُ على الكسلان.. يا سلعة الرحمن ليس ينالَها ***في الألف إلا واحدُ لا اثنانِ..يا سلعةَ الرحمِن ماذا كفؤها؟ ***إلا أولو التقوى مع الإيمانِ..يا سلعة الرحمن أين المشتري *** فلقد عُرضتِ بأيسر الأثمان ***يا سلعة الرحمن هل من خاطب؟ *** فالمَهر قبل الموتِ ذو إمكانِ..يا سلعةَ الرحمنِ كيف تَصَبُّرُ الـ ***خطابُ عنكِ وهمْ ذَوُو إمكان. ثم يفصل رحمه الله بعض مشاهد النعيم لأهلها، فيقول:وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم *** ولحومهم طير ناعم وسمان..وفواكه شتى بحسب مناهم *** يا شبعة كمُلت لذي الإيمان.. وصحافهم ذهب تطوف عليهم *** بأكف خدام من الولدان. وأما عن شرابهم، فيقول: يسقون فيها من رحيق ختمه *** بالمسك أوله كمثل الثاني.. مع خمرة لذات لشاربها بلا *** غَولٍ ولا داء، ولا نقصان. ولم ينس ـ رحمه الله ـ الحديث عن ملابسهم، فقال: ولباسهم من سندس خضر ومن *** إستبرقٍ: نوعان معروفان.. بيض وخضر ثم صفر ثم حمـ *** ر كالرباط بأحسن الألوانِ.. لا تقرب الدنس المقرب للبلى *** ما للبلى فيهن من سلطان. وهذا غيض من فيض، عن سلعة الرحمن، ونحن على أعتاب شعبان، فهل من مشمر عن ساعد الجد؟! اللهم إنا نسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، يا من تفضلت علينا بالإسلام، دون أن نطلب، فلا تحرمنا الجنة، ونحن نطلب.
20716
| 13 مايو 2015
قول عابر للربيع بن خثيم كان جوابا عن سؤال طرح عليه، بيد أنه يصلح أن يكون منهاج حياة لمن أراد النجاة. قيل له: ما نراك تعيب أحداً؛ قال: لست عن نفسي راضياً فأتفرغ لذم الناس، وأنشد:لنفسي أبكي لست أبكي لغيرها... لنفسي في نفسي عن الناس شاغلهي المحاسبة الدقيقة إذا، هو التعامل مع النفس على أنها شريك خائن ما استوثق الإنسان منها ورضي عنها أهلكته، فلم يستبن منها طريق الرشد من الغبي، ولا الضلال من الهدى، يقول ابن القيم رحمه الله: "وقد مثلت النفس مع صاحبها بالشريك في المال، فكما أنه لا يتم مقصود الشركة من الربح إلا بالمشاركة على ما يفعل الشريك أولا، ثم بمطالعة ما يعمل، والإشراف عليه ومراقبته ثانيا، ثم بمحاسبته ثالثا، ثم بمنعه من الخيانة إن اطلع عليه رابعا، فكذلك النفس: يشاركها أولا على حفظ الجوارح السبع التي حفظها هو رأس المال، والربح بعد ذلك. فمن ليس له رأسمال، فكيف يطمع في الربح".ويقصد ابن القيم رحمه الله بالجوارح السبعة: العين، والأذن، والفم، واللسان والفرج، واليد، والرجل.وهي كما قال: مراكب العطب والنجاة، فمنها عطب من عطب بإهمالها. وعدم حفظها، ونجا من نجا بحفظها ومراعاتها فحفظها أساس كل خير، وإهمالها أساس كل شر. وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". وقد جسد السلف خطورة الرضا عن النفس في كلمات تظهر أن محاسبتهم أنفسهم كانت على دقيق أفعالهم قبل كبيرها.يقول ميمون بن مهران "إن التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان عاص ومن شريك شحيح". ويقول الحسن البصري: "إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته، يستقصرها فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قدما لا يعاتب نفسه".ويقول مالك بن دينار: "رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا ً".ومن أجمل ما وقفت عليه ما ذكره الإمام أبن الجوزي رحمه الله تعالى حيث يقول: "وقد كنت أرجو مقامات الكبار، فذهب العمر وما حصل المقصود. فوجدت الإمام أبا الوفاء ابن عقيل قد ناح على نفسه نحو ما نحت فأعجبتني نياحته فكتبتها هنا قال لنفسه:(يا رعناء تعظمين الألفاظ ليقال مناظر، وثمرة هذا يا مناظر كما يقال للمصارع الغارة، ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء، وهي أيام العمر حتى شاع لك بين من يموت غدا اسم مناظر، ثم ينسى الذاكر والمذكور إذا درست القبور.هذا إن تأخر الأمر إلى موتك، بل ربما نشأ شاب أفره منك فموهوا له وصار الاسم له.والعقلاء عن الله تشاغلوا بما إذ –انطووا- نشرهم وهو العمل بالعلم، والنظر الخالص لنفوسهم. أف لنفسي وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلوم وما عبق بها فضيلة. إن نوظرت شمخت. وإن نُصحت تعجرفت. وإن لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم وسقطت عليها سقوط الغراب على الجيف، فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة.توفر في المخالطة عيوبا تبلى ولا تحتشم نظر الحق إليها. أف والله مني اليوم على وجه الأرض وغدا تحتها، والله إن نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب. ووالله إنني قد أبهرني حلم هذا الكريم عـني؛ كيف يسترني وأنا أنتهك؟ ويجمعني وأنا أتشتت. وغدا يقال مات الحبر العالم الصالح. والله لو عرفوني حق معرفتي ما دفنوني. والله لأنادين على نفس نداء المكشفين معائب الأعداء. ولأنوحن نوح الثاكلين على الأبناء. إذ لا نائح ينوح على هذه المصائب المكتومة، والخلال المغطاة التي قد سترها من خبرها وغطاها من علمها وهو الله.والله ما أجد لنفسي خلة أستحسن أن أقول متوسلا بها - اللهم أغفر لي كذا بكذا-، والله ما التفت قط إلا أجد منه سبحانه برا يكفيني، ووقاية تحميني مع تسلط الأعداء ولا عرضت حاجة فمددت يدي إلا قضاها. هذا فعله معي وهو رب غني عني. وهذا فعلي وأنا عبد فقير ولا عذر لي فأقول ما دريت أو سهوت. والله لقد خلقني خلقا صحيحا سليما، ونور قلبي بالفطنة حتى إن بعض الغائبات المكنونات تنكشف لفهمي. فوا حسرتاه على عمر انقضى في ما لا يطابق الرضى. ويا حرماني لمقامات الرجال الفطناء. يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وشماتة العدو بي. واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح علي واخذلاني عند إقامة الحجة، سخر والله من الشيطان وأنا الفطن. اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار ونهضت صادقة لتصفية ما بقي من الأقذار، وقد جاءتك بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع. وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم. والله ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمتك، ولا ناسيا ما سلف من كرامتك، فاغفر لي سالف فعلي).هذا يقوله أبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي وهو العالم العابد الزاهد الورع الذي ما انشغل إلا بالعلم والعبادة حتى كتب الفنون في ثمانمائة مجلد! فكيف يقول من حاله حالنا، ودخنه دخننا ثم يؤمل النجاة غدا من الحساب!!
9690
| 06 مايو 2015
آية من كتاب الله حاضرة في خطب المساجد ودروس العلم : تفسيرا وشرحا وتبيانا وتأصيلا وتقعيدا، لكن غيابها واضحا في أبيات المسلمين حين يحل الفراق بعد الشقاق محل الوفاق ، تجد في الأعم الغالب : أسرارا تكشف ومستورا يفضح وكذبا صراحا يلقى، وتلبيس للحق بالباطل يقذف، حتى لكأنك لا تستمع إلى زوجين عاشا معا ، أكلا معا شربا معا ، صحّا ومرضا ، جمعهم بيت واحد بل وفراش واحد . كل هذا أضحى بين عشية وضحاها سرابا فلا الزوج يذكر لزوجه حسنة ولا الزوجة تذكر لزوجها معروفا. والعجب أن بعض تلك الأبيات بينهم أطفال لكن شعرة معاوية كانت أبعد عن تفكيرهم ! ولحظات الود غيبتها نزواتهم ، فلا دينا أقاموه ولا خلقا رفيعا تمثلوه ، ورحم الله الإمام الشافعي يوم قال: الحر من حفظ وداد لحظة . نعم الحر هو الذي يحفظ الود فلا يغيبه، ويرعى حق الصحبة فلا يضيعها، وإن كانت في عمر السنين لحظة واحدة ، ولا ينسى الفضل لأهله وإن قلّ حجمه ، أو خف وزنه ، ولا ينسى ساعات الصفاء واللقاء و الود ، ولا أيام التزاور والتواصل وإن كانت قليلة.لقد جاءت هذه الآية العظيمة في معرض حديث القرآن عن الطلاق بين الزوجين :" وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ" الله يأمر من جمعتهم أقدس علاقة إنسانية ، واستحالت العشرة الطيبة بينهما ألا ينسوا ما كان بينهما من معروف ، وأن يكون الفراق في إطار من الود يحفظ لكلٍ حقه فلا يعتدي على غيره ، لا اعتداء بالظلم ولا حتى بذكر المعايب وإن كانت حقا ، لا ينبغي في غمرة الغضب أن ينسى الطرفان ما كان بينهما من ود وإحسان ، فالطلاق مهما كان مرا قد يكون فيه حبل النجاة لكلا الطرفين كما قال تعالى :"وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته" ونكران الجميل بين الزوجين يدل على سوء من تحدث قبل سوء من فعل.لماذا لا تنتهي الحياة الأسرية بين الزوجين من غير محاكم ولا قضايا ولا ملوثات كلامية وخوض في أعرض وإخراج للمستور ما بين الزوجين ؟ لماذا يصر كل طرف -إنتصارا لنفسه أو تبريرا لفعله- أن يشوه من كانت تجمعه به صلة وود ؟لقد نبه القرآن ركني الحياة الزوجية أن يتذكرا ما كان بينهما من جوانب مشرقة - ولا تخلو الحياة من ذلك - وأن يترفعا عن الانتصار للذات بنشر ما ستره الله عز وجل مما لا يترتب عليه حق أو يبني عليه حكم.ويلاحظ ان الآية جاءت بعد ذكر العفو زيادة وترغيبا من التفضل وإمعانا في الترفع عن حظوظ النفس: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} لكن الواقع -وبحسرة نقولها – يبتعد تماما عن هذا الخلق العظيم ، فلا تكاد ترى من يكتم على زوجه أمرها ولا من تكتم على زوجها شأنه ، وهذا نقوله على الغالب فالخير لا ينقطع عن هذه الأمة.لقد وقفت أمام وثيقة طلاق بين زوجين قلت يا ليتها تروي ولا تطوى ، ويا ليتها تعلق على أبواب المحاكم الشرعية كمثال واقعي لمن اتسم بالأخلاق والتزم أمر الله في عدم نسيان الفضل بين الناس. اضطر الفقيه الكبير أبو البركات ابن الحاج إلى طلاق زوجته السيدة عائشة الكنانية ، فكتب هذه الوثيقة:" يقول عبد الله الراجي رحمته ، المدعو بأبي البركات ، اختار الله له ، ولطف به : إن الله جلت قدرته ، أنشأ خلقه على طبائع مختلفة ، وغرائز شتى ، فمنهم السخي والبخيل ، وفيهم الشجاع والجبان ، والغبى والفطن ، والمتكبر والوضيع ، فكانت العشرة لا تستمر بينهم إلا بأحد أمرين ، إما بالإشتراك فى الصفات أو فى بعضها ، وإما بصبر أحدهما على صاحبه مع عدم الإشتراك ، ولما علم الله أن بني آدم على هذا الوضع شرع لهم الطلاق ، ليستريح إليه من عيل صبره على صاحبه ، توسعة عليهم ، وإحسانا منه إليهم.فلأجل العمل على هذا طلق عبد الله محمد أبو البركات ابن الحجاج زوجته الحرة العربية المصونة ، بنت الشيخ الوزير الحسيب النزيه ، المرحوم أبي عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني ، طلقة واحدة ، ملكت بها أمر نفسها ، ونطق بذلك إراحة لها من عشرته ، طالبا من الله أن يغني كلا من سعته ، وشهد بذلك على نفسه في صحته وجواز أمره" لله درك من رجل صاحب مروءة وفضل ، لله درك من رجل راقب الله فلم يحمله الغضب على ذكر ما صح عن زوجته من معايب . هذا هو الوفاء لمن عرف معناه وتقيد به ، ولله در من قال: إن الوفاء على الكرام فريضة *** واللؤم مقرون بذي النسيان وترى الكريم لمن يعاشر حافظا *** وترى اللئيم مضيع الإخوان إلا مهلا أيها الزوجان إما معاشرة بالمعروف أو فراق بالإحسان ، ولا تنسوا الفضل بينكم حتى لا يذهب المعروف والفضل بين الناس.
5132
| 29 أبريل 2015
لا تنال محبّة الله تعالى بالأماني الجوفاء، ولا الدعاوى التي غابت عنها البينات، بل تنال بذوبان العبد وانقياده لمحبوبه، حتى إنه ليترك هواه لهوى محبوبه (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به). إنه الحب الحقيقي الذي يصحبه العمل ويحميه الإخلاص وتضبطه النصوص المحكمات، ساعتها يتمنى كل مخلص أن يتدرج به الحال كي ينتقل من المحِب إلى المحَب، قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ".لقد جعل الله الكريم الحب شأنا متبادلا بين العبد وربه، الأول مستغرب (يحبهم) والثاني متفهم (يحبونه) وهذا أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من يعرف الله بصفاته فوجد إيقاع هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره وكينونته كلها.يقول ابن القيم: "إذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما، وفضلا غامرا جزيلا، فإن إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه.. هو إنعام هائل عظيم.. وفضل غامر جزيل.وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه، فإن حب العبد لربه أمر قلما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين..وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين — وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويعرف في سجلهم الطويل — ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد، وهي تقول:فليتك تحلو والحياة مريرة * وليتك ترضى والأنام غضابوليت الذي بيني وبينك عامر * وبيني وبين العالمين خرابإذا صح منك الود فالكل هين * وكل الذي فوق التراب ترابهذه المعاني الراقية يعرفها أهل الحق ويتطلعون إليها بشوق، فلم تحجبهم المعرفة عن العمل، ولم يركنهم الحب عن اتباع الأثر، نظروا في القرآن فعلموا صفات من يحبهم الله فالتزموها، وتخلقوا بأخلاقها، فإن علموا أتقنوا وأحسنوا لأنهم علموا من صفات من يحبهم الله أهل الإحسان قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} وإن أرادوا إرضاء مولاهم رحلوا إلى الاتباع وتركوا الابتداع، ذلك أن الله ربط المحبة الحقة بالاتباع قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} غايتهم السامية جعلت التقوى مطيتهم لأنهم علموا أن: { اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وإذا أصيبوا في أنفسهم أو أهلهم أو أموالهم وجدت الصبر على القضاء والرضى بالله قائم في نفوسهم لأنهم سمعوا الله يقول { وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} علموا أن المؤمن الحق هو الذي يتوكل على الله ولا يتواكل عليه، فكانت قلوبهم بالله معلقة وأخذهم بالأسباب ظاهرة وتوكلهم على الله محبة فيه ومجلبة لمحبته قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} لا يعرفون الظلم ولا يحكمون إلا بالعدل والقسط لأنهم سمعوا الله يقول لهم في شخص نبيهم: { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} القسط والعدل لا ينفك عن أهل الإيمان حتى لو كان مع من خالفهم عقيدة وسلوكا {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } هكذا هي حياتهم سلما مع من سالمهم، لكن حين يفرض عليهم القتال تراهم فرسان النهار كما كانوا رهبان الليل، يقاتلون في سبيل الله تحت راية واحدة وفي صف مهيب لأنهم علموا أن { اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ}. وإن زلت أقدامهم أو تعثرت خطاهم تابوا وتطهروا لأنهم سمعوا الله يقول { إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} هكذا هو المؤمن المحَب، يحسن الظن وإن وقع في المعصية فيتوب منه ويئوب ويناجي ربه باكيا وشاكيا وطامعا فيقول:لما عصيتكَ لـم يكـن عقلـي معـي ***** حتى صحوتُ فكدتُ أقطعُ إصبعـييـا رب هـل عـذرٌ يبيـض وجنتـي ***** إلا جمـيـل الـظـنِ فـيـك وأدمـعـي ِيا رب ملء العيـن حجـمُ جريرتـي ***** ولها صدىً كالرعـدِ ملء المسمـع ِعظمت فما شيءٌ يحيط بها سوى ***** حـلـم الإلـــهِ وعـفــوه المـتـوقـع ِأنـى اتجهـت أكـاد أسـمـعُ لعنـتـي ***** في عمقِ نفسي والجهات الأربـع ِيـا ليـت أمـي لـم تلدنـي كـي أرى ***** شؤم الذنـوبِ وليتهـا لـم ترضـع ِربـي.. أتقبلنـي إذا أقلـعـتُ عــن ***** ذنـبٍ أصـول جــذوره لــم تقـلـع ِربي.. أترحمني وخبـث خطيئتـي ***** لتخـبـثٌ النـهـر الـنـقـي المـنـبـع ِيـا رب إن أطمعتنـي بالعـفـو لــن ***** يبقى مـن الفجـارِ مـن لـم يطمـع ِأنـا مستـحـقٌ مـنـك كــل عقـوبـةٍ ***** حتـى وإن بلغـت مخيـخ الأضلـع ِمهمـا تكن بلغـت علي بشـاعـةً ***** لـم ألفـهـا مـمـا جنـيـت بـأبـشـع ِعصيانـي الجبـارُ حـق لـه — ولـو ***** يسمى صغائر — أن يكون مروعييــا رب معـتـرفٌ بـكــل صـغـيـرةٍ ***** وكبـيـرةٍ لـكـن عـفـوك مـفـزعـييـا رب لـو آخذتـنـي وجزيتـنـي ***** بالسوء سوءًا طال فيـه توجعـيهيهات ما جرمي ولو وسع الدنـى ***** مــن عـفـوك اللهم قــط بـأوسـع ِيـا مـن يحـب العفَـو بيـن صفاتـهِ ***** طـال انتظـار نزولـه فــي أربـعـيأنـا لــو فشـلـت بالابـتـلاء كــآدم ٍ ***** أنـا مِثلُـه إذ أُبــت بـعـد تسـرعـيأو أبطـأ الإخـلاص نحـوك خطـوةً ***** فبحسن ظني فيك خَطـوةَ مسـرع ِيـا حـيُ يـا قـيـومُ قــد تعـبـت يــدٌ ***** لسـوى جلالـك سيـدي لـم تـرفـع ِفـإذا عفـوت فمحسـنٌ عـن شاكـرٍ ***** وإذا بـطـشـت فـقــادر بـمـضـيـع ِ
2256
| 22 أبريل 2015
يراد بالشَّوق: نزوعُ النَّفْس إِلى شيء ما من كثرة تَعَلُّقها به، وهو نار تحرق القلب، وعذاب يتردد في النفس، وقلق وتوتر، وضيق وحزن، وخوف ووجل، قد تصحبه سعادة لكنها طارئة، وراحة لكنها راحلة، وأنسا لكنه مستوحش، وألفة لكنها قصيرة، وهكذا شوق العبد لكل متاع الحياة لا يخلو من كدر فما من لقاء إلا وفي ذيله فراق، غير أن هناك شوقا لا يحمل صاحبه على التعب ولا النصَب ولا الحزن ولا الضيق، بل هو شوق يبدد الله به الأحزان، ويعين العبد على التغلب على الصعاب، شوق يذيب المهج فلا تتألم من قسوة، ولا تجزع من شدة، بل تحيل الهم إلى أجر، والبعد إلي قرب، والموت إلى حياة يلتقى في ظلالها المحبون. إنه شوق من فقده فقد المعين له عند البلاء، والمصبر له على الأحزان، فيضحى والذكرى فالقة كبده، وكأنه يردد قول الخنساء حين كانت ترثي أخويها :يُؤرّقُني التّذَكّرُ حينَ أُمْسي ******** فأُصْبحُ قد بُليتُ بفرْطِ نُكْسِعلى صَخْرٍ، وأيُّ فتًى كصَخْرٍ********* ليَوْمِ كَريهَة ٍ وطِعانِ حِلْسِوللخصمِ الالدِّ اذا تعدَّى ********* ليأخُذَ حَقّ مَظْلُومٍ بقِنسِفلمْ ارَ مثلهُ رزءًا لجنٍ ******** ولم أرَ مِثْلَهُ رُزْءاً لإنْسِأشدَّ على صروفِ الدَّهرِ أيداً ***** وأفْصَلَ في الخُطوبِ بغَيرِ لَبسِوضيفٍ طارقٍ أو مستجيرٍ ******* يروَّعُ قلبهُ منْ كلِّ جرسِيُذَكّرُني طُلُوعُ الشمسِ صَخراً ****** وأذكرُهُ لكلّ غُروبِ شَمْسِولكنْ لا أزالُ أرى عجولاً ******** وباكيَة ً تَنوحُ ليَوْمِ نَحْسِألا يا صخر لا أنساك حتى ***** أفارق مهجتي ويشق رمسي هذه الخنساء وقد فقدت ساعتها الشوق الحامي من تلك الآلام، والمبدل لهذه الأوجاع والأحزان، إنه الشوق إلى الله عز وجل، هو السحر الحلال، واللذة التي بفقدها تحيل العذب إلى عذاب، وهنا يفهم كلام الحسن -رحمه الله تعالى-: "والذي نفسي بيده ما أصبح في هذه القرية من مؤمن إلا وقد أصبح مهموماً محزونًا، ففروا إلى ربكم وافزعوا إليه؛ فإنه ليس لمؤمن راحة دون لقائه". ذلك أن شغله بالله أنساه كل مخلوق، وصرفه عن كل الكروب، كما قال أحدهم ما عنك يشغلني مالٌ ولا ولد نسيتُ باسمكَ ذكرَ المالِ والولدِ فلو سفكتَ دمي في الترب لانكتبت به حروفك لم تنقص ولم تزدِإنه سفر بلا تعب، سفر القلوب لا القوالب، سفر القلوب في طلب المحبوب، ولا عجب أن كان الشوق إلى الله دعاء الحبيب صلى الله عليه وسلم "اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْينِي مَا عَلِمْتَ الْحَياةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْألُكَ خَشْيَتَكَ فِي الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لاَ يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لاَ تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ المَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَأَسْأَلَكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غيرِ ضَرَّاءٍ مُضِّرَةٍ، وَلاَ فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإيِمَانِ، وَاجْعَلنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ".وقد ازدان الدعاء واقترن بالعمل وظهر بجلاء في رحيل نبينا عن الحياة، فعن أبي سعيد الخدري أن َ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ". شوقا إلى الله وحبا له، والعجب أنه شوق متبادل وهذا من أعجب الأمور وأسعدها عند الصالحين، فالإنسان في حياته لا يعجب من شوق الفقير إلى الغني، وشوق العبد إلى سيده وولي نعمته، لكن العجب أن يشتاق ملك الملوك إلى هذا العبد الفقير، ذكر في أخبار داود عليه - السلام-: "إن الله تعالى قال: يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني، وجليس لمن جالسني، ومؤنس لمن أنس بذكري، وصاحب لمن صاحبني، ومختار لمن اختارني، ومطيع لمن أطاعني، ما أحبني عبد أعلم ذلك يقيناً من قلبه؛ إلا قبلته لنفسي وأحببته حباً لا يتقدمه أحد من خلقي، من طلبني بالحق وجدني، ومن طلب غيري لم يجدني، فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها، وهلموا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي وأنسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم، فإني خلقت طينة أحبائي من طينة إبراهيم خليلي وموسى نجيي ومحمد صفيي، وخلقت قلوب المشتاقين من نوري ونعمتها بجلالي".وروي عن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أنه قال لكعب الأحبار: "أخبرني عن أخص آية - يعني في التوراة- فقال: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقاً". قال: ومكتوب إلى جانبها: "من طلبني وجدني ومن طلب غيري لم يجدني". فقال أبو الدرداء: "أشهد إني لسمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول هذا".وقد روي أن الله أوحى إلى داود: "يا داود لو يعلم المدبرون عني كيف انتظاري لهم ورفقي بهم وشوقي إلى ترك معاصيهم؛ لماتوا شوقاً إلي وتقطعت أوصالهم من محبتي. يا داود هذه إرادتي في المدبرين فكيف إرادتي في المقبلين علي، يا داود أحوج ما يكون العبد إلي إذا استغنى عني، وأرحم ما أكون بعبدي إذا أدبر عني، وأجلّ ما يكون عندي إذا رجع إلي".وهذا ما أوجزه الرسول صلى الله عليه وسلم بكلمات قليلة حين قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه" حتى المذنب يشتاق إلى ربه، ويحسن الظن فيه، ويقول بلسان الحالأيا من ليس لي منه مجير ***** بعفوك من عذابك أستجير أنا العبد المقر بكلّ ذنب ***** وأنت السيّد المولى الغفور فإن عذّبتني فبسوء فعلي ***** وإن تغفر فأنت به جدير أفر إليك منك وأين إلاّ ***** إليك يفرّ منك المستجيروتستشعر هذا المعنى العظيم في كلام السلف الصالح : أحدهم يقول: ((مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟: قال محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه، والتنعم بذكره وطاعته )) وآخر يقول: ((حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، والعيش الهني الحياة مع الله تعالى لا غير)) اللهم آنس وحشتنا بالشوق إليك، وأعنا على طاعتك، ويسر لنا أسباب الطاعة حتى نكون في محراب الحياة من الأولياء، وفي ساعات الخلوات من الأصفياء، ومتعنا يا مولانا بمحبتك، ويسر لنا الطاعات حتى نشتاق إليها ونحن فيها، وارحم موتانا وموتى المسلمين وعاملهم بفضلك فأنت الكريم.
2804
| 15 أبريل 2015
هي أمنية والأماني مستحيلات، ليس تسخطا على القدر، فما عند الله خير للصالحات، ولكنها أهازيج نفس حبيسة، وكلوم صدر مكتومة، وآهات غائرة، وزفرات متتابعة، القلب فيها يحزن، والعين لها تدمع، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا لفراقك يا أمي لمحزونون لمحزونون لمحزونون.الآن يا أماه انتهى أمل لقائي أنا بك، وحديثي العذب إليك، وحنيني إلى قول ما يسرك حتى تبتسمي، وفعل ما يريحك لأجل أن تسعدي، كم أفتقدك يا أمي ولم يمض على رحيلك سوى أيام. رحلتِ عنا في هدوء كحياتك معنا تماما، أياليت الموت تخطاك إليّ، والبأس الذي قصدك كان قد وقع عليّ. أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بها.......وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمّا بَكَيْتُ عَلَيها خِيفَةً في حَياتِها.......وذاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِهِ قِدْمَا وما انسَدّتِ الدّنْيا عليّ لضِيقِهَا........ولكنَّ طَرْفاً لا أراكِ بهِ أعمَى فَوَا أسَفا ألاّ أُكِبَّ مُقَبِّلاً.........لرَأسِكِ والصّدْرِ اللّذَيْ مُلِئا حزْمَا وألاّ أُلاقي روحَكِ الطّيّبَ الذي..........كأنّ ذكيّ المِسكِ كانَ له جسمَا كنتِ نهر الحنان الذي لا ينضب، وبسمة الأمل التي لا تغيب، وشعاع النور الذي لا تزيحه الليالي، كنت السعادة التي نرقب بها الحياة، والأنس الذي نأمن عنده عند الفزع، والبلسم الذي يداوي كل الجراح، تجتاحنا الهموم من كل حدب وصوب، وإذا بسهام الليل منك ترسليها إلى الله عز وجل فتنقشع الهموم وتزال الغيوم وتنقلب الأتراح إلى أفراح.أحيانا يا أمي حين أجلس مع نفسي تجتاحني خواطر آثمة، ويلح على سمعي أصوات قاتمة تتحدث بضجيج عال: هل حقا ماتت أمك؟ هل حقا رحلت عنك؟ لم لا يكون هذا حلما قاسيا أو كابوسا قاتما، يوشك أن أستيقظ منه؟ يخاطبني الشيطان بقسوة كل يوم خاصة بعد صلاة الفجر حيث كانت العادة: كوب من الماء دافئ محلى بالعسل الجبلي أتلذذ بصنعه وأقدمه إليك بكل شوق، ويبلغ الفرح عندي مبلغه حين أسمع دعائك البسيط العميق (ربنا يسترك في الدنيا والآخرة ويبارك لك في أولادك) كم كنت أشعر بالأمان بجوارك يا حبيبتي وأنا أنظر إليك وأتطلع عليك وأستمتع منك، ولكن انقطع الرجاء في صنع ما كنت أصنع أو سماع ما كنت أسمع أو رؤية من كنت أراها! فقد وراك اللحد عني يا أمي. يا ساكن اللحد صار اللحد رضوانا لما حواك وصار الدمع طوفانا وأغرب الحسن والإحسان عن بلدٍ كانت تسميك فيه الناس حسانا أين الأحبة والخلان يا أمي وأين من خلتهم في الضيق أعوانا غابوا وغبت ودام القلب في حرق لو مس ماء الحيا أجراه نيرانا يُمثِّلُ البارق العلويُّ ثغرَك لي فيقلب المدمعَ الدريَّ مرجانا يا بهجة العمر ما للعمر بعدك من عيشٍ ألذ به سرّاً وأعلانا يا أطيب الناس أخلاقاً وأمنعهم جاراً وأرفعهم للمجد بنيانا قد أصبح الموت عندي مركباً سهلاً فلا أحاذره إن غاب أو دانى خير التعازي لنا تقواك يا ولدي فقد أعدَّت لك الفردوس إيوانا نعم، خير التعازي عندي تقواك يا أمي ، خير التعازي عندي أنك الآن عند الكريم الرحمن الرحيم الودود الذي كنت تشتاقين للذهاب إلى بيته ، وحين وصلت هناك تمنيت تقبيل الحجر الأسود ويسر الله لك الأمر وكنت أرقت دموعك تنساب هناك ولن يخزيك الله يا أمي ، خير التعازي أنك اليوم عند من كنت تحبي لقاءه وقد قال صلى الله عليه وسلم :" من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه"، خير التعازي أنك إلى آخر يوم كنت مع الله مؤمنة به راضية بقضائه مستبشرة بعطائه، خير التعازي أن وردك من قيام الليل لم ينقطع وما حال بينكما إلا تلك الغيبوبة، خير التعازي أنك مبطونة والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المبطون شهيد فقال صلى الله عليه وسلم : " الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: " الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ..." خير التعازي أنك لم تموتي بأرض مقامك وبلدك وقد ورد عن عبد الله بن عمرو قال: مات رجل بالمدينة ممن ولد بها، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا ليته مات بغير مولده. قالوا: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: إن الرجل إذا مات بغير مولده قيس له من مولده إلى منقطع أثره في الجنة." والمعنى كما يرى الإمام السندي: "يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ مُنْتَهَى سَفَرِهِ وَمَشْيِهِ (فِي الْجَنَّةِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (قِيسَ) ، وَظَاهِرُهُ أَنْ يُعْطَى لَهُ فِي الْجَنَّةِ هَذَا القَدر؛ لأَجْلِ مَوْتِهِ غَرِيبًا . وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنْ يُفْسَحَ لَهُ فِي قَبْرِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ " قلت : وليس بعيدا عن الله أن يكون للاثنين معا .وصيتي لكل من يقرأ وله على ظهر الحياة أم باقية، أن يحسن إليها فوق جهده، وأن يبذل لها قدر استطاعته وأن يدركها قبل الفوات، وأن يلزم قدمها فتلك والله جنان الله في الأرض، وأن يكثر من الحديث إليها قبل أن يأتي ذلك اليوم الذي يتمني سماع كلمة واحدة منها ولكن هيهات.وأما من ابتلاه الله مثلي بفقدها فلا زال البر قائما : لا تقطع عنها الدعاء ، ولا توقف عنها الصدقات وصل من كانت تحب هي صلتهم، وأجري من الخير ما كانت تجريه .أسأل الله أن يرحم جميع موتى المسلمين رحمة واسعة، وأن يغفر لك يا أمي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وأن يرزقك الفردوس الأعلى منة منه وفضلا . اللهم أنها كانت عندنا ونحن الفقراء إليك فأكرمناها فكيف وهي في رحابك وأنت أجود من أعطى وأكرم من سأل، اللهم يارب كل شيء ويا مالكا لكل شيء ويا مقتدرا على كل شيء اغفر لأمي كل شيء ولا تسألها بين يديك عن شيء .
3443
| 08 أبريل 2015
ذكر صاحب كتاب "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" أن محمد بن شبرمة كان إذا نزل به البلاء، قال "سحابة صيف ثم تنقشع" نعم، هي إذا سحابة صيف، لا يدرك المرء ما فيها من نعيم، وإن أتعبه أو أرهقه ظاهر حالها، فكم من منحة في جوف محنة، وكم من نعيم في جوف ابتلاء. وقد قال سفيان رحمه الله: "ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة، والرخاء مصيبة".إن البلاء سنة الله الجارية في أرضه، يبتلي عباده الصالحين وفق حكمته جل وعلا، وجعل لكل نصيبه من البلاء على قدر اتصاله به، قال تعالى: "إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" والناس أمام فهم فلسفة البلاء على قسمين: الأول: من يفهمه ويفهم علة وجوده، فيتعامل مع البلاء على أنه عطية الله له، إما مكفرة لذنوبه أو رافعة لدرجته أو صارفة عنه من المصاب مثله أو أكبر منه، فهو إذا سعيد للمآل وإن تغير به الحال، ذلك ان بشارة تنتظره وهو مدرك أنها قادمة قال تعالى: "وبشر الصابرين". الثاني: من يجزع للبلاء ويتسخَّط على القضاء، فتضيق عليه نفسه، وتضطرب عليه حياته، ويضيع منه الأجر ولا يكون إلا ما قدر الله وقضى. كان يحيي بن معاذ يقول "يا ابن آدم، ما لك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت؟!، وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟وتعامل الناس مع المصائب التي تحل بالعبد وليس له حيلة في دفعها، كموت من يعزُّ عليه، وسرقة ماله، ومرضه، ونحو ذلك، فلا يخلو العبد من أربع مقامات كما قال ابن القيم رحمه الله:أحدها: مقام العجز، وهو مقام الجزع والشكوى والسخط، وهذا ما لا يفعله إلا أقل الناس عقلاً وديناً ومروءة.المقام الثاني: مقام الصبر إما لله، وإما للمروءة الإنسانية.المقام الثالث: مقام الرضى وهو أعلى من مقام الصبر، وفي وجوبه نزاع، والصبر متفق على وجوبه.المقام الرابع: مقام الشكر، وهو أعلى من مقام الرضى؛ فإنه يشهدُ البليةَ نعمة، فيشكر المُبْتَلي عليها).والصبر ينال بالتدريب عليه قال صلى الله عليه وسلم: "من يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء هو خير وأوسع من الصبر"متفق عليه.ويساعد في التدريب عدة أمور: أولاً: معرفة البلاء على أنه من سنن الله الجارية يقع على المخلوقين اختباراً لهم، وتمحيصاً لذنوبهم، وتمييزاً بين الصادق والكاذب منهم قال الله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) وقال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (ألم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. وهو بهذا المفهوم مكفر للخطايا قال صلى الله عليه وسلم "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه" وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله يقول "ما ابتلى الله عبدًا ببلاء وهو على طريقة يكرهها، إلا جعل الله ذلك البلاء كفارة وطهورا ما لم ينزل ما أصابه من البلاء بغير الله عزَّ وجلَّ أو يدعو غير الله في كشفه"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة". ثانيا: أكمل الناس إيمانا أكثرهم وأشدهم بلاء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة". ثالثا: البلاء يمضي مع صاحبه حتى يبلغه أرفع المنازل وأعلاها برفقة النبي محمد، فالعبد تكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال الله يبتليه بما يكره، حتى يبلغه إياها. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله "إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها"، وكان شُريح يقول "إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات: أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني".رابعا: النظر في أحوال أهل البلاء الأشد فمن يرى بلاء الناس يهون عليه بلائه، قال سلام بن أبى مطيع: دخلت على مريض أعوده، فإذا هو يئن، فقلت له: أذكر المطروحين على الطريق، أذكر الذين لا مأوى لهم ولا لهم من يخدمهم، قال: ثم دخلت عليه بعد ذلك، فسمعته يقول لنفسه: اذكري المطروحين في الطريق، اذكري من لا مأوى له ولا له من يخدمه".خامسا: أقدار الله لا تأتي إلا بخير ولا تفارقها ألطاف الله عز وجل: البلاء من قدر الله المحتوم، وقدر الله لا يأتي إلا بخير، قال ابن مسعود: "لأن أعض على جمرة أو أن أقبض عليها حتى تبرد فى يدى أحب إلى من أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يكن" ولطف الله المصاحب للبلاء لا ينفك عنه، مات ابن لعروة بن الزبير وكان قد بُترت ساقه، فقال رضي الله عنه "اللهم إن كنت ابتليت فقد عافيت، وإن كنت أخذت فقد أبقيت؛ أخذت عضوًا وأبقيت أعضاء، وأخذت ابنًا وأبقيت أبناء".سادسا: من أعظم المعينات على المصائب تلقي أقدار الله بالرضا: "مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" وعن العباس بن عبدالمطلب قال: قال رسول الله "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا"، فالرضا بقضاء الله يورث حلاوة الإيمان التي تهوِّن من أثر الشوك تحت الأقدام.سابعا: تفهم طبيعة الحياة، وأنها دار كدر وابتلاء وعناء، والدنيـــا فيها بمثابة القنطرة التي تعبر بها إلى الدار الآخرة، فلا تحزن على ما فاتك فيها ..قال ابن الجوزي "أما بعد؛ فإني رأيت عموم الناس ينزعجون لنزول البلاء انزعاجًا يزيد عن الحد، كأنهم ما علموا أن الدنيا على ذا وضعت! .. وهل ينتظر الصحيح إلا السقم؟، والكبير إلا الهرم؟، والموجود سوى العدم ؟!" [وقال أيضًا "ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تَعْتَوِرْ فيها الأمراضُ والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار .. ولو خُلِقت الدنيا للذة لم يكن حظّ للمؤمن منها". سابعا: يعين العيد على التصبر: معرفة ثوابه، ويهون عليه الحزن معرفه ما أعده الله له قال تعالى "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ"،مات عبدالله بن مطرف، فخرج مطرف على قومه في ثياب حسنة وقد ادهن، فغضبوا وقالوا: يموت عبدالله ثم تخرج في ثياب مثل هذه مدهناً؟!، قال: "فأستكين لها وقد وعدني ربي تبارك عليها ثلاث خصال كل خصلة منها أحب إلي من الدنيا كلها؟!، قال الله عزَّ وجلَّ: "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" فأستكين لها بعد هذا.والصبرُ مثلُ اسمه مُرٌّ مَذَاقُهُ … لكنْ عواقبه أحلى من العَسَلِوأخير: أستعن بالله ولا تعجز ، وثِق بحدوث الفرج من الله سبحانه وتعالى .. إذا رأيت أمرًا لا تستطيع غيره، فاصبر وانتظر الفرج .. قال تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا".
10244
| 01 أبريل 2015
قد وصل المسير بِنَا إلى علاج ظاهرة قسوة القلوب بعد أن ذكرنا ماهيتها وبعض أسبابها وأن من توفيق الله أن جعل لكل داء دواء علمه السلف رضي الله عنهم فتمسكوا به .بعضهم كان يتخذ من زيارة المقابر واعظا بليغا وخطيبا أريبا فيذهب إلى هناك حيث السكون المتكلم ويستمع إلى المقابر حيث الحديث الصادق الذي لا يعرف الكذب ولا المداراة.ذكر ابنُ أبي الدنيا عن محمد بن صالح التمار قال: كان صفوان بن سليم يأتي البقيع في الأيام فيمر بي، فاتبعته ذات يوم؛ وقلت: والله لأنظرنَّ ما يصنع ! قال: فقنَّع رأسه وجلس إلى قبر منها، فلم يزل يبكي حتى رحمته . قال: ظننتُ أنه قبر بعض أهله ! قال: فمرَّ بي مرة أخرى، فاتبعته فقعد إلى جنب قبرٍ غيره، ففعل مثل ذلك . فذكرتُ ذلك لمحمد بن المنكدر وقلت: إنّما ظننتُ أنه قبر بعض أهله . فقال محمد: كلهم أهله وإخوانه ! إنَّما هو رجل يُحرك قلبه بذكر الأموات كلَّما عرضت له قسوة . قال: ثم جعل محمد بن المنكدر بعد يمّر بي فيأتي البقيع، فسلَّمتُ عليه ذات يوم، فقال: ما نفعتك موعظة صفوان؟ قال: فظننت أنه انتفع بما ألقيتُ إليه منها .وذكر أيضاً أنَّ عجوزاً متَعبِّدة من عبد القيس كانت تُكثر إتيان القبور، فعُوتبت في ذلك. فقالت: إنَّ القلب القاسي إذا جفا لم يليِّنه إلا رسول البِلى، وإنّي لآتي القبور وكأني أنظر إليها وقد خرجوا من بين أطباقها، وكأني أنظر إلى تلك الوجوه المتعفِّرة، وإلى تلك الأجسام المتغيِّرة، وإلى تلك الأكفان الدنسة !!، فيا له من منظر لم أسرّ به ..ما أنكل مرارة الأنفس، وأشد تلفة الأبدان.وقال زياد النميري: ما اشتقت إلى البكاء إلا مررت عليه . قال له رجل: وكيف ذلك ؟ قال: إذا أردتُ ذلك خرجت إلى المقابر فجلست إلى بعض تلك القبور، ثم فكَّرتُ فيما صاروا إليه من البِلى، وذكرت ما نحن فيه من المُهلة. قال: فعند ذلك تختفي أطواري ! .هي إذا وسائل يتبعها أهلها إيمانا منهم بأن أصحاب القلوب القاسية أبعد الناس عن التلذذ بآيات الله. وقد ذكر أهل العلم عدة أدوية منها :1- معرفة الله حق معرفته فإن جهل الإنسان بربه يجرؤه على حرماته، ولم يعرف إلا شهواته وملذاته. لذلك كانت المعرفة بالله طريقًا جيدًا لعلاج قسوة القلب.2- المداومة على ذكر الله عز وجل: وهذا من أنجع الأدوية لمن داوم عليها في السر والعلانية، في السراء والضراء، في الليل والنهار في كل الأحوال.. يقول تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].وفي الحديث: "إن هذه القلوب تصدأ، كما يصدأ الحديد". قيل: فما جلاؤها يا سول الله؟ قال: "تلاوة كتاب الله، وكثرة ذكره".وقال يحيى بن معاذ: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السجود، ومجالسة الصالحين.وشكا رجل إلى الحسن قسوة قلبه، فقال له: عليك بذكر الله.ويقول تعالى داعيًا أحبابه: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16].3- التدبر في آيات الله وأخذ الاعتبار منها؛ فقد أخبر أهل العلم أن من قرأ القرآن حاضر النفس وكان عند نظره وقراءته حاضر القلب مفكرًا متأملاً إلا ورسول العين يؤيد ذلك دمعا والقلب يسبقه خشوعا والنفس بين الحالين متوهجة في أعماقها رقة وانكسار وصدق الله إذ يقول في كتابه الكريم: { كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٢٣﴾} [الزمر: 23].4- تذكر الرحيل إلى الله عز وجل فلكل سير خاتمة ولكل بداية نهاية والشمس لا تشرق حتى تغرب وهي جنة أبدا أو جحيم أبدا نسأل الله العافية.5- صلة الأرواح في زيارة أهل المقابر هذه ديارنا الحقة لكل منا وقت يذهب إليها وزيارتها تذكير للغافل وتنبيه للغافل وفيها فوائد كثيرة منها: تذكر الموت، وتُقصر الأمل، وتُرقق القلب، وتُوجد الخشية.قال ابن المنكدر عن رجل يكثر من زيارة المقابر: هذا رجل يحرك قلبه بذكر الموت، كلما عرضت له قسوة [وقال أحد الصالحين: ما اشتقت إلى البكاء إلا مررت عليه. قال له رجل: وكيف ذلك؟ قال: إذا أردت ذلك، خرجت إلى المقابر، فجلست إلى بعض تلك القبور، ثم فكرت فيما صاروا إليه من البلى، وذكرت ما نحن فيه من المهلة. قال: فعند ذلك تختفي قسوة قلبي[٦-الإحسان إلى المستضعفين وخاصة اليتامىفعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال له: "إن أحببت أن يلين قلبك، فامسح رأس اليتيم وأطعم المسكين"[14].وأخيرا كثرة الدعاء أن يصلح الله قلبك فالدعاء سهم صائب متى ما وجد الرامي الصادق ومن جملة الأدعية: "اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي" قالوا: يا رسول الله، أي المال نتخذ؟ قال: "ليتخذ أحدكم قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وزوجةً مؤمنةً تعينه على أمر الآخرة""اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك لسانًا صادقًا وقلبًا سليمًا، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم، وأستغفرك مما تعلم إنك علام الغيوب".هذه إشارات وتبقى الحقيقة الأكيدة تشير إلى أن داء القلب من النفس ودواؤه كذلك بعد الاستعانة بالله عز وجل.وكن في الطريقِ عفيفَ الخُطا شريفَ السَّماعِ، كريمَ النظرولا تخْلُ من عملٍ فوقَه تَعشْ غيرَ عَبْدٍ، ولا مُحتَقَروكن رجلاً إن أتوا بعده يقولون : مرَّ وهذا الأثرْ
1816
| 25 مارس 2015
مضى الحديث سيرا على عجل عن القلوب وأهميتها وضرورة مراجعة خط سيرها إلى الله، ذلك أنها تصح وتمرض، وتقوى وتضعف، وتلين وتقسو، وتأتي أهمية المتابعة في الرقي والترقي حال صحة القلب، والحذر والانتباه مع أخذ الحيطة عند الضعف والرخوة، وتلك آفة أهل الغفلة؛ لا يحسنون معرفة قلوبهم ولا حالها ولا يحسنون فهم رسائل الله لهم، ويمهلهم الله لكن لا يهملهم فمن لم يفهم عن الله سلما؛ فهم حربا وجبرا حين تأتيه القوارع التي توقظ قلبه رغما عنه . أهل القلوب السليمة يحذرون قوراع الملك، ويعلمون أن القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في الحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة، والتوكل، والإنابة، والخدمة، كما قال ابن القيم رحمه الله، ترى أهل الصلاح يجتهدون ابتداء في معرفة الداء قبل استجلاب الدواء، وهذا من حسن فهمهم وتدبيرهم، وقد ذكروا أن أسباب ضعف القلب أو موته كثيرة أجملها الإمام الزاهد العالم عبد الله بن المبارك بقوله: رأيت الذنوب تميت القلوبوقد يورث الذُّل إدمانهاوترك الذنوب حياة القلوبوخير لنفسك عصيانها هذا عن السبب الرئيس للغفلة، لكن ثمة تفصيل عند أهل العلم نذكره إجمالا في النقاط التالية: أولا: الغفلة عن ذكر الله: الغفلة أحد أسباب قسوة القلب ويكفيك قوله -تعالى-: "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " . ثانيا: غياب تدبر آيات الله المسطورة والمنظورة، أما المسطورة فكتاب الله عز وجل قال -تعالى- : "لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ " قال أهل التفسير: أُريدَ بذلك توبيخ الإنسانِ على قسوةِ قلبهِ، وعدم تخشعِه عندَ تلاوتِه، وقلةِ تدبرِه فيه، وأما المنظور فهذا الكون الفسيح الذي ينطق بوحدانية وقيوميته على خلقه صباح مساء، قال- تعالى-: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ".ثالثا: كثرة المعاصي مع غياب الاستغفار تسود القلوب الصالحة، قال -صلى الله عليه وسلم- : "إنَّ المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صقل قلبه، وإن زاد زادت، حتَّى يعلو قلبه ذاك الرَّان الذي ذكر الله -عزَّ وجلَّ- في القرآن: "كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ "، يقول الإمام المحاسبي: (اعلم أنَّ الذنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النار، وإنَّما يتفكر في هذا الأحياء، وأما الأموات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا .رابعا: التفريط في الفرائض وانتهاك المحرمات: قال -تعالى-: "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً " وبيَّن ذلك بقوله- تعالى-: فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً".خامسا: ضعف الزاد إلى الله بالانشغال بالتنافس على الدنيا: يقول ابن القيم رحمه الله: (شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة، لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد. إذا غذي القلب بالتذكر، وسقي بالتفكر، ونقى من الدغل، رأى العجائب وألهم الحكمة، إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد . سادسا: التمني وطول الأمل: يقول الإمام المناوي -رحمه الله- : (طول الأمل غرور وخداع، إذ لا ساعة من ساعات العمر إلا ويمكن فيها انقضاء الأجل، فلا معنى لطول الأمل المورث قسوة القلب، وتسليط الشيطان، وربما جرَّ إلى الطغيان). سابعا: التوسع المذموم في المباحات: فقد ذكر أهل العلم أن قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة، الأكل، والنوم، والكلام،والمخالطة، وقال بعضهم: (وفي كثرة النوم ضياع العمر، وفوت التهجد، وبلادة الطبع، وقسوة القلب، وفي كثرة الطعام، قسوة القلب "، وقال الفضيل: (ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام) وقال أبو سليمان الداراني: (إنَّ النفس إذا جاعت وعطشت، صفا القلب ورقَّ، وإذا شبعت ورويت، عمي القلبُ).ثامنا : مخالطة أهل الفساد، قال المناوي: (مخالطة غير التقي، يخل بالدين، ويوقع في الشبه والمحظورات، إذ لا تخلو عن فساد، إمَّا بمتابعة في فعل، أو مسامحة في إغضاء عن منكر، فإن سلم من ذلك- ولا يكاد - فلا تخطئه فتنة الغير به).تاسعا: غياب الرحمة بالخلق وضعف الإحسان إليهم، عن عائشة، رضي الله عنها قالت: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: تقبِّلون الصِّبيان؟ فما نقبِّلهم، فقال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرَّحمة؟ ".عاشرا: الكسل والفتور: وهو مرض يصيب القلب، وقد استعاذ النبي -صلى الله عليه وسلم- منه فقال: "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل".حادي عشر: كثرة الجدال: قال الشافعي: (المراء في العلم، يقسي القلوب، ويورث الضغائن . ثاني عشر: الابتداع في الدين: قال -تعالى- "وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). وقال -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
25964
| 18 مارس 2015
ما سمي القلب إلاَّ من تقلبه فاحذر على القلب من قَلْب وتحويل لا يزال الحديث موصولا حول المضغة الأصغر حجما والأكبر أثرا، "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" وتكمن آفة تلك المضغة في كونها سريعة التأثر بالجوارح، فتسود أو تبيض تبعا لصلاح الجارحة، فقد خرج الترمذي في سننه وصححه عن أبي هريرة يرفعه "أن الرجل ليصيب الذنب فيسوّد قلبه، فإن هو تاب صقل قلبه". فالقلوب كما أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أقسام: أولها مغلوب وثانيها منكوس وثالثها متقلب بين الإيمان والنفاق ورابعها قلب الصالحين الأتقياء الأنقياء، فعن ابن عباس وحذيفة رضي الله عنهما: "القلوب أربعة: قلب مغلوب مقفول عليه مطبوع عليه فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس لا ينتفع به صاحبه فذلك قلب المنافق، وقلب فيه إيمان ونفاق، مثل الإيمان كالبغلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كالقرحة يمدها القيح والدم فهما يتعالجان أيهما يغلب صاحبه فيأكله، وقلب كأن فيه سراجاً يزهر فذلك قلب المؤمن" وأعظم القلوب مضرة على الإنسان تلك القاسية التي قضت من الصخر كما قال تعالى في ذم بني إسرائيل: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" يقول القرطبي رحمه الله: (القسوة: الصلابة والشدة واليبس، وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى. هؤلاء توعدهم الله عز وجل بقوله: "فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ". وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخافون قسوة القلب وتقلبه من كثرة حديث رسول الله وتحذيرهم من ذلك، روى عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإنَّ كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب، وإن أبعد الناس عن الله، القلب القاسي". والمتابع للسلف الصالح يجدهم أكثر الناس محاسبة لقلوبهم، وأكثر الناس متابعة لها، بل كانوا يرحلون إلى علماء كي ترق قلوبهم بسماع الحديث منهم، فهذا عمرو بن ميمون، يحدث أنَّ أباه ميمون بن مهران قال للحسن البصري: (يا أبا سعيد قد أنست من قلبي غلظة فاستَلِنْ لي منه، فقرأ الحسن بسم الله الرحمن الرحيم أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ) قال: فسقط الشيخ فرأيته يفحص برجله كما تفحص الشاة المذبوحة، فأقام طويلًا ثم أفاق، فجاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ قوموا، تفرقوا، فأخذت بيد أبي فخرجت به، ثم قلت: يا أبتاه، هذا الحسن قد كنت أحسب أنه أكبر من هذا، قال: فوكزني في صدري وكزة، ثم قال: يا بني، لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لأبقى لها فيك كلوم. - وذكر أن الربيع بن خثيم إذا وجد في قلبه قسوةً أتى منزل صديق له قد مات في الليل، فنادى يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان. ثم يقول: ليت شعري ما فعلت، وما فعل بك، ثم يبكي حتى تسيل دموعه، فيعرف ذاك فيه إلى مثلها.وقال مالك: (كان محمد بن المنكدر سيد القراء، وكان كثير البكاء عند الحديث، وكنت إذا وجدت من نفسي قسوة آتيه، فأنظر إليه فأتعظ به. هذا حال من نظر إلى مقام ربه وعرف نفسه وأدرك أن قلب كبندول الساعة يتأرجح يمنة ويسرة، يصح ويمرض، ويقوى ويضعف، ولا يكون شفاؤه إلا بذكر الله، يقول ابن القيم رحمه الله: (القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة، والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة، وجلاؤه بالذكر، ويعري كما يعري الجسم وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة، والتوكل، والإنابة، والخدمة).
5196
| 11 مارس 2015
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
5145
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
3756
| 09 مارس 2026
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار...
2508
| 04 مارس 2026
المشهد يتكرر كل يوم جمعة، وهو مؤلم بقدر...
1071
| 04 مارس 2026
-رغم مبادرات قطر الودية.. تنكرت طهران لمواقف الدوحة...
930
| 07 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
921
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
765
| 09 مارس 2026
في كل مجتمع لحظة اختبار خفية هل يُقدَم...
654
| 05 مارس 2026
رسالتي هذا الأسبوع من حوار القلم إلى الرجل...
642
| 05 مارس 2026
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من أمة...
603
| 04 مارس 2026
أقدمت إيران بعد استهداف خامنئى على توسيع نطاق...
540
| 07 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
531
| 08 مارس 2026
مساحة إعلانية