رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت

للإمام الشافعي أبيات لها جرس عميق الأثر في النفس ومن ذلك قوله: ولرب نازلة يضيق لها الفتى..... ذرعا وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها..... فرجت وكنت أظنها لا تفرجوعلى مثل هذا التفوق الأدبي نتذكر رائعة للإمام أبي حاتم السّجستانيّ يقول فيها:إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لما به الصّدر الرّحيبوأوطأت المكاره واطمأنّت *** وأرست في أماكنها الخطوبولم تر لانكشاف الضّرّ وجها *** ولا أغنى بحيلته الأريبأتاك على قنوط منك غوث *** يمنّ به اللّطيف المستجيبوكلّ الحادثات إذا تناهت *** فموصول بها الفرج القريبأردت بهذه أن أبدأ حديثي إليك، وأمتنا تعيش هذا المخاض الذي تعيشه أقطارنا العربية، لقد رأى بعض اليائسين أو البائسين فيها مخططا أثيما على هذه الأمة، بل بلغ اليأس بالبعض أن تمنى بقاء الظالم على ظلمه، والمظلوم على وجعه وأمله حذرا من مما قد يكدر مزاجه أو يصيب مصالحه الذاتية بأذي، وهذه مفارقة عجيبة: بالأمس كان أكثر هؤلاء يتمنون حرية لا تمنع مظلوما من الحديث، وعدلا يمنع كل متجبر من الظلم، ووطنا يسعد المرء أن يقول فيه ما شاء وقتما شاء دون خوف أو وجل من رقيب.فإذا حانت الساعة تأوه المسكين من مخاض الألم ناسيا أو متغافلا روعة النصر والحرية والعدالة التي ينشدها.إن من يريد أن يكون أبا عليه أن يتحمل تكاليف العرس، ومن تريد أن تكون أما عليها أن تتحمل آلام الوضع، فحكمة الله ألا يكون العطاء إلا بجهد، وإلا فكيف بالله يحافظ بعد ذلك عليه.إن اليأس قرين الكفر كما قال الله تعالى {إنه لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}والتفاؤل وبث هذه الروح بين الجموع المؤمنة مع حثهم على العمل هو منهج أهل الصلاح، فلماذا ينشط من اسودت أمامه سبل الحياة، وغلب اليأس على مفرداتها امام عينه، بل لماذا يعمل من يظن أن العمل والقعود سواء، ولماذا يرتدع الظالم إذا أيقن بوار مجتمع لا يردعه يأس من يحاسبه، وكسل من يراقبه!إن البشارة والتفاؤل لغة أهل الجد، ومنهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أنس بن مالك — رضي اللّه عنه — قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (أنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشّرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر»)ونظرة سريعة على كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تبيك عاقبة أهل الظلم، قال تعالى:(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) وقال تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ): (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ )نسأل الله أن يوفق أمتنا العربية والإسلامية إلي ما فيه خيرها وعزها

332400

| 03 سبتمبر 2014

إنه الإنصاف

الإنصاف هو استيفاء الحقوق لأربابها بأن تعطي غيرك من الحق مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه ويكون ذلك بالأقوال والأفعال في الرضا والغضب مع من نحب ومع من نكره . وهو منهج قرآني حيث يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ويقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وقال الله مخاطبا نبيه داود {يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} . حتى مع الأعداء أمر الله بالإنصاف {إنما يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . والإنصاف شعار الإسلام منذ بدايته يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: " حين جاء الإسلام كان إنصاف الضعفاء من الأقوياء أظهر شعائره وأول أهدافه، كذلك أنصف الفقراء من الأغنياء فقرر في أموال الأغنياء حقًا معلوما للسائل والمحروم، وأنصف اليتامى ممن يتولون أمرهم فقال سبحانه { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد المنصفين بحق داويت متئدا وداووا طفرة **** وأخف من بعض الدواء الداءأنصفت أهل الفقر من أهل الغنى **** فالكل في حق الحياة سواءفإذا سخوت بلغت بالجود المدى **** وفعلت ما لا تفعل الأنواءوإذا عفوت فقادرا ومقدرا **** لا يستهين بعفوك الجهلاءوإذا رحمت فأنت أم أو أب **** هذان في الدنيا هما الرحماءويتجسد الإنصاف في نهج النبي جليا واضحا في قصة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما كاتب كفارَ مكّة سِرًّا، يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأرسل مَن أخذ الكتاب مِمّن خرج ليصل به إلى كفار مكة . ودعا حاطبًا، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((يا حاطب، ما هذا ؟!))، قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله! إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريش (وكان حليفاً لهم، ليس من أنفسهم)، وكان مِمّن معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يحمون أهليهم، فأحببتُ-إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتّخذَ فيهم يداً، يحمون بها قرابتي . ولم أفعلْه كُفْرًا، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((صدق)) . فقال عمر: دَعْني- يا رسول الله - أضربْ عُنُقَ هذا المنافق ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( إنه قد شهد بدراً، وما يُدريك لعلّ الله اطَّلعَ على أهل بدر، فقال : اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم " ومع أن هذا هو المنهج إلا أننا وللأسف نجد ظاهرة الاجتراء والشطط في الحكم على الناس بغير حق أو بغير علم؛ أضحت منتشرة، حتى اتهم الأبرياء وخوّن الأمناء، وما ذلك إلا لغياب منهج الإنصاف، ولعلنا في المقال القادم نتحدث عن أسبابه وعلاجه بحول الله وقوته، نسأل الله أن يهدينا سبل الرشاد وأن يجنبنا الزلل وعدم الإنصاف. آمين

1422

| 27 أغسطس 2014

هو أخي دونك

نقرأ في السير بعض الآثار التي ينبغي التوقف أمامها كثيرا ومن تلك الآثار ما جاء عن مصعب بن عمير -رضي الله عنه- وهو الشاب الذي تخلى عن الدنيا ورغباتها ومقوماتها، وجاهد في الله حق جهاده، في يوم بدر كان يسير بعد انتهاء المعركة -و له أخ اسمه أبو عزيز- هذا الأخ كان كافرا وجاء مع الكفار من قريش، فأسره أحد الصحابة، وفي أثناء أسره مرّ مصعب بن عمير على شقيقه، وربما قال في نفسه: أتاك الفرج بمقدم أخيك، فالعرب تقول: انصر أخاك ظالما كان أو مظلوما، لكنه فوجئ بقول مصعب لآسره: اشدد وثاقه؛ فإن له أما تفديه؟ فغضب أبو عزيز وقال: أهذه وصيتك بأخيك؟ فقال له مصعب:هو أخي دونك، هذه إحدى ميزات الإسلام العظيم، فقد جعل أخوة الإيمان من أعلى مراتب برا ، وأعظمها خطرا، وأوسعها أجرا، وهي من الروابط الاجتماعية التي يحرص الإسلام على تنميتها وتعاهدها، حتى جعل الإسلام رباط النسب المنبت الصلة بالدين أوهى وأضعف من رباط الأخوة في الله .إن الأخوة الإسلامية ضمان اجتماعي لكل أفراده، ضمان للغني ألا يجترأ عليه فقير، وضمان للفقير ألا يحسد الغني، بل إن الإسلام بهذا الرابط يدفع الفقير إلى أن يتمنى أن يبارك الله في مال الغني؛ لأن له نصيبا في هذا المال الذي في يده {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ }، لقد أمر الإسلام المسلم بالحرص على إخوانه والشعور بهم، ورتب على ذلك من الأحكام ما يديم هذا الرباط إلى يوم الدين، فأضحى رباط الدين يجمع بين المؤمنين كما يجمع ضوء الشمس بين المبصرين، أمرنا الحق جل شأنه في هذه الأيام المباركة أن نغني الفقير عن السؤال فروى الدارقطني وغيره عن ابن عمر قال: " قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ وَقَالَ « أَغْنُوهُمْ فِى هَذَا الْيَوْمِ »، وهذا حتى يسود جو المحبة والألفة بين المسلمين وحتى يشعر القوي بألم الضعيف، والغني بجوع الفقير، فيرحم بعضهم بعضا، ويحنو بعضهم على بعض، بل رتب الله رحمته على رحمة الناس بعضهم ببعض ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله- رضي الله- عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)،هذا هو الرابط الذي أراد الإسلام أن يسود في المجتمع المسلم فعن أبي موسى- رضى الله-عنه قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، ثم جعل الله عليها من الأجر ما يرغب كل محتاج إلى مثوبة الله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسرعلى معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ) رواه مسلم، وفي سورة من سور القرآن العظيم يجعل الله -جل وعز- أحد صفات المكذبين بالدين : هؤلاء الذي لا يحضون على إطعام المساكين ، ولا يرشدون الأغنياء إليهم، ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ). فأي رباط أقوى من هذا الرباط العميق الصلة بين المسلمين بعضهم مع بعض .

7956

| 20 أغسطس 2014

كل معصية عيرت بها أخاك قبل الممات صائرة إليك

يعيش الناس حياتهم بين مقبل على الله ومعرض عنه، ولكن لا تستطيع بما تملك من أدوات الزعم بأن الأول صالح لا ذنب له، أو الأخير فاسد لا خير، فدرجات إيمان الناس تتفاوت، والدنيا دار ابتلاء، وقد يذل المستقيم ، وقد يحسن الأعوج، والواجب على أهل الصلاح عدم تتبع عورات المسلمين أو معايرتهم بها، أو جعل ما اقترفوه من معايب فاكهة للمجالس يتحدثون عنها ويستروحون بها، ومن هنا أتت هذه الحكمة الرائعة : كل معصية عيرت بها أخاك قبل الممات صائرة إليك، يقول أهل العلم: يحتمل أن يراد به: أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه، وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضا مرفوعا «لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك»، ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس، وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع، والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى، والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب أنفع له، وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المدل من مقت الله!، فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو، ولا يطالعها إلا أهل البصائر، فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر، ووراء ذلك ما لا يطلع عليه الكرام الكاتبون، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -«إذا زنت أمة أحدكم، فليقم عليها الحد ولا يثرب» أي لا يعير، من قول يوسف - عليه السلام -لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم} [يوسف: 92] فإن الميزان بيد الله، والحكم لله، فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب، والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب، ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله، وقد قال الله- تعالى- لأعلم الخلق به، وأقربهم إليه وسيلة {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74] وقال يوسف الصديق {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33] وكانت عامة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم- «لا، ومقلب القلوب» وقال: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل-، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه» ثم قال: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» .

2463

| 13 أغسطس 2014

ثقافة الاعتذار

للشاعر العربي محمّد بن إسماعيل الإسحاقيّ قصيدة راقية وفيها بيت يستحق التوقف مليا أمامه حيث يقول فيه:إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه... وكان الّذي لا يقبل العذر جانيا في البيت حث واضح على الاعتذار عند الخطأ، وكذلك تحذير من عدم قبوله من صاحبه، وبهذا يعالج الإسحاقي الخلل ودوافعه . إن أصحاب النفوس المستقيمة يجتهدون قدر الطاقة في الابتعاد عن الخطأ، ويتجنبون ما استطاعوا الزلل، لكن إن تعثرت خطاهم بحكم الطبيعة البشرية التي لا تعرف الصواب المطلق، سارعوا إلى الاعتراف بخطئهم والاعتذار عنه، وهذا منهج أهل العقول التي لا تحسن القفز فوق الأخطاء . إن الاعتذار أمر غير محبب إلى النفس بحكم الفطرة، وقد راعى الإسلام ذلك واتخذ له طريقا وقائيا فعن أنس بن مالك- رضي اللّه عنه- أنّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إيّاك وكلّ أمر يعتذر منه" وذلك أن طبيعة النفس جبلت على ذلك، لكن إذا وقع الخطأ لا محالة فلا ينبغي المكابرة بل التسليم بالخطأ والاعتذار عنه، ووجدنا هذا جليا في خير قرن عرفه التاريخ بل وفي خير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه الصديق أبو بكر يقول عائذ بن عمرو: إنّ أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر. فقالوا: واللّه ما أخذت سيوف اللّه من عنق عدوّ اللّه مأخذها – يقصدون أبا سفيان-. قال: فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم؟ فأتى النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، فأخبره، فقال: «يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم. لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك». هنا علم أبو بكر رضي الله عنه أنه قد وقع في الخطأ وأن الأمر لم يكن على ما قدر، مباشرة ومن دون تأخر ذهب إليهم معتذرا، أتاهم أبو بكر فقال: يا إخوتاه؟ أغضبتكم؟ قالوا: لا. يغفر اللّه لك يا أخي.هذه هي النفوس العظيمة التي لا تكابر ساعة الخطأ بل تهرع إلى الحفاظ على رصيدها الأخلاقي والاجتماعي وقبل ذلك الديني.لقد ذهب أبو بكر معتذرا، ذهب رجلا وعاد كما ذهب لم يأخذ الاعتذار منه شرفا أو مهابة بل الحق أنه زاده رفعة ومكانة . إن الاعتذار عن الخطأ يجلب المودة بين الإخوان، ونزع الضغائن والأحقاد، وزرع المحبة والوئام، واستجلاب التواضع وصرف الكبرياء، وفوق ذلك كله يرزقك محبة الله ويصرفك عن الظلم والاختيال. ولئن كانت هذه سمة أهل الصلاح، فإن أهل الفضل إذا اعتذر إليهم معتذر قبلوا ذلك منه، وأدنوا صاحبه إليهم وقربوه، بل ذكر التاريخ لنا أحداثا يرفع المظلوم الحرج عن ظالمه حتى لا يحوجه إلى الاعتذار إذا قدم معتذرا!* هذا إبراهيم النّخعيّ رحمه اللّه تعالى، ذهب إليه رجل معتذرا فقال له: «قد عذرتك غير معتذر، إنّ المعاذير يشوبها الكذب " * واعتذر رجل إلى الحسن بن سهل من ذنب كان له، فقال له الحسن: "تقدّمت لك طاعة، وحدثت لك توبة، وكانت بينهما منك نبوة، ولن تغلب سيّئة حسنتين"* وقال عبد الرّحمن بن المبارك اليزيديّ (مؤدّب ولد يزيد بن منصور الحميريّ) يعتذر إلى المأمون لأنّه امتنّ عليه بتأديبه إيّاه:أنا المذنب الخطّاء والعفو واسع ... ولو لم يكن ذنب لما عرف العفو* وقال الشّافعيّ- رحمه اللّه-:يا لهف قلبي على مال أجود به ... على المقلّين من أهل المروءاتإنّ اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيباتليس من عيب في الاعتذار وإنما العيب في التكبر والتعالي وعدم الرضوخ والانصياع للحق .

5855

| 06 أغسطس 2014

منزلة الاعتصام

يطلق الاعتصام بالله ويراد به: الاستمساك بالشيء، وأصل العصمة: الحبل، وكل ما أمسك شيئًا فقد عصمه، وأعصم الرجل بصحابه إعصامًا إذا لزمه ولاذ به. والاعتصام بالله جل وعلا حفظ للمرء، وصيانة للنفس، وحماية للدين، وأمن من المخاوف، وضمان من المخاطر، ونجاة من المهالك، ونصرة على الأعداء، وحرز من الألداء. وهو نوعان: - اعتصام بالله- اعتصام بحبل الله قال الله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] وقال: {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} [الحج: 78]. والاعتصام افتعال من العصمة، وهو التمسك بما يعصمك، ويمنعك من المحذور والمخوف، فالعصمة: الحمية، والاعتصام: الاحتماء، ومنه سميت القلاع: العواصم، لمنعها وحمايتها.ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين. فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق، والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول هذين الأمرين له، فالدليل كفيل بعصمته من الضلالة، وأن يهديه إلى الطريق، والعدة والقوة والسلاح التي بها تحصل له السلامة من قطاع الطريق وآفاتها. والاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله، يوجب له القوة والعدة والسلاح، والمادة التي يستلئم بها في طريقه، ولهذا اختلفت عبارات السلف في الاعتصام بحبل الله، بعد إشارتهم كلهم إلى هذا المعنى. فقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله. وقال ابن مسعود: هو الجماعة، وقال: عليكم بالجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة.

1830

| 27 يوليو 2014

تعلق القلب بغير الله

من أعظم مفسدات القلوب تعلق القلب بغير الله عز وجل، ومن كان هذا حاله فقد أبعد النعجة، وليس على قلبه أضر مما وقع فيه، يقول ابن القيم رحمه الله: "إذا تعلق بغير الله وكَّله الله إلى ما تعلق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل، قال الله تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا، كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} [مريم: 81 - 82]، وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون، لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون} [يس: 74 - 75] . فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، وأوهن البيوت. إنه ساعتها يعيش وهم الاختباء من الحقائق المرة بالأوهام الفارغة، ويظن المسكين أن بيت العنكبوت قد يدفع عنه ضرا أو يجلب له نفعا! وبالجملة فأساس الشرك وقاعدته التي بني عليها التعلق بغير الله، ولصاحبه الذم والخذلان، كما قال تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} [الإسراء: 22]. مذموما لا حامد لك، مخذولا لا ناصر لك، هذا صنف.وبعض الناس مقهورا محمودا كالذي قهر بباطل. وقد يكون مذموما منصورا، كالذي قهر وتسلط عليه بباطل. وقد يكون محمودا منصورا كالذي تمكن وملك بحق. والمشرك المتعلق بغير الله قسمه أردأ الأقسام الأربعة، لا محمود ولا منصور.

63018

| 26 يوليو 2014

بحر الأمنيات

من مفسدات القلوب : الأماني ، وهو بحر لا ساحل له، يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس. وبضاعة ركابه مواعيد الشياطين، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الذهبية، وكل بحسب حاله من متمن للقدرة والسلطان، وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنسوان والمردان، فيمثل المتمني صورة مطلوبِه في نفسه وقد فاز بوصولها، والتذ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير. وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره. إنه يعيش لدينه ، يتألم له ، يفرح لانتصاره ، لا يكفيه الصمت بل الكلام ، لا يهاب أن يبيع حياته كلها لله في سبيل نصرة دينه وتمكين شريعته ، فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور. وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم متمني الخير، وربما جعل أجره في بعض الأشياء كأجر فاعله، كالقائل: «لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان الذي يتقي في ماله ربه، ويصل فيه رحمه، ويخرج منه حقه، وقال " هما في الأجر سواء» وتمنى صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أنه لو كان تمتع وحل ولم يسق الهدي، وكان قد قرن، فأعطاه الله ثواب القِران بفعله، وثواب التمتع الذي تمناه بأمنيته، فجمع له بين الأجرين.

1715

| 25 يوليو 2014

ضابط كثرة الخلطة

إذا كانت كثرة الخلطة بالناس لها هذا الضرر المباشر ، وتبين أنه لا سبيل إلا الانعزال شرعا ولا عقلا ، فهل ثمة ضابط ينير الدري ويستقيم به الحال ، وهل الصبر على أذى الناس خير أم الانعزال والانكفاء . يجيب ابن القيم على ذلك بقوله : الضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة ويعتزلهم في الشر، وفضول المباحات، فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم، وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين. وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت، وذم منهم ومن المؤمنين، ومن رب العالمين. فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة، وأحمد مآلا، وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه، ويشجع نفسه ويقوي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك، بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربه، وليستعن بالله، ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه. فإن أعجزته المقادير عن ذلك، فليسِلَّ قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرا غائبا، قريبا بعيدا، نائما يقظانا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى، ويديم اللجوء إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا، ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان، وتجنب المفسدات الأربع الباقية الآتي ذكرها، ولا ينال هذا إلا بعدة صالحة ومادة قوة من الله عز وجل، وعزيمة صادقة، وفراغ من التعلق بغير الله تعالى، والله تعالى أعلم.

1250

| 24 يوليو 2014

مفسدات القلب

بعد أن تعرفنا على أهمية القلب ، وأهمية تخليصه من مفسداته الخمس بقي أن نقف وقفات عندها لنستبصر خطورتها يقول ابن القيم عن تلك المفسدات : إنها قاطعة حائلة بين القلب وربه ، عائقة له عن سيره، ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها. فأما ما تؤثره كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسوَدَّ، يوجب له تشتتا وتفرقا، وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ . هذا، وكم جلبت خلطة الناس من نقمة، ودفعت من نعمة؟ وأنزلت من محنة، وعطلت من منحة، وأحلت من رزية، وأوقعت في بلية؟ وهل آفة الناس إلا الناس؟ وهل كان علَى أبي طالب ( عم النبي صلى الله عليه وسلم ) عند الوفاة أضر من قرناء السوء؟ لم يزالوا به حتى حالوا بينه وبين كلمة واحدة توجب له سعادة الأبد. وهذه الخلطة التي تكون على نوع مودة في الدنيا، وقضاء وطر بعضهم من بعض تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلط عليها يديه ندما، كما قال تعالى {ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا - ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا - لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني} [الفرقان: 27 - 29] وقال تعالى {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} [الزخرف: 67] وقال خليله إبراهيم لقومه {إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} [العنكبوت: 25] وهذا شأن كل مشتركين في غرض، يتوادون ما داموا متساعدين على حصوله، فإذا انقطع ذلك الغرض، أعقب ندامة وحزنا وألما، وانقلبت تلك المودة بغضا ولعنة، وذما من بعضهم لبعض، لما انقلب ذلك الغرض حزنا وعذابا، كما يشاهد في هذه الدار من أحوال المشتركين في خزيه، إذا أخذوا وعوقبوا، فكل متساعدين على باطل، متوادين عليه لا بد أن تنقلب مودتهما بغضا وعداوة.

853

| 23 يوليو 2014

منزلة التذكر

الأمر الثالث من ثمرات التفكر : اجتناب الخلطة ما أمكن ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله علاقة ذلك بمفسدات القلب ، وبين أن القلب له مفسدات هذه أولاها :يقول ابن القيم رحمه الله : وأما مفسدات القلب الخمس فهي التي أشار إليها: من كثرة الخلطة والتمني، والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام، فهذه الخمس من أكبر مفسدات القلب. فنذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميزت به كل واحدة منها. اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة، ويكشف عن طريق الحق ونهجه، وآفات النفس والعمل، وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته، وصحته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشواغل والقواطع عنه، وهذه الخمس تطفئ نوره، وتعور عين بصيرته، وتثقل سمعه، إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها، وتوهن صحته وتفتر عزيمته، وتوقف همته، وتنكسه إلى ورائه، ومن لا شعور له بهذا فميت القلب، وما لجرح بميت إيلام، فهي عائقة له عن نبل كماله. قاطعة له عن الوصول إلى ما خلق له. وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه. فإنه لا نعيم له ولا لذة، ولا ابتهاج، ولا كمال، إلا بمعرفة الله ومحبته، والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى. وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة. وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب. وقال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام.

1593

| 22 يوليو 2014

منزلة التذكر

ذكرنا في مقال البارحة أن لثمرة التفكر ثلاثة أشياء : 1- قصر الأمل. 2- التأمل في القرآن 3- قلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام. وشرحنا قصر الأمل واليوم نقف عند : التأمل في القرآن ، وهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، قال الله تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدَّبَّروا آياته وليتذكر أولو الألباب} [ص: 29] وقال تعالى {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24] وقال تعالى {أفلم يدبروا القول} [المؤمنون: 68] وقال تعالى {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} [الزخرف: 3] وقال الحسن: نزل القرآن ليُتَدبر ويُعملَ به. فاتخذوا تلاوته عملا. يقول ابن القيم : فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلِع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه، وقواطع الطريق وآفاتها، وتعرفه النفس وصفاتها، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم، وأحوالهم وسيماهم، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه، وافتراقهم فيما يفترقون فيه. وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه، وطريق الوصول إليه، وما له من الكرامة إذا قدم عليه. وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه، أضعاف أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد. نزه فؤادك عن سوى روضاته ... فرياضه حل لكل منزه والفهم طلسم لكنز علومه ... فاقصد إلى الطلسم تحظ بكنزه لا تخش من بدع لهم وحوادث ... ما دمت في كنف الكتاب وحرزه من كان حارسه الكتاب ودرعه ... لم يخش من طعن العدو ووخزه لا تخش من شبهاتهم واحمل إذا ... ما قابلتك بنصره وبعزه والله ما هاب امرؤ شبهاتهم ... إلا لضعف القلب منه وعجزه يا ويح تيس ظالع يبغي مسا ... بقة الهزبر بعدوه وبجمزه ودخان زبل يرتقي للشمس يس ... تر عينها لما سرى في أزه وجبان قلب أعزل قد رام يأس ... ر فارسا شاكي السلاح بهزه

580

| 21 يوليو 2014

alsharq
الخليج ليس ساحة حرب

تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...

4788

| 09 مارس 2026

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1476

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1257

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1074

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

960

| 10 مارس 2026

alsharq
التجربة القطرية في إدارة الأزمات

عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...

855

| 09 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

762

| 12 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

711

| 12 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

660

| 13 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

627

| 14 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

570

| 15 مارس 2026

alsharq
الخليج بين نارين

لا شك أن إيران تمثل خطرا لا يستهان...

540

| 10 مارس 2026

أخبار محلية