رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

منزلة الاستغفار

الاستغفار كما ذكر أهل العلم: طلب المغفرة، والمغفرة: وقاية الخالق من شر الذنوب مع سترها عن الخلق، أي أن الله عز وجل يستر على العبد فلا يفضحه في الدنيا، ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته. وقد كثر ذكر الاستغفار في القرآن على سبيل الأمر كقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وعلى سبيل المدح لأهله كقوله تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) وعلى سبيل الوعد بالعفو للمستغفرين قال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً). والاستغفار كما قال صاحب المنازل على ضربين: مفرد، ومقرون بالتوبة. فالمفرد: كقول نوح عليه السلام لقومه: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا}، وكقول صالح لقومه: {لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون}، وكقوله تعالى: {واستغفروا الله إن الله غفور رحيم}، وقوله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون}. وأما المقرون بالتوبة كقوله تعالى: {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله}، وقول هود لقومه: {استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا}، وقول صالح لقومه: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب}، وقول شعيب: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود}.يقول ابن القيم: الاستغفار المفرد كالتوبة، بل هو التوبة بعينها، مع تضمنه طلب المغفرة من الله، وهو محو الذنب، وإزالة أثره، ووقاية شره، لا كما ظنه بعض الناس أنها الستر، فإن الله يستر على من يغفر له ومن لا يغفر له، ولكن الستر لازم مسماها أو جزؤه، فدلالتها عليه إما بالتضمن وإما باللزوم.وحقيقتها وقاية شر الذنب، وهذا الاستغفار هو الذي يمنع العذاب في قوله: {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33]، فإن الله لا يعذب مستغفرا، وأما من أصر على الذنب، وطلب من الله مغفرته، فهذا ليس باستغفار مطلق، ولهذا لا يمنع العذاب، فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق.وقد ذكر بعض أهل العلم في الفرق بينهما أن الاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، وأما التوبة فهي: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله.

4124

| 08 يوليو 2014

منزلة التوبة

في المعجم التعرف التوبة بأنها: الاعتراف والندم والإقلاع، والعَزْم على ألاَّ يعاود الإنسان ما اقترفه من إثم. وعليه فهي الرجوع من الذنب بالقلب واللسان والجوارح، وترك المعاصي في الحال، والعزم على عدم المعاودة في المستقبل، وتدارك ما يمكن تداركه.وهذه المنزلة كما يقول صاحب المنازل: منزل التوبة أول المنازل، وأوسطها، وآخرها، فلا يفارقه العبد السالك، ولا يزال فيه إلى الممات، وإن ارتحل إلى منزل آخر ارتحل به، واستصحبه معه ونزل به، فالتوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجته إليها في النهاية ضرورية، كما أن حاجته إليها في البداية كذلك، وقد قال الله تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، وهذه الآية في سورة مدنية، خاطب الله بها أهل الإيمان وخيار خلقه أن يتوبوا إليه، بعد إيمانهم وصبرهم، وهجرتهم وجهادهم، ثم علق الفلاح بالتوبة تعليق المسبب بسببه، وأتى بأداة لعل المشعرة بالترجي، إيذانا بأنكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاح إلا التائبون، جعلنا الله منهم.الظالم هو من لم يعرف طريق التوبة مع شدة جرمه وابتعاده عن ربه، قال تعالى: {ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}. فالناس أمام الله على قسمين لا ثالث لها: تائب وظالم. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله، فوالله إني لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» وكان أصحابه يعدون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: «رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب الغفور» مائة مرة، وما صلى صلاة قط بعد إذ أنزلت عليه: {إذا جاء نصر الله والفتح} إلى آخرها، إلا قال فيها: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لن ينجي أحدا منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل».فصلوات الله وسلامه على أعلم الخلق بالله وحقوقه وعظمته، وما يستحقه جلاله من العبودية، وأعرفهم بالعبودية وحقوقها وأقومهم بها.

753

| 07 يوليو 2014

منزلة البصيرة

تطلق البصيرة ويراد بها النور الذي يقذفه الله في القلب، ليرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأيَ عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم.وقد قال بعض أهل العلم: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به. وقال آخرون: البصيرة ما خلصك من الحيرة، إما بإيمان وإما بعيان.والمعنى أن صاحب البصيرة يتجاوز المحسوس البصري ، ليدرك ببصيرته ما لم يدركه أهل البصر ، فهو يرى بنور الله عز وجل . لا يفزع إذا فزع الناس عند المصائب ، ولا يغتر ويزهو إذا أنعم الله عليه ، بل هو معتدل في العطاء وفي البلاء ، منشغل عند حضور الأولى بشكر المنعم ، وعند الثانية بالصبر على البلاء والاعتقاد أن خلْفَ البلاء نِعَم تترى أو مصائب تُرفع أو معايب تستر.يقول صاحب المنازل : البصيرة ما يخلصك من الحيرة، وهي على ثلاث درجات:الدرجة الأولى: أن تعلم أن الخبر القائم بتمهيد الشريعة يصدر عن عين لا يخاف عواقبها، فترى من حقه أن تؤديه يقينا، وتغضب له غيْرةً.ومعنى كلامه: أن ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم صادر عن حقيقة صادقة، لا يخاف متبعُها فيما بعد مكروها، بل يكون آمنا من عاقبة اتباعها، إذ هي حق، ومتبع الحق لا خوف عليه، ومن حق ذلك الخبر عليك أن تؤدي ما أُمِرت به منه من غير شك ولا شكوى، والأحوط بك والذي لا تبرأ ذمتك إلا به تناولُ الأمر بامتثالٍ صادر عن تصديق محقَّق، لا يصحبه شك، وأن تغضب على من خالف ذلك غيرة عليه أن يضيع حقه، ويهمَل جانبه.وإنما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام من تمام البصيرة لأنه على قدر المعرفة بالحق ومستحقه ومحبته وإجلاله تكون الغيرة عليه أن يضيع، والغضب على من أضاعه، فإن ذلك دليل على محبة صاحب الحق وإجلاله وتعظيمه، وذلك عين البصيرة، فكما أن الشك القادح في كمال الامتثال معْمٍ لعين البصيرة، فكذلك عدم الغضب والغيرة على حقوق الله إذا ضُيِّعت، ومحارمه إذا انتهكت معمٍ لعين البصيرة.

843

| 06 يوليو 2014

منزلة المحاسبة (2)

الشق الآخر منهج النظر إلى أهل المعاصي، وكيفية التعامل معهم، وهنا يقول أهل العلم: كل معصية عيرت بها أخاك فهي إليك.يحتمل أن يريد به: أنها صائرة إليك ولابد أن تعملها، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي صلى الله عليه وسلم «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه.وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضا مرفوعا «لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك».ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس، وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع، والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى، والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب أنفع له، وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المدل من مقت الله! فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وأنك أن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وأنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر.فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو، ولا يطالعها إلا أهل البصائر، فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر، ووراء ذلك ما لا يطلع عليه الكرام الكاتبون، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إذا زنت أمة أحدكم، فليقم عليها الحد ولا يثرب» أي لا يعير، من قول يوسف عليه السلام لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم} [يوسف: 92] فإن الميزان بيد الله، والحكم لله، فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب، والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب، ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله، وقد قال الله تعالى لأعلم الخلق به، وأقربهم إليه وسيلة {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74] وقال يوسف الصديق {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33] وكانت عامة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا، ومقلب القلوب» وقال: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه» ثم قال: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك».

337

| 04 يوليو 2014

يا باغي الخير أقبل

لك الحمد مولانا على كل نعمة، ومن جملة النعماء قولي لك الحمد، لك الحمد على الإسلام، ولك الحمد على القرآن، ولك الحمد أن أبقيتنا حتى أتى رمضان.هو رمضان درة الشهور وبدرها، وشمس العبادات وقمرها، هو الشهر الذي جعله الله مدرسة للمؤمن يتخرج فيها ربانيا تقيا.ما أعظمه من فضل، وما أكرمها من نفحة تحتاج فيما تحتاج إلى تعرض كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده) (الطبراني).يقول ابن الجوزي: "رمضان أشبه ما يكون بنبي الله يوسف عليه السلام، وذلك من وجوه: الوجه الأول: يوسف بين إخوانه كالبدر وكذا رمضان بين سائر الشهور، والوجه الثاني: يوسف له أحد عشر أخا هو أتقاهم وأفضلهم، وكذا رمضان بين الأشهر الأحد عشر هو أفضلهم، والوجه الثالث: لما قابل يوسف إخوانه قال لهم: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، وكذا رمضان إذا قابل الصائمين القائمين إيمانا واحتسابا لله، قال بلسان الحال: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، والوجه الرابع: إن يعقوب لما أتته بشارة يوسف — قميصه — رد الله إليه بصره، وكذلك رمضان إذا قابل ببشارته أهل الصلاح رد إليهم بصائرهم"ما أروعه من شهر يتربى فيه أهل الصلاح على الطاعة والمغفرة، ما أجمله من شهر ينتظره أهل الإيمان لما يعرفون من فضله، ما أفضله من شهر مهيب له في قلوب المسلمين هيبة وتعظيما لما فيه من فضائل وخيرات، ومنها:أولا: تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد مردة الشياطين وعصاتهم، فلا يصلون ولا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه من قبل، قال صلى الله عليه وسلم" إذا دخل رمضان فتحت أبواب السماء، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين" وفي رواية: " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة [البخاريثانيا: من فضائل شهر رمضان أن فيه ليلة هي خير من ألف شهر، خير من عمرك كله قال تعالى: "ليلة القدر خير من ألف شهر" لليلة مباركة يكتب الله تعالى فيها ما سيكون خلال السنة، فمن حرم أجرها فقد حرم خيراً كثير، قال صلى الله عليه وسلم:" فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم" رواه أحمد والنسائي وهو صحيح. ومن قام ليلها إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، قال صلى الله عليه وسلم: " من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. وفي رواية أخرى: " ومن قامها إبتغاءها، ثم وقعت له، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" رواه: أحمدهذه بعض الفضائل وفي المقال القادم إن شاء الله نتعرض للبعض الآخر، اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وسائر أعمالنا. يا باغي الخير(2)رمضان شهر النفحات، وقد ذكرنا بعضا منها في المقال السابق، واليوم نكمل البعض الآخر.رابعا: من ميزات هذا الشهر الكريم أن من فطر فيه صائماً فله مثل أجر الصائم من غير أن ينقص من أجر الصائم شيئاً، قال صلى الله عليه وسلم: " من فطر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر الصائم شيء" حسن صحيح رواه الترمذي وغيره.خامسا: من ميزات هذا الشهر كذلك: كثرة نزول الملائكة، قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَاسادسا: ومن ميزاته كذلك: أن العمرة فيه تعدل حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: " عمرة في رمضان تعدل حجة" أو قال: حجة معي"سابعا: وكذلك مما تميز به رمضان: أكلة السحور التي هي ميزة صيامنا عن صيام الأمم السابقة، وفيها خير عظيم كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" رواه مسلم، وكذلك بشارته لمن تسحر بالبركة، وهي لفظة تشمل كل أنواع البركة، قال عليه الصلاة والسلام: تسحروا فإن في السحور بركة "متفق عليهثامنا: ومن ميزاته كذلك: أنه أحد أسباب تنزل المغفرة وتكفير الذنوب والخطايا، قال صلى الله عليه وسلم: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان الى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر "تاسعا: ومما تميز به هذا الشهر الفضيل عن سائر الشهور: صلاة التراويح، والتي يجتمع المسلمون فيها رجالا ونساءً في بيوت الله تعالى لأداء هذه الصلاة، ولا يجتمعون في غير شهر رمضان لأدائها.عاشرا: وكذلك تميز هذا الشهر الكريم: بأن الأعمال فيه تضاعف عن غيره، فحين سئل النبي صلى الله عليه وسلم: " أي الصدقة أفضل قال: صدقة في رمضان" رواه الترمذي والبيهقي. وقد كان النبي أجود ما يكون في رمضان ففي الصحيحين عن بن عباس رضي الله عنهما قال: { كان النبي صلى الله عليه وسلم: "أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان"وهكذا تتضح مكانة شهر رمضان الذي خص الله تعالى به هذه الأمة، وليعلم المؤمنون واسع فضل الله عليهم بهذا الموسم الرباني.

1351

| 03 يوليو 2014

منزلة المحاسبة

للمحاسبة أركان ثلاثة ذكرها الإمام الهروي في منازله وهي: أولا: القياس بين نعمة الله على العبد وجنايته.ثانيا: التمييز بين ما للعبد وما عليهثالثا: الرضا بالطاعة والتعيير بالمعصيةأولا: القياس بين نعمة الله على العبد وجنايته.حتى يعلم العبد أهمية هذا القياس يحتاج إلى أمور منها: 1- عطاء الله وفعل العبد: القياس بين ما من الله وما يفعله العبد يظهر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته، أو الهلاك والعطب. وبهذه المقايسة تعلم أن الرب رب والعبد عبد، ويتبين لك حقيقة النفس وصفاتها، وعظمة جلال الربوبية، وتفرد الرب بالكمال والإفضال، وأن حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها، وتوقفه عليه كتوقف وجودها على إيجاده، فكما أنها ليس لها من ذاتها وجود، فكذلك ليس لها من ذاتها كمال الوجود، فليس لها من ذاتها إلا العدم - عدم الذات، وعدم الكمال - فهناك تقول حقا " «أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي».2- القياس بين الحسنات والسيئات، فتعلم بهذه المقايسة أيهما أكثر وأرجح قدرا وصفة. وهذه المقايسة الثانية مقايسة بين أفعالك وما منك خاصة. ولا ينهض بها إلا من اتصف بثلاثة أمور: نور الحكمة، وسوء الظن بالنفس، وتمييز النعمة من الفتنة. ونور الحكمة هاهنا: هو العلم الذي يميز به العبد بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والضار والنافع، ويبصر به مراتب الأعمال، راجحها ومرجوحها، ومقبولها ومردودها. وأما سوء الظن بالنفس فإنما احتاج إليه؛ لأن حسن الظن بالنفس يمنع من كمال التفتيش ويلبس عليه، فيرى المساوئ محاسن، والعيوب كمالا، فإن المحب يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك. فعين الرضى عن كل عيب كليلة.. كما أن عين السخط تبدي المساويا، ولا يسيء الظن بنفسه إلا من عرفها، ومن أحسن ظنه بنفسه فهو من أجهل الناس بنفسه. وأما تمييز النعمة من الفتنة: فليفرق بين النعمة التي يرى بها الإحسان واللطف، ويعان بها على تحصيل سعادته الأبدية، وبين النعمة التي يرى بها الاستدراج، فكم من مستدرج بالنعم وهو لا يشعر، مفتون بثناء الجهال عليه، مغرور بقضاء الله حوائجه وستره عليه! وأكثر الخلق عندهم أن هذه الثلاثة علامة السعادة والنجاح، ذلك مبلغهم من العلم.

1109

| 03 يوليو 2014

منزلة المحاسبة

من منازل أهل السير إلى الله عز وجل: منزلة المحاسبة، والمحاسبة طريقة أهل الصلاح، وسمة الموحدين، وعنوان الخاشعين، فالمؤمن يعيش حياته بين خوف وحب، وترغيب وترهيب، متق لربه محاسب لنفسه مستغفر لذنبه، يعلم أن النفس خطرها عظيم، وداؤها وخيم، ومكرها كبير وشرها مستطير، فهي أمارة بالسوء ميالة إلى الهوى، داعية إلى الجهل، قائدة إلى الهلاك، توّاقة إلى اللهو إلا من رحم الله، فلا تُترك لهواها لأنها داعية إلى الطغيان، من أطاعها قادته إلى القبائح، ودعته إلى الرذائل، وخاضت به المكاره، وقد قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون* ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم" يقول الشيخ عبدالرحمن بن سعدي – رحمه الله - هذه الآية الكريمة أصل في محاسبة العبد نفسه وأنه ينبغي له أن يتفقدها فإن رأى زللاً تداركه بالإقلاع عنه والتوبة النصوح والإعراض عن الأسباب الموصلة إليه وإن رأى نفسه مقصراً في أمر من أوامر الله بذل جهده واستعان بربه في تتميمه وتكميله وإتقانه ويقايس بين منن الله عليه وبين تقصيره هو في حق الله فإن ذلك يوجب الحياء لا محالة، والحرمان كل الحرمان أن يغفل العبد عن هذا الأمر ويشابه قوماً نسوا الله وغفلوا عن ذكره والقيام بحقه وأقبلوا على حظوظ أنفسهم وشهواتها فلم ينجحوا ولم يحصلوا على طائل.ومن منزلة المحاسبة يصح له نزول منزلة التوبة لأنه إذا حاسب نفسه، عرف ما عليه من الحق، فخرج منه، وتنصل منه إلى صاحبه، وهي حقيقة التوبة فكان تقديم المحاسبة عليها لذلك أولى. بل لا تكون محاسبة بلا توبة. يقول ابن القيم رحمه الله: التحقيق أن التوبة بين محاسبتين: محاسبة قبلها، تقتضي وجوبها، ومحاسبة بعدها، تقتضي حفظها، فالتوبة محفوفة بمحاسبتين، وقد دل على المحاسبة قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد} فأمر سبحانه العبد أن ينظر ما قدم لغد، وذلك يتضمن محاسبة نفسه على ذلك، والنظر هل يصلح ما قدمه أن يلقى الله به أو لا يصلح؟ للعرض الأكبر {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية}.

954

| 02 يوليو 2014

منزلة البصيرة

ذكرنا في مقال البارحة أن البصيرة كما قال ابن القيم على ثلاث درجات، من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد وتحدثنا عن النوع الأول وهو: البصيرة في الأسماء والصفات.ثانيا: البصيرة في الأمر والنهي: المؤمن الذي ألقي في قلبه نور، فرأى به الحق حقاً والباطل باطلاً، لا يتأثر لا بتقاليد ولا بعادات ولا بأهواء، فإذا وجد من يعبد الدينار أو الدرهم أو الموضة أو غير ذلك، رجع إلى أمر الله ونهيه؟ وعاش بينهما ليدرك ما الواجب فعله وما الواجب تركه، إذن المؤمن يرى أن أوامر الله وطاعته هي أثمن شيء، أما غير المؤمن يرى العادات والتقاليد السائدة معيارا للأوامر والنواهي، فغير المؤمن إمعة. يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، وكل إنسان يقول لك: هكذا الناس، هكذا نشأنا، هكذا جميع الناس، كلهم على خطأ. هذا أعمى البصيرة، قال تعالى:﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فليس في حياة المؤمن تقليد أو هوى ولا شبهة. تحول بينه وبين طاعة الله، ولا شهوة تمنع تنفيذ أمر الله، ولا تقليد يريحه عن بذل الجهد في تلقي الأحكام من مشكاة النصوص، هذه بصيرة الأمر والنهي.ثالثا: بصيرة الوعد والوعيد: وهي أن تشهد قيام الله على كل نفس بما كسبت في الخير والشر، عاجلا وآجلا، في دار العمل ودار الجزاء، وأن ذلك هو موجب إلهيته وربوبيته، وعدله وحكمته، فإن الشك في ذلك شك في إلهيته وربوبيته، بل شك في وجوده، فإنه يستحيل عليه خلاف ذلك، ولا يليق أن ينسب إليه تعطيل الخليقة، وإرسالها هملا، وتركها سدى، تعالى الله عن هذا الحسبان علوا كبيرا.إن المؤمن الحق يستعين على حياته بربه، ويدرك أن المصائب إما مكفرة لذنوب مضت أو رافعة للمرء بين يدي الله يوم العرض. لذا يؤمن أن الله لا يترك ظالما إلا لحكمة، فالظالم والمرابي والقاتل والزاني وكل من أجرم من حق نفسه وحق غيره حتما ينتقم الله للمظلوم من الظالم فالمؤمن الصادق يرى مصائب الناس، يرى المرابي لابد من أن يهلك، يرى الزاني لابد من أن يهلك، يرى الذي يأكل المال الحرام لابد من أن يهلك، يرى الذي يعتدي على حقوق الناس لابد من أن ينتقم الله منه، كل منحرف لابد من أن يدفع الثمن باهظاً، يرى النتائج، يكاد المؤمن يرى ما سيكون، لا عن علم بالغيب، هذا مستحيل، ولكن عن علم بقوانين الله عز وجل وإيمانا بالوعد والوعيد فالصالح له أجره وفضله والفاسد له عقابه ووزره.﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾.

1535

| 01 يوليو 2014

منزلة البصيرة

العرب تقول: رجل صاحب بصر نافذ، أي أنه يرى جيدا، فالبصر يري الإنسان ظاهر الأشياء، أما البصيرة تريك حقائق الأشياء، فالمؤمن إذن من يملكُ البصيرة، وهذا هو الفارق بينه وبين غيره الذي لا يملكُ إلا البصر، البصيرة معناها: نور يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرسل، كأنه يشاهده رأي عين، فيتحقق مع ذلك انتفاعه بما دعت إليه الرسل، وتضرره بمخالفتهم، وهذا معنى قول بعض أهل العلم: البصيرة تحقق الانتفاع بالشيء والتضرر به، وقال بعضهم: البصيرة ما خلصك من الحيرة، إما بإيمان وإما بعيان.يقول الإمام ابن القيم: البصيرة على ثلاث درجات، من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرة في الأسماء والصفات، وبصيرة في الأمر والنهي، وبصيرة في الوعد والوعيد. أولا: البصيرة في الأسماء والصفات: ألا يتأثر إيمانك بشبهة تعارض ما وصف الله به نفسه، ووصف به رسوله، بل تكون الشبهة المعارضة لذلك عندك بمنزلة الشبهة والشكوك في وجود الله، فكلاهما سواء في البلاء عند أهل البصائر.ويتحقق ذلك بأن يشهد قلبك الرب تبارك وتعالى مستويا على عرشه، متكلما بأمره ونهيه، بصيرا بحركات العالم علوية وسفلية، وأشخاصه وذواته، سميعا لأصواتهم، رقيبا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمر الممالك تحت تدبيره، نازل من عنده وصاعد إليه، وأملاكه بين يديه تنفذ أوامره في أقطار الممالك، موصوفا بصفات الكمال، منعوتا بنعوت الجلال، منزها عن العيوب والنقائص والمثال، هو كما وصف نفسه في كتابه: حي لا يموت، قيوم لا ينام، عليم لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، بصير يرى دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. السوداء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. نكمل إن شاء الله غدا أنواع البصيرة.

8162

| 30 يونيو 2014

منازل السائرين إلى الله في رمضان

يأتي رمضان من كل عام يتدرب المسلم فيه على الطاعة، ليستقيم سلوكه الظاهر من إثر صلاح الباطن، وحتى يصل العبد إلى الله سليما صالحا لابد له أن ينزل في منازل السائرين إلى الله رب العالمين، وأول منزلة نقف عندها: منزلة اليقظة، واليقظة هي: هي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين. فمن أحس بها فقد أحس بالفلاح، وإلا فهو في سكرات الغفلة فإذا انتبه شمر لله بهمته إلى السفر إلى منازله الأولى، وأوطانه التي سبي منها. فحي على جنات عدن فإنها.. منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى.. نعود إلى أوطاننا ونسلم إن أخطر مرض يصيب الإنسان في الدنيا: أن يكون غافلاً عن الله، غافلاً عن نهاية الحياة، غافلاً عن الآخرة. قال تعالى:﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾الله عزَّ وجل لا يخلق الغفلة في قلب العبد، ولكن أغفل: معناها وجدناه غافلاً. قال تعالى:﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ إن القلب إذا حدثت له اليقظة أوجبت له اليقظة الفكرة وهي تحديق القلب نحو المطلوب الذي قد استعد له مجملا، ولما يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه.يقول ابن القيم رحمه الله: إذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة، فهي نور في القلب يبصر به الوعد والوعيد، والجنة والنار، وما أعد الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه، فأبصر الناس وقد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحق، وقد نزلت ملائكة السماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، وقد نصب كرسيه لفصل القضاء، وقد نصب الميزان، وتطايرت الصحف، واجتمعت الخصوم، وتعلق كل غريم بغريمه، ولاح الحوض وأكوابه عن كثب، وكثر العطاش وقل الوارد، ونصب الجسر للعبور، وقسمت الأنوار دون ظلمته للعبور عليه، والنار يحطم بعضها بعضا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف الناجين. فتنفتح في قلبه عين يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهد من شواهد الآخرة يريه الآخرة ودوامها، والدنيا وسرعة انقضائها.

1039

| 29 يونيو 2014

حتى لا تضيع القيم

في زحمة الأحداث وتبدل الآراء وتغير المفاهيم وتدخل الأهواء رغبا أو طمعا، وتخرس الألسنة طوعا أو كرها؛ ساعتها تضيع القيم ويصير ما يخرج في منتصف الليل شمسا، وما يعانق السماء في وضح النهار قمرا أو نجما، يصبح الخائن أمينا والكاذب صدوقا! وقليل من الناس من يثبت على الحق، لكن بهذا القليل ينصر الله هذا الحق.خرج كعب بن الأشرف في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحد، ليحالفوا قريشاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزل كعب على أبي سفيان، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكراً منكم، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين، وآمن بهما. فذلك قوله:(يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّاغُوتِ) ثم قال كعب لأهل مكة: ليجيءْ منكم ثلاثون ومنا ثلاثون، فنلزق أكبادنا بالكعبة ونعاهد رب البيت لنجهدن على قتال محمد. ففعلوا ذلك، فلما فرغوا قال أبو سفيان لكعب: إنك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أميون لا نعلم، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب إلى الحق، أنحن أم محمد؟ فقال كعب: اعرضوا عليَّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحجيج الكَوْمَاء، ونسقيهم الماء، ونَقْرِي الضيف، ونفك العاني، ونصل الرحم، ونعمر بيت ربنا، ونطوف به، ونحن أهل الحرم؛ ومحمد فارق دين آبائه، وقطع الرحم، وفارق الحرم؛ وديننا القديم، ودين محمد الحديث. فقال كعب: أنتم والله أهدى سبيلاً مما هو عليه، فأنزل الله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}!!! يعني كعباً وأصحابه، ويمضي سياق هذه السورة الكريمة في التعجب من أمر أولئك الذين يزكون أنفسهم بينما هم يؤمنون بالباطل وبالأحكام التي لا تستند إلى شرع الله، وليس لها ضابط منه يعصمها من الطغيان.إن الحتمية العقلية لتفرض أن يكون الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، أولى الناس أن يتبعوه، وأن يكفروا بالشرك الذي يعتنقه من لم يأتهم من الله هدى، ولكنه النقيض وهذا ديدن أهل الباطل، يزكون أنفسهم، ويتباهون بأنهم أحباء الله، وهم في الوقت ذاته يحاربون الله بالمعاصي، منقادين للباطل والشرك لاهثين خلف الكهانة والكهان الذين يشرعون لهم ما لم يأذن به الله. والعجيب أنهم كانوا يرددون قولتهم الكاذبة: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً!! ومضى القوم في غيهم والله يمكر بهم، حتى حفر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه حول المدينة الخندق، وكفى الله شرهم {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً. وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً}.ليس العجيب من اليهود أن يقولوا لكفار مكة ذلك، فهذا شأنهم وتلك عقيدتهم، وهذا موقفهم دائماً من الحق ومن أهله، فالقوم أصحاب أطماع لا تنتهي، وأهواء لا تعتدل، وأحقاد لا تزول!وإنما العجب كله أن يعتقد بعض بني جلدتنا أن إخوانهم الذين شاركوهم المساجد والدعوة، وأفنوا أعمارهم في سبيل رفعة دين الله عز وجل، وبذلوا في سبيله الغالي والنفيس، أضر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى!!! أو ممن يتحدثون بكل لسان ويتلونون بكل الألوان، إن من شاركك محنتك وألمك، وشاركك قبلتك ومسجدك، أولى الناس بك إنْ كنت حقا شريكا له.

1277

| 13 يونيو 2014

الإيمان الممتحن

الإيمان اعتقاد يسكن الضمير الإنساني ، ويستوطن القلوب الصادقة ليتخذ منها محلا وموطنا، لكنه - يأبى متى ما كان صاحبه مكتملا إيمانه صادقا في دعوته - أن يرى الشر قائما ولا ينكره ، أو يرى المعروف مهدرا ولا يأمر به، ويبقى الجميع قبل الامتحان متفاوتي الاعتقاد ، لكن بعد الابتلاء وحين تمتحن الأجساد بالسياط أو الأموال بالسلب أو العقول باللامعقول ، حين يمتحن الإنسان ليقول عن الحق باطلا وعن الخبيث طيبا ساعتها يعرف المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، كما يعرف المؤمن بالله حقا من المؤمن بالأموال والبنين والشهوات والجاه . إن الإيمان -كما قال أهل العلم - ليست كلمة تقال باللسان ولا بيانا يشار إليه بالبنان، كما أنه ليس شعارا يتبع أو ضياء يبرق ساعة ليختفي أعواما! لا .... إنه حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى تحمل . فلا يكفي الناس أن يقولوا : آمنا ؛ وهم لا يؤيدون هذه الدعوى ببرهان جلي يدللون بها على دعواهم، إن الإيمان طريقه ليس مفروشا بالورود بل بالأشواك حتى يتبين الخبيث من الطيب وحتى يخرج منه أتباعه صافية عناصرهم خالصة قلوبهم . كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب المؤمنة كما قال تعالى ،{ولقد فتنا الذين من قبلهم ، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}. لذا استحق أهل الإيمان الحق : رحمة الله عز وجل ، فهي ثمرة من ثمار الاعتصام متى صح الإيمان، ومتى عرفت النفس حقيقة الله وعرفت حقيقة عبودية الكل له . فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده . {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} فهو وحده صاحب السلطان والقدرة والخلق إليه مفتقر .إن الإيمان الذي به يستمطر رحمة الله هو الإيمان الذي به تنتظم حياة الإنسان انتظاما لحياة المجتمع، فالمؤمن الحق يؤمن بحقيقة أكيدة أنه عبد مذلل لسيده وفقط ، هو عبد لا لحجر ولا شجر ولا بشر ولا بقر فلا يهاب البشر مهما اختلفت درجاتهم لأنه ليس عبدا لأي منهم ، بذا يجعله الإسلام سيد نفسه كلمته حره ورأيه مصون ، وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام الإيمان - كما جاء به الإسلام - هذا النظام الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده . إنه الإيمان الذي تتجلى فيه حقيقة القدرة الإلهية فتجعل من صاحبها ملكا وإن لم يعرف الملكية ولا أبوابها ، إنه يميت في صاحبه الضعف الإنساني والخور الفطري ليجعل منه واحدا لا يرهب في ذات الله أحدا ولا يعظم مع أعداء دينه بشر. وقصة واحدة من تراثنا الزاخر تبرز لنا حقيقة هذا الإيمان المتجلى في هذه الصفوة المؤمنة الصابرة في " الصحيحين " عن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن جده قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت، فإذا أنا بين غلامين من الانصار حديثة أسنانهما، فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما. فغمزني أحدهما، فقال: يا عم ! أتعرف أبا جهل ؟ قلت: نعم. وما حاجتك ؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده إن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا. فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال مثلها، فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل وهو يجول في الناس. فقلت: ألا تريان ؟ هذا صاحبكما. يقول معاذ بن عمرو: جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني. فلما أمكنني، حملت عليه، فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه. وضربني ابنه عكرمة بن أبي جهل على عاتقي، فطرح يدي وبقيت معلقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي. فلما آذتني، وضعت قدمي عليها وانتزعتها. لا شيء غير الإيمان هو الذي يصنع هؤلاء الرجال الذي يسطرون الحق بمداد من دمائهم، والذين يثبتون عند الشدائد .

955

| 04 يونيو 2014

alsharq
هل سلبتنا مواقع التواصل الاجتماعي سلامنا النفسي؟

ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع...

4971

| 15 فبراير 2026

alsharq
«تعهيد» التربية.. حين يُربينا «الغرباء» في عقر دارنا!

راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة...

1959

| 12 فبراير 2026

alsharq
الطلاق.. جرحٌ في جسد الأسرة

الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي...

912

| 12 فبراير 2026

alsharq
المتقاعدون.. وماجلة أم علي

في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...

813

| 16 فبراير 2026

alsharq
التحفظ على الهواتف في الجرائم الإلكترونية

لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...

753

| 16 فبراير 2026

alsharq
التأمين الصحي 2026

لقد طال الحديث عن التأمين الصحي للمواطنين، ومضت...

705

| 11 فبراير 2026

alsharq
من 2012 إلى 2022

منذ إسدال الستار على كأس العالم FIFA قطر...

627

| 11 فبراير 2026

alsharq
الموظف المنطفئ

أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...

564

| 16 فبراير 2026

alsharq
بين منصات التكريم وهموم المعيشة

في السنوات الأخيرة، أصبحنا نلاحظ تزايدًا كبيرًا في...

543

| 12 فبراير 2026

alsharq
ما هي الثقافة التي «ما منها خير»؟

في زمن السوشيال ميديا، أصبح من السهل أن...

468

| 12 فبراير 2026

alsharq
سورة الفاتحة.. قلب القرآن وشفاء الأرواح

تحتل سورة الفاتحة مكانة فريدة في القرآن الكريم،...

459

| 13 فبراير 2026

alsharq
حروب ما بعد الحرب!

الحرب هي القتال والصراع ومحاولة إلحاق الأذى بالعدو...

450

| 13 فبراير 2026

أخبار محلية