رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الظلم نار فلا تحقر صغيرته لعل جذوة نار أحرقت بلداً

ضعف فقوة فضعف، تلك مراحل الإنسان مجتمعة، وربما لاشتراكهم جميعا في ضعفهم الأول غاب عنهم الظلم، فكل مولود في حاجة إلى معين يقلبه ويحمله ويطعمه ويمسح عنه، وهنا لا يشتكي الأقران من بعض، لكنها أشهر قليلة وبعدها يمنح الباري بقدرته أهل الضعف قوة تمتد عبر حياتهم، لكن ما إن يرزق البعض القدرة أو بعضها إلا وينسى من كان جاره الذي لم يؤذه، فيبدأ البعض حالة الاستعباد لمن حوله، فيقهر هذا ويتسلط على غيره، ويعطي نفسه الحق في ظلم الناس بل واستباحة أعراضهم، فيتحول الناس بعدها إلى ظالم ومظلوم، وجبار ومستضعف، وهنا تأتي المفارقة العجيبة؛ الجبار المتكبر في الأرض بغير حق، له شركاء كثر يمدونه بما يعينه على ظلمه وتسلطه، بينما لا يجد المستضعف له من أهل الأرض نصيرا إلا من ندر! وعدل الله القائم يأبى أن تضيع الحقوق، فتوعد أهل البغي والضلال ممن استذلوا رقاب الناس بالانتقام منهم: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) لكن هذه اللغة لا يفهمها الطغاة حروفا، بل يفهمونها صواعق تقتلعهم من جذورهم ( فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) إنهم حمقى ولن يفلحوا ( إنه لا يفلح الظالمون ) وظلمهم يمدهم في غيهم ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) فلا تعجب من هلاكهم ( هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ) ولا تبصرهم بمقاعدهم فهم سائرون إليها (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) ولا تغتر بكثرة من حولهم ممن على شاكلتهم، ممن غرتهم وعودهم، ومنحوهم أمانيهم حتى صدقوا أكاذيبهم وما انتبهوا إلى قوله -جل شأنه-:( بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا) بل إن صح أن نحزن فالحزن على من تبعهم، وصدقهم، وصار في ركابهم، وتولاهم واستضعف أهل الصلاح؛ لأنه قد صار مثلهم "وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"، وكلما ضاق عليك صدرك انظر إليهم ساعة الموت (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) أو استمع إليهم ساعة الحساب (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) وقد صدق ميمون بن مهران حين قال: (الظالم والمعين على الظلم والمحب له سواء ). أما والله إن الظلم شؤم وما زال الظلوم هو الملوم إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم ستعلم في المعاد إذا التقينا غداً عند المليك من الظلوم لكل مكلوم، ولكل مظلوم، ولكل مستضعف، لا تتعجل على هلاك من ظلمك، ولا تظن بربك ظن سوء، لن يهمل الله ظالما قط، ومن شك في ذلك فليراجع عقيدته.أيها المظلوم صبراً لا تهن إن عين الله يقظى لا تنام نم قرير العين واهنأ خاطراً فعدل الله دائم بين الأنام وإن أمهل الله يوماً ظالماً فإن أخذه شديد ذو انتقام

3992

| 04 فبراير 2015

فتش عن المعدن النفيس

تأبى أعاصير الحياة إلا أن تعصف برواسخ كنا نتوهمها، وعظائم كنا نظنها، تأتي الأعاصير على تلك الأوهام المدعاة فتنخلها نخلا، كما تفعل النار بالمعدن النفيس، لا تستريح أو لا تهدأ حتى تنقيه من كل شوائبه، مهما كانت وثيقة الصلة به، لترى بعينيك النفيس خسيسا والعزيز ذليلا والصديق عدوا والقريب بعيدا، وتكتشف بعد فترة يسيرة من هذا البلاء أن رصيدك لم يعد لك، ورفيقك قد ثار عليك، وتتذكر حينئذ قول الشاعر العربي علي بن فضل المجاشعي القيراوني:وإخوانٍ حسبتُهم دروعاً فكانوها ولكن للأَعَاديوخلتُهم سهاما صائبات فكانوها ولكن في فؤاديوقالوا قد صَغَت منّا قلوبٌ لقد صدقوا ولكن عن وداديوقالوا قد سعينا كل سعي لقد صدقوا ولكن في فسادلكن؛ هل خلت الدنيا من نفائس المعادن أم لا زال منها بقية!البقية قائمة وموجودة، والخير لا ينقطع في أمة محمد، وستبقى الأخوة في الحق، الأخوة التي لا تحمل إلا معنى العطاء بلا ثمن، والجود من غير منة أو ادعاء كرم، الأخوة التي تعني مرافقتك من تحب في الضراء قبل السرّاء، وفي البلاء قبل العطاء، الأخوة التى قد تدفع الأخ إلى الإضرار بنفسه أحيانا ليدفع ضررا أعظم عن أخيه؛ ملتمسا الأجر من الله عز وجل، باذلا النصح والمال والجهد في سبيل استنقاذه، كما قال الشاعر:إِنَّ صَدِيقَ الحقِّ مَنْ يَمْشِي مَعَــكْ ******وَمَـنْ يَضُـرُّ نَفْسَــهُ لِيَنْفَعـَكْوَمَـنْ إِذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَّعَـكْ ****** شَتَّـتَ فِيكَ شَمْلَـهُ لِيَجْمَعَـكْإنها مفهوم آخر غير هذا المفهوم السطحي المتداول على أرصفة التافهين، إنه مفهوم راق لقوم جمعتهم الأخوة الحقة حتى لكأنهم أرواح متعددة في جسد حي، إنهم لم يغلفوا الأخوة بالألفاظ البراقة الخداعة التي تجمل عند الرخاء وتذهب أدراج الرياح عن الضراء، بل هي كما قال الشاعروَلَيْـسَ أَخِي مَـنْ وَدَّنِـي بِلِسَانِـهِ **** وَلَكِنْ أَخِي مَنْ وَدَّنِـي وَهُوَ غَائِـبُوَمَنْ مَالُـهُ مَالِي إِذَا كُنْتُ مُعْـدِمًـا **** وَمَالِـي لَـهُ إِنْ أَعْوَزَتْهُ النَّـوَائِـبُإنها إذا لذة في الحياة يفتقدها من لم يستشعر حنينها، ولم يستلذ بطعمها، ولم يتذوق حلاوتها، فما قيمة الحياة بغير أخ لك في الله يسدد خطاك، ويقوي ظهرك، ويرد غيبتك، وإذا خلا بربه في جوف الليل استقبل ليله بالدعاء لك، دون أن تطلب منه ذلك، أو يخبرك هو بذاك، لأنه في جوف ليله يستمتع بدعائه لأخيه كما يستمتع بدعائه لنفسه وربما أكثر، لأنه يوقن في قرارة نفسه أن الأخوة سمو وارتفاع كما قال الشاعر: وَمَـا المَـرْءُ إِلَّا بِـإِخْـوَانِــهِ ****** كَمَـا يَقْبِـضُ الكَفُّ بِالمِعْصَـمِوَلَا خَيْـرَ فِـي الكَفِّ مَقْطُوعَـةٌ*****وَلَا خَيْـرَ فِـي السَّاعِدِ الأَجْـذَمِومن أبلغ ما قيل في تجسّيد الأخوة الحقة هذه الأبيات لشاعر عربي حدث بينه وبينه أخ له في الله جفوة فافترقا بعد طول عشرة، فقال متألما على ذلك:أبلِغ عَزيزاً في ثنايا القلبِ مَنزله ****** أني وإن كُنتُ لا ألقاهُ ألقاهُوإن طرفي موصولٌ برؤيتهِ ***** وإن تباعد عَن سُكناي سُكناهُياليته يعلمُ أني لستُ أذكرهُ***** وكيف اذكرهُ إذ لستُ أنساهُيامَن توهم أني لستُ أذكرهُ******واللهُ يعلم أني لستُ أنساهُإن غابَ عني فالروحُ مَسكنهُ******مَن يسكنُ الروح كيف القلبُ ينساهُ؟وهنا قصة واقعية حدثت لشاب ثري تعيد لنا معاني الأخوة المفتقدة، فقد ذكروا أن شابا ثريا ثراء عظيماً ، وكان والده يعمل بتجارة الجواهر والياقوت، وكان الشاب يؤثر على اصدقائه أيما إيثار، وهم بدورهم يجلّونه ويحترمونه بشكل لا مثيل له، ودارت الايام دورتها ويموت الوالد وتفتقر العائلة افتقارا شديدا فقلب الشاب أيام رخائه ليبحث عن اصدقاء الماضي، فعلم ان أعز صديق كان يكرمه ويؤثر عليه، وأكثرهم مودةً وقرباً منه قد منّ الله عليه بالمال الوفير، حتى غدا من أصحاب القصور والاملاك والضياع والاموال، فتوجه اليه عسى ان يجد عنده عملاً أو سبيلاً لإصلاح حاله فلما وصل باب القصر استقبله الخدم والحشم فذكر لهم صلته بصاحب الدار وما كان بينهما من مودة قديمة، فذهب الخدم فأخبروا صديقه بذلك، فنظر اليه ذلك الرجل من خلف ستار ليرى شخصا رث الثياب عليه آثار الفقر فلم يرض بلقائه وأخبر الخدم بان يخبروه ان صاحب الدار لا يمكنه استقبال أحد!! فخرج الرجل والدهشة تأخذ منه مأخذها وهو يتألم على الصداقة كيف ماتت وعلى القيم كيف تذهب بصاحبها بعيدا عن الوفاء وتساءل عن الضمير كيف يمكن ان يموت وكيف للمروءة ان لا تجد سبيلها في نفوس البعض.. ومهما يكن من أمر فقد ذهب بعيدا ..... وقريبا من دياره صادف ثلاثة من الرجال عليهم أثر الحيرة وكأنهم يبحثون عن شيء فقال لهم: ما أمر القوم؟ قالوا له نبحث عن رجل يدعى فلانا ابن فلان وذكروا اسم والده فقال لهم انه أبي وقد مات منذ زمن فحوقل الرجال وتأسفوا وذكروا أباه بكل خير، وقالوا له إن اباك كان يتاجر بالجواهر وله عندنا قطع نفيسة من المرجان كان قد تركها عندنا امانة فاخرجوا كيسا كبيرا قد ملئ مرجانا فدفعوه اليه ورحلوا والدهشة تعلوه وهو لا يصدق ما يرى ويسمع ولكن...اين اليوم من يشتري المرجان فان عملية بيعه تحتاج الى اثرياء والناس في بلدته ليس فيهم من يملك ثمن قطعة واحدة، مضى في طريقه وبعد برهة من الوقت صادف امرأة كبيرة في السن عليها آثار النعمة والخير فقالت له يا بني اين اجد مجوهرات للبيع في بلدتكم فتسمر الرجل في مكانه ليسألها عن اي نوع من المجوهرات تبحث؟ فقالت اي احجار كريمة رائعة الشكل ومهما كان ثمنها، فسألها ان كان يعجبها المرجان؟ فقالت له نعم المطلب فأخرج بضع قطع من الكيس فاندهشت المرأة لما رأت فابتاعت منه قطعا ووعدته بأن تعود لتشتري منه المزيد وهكذا عادت الحال الى يسر بعد عسر وعادت تجارته تنشط بشكل كبير فتذكر بعد حين من الزمن ذلك الصديق الذي ما ادى حق الصداقة فبعث له ببيتين من الشعر بيد صديق جاء فيهما: صحبت قوما لئاما لا وفاء لهم ****** يدعون بين الورى بالمكر والحيلكانوا يجلونني مذ كنت رب غنى ****** وحين افلست عدوني من الجهل فلما قرأ ذلك الصديق هذه الابيات كتب على ذات الورقة ثلاثة ابيات وبعث بها اليه جاء فيها:أما الثلاثة قد وافوك من قبلي ****** ولم تكن سببا الا من الحيلأما من ابتاعت المرجان والدتي ***** وانت أنت أخي بل منتهى امليوما طردناك من بخل ومن قلل ***** لكن عليك خشينا وقفة الخجل !هكذا إذا: ستظل المعادن موجودة لكن المعدن النفيس يبقي قليلا ويحتاج إلى من يفتش عنه جيدا.

2286

| 21 يناير 2015

ومَنْ رَعَى غَنَماً في أَرْضِ مَسْبَعَةٍ ... ونامَ عَنْها تَوَلَّى رَعْيَها الأَسَدُ

لأبي مسلم الخراساني أبيات غاية في الروعة، تظهر لك مع روعة الكلمات عمق العبارات، سأله يوما أحد جلسائه قائلا: بأي شيء أدركت ما أدركت؟ قال: ائتزرت بالحزم، وارتديت بالكتمان، وحالفت الصبر، وساعدني القدر، فأدركت مرادي، وحزت ما في نفسي، ثم أنشد هذه الأبيات.أَدْرَكْتُ بالحَزْمِ والكِتْمان ما عَجَزَتْ *** عنه مُلُوكُ بني مَرْوانَ إِذْ حَشَدُوا ما زِلْتُ أَسْعَى عليهمْ في دِيارهُمُ *** القَوْمُ في مُلْكِهِمْ في الشَّام قَدْ رَقَدُوا حتَّى ضَرَبْتُهُم بالسَّيفِ فانْتَبَهُوا *** مِن رَقْدَةٍ لَمْ يَنَمْها قَبْلَهُمْ أَحَدُ ومَنْ رَعَى غَنَماً في أَرْضِ مَسْبَعَةٍ ***ونامَ عَنْها تَوَلَّى رَعْيَها الأَسَدُ إن الناظر في المجتمعات يجد أنها تنقسم فيما بينها إلى نخبة وعوام، وعلى النخبة عادة مسؤولية النهوض بالمجتمع وعلى المجتمع كذلك الالتزام والتعايش والتعاون، فالكل إذن مسؤول فردا أو مؤسسة أو جماعة، لكن ومن خلال الأحداث والأزمات التي تقع على الأمة نجد أن المسار الفكري ينحرف في اتجاه لوم زيد أو عبيد، وإلقاء التهم صحيحة كانت أو خطأ على هذا أو ذاك، دون أن تنحرف البوصلة إلى الذات، دون أن تكون هناك مراجعة ذاتية ومحاسبة وتحمل للمسؤولية، فليس العيب في الخطأ وإنما العيب في عدم الاستفادة من الخطأ بمراجعة أسبابه وتقويم اعوجاجه والنهوض بالمسؤولية التي أوجبها الإسلام على كل مسلم. كما أن الناظر في الشريعة الإسلامية يجد النبي صلى الله عليه وسلم يبين صراحة أن كل فرد مسؤول ومحاسب أيا كان حجمه في المجتمع الذي يعيش فيه، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته؛ الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته ) . قال وحسبت أن قد قال ( والرجل راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته وكلكم راع ومسؤول عن رعيته }إن هذا الحديث المتفق عليه يبين بجلاء أهمية الدور الذي ينبغي أن يلعبه كل فرد في المجتمع حماية لنفسه وحفاظا على أهله وصيانة لمجتمعه، ولهذه الرعاية أهمية في الأمان المجتمعي والديني والسياسي والاقتصادي والتربوي للشعوب، ولأهميتها بدأ بها النبي صلى الله عليه وسلم حديثه وختمه بها إذ قال في البدء (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وختمها: (وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)، وفصل فيما بين ذلك نماذج أربعة: النموذج الأول هو حديث عن النخبة أو القادة، والبقية حديث عن المجتمع بكافة أشكاله.النموذج الأول: الإمام الذي هو رأس هرم الدولة والذي هو القائد العام لها، مسؤول عن هذه الأمانة في يوم لن ينفعه فيها أحد، ولا يبتعد عن هذا الوصف أهل الفكر وعلماء الشرع وكل متبوع، فهم القدوة وهي وصف لازم للإمام، والمتتبع للفظ الإمام في القرآن يجد أنها تنصرف لأهل القيادة سواء كان الاقتداء بهم في الخير أو كان في الشر، قال الله تعالى عن فرعون وقومه: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} وقال عن ذرية نبي الله إبراهيم: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} فأخبر بأنهم أئمة يقتدى بهم في الخير، وقال في بني إسرائيل: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} . وحكى الله تعالى عن المؤمنين أنهم دعوا وقالوا في دعائهم: {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} فكل ما ذكر أئمة ينبغي أن يؤدوا حق الله في رعيتهم، ولا شك أن أمانة الرعية خطيرة وشديدة .ثم الصنف الثاني وهو الرجل على أهل بيته، إنه المجتمع الصغير المكون من زوجة وأبناء وأنفس في حجر هذا الرجل، هو مسؤول عنهم بين يدي الله وماذا قدم لهم؟ إن كثيرا من الآباء يهتم بالمظهر على الجوهر فتجده يهتم بنمو ولده بدنيا ولا يهتم بنمو تدينه وعقله، يستثمر له وكان خيرا له أن يستثمر فيه ليكون غدا قائدا ومعلما وموجها ومربيا، وفوق ذلك كله ليكون بعيدا عن نار تلظى وجحيم تسعر.إن البعض يتهرب من المسؤولية بوضع ولده في مدرسة هنا أو جامعة هناك ظنا بذلك أنه أدى ما عليه، والمدرسة والجامعة على فضلها وأثرها - إن كانت سليمة المعتقد محصنة الفكر!!! - لا تخرج وحدها الأنموذج المبتغى، بل إنه البيت هو مصنع الرجال إذا أحسن هو وزوجه على حد سواء الاهتمام والرعاية والتربية فهي معه مسؤولة عنهم .لا يحق للمسلم أن يضيع من يعول أو أن يجعل من الذئب حارسا للغنم في يوم كثرت فيه الذئاب وتلونت وتعددت وشكلت خطرا يفوق خطر السباع الضارية، إن ذئاب عصرنا أضحت في الشوارع والصحائف والجرائد والإعلام ودخلت لتشاركنا أبناءنا فاقتحمت بيوتنا عن رضا منا أحيانا وعن كره أحيانا أخرى.وليس من الصواب أن يدفن الرجل رأسه في الرمل أو يدعي أنه لا حيلة له على فعل شيء تاركا سفينته تسير إلى الهاوية. لقد عاب القرآن هذا المسلك، حين أقر الضعفاء بالعجز والاستكانة والخنوع والذلة وساروا خلف الظالمين والفاسدين في الأرض حتى هلكوا جميعا وتشاركوا العذاب .{ وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ* وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.وقال أيضا {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ }. " إن الأمان الاجتماعي والاستقرار النفسي لا يأتينا بجرة قلم بل لا بد من صنعه بأيدينا ونحن في معركة الحياة لا نلقي باللائمة على غيرنا ونحن عجزة عن فعل ما يقينا ويقيهم شر كل ذي شر.

39378

| 07 يناير 2015

أثمن من كنز المال معرفة الرجال

في تاريخنا العربي ميراث ثقافي هائل، البحث فيه لا يعد ترفا فكريا بقدر ما يعد بناء معرفيا وخلقيا، ومن المواقف التي ينبغي تأملها وإلقاء الضوء عليها: البحث عن الرجال، والرجل هنا ليس بمعناه الذكوري ولا الجهوي، إنه بمعناه الديني، إنه الرجل الذي يبحث عنك في صفوف الصالحين، ويتفقدك بين قوافل الطائعين، ويدفعك إلى مصاف العلماء أو التابعين، إنه من يحرص على سلامة آخرتك قبل دنياك، هذا الرجل كان محط بحث العقلاء، وقد ذكر الأبشيهي في كتابه الماتع (المستطرف) أنموذجا حيا يجسد تلك الفكرة، يقول الأبشيهي: عن الفضل بن الربيع أنه قال: حج هارون الرشيد، فبينما أنا نائم ليلة إذ سمعت قرع الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعاً فإذا هو أمير المؤمنين، فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك. فقال: ويحك قد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلا عالم، انظر لي رجلاً أسأله. فقلت له: ههنا سفيان بن عيينة. قال: امض بنا إليه. فأتيناه فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك. فحادثه ساعة ثم قال: عليك دين؟ قال: نعم.فقال هارون: يا عباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، فانظر لي رجلاً أسأله.فقلت: ههنا عبد الرزاق بن همام، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟قلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعاً، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليَّ أتيتك، فحادثه ساعة، ثم قال له: أعليك دين؟ قال: نعم. فقال: يا عباس اقض دينه، ثم انصرفنا. فقال: ما أغنى عني صاحبك شيئاً، فانظر لي رجلاً أسأله،فقلت: ههنا الفضيل بن عياض، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي في غرفته يتلو آية من كتاب الله تعالى وهو يرددها، فقرعت عليه الباب، فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله، أو ما عليك طاعته؟ فقال: أوليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ليس للمؤمن أن يذل نفسه؟ فترل ففتح الباب ثم ارتقى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي، فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله، فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلامٍ نقي من قلب تقي.فقال: خذ لما جئنا له يرحمك الله. فقال: وفيم جئت؟! حطَبت على نفسك وجميع من معك حطبوا عليك، حتى لو سألتهم عند انكشاف الغطاء عنك وعنهم أن يتحملوا عنك شقصاً من ذنب ما فعلوا، ولكان أشدهم حباً لك أشدهم هرباً منك.ثم قال إن عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، لما ولى الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة، فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليَّ، فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال سالم بن عبد الله إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا وليكن إفطارك فيها على الموت، وقال محمد بن كعب إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى، فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا، فبرّ أباك وارحم أخاك وتحنن على ولدك.وقال رجاء بن حيوة إن أردت النجاة غدا من عذاب الله تعالى فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم متى شئت مت وإني لأقول هذا وإني لأخاف عليك أشد الخوف يوم تزل الأقدام، فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء القوم من يأمرك بمثل هذا، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت له: ارفق يا أمير المؤمنين، فقال يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك وأرفق به أنا، ثم أفاق هارون الرشيد فقال: زدني، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه شكا إليه سهرا، فكتب له عمر يقول: يا أخي اذكر سهر أهل النار في النار وخلود الأبدان، فإن ذلك يطرد بك إلى ربك، نائما ويقظان، وإياك أن تزل قدمك عن هذا السبيل فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء منك، فلما قرأ كتابه طوي البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فقال له: لقد خلعت قلبي بكتابك لا وليت ولاية أبداً حتى ألقى الله عز وجل، فبكى هارون، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك، فإن النبي قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة.فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا، ثم قال له: أعليك دين؟، قال: نعم، دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن ناقشني والويل إن سألني والويل لي إن لم يلهمني حجتي.قال هارون: إنما أعني دين العباد، قال إن ربي لم يأمرني بهذا أو إنما أمرني أن أصدق وعده وأطيع أمره، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، فقال له هارون: هذه ألف دينار فخذها وأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك، فقال: سبحان الله، أنا دللتك على سبيل الرشاد تكافئني أنت بمثل هذا، سلمك الله ووفقك، ثم صمت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فقال لي هارون: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا، فإن هذا سيد المسلمين اليوم.

7714

| 24 ديسمبر 2014

صلاح أمرك للأخلاق مرجعه ** فقوّم النفس بالأخلاق تستقم

يطلق الخلف في اللغة مرادا به: الطبع والسجية والدين والمروءة، وفي الاصطلاح: قوة راسخة في الإرادة تنزع إلي اختيار ما هو خير وصلاح، وإذا نظرنا إلى طبيعة النفس التي خلقها الله نجد أن من صفاتها أنها أمارة بالسوء، تحض صاحبها على فعله {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} ولذلك ذكر أهل العقل والحكمة أن المنتصر في معركة النفس من جاهدها لا من سالمها، لأن طبيعتها التي فطرت عليها تحتاج إلى كبير ترويض، وكثير توفيق، وجهد وعناء، وتحمل للبلاء، يقول بعض السلف: "النفس إذا أكرهتها على شيء مما يحبه الله من صلاة أو صيام أو صدقة أو قيام، فلم تستجب لك، وإلى حسن السير لم تطعك، فعاقبها عقاب من يخاف الفوت، ويخشى عدم اللحوق بالركب، وذلك بألا تطعها في مباح ما تشتهي، فإن ذلك من أفضل الأدوية لها، ومن أقوى الروادع لكبح لجامها، وليس هذا بعسير بيد أنه يحتاج إلى جهد كبير، فأشد من مجاهدة العدو مجاهدة النفس، نبينا -عليه الصلاة والسلام- جعل للذي يملك نفسه عند الغضب من القوة والشدة ما ليس للذي يغلب الناس ويصرعهم فقال: "ليس الشديد بالصرعة، قالوا: فمن الشديد يا رسول الله؟ قال: الذي يملك نفسه عند الغضب "- رواه مسلم في الصحيح، وعندما سأل البصري حسن أي الجهاد أفضل؟ فقال: جهادك نفسك وهواك، وقال الثوري سفيان: ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك به أجر، إنما عدوك نفسك التى بين جنبيك، فقاتل هواك أشد مما تقاتل عدوك، والعلة في ذلك أن الشيء إنما يفضل ويشرف بشرف ثمرته، وثمرة مجاهدة النفس الهداية من الله وأعظم بها من أجر{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} فيا أيتها النفس أنت على جناح سفر، ودارك هذه دار غرور وكدر، والمسافر إذا لم يتزود صالحا ركب متن الخطر، وخير الزاد التقوى كما أنزل على سيد البشر، فجدي السير، وشدي المئزر، وذاك بتجريد عزم التوبة، والتلبس بلباس الأوبة، وملازمة ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات فلا تتركي عمل اليوم لغد، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، إن مجاهدة النفس من أعظم أنواع الجهاد، وإن المرء معها في صراع ما بقيت في دنياه حياه، فإذا قويت عليه أو اقتربت، فلينتبه، فهنا بدأ النزال:سلط عليه سوط العزيمة، فإنها إن عرفت جدك اِستأسرت لك، وامنعها ملذوذ مباحها، ليقع الاصطلاح على ترك الحرام، فإذا صبرت على ترك المباح (فَإِما مناً بَعدُ وَإِما فِداء)واعلم أن الدنيا والشيطان خارجان عنك، والنفس عدو مباطن، ومن أدب الجهاد (قاتِلوا الَّذَينَ يَلونَكُم) إِن مالَت إلى الشَهوات فاكبِحها بِلِجامِ التَقوى، وإِن أعرضت عن الطاعات فسقها بسوط المجاهدة، وإن استحلت ثوب البطالة فصح عليها بصوت العزم، وإن رمقت نفسها بعين العجب فذكرها خساسة الأصل، فإنك والله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك، لم تقدر على ذرة من العافية في بدنك، وقد اجتمعت عندك جنود الهوى في بيت النفس، فأحكم الحصن، وناد بأعلى صوت: يا حزب التقى جردوا سيوف العزائم، وادخلوا عليهم من كل باب، واعلم أن نيل العلا بالكدح، وأن وارتقاء درج المجاهدة بالصبر، أتروم الحصاد ولم تبذر؟ لولا إيثار يوسف -عليه السلام- في قوله (رب السِجنُ أَحبُ إِليّ) ماخرج إلى راحة (وَكَذلِكَ مَكَنَّا).

13402

| 10 ديسمبر 2014

استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك

عبارة شائعة على ألسنة كثير من الناس، يطلقها على عنانها حين يستحضر فتوى يريدها، أو يستشعر شدة في فتوى لأحد أهل العلم فيبادر بقوله: استفت قلبك وإن أفتاك الناس، دون أن يذكر معيارا يستند إليه.وعلى الطرف الآخر نجد من ينكر الأمر بالكلية بدعوى أن الدين لا يحكم عليه براحة القلب من عدمه، وأن أحكامه كلها غير قابلة لمثل هذا النوع من الفتوى، فلا وجود لقلب يدرك المستحب من الحرام ولا وجود لقلب يتعرف على الحق من الباطل.والحق أن للإسلام ثوابت لا تتغير ولا تتبدل مهما تغايرت العصور أو تبدلت الأزمان لا دخل فيها لقب يستشعر أو يستفت في أصل من أصول الدين، وهناك غير الثوابت والتي نجد بعضا من جزئيات الحياة وتفريعاتها له مثل هذا الحظ من الفتيا، فقد جعل الإسلام للإنسان بعض استعراض الأدلة أن يكون فيها مفتيا لنفسه. فهو يستطيع أن يسأل "قلبه" أو "ضميره" آمرا أو ناهيا، مجزيا أو مانعا. بل إن فتوى الضمير النقي في هذه الحال قد تكون أصدق وأرجح من فتاوى بعض المفتيين المتخصصين، الذين قد يرخصون للبعض الذي يعرف عنه بما يعرف المسؤول عن نفسه شدة أو لينا، فقد يرخص المتخصص لغلبة الظن أنه لا يقدر وهو يعلم العكس، وقد يشدد عليه وهو لا يقدر عليه.وإذا أردنا الانتقال من التنظير إلى التطبيق فعلينا التأمل في حديث رواه الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بما يحل ويحرم (فصعد النبي – صلى الله عليه وسلم – وصوب في النظر، ثم قال: "البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون!"والمعنى ساعتها مرتبط بالقلوب النقية التي لم تتلوث بالمفسدات الفكرية ، والقلوب المستقيمة التي لم تتغير وفقا للأهواء والأمزجة، قلوب ونفوس جبلت على الحق لم تفسدها الشكوك والشبهات، ولم تمرضها المطامع والشهوات، ولهذا لم يجب النبي – صلى الله عليه وسلم – أبا ثعلبة بهذا القول إلا بعد أن صعد النظر فيه وصوبه. وقد كان – عليه الصلاة والسلام – من المتوسمين الذين ينظرون بنور الله. فعرف في هذا السائل سلامة الفطرة، فقال له ما قال. لكن أن يترك الأمر على عاربه ليقول من شاء ما شاء، ويستفتي المرء قلبا تزين بالشهوات وعقلا تشبع من الشبهات فهذا خلل في الفهم، وحكمه حينئذ غير مقبول ولا مستو ؛ لأنها تتبع الهوى، وتتأثر بالأعراف الفاسدة، والشهوات المضلة، والأفكار الباطلة.يقول العلامة المناوي في شرح هذا الحديث معللا تفسيره – صلى الله عليه وسلم – للبر بما ذكر من سكون النفس واطمئنان القلب إليه: "لأنه – سبحانه – فطر عباده على الميل إلى الحق، والسكون إليه، وركز في طبعهم حبه ". فالقلب السليم من مرض الشرك، ومرض النفاق، ومرض الشك، ومرض الشهوة، هو: المرجع في تمييز البر من الإثم، والحق من الباطل، والحلال من الحرام.وهذه الضوابط هي التي يستقيم معها التفسير النصي للحديث، والعلة كما قال المناوي رحمه الله: "أن على قلب المؤمن نور يتقد، فإذا ورد عليه الحق التقى هو ونور القلب، فامتزجا وائتلفا. فاطمأن القلب وهش. وإذا ورد عليه الباطل نفر نور القلب، ولم يمازجه فاضطرب القلب.قال: "وإنما ذكر طمأنينة النفس مع القلب ؛ إيذانا بأن الكلام في نفوس ماتت فيها الشهوات، وزالت عنها حجب الظلمات. فالنفس المرتكسة المحفوفة بحجب اللذات، تطمئن إلى الإثم والجهل، وتسكن إليه، ويستغرقها الشر والباطل، فاعلم بالجمع بينهما: أن الكلام في نفس رضيت وتمرنت حتى تحلت بأنوار اليقين. وفق هذه الضوابط نفسر كافة الأحاديث التي تسير نحوا من هذا السير، فحديث النواس بن السمعان عن النبي – صلى الله عليه وسلم قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس".ومعنى "حاك في صدرك" أي اختلج في النفس، وتردد في القلب، ولم يمازجه نوره. ولم يطمئن إليه.وهذا ينصرف بطبيعة الحال إلى من ذكرناهم وعنيناهم بأصحاب القلوب النظيفة والنفوس المستقيمة.وأما المراد بالكراهية في قوله صلى الله عليه وسلم: "كرهت أن يطلع عليه الناس" الكراهة الدينية لا الكراهة العادية كما ذكر ذلك أهل العلم، كمن يكره أن يراه الناس آكلا لحياء أو نحوه. والمراد بالناس: وجوههم وأماثلهم الذين يستحيا منهم. وحمله على العموم بعيد.قالوا: وإنما كان التأثير في النفس علامة للإثم؛ لأنه لا يصدر إلا لشعورها بسوء عاقبته.

7030

| 26 نوفمبر 2014

خطورة ظاهرة تكفير المسلم على الفرد والمجتمع (2)

ذكرنا في المقال الفائت انتشار ظاهرة تكفير المسلمين وتعرضنا لخطورة هذه الظاهرة المجتمعية التي أفرزتها عوامل متعددة فكرية واجتماعية وسياسية، وبقى أن نتحدث اليوم عن المحاذير التي وضعها الإسلام للحيلولة دون تكفير المسلمين ومنها:1 — ارتداد الحكم على قائله عند عدم ثبوته: قال صلى الله عليه وسلم: "لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك" وقال أيضا: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". يقول ابن عبد البر:"فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحدٍ من أهل القبلة: يا كافر". فالحديث سيق لزجر المسلم "أن يقول ذلك لأخيه المسلم … وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره … فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله..." وهذا تحذير كبير لمن كفر مسلما بشبهة وليس كذلك. يقول ابن دقيق العيد: "هذا وعيد عظيم لمن كفر أحداً من المسلمين وليس كذلك".2 — قذف المؤمن بالكفر كقتله: من المحاذير التي جعلها الإسلام حائلا دون تكفير المسلم ما ورد من أن قذف المؤمن بالكفر كقتله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله" وهذا ما جعل أهل العلم يشددون في التضييق على قضية التكفير لأن: "الأصل في المسلم براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخصٍ معين، ومن الأقوال كلها، والأفعال بأسرها" والقول بتكفيره يسلبه من ذلك كله.3 — التكفير حكم شرعي لا مدخل للعقل المجرد فيه: كذلك من المحاذير التي وضعها الإسلام لمنع الاجتراء على التكفير أن جعل مادته شرعية لا مدخل للعقل فيها، فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، يقول الإمام الغزالي: الكفر حكم شرعي كالرق والحرية، ومعناه: إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص أو قياس على منصوص". ويقول ابن الوزير (840هـ): "إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه". وهذا ما يجعل أهل السنة لا يبادرون بتكفير المسلم ولا من كفرهم ما لم تنطبق عليهم الشروط، يقول شيخ الإسلام: "أهل العلم والسنة لا يكَفِّرون من خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفرهم؛ إذ الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه أو تزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفَّر إلا من كفره الله ورسوله". وقد قال ابن القيم(751 هـ)في نونيته:الكفر حـق الله ثم رسوله *** بالنص يثبت لا بقول فلانمن كان ربُّ العالمين وعبدُه *** قد كفَّراه فذاك ذو الكفرانوهكذا فالقول في هذه المسألة وغيرها من مسائل الدين مرده إلى علم الشريعة وفقه نصوصها، ولا يجوز في ذلك كله الخوض بلا علم ولا برهان من دين الله.ومما سبق يتبين أن الإسلام يسعى إلي مجتمع آمن من هذا الهوس الفكري، وأن الأصل في المسلم براءة الذمة، ولا يحل لمسلم الاعتداء عليه بدون بينة، ولا الحكم عليه إلا إذا تحققت فيه ضوابط التكفير.

5859

| 05 نوفمبر 2014

خطورة ظاهرة تكفير المسلم على الفرد والمجتمع (1)

يلحظ المتابع في الآونة الأخير اشتداد ظاهرة تكفير المسلمين بل وسهولة ذلك عند البعض، يكفر الرجل أخاه وربما شيخه وربما جماعة من المسلمين بكلمة واحدة دون أن يتردد في قوله أو يستوثق مما في يده، يقذف أحدهم تلك الطامة مُتناسياً أو متغافلاً ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من خطورة هذا المسلك، فقد روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: (أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما). وروى البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه؛ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقول: (لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك). فما هو الكفر؟ وما خطورته؟ وهل هناك ضوابط في تكفير المسلم؟ هذا ما سنتعرض له إن شاء الله في تلك المقالات. الكفر في اللغة: الستر والتغطية، يقال للمزارع: كافراً. لأنه يغطي البذر بالتراب، ومنه سمي الكفر الذي هو ضد الإيمان كفرا؛ لأن في كفره تغطية للحق بجحد أو غيره، وقيل: سمي الكافر كافرا لأنه قد غطى قلبه بالكفر. ويطلق على من كذب أصلاً من أصول الإسلام معلوم من الدين بالضرورة، أو ارتكب ناقضا من نواقض الإيمان المكفرة. يقول ابن حزم: "وهو في الدين: صفة من جحد شيئاً مما افترض الله تعالى الإيمان به، بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معاً، أو عمل عملاً جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان". ويقول ابن تيمية: "الكفر يكون بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبر به، أو الامتناع عن متابعته مع العلم بصدقه، مثل كفر فرعون واليهود ونحوهم". وكذلك يكون: "بإنكار ما علم من الدين ضرورة أو بإنكار الأحكام المتواترة والمجمع عليها". وقد حذر الإسلام من الخوض في تكفير المسلم من غير تبين، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وفي الآية نهي عن إطلاق الكفر على من ظهر إسلامه حتى يتبين حقيقة الأمر، فإن إعلان إسلامه يوجب قَبوله ولا ينصرف عنه إلا بيقين مماثل، وتجاوز ذلك يعد من الإيذاء المنهي عنه في قوله تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} وأي إيذاء أعظم من تجريد المسلم من دينه. إن القرآن والسنة ينهيان عن "تفسيق المسلم وتكفيره ببيان لا إشكال فيه، ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له: أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبًا أو تأول تأويلا، فاختلفوا بعد في خروجه من الإسلام، لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معنى يوجب الحجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر، أو سنة ثابتة لا معارض لها، وقد اتفق أهل السنة والجماعة - وهم أهل الفقه والأثر - على أن أحدًا لا يخرجه ذنبه - وإن عظم - من الإسلام، وخالفهم أهل البدع. فالواجب في النظر ألا يكفر إلا من اتفق الجميع على تكفيره، أو قام على تكفيره دليل لا مدفع له من كتاب أو سنة". ولهذا اشتهرت مقولة أهل العلم: أهل السنة يخطِّئون، وأهل البدعة يكفرون. يقول ابن الوزير (840هـ):"وفي مجموع النصوص ما يشهد لصحة التغليظ في تكفير المؤمن، وإخراجه من الإسلام مع شهادته بالتوحيد والنبوات، وخاصة مع قيامه بأركان الإسلام، وتجنبه للكبائر، وظهور أمارات صدقه في تصديقه لأجل غلط في بدعة، لعل المكفر له لا يسلم من مثلها أو قريب منها، فإن العصمة مرتفعة، وحسن ظن الإنسان بنفسه لا يستلزم السلامة من ذلك عقلاً ولا شرعاً، بل الغالب على أهل البدع شدة العجب بنفوسهم والاستحسان لبدعتهم". وحتى يكون الأمر منضبطا بلا تجاوز يفضي إلى الظلم، أو تساهل يدفع على التجرؤ على الدين والاستهانة بأحكامه؛ جعل الإسلام محاذير وضوابط تمنع المسلم من تكفير أخيه، نتعرض لها في المقال القادم إن شاء الله .

3501

| 30 أكتوبر 2014

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت

للإمام الشافعي أبيات لها جرس عميق الأثر في النفس ومن ذلك قوله: ولرب نازلة يضيق لها الفتى..... ذرعا وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها..... فرجت وكنت أظنها لا تفرجوعلى مثل هذا التفوق الأدبي نتذكر رائعة للإمام أبي حاتم السّجستانيّ يقول فيها:إذا اشتملت على اليأس القلوب *** وضاق لما به الصّدر الرّحيبوأوطأت المكاره واطمأنّت *** وأرست في أماكنها الخطوبولم تر لانكشاف الضّرّ وجها *** ولا أغنى بحيلته الأريبأتاك على قنوط منك غوث *** يمنّ به اللّطيف المستجيبوكلّ الحادثات إذا تناهت *** فموصول بها الفرج القريبأردت بهذه أن أبدأ حديثي إليك، وأمتنا تعيش هذا المخاض الذي تعيشه أقطارنا العربية، لقد رأى بعض اليائسين أو البائسين فيها مخططا أثيما على هذه الأمة، بل بلغ اليأس بالبعض أن تمنى بقاء الظالم على ظلمه، والمظلوم على وجعه وأمله حذرا من مما قد يكدر مزاجه أو يصيب مصالحه الذاتية بأذي، وهذه مفارقة عجيبة: بالأمس كان أكثر هؤلاء يتمنون حرية لا تمنع مظلوما من الحديث، وعدلا يمنع كل متجبر من الظلم، ووطنا يسعد المرء أن يقول فيه ما شاء وقتما شاء دون خوف أو وجل من رقيب.فإذا حانت الساعة تأوه المسكين من مخاض الألم ناسيا أو متغافلا روعة النصر والحرية والعدالة التي ينشدها.إن من يريد أن يكون أبا عليه أن يتحمل تكاليف العرس، ومن تريد أن تكون أما عليها أن تتحمل آلام الوضع، فحكمة الله ألا يكون العطاء إلا بجهد، وإلا فكيف بالله يحافظ بعد ذلك عليه.إن اليأس قرين الكفر كما قال الله تعالى {إنه لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}والتفاؤل وبث هذه الروح بين الجموع المؤمنة مع حثهم على العمل هو منهج أهل الصلاح، فلماذا ينشط من اسودت أمامه سبل الحياة، وغلب اليأس على مفرداتها امام عينه، بل لماذا يعمل من يظن أن العمل والقعود سواء، ولماذا يرتدع الظالم إذا أيقن بوار مجتمع لا يردعه يأس من يحاسبه، وكسل من يراقبه!إن البشارة والتفاؤل لغة أهل الجد، ومنهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن أنس بن مالك — رضي اللّه عنه — قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: (أنا أوّل النّاس خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشّرهم إذا أيسوا لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربّي ولا فخر»)ونظرة سريعة على كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تبيك عاقبة أهل الظلم، قال تعالى:(فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ) وقال تعالى: وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا)وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ )وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ): (ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ )نسأل الله أن يوفق أمتنا العربية والإسلامية إلي ما فيه خيرها وعزها

332301

| 03 سبتمبر 2014

إنه الإنصاف

الإنصاف هو استيفاء الحقوق لأربابها بأن تعطي غيرك من الحق مثل الذي تحب أن تأخذه منه لو كنت مكانه ويكون ذلك بالأقوال والأفعال في الرضا والغضب مع من نحب ومع من نكره . وهو منهج قرآني حيث يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ويقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} وقال الله مخاطبا نبيه داود {يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} . حتى مع الأعداء أمر الله بالإنصاف {إنما يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} . والإنصاف شعار الإسلام منذ بدايته يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: " حين جاء الإسلام كان إنصاف الضعفاء من الأقوياء أظهر شعائره وأول أهدافه، كذلك أنصف الفقراء من الأغنياء فقرر في أموال الأغنياء حقًا معلوما للسائل والمحروم، وأنصف اليتامى ممن يتولون أمرهم فقال سبحانه { وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا } وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم سيد المنصفين بحق داويت متئدا وداووا طفرة **** وأخف من بعض الدواء الداءأنصفت أهل الفقر من أهل الغنى **** فالكل في حق الحياة سواءفإذا سخوت بلغت بالجود المدى **** وفعلت ما لا تفعل الأنواءوإذا عفوت فقادرا ومقدرا **** لا يستهين بعفوك الجهلاءوإذا رحمت فأنت أم أو أب **** هذان في الدنيا هما الرحماءويتجسد الإنصاف في نهج النبي جليا واضحا في قصة الصحابي الجليل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما كاتب كفارَ مكّة سِرًّا، يخبرهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغزوهم، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأرسل مَن أخذ الكتاب مِمّن خرج ليصل به إلى كفار مكة . ودعا حاطبًا، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((يا حاطب، ما هذا ؟!))، قال: لا تعجل عليَّ يا رسول الله! إني كنتُ امرأً مُلْصَقًا في قريش (وكان حليفاً لهم، ليس من أنفسهم)، وكان مِمّن معك من المهاجرين لهم قراباتٌ يحمون أهليهم، فأحببتُ-إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتّخذَ فيهم يداً، يحمون بها قرابتي . ولم أفعلْه كُفْرًا، ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((صدق)) . فقال عمر: دَعْني- يا رسول الله - أضربْ عُنُقَ هذا المنافق ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (( إنه قد شهد بدراً، وما يُدريك لعلّ الله اطَّلعَ على أهل بدر، فقال : اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم " ومع أن هذا هو المنهج إلا أننا وللأسف نجد ظاهرة الاجتراء والشطط في الحكم على الناس بغير حق أو بغير علم؛ أضحت منتشرة، حتى اتهم الأبرياء وخوّن الأمناء، وما ذلك إلا لغياب منهج الإنصاف، ولعلنا في المقال القادم نتحدث عن أسبابه وعلاجه بحول الله وقوته، نسأل الله أن يهدينا سبل الرشاد وأن يجنبنا الزلل وعدم الإنصاف. آمين

1422

| 27 أغسطس 2014

هو أخي دونك

نقرأ في السير بعض الآثار التي ينبغي التوقف أمامها كثيرا ومن تلك الآثار ما جاء عن مصعب بن عمير -رضي الله عنه- وهو الشاب الذي تخلى عن الدنيا ورغباتها ومقوماتها، وجاهد في الله حق جهاده، في يوم بدر كان يسير بعد انتهاء المعركة -و له أخ اسمه أبو عزيز- هذا الأخ كان كافرا وجاء مع الكفار من قريش، فأسره أحد الصحابة، وفي أثناء أسره مرّ مصعب بن عمير على شقيقه، وربما قال في نفسه: أتاك الفرج بمقدم أخيك، فالعرب تقول: انصر أخاك ظالما كان أو مظلوما، لكنه فوجئ بقول مصعب لآسره: اشدد وثاقه؛ فإن له أما تفديه؟ فغضب أبو عزيز وقال: أهذه وصيتك بأخيك؟ فقال له مصعب:هو أخي دونك، هذه إحدى ميزات الإسلام العظيم، فقد جعل أخوة الإيمان من أعلى مراتب برا ، وأعظمها خطرا، وأوسعها أجرا، وهي من الروابط الاجتماعية التي يحرص الإسلام على تنميتها وتعاهدها، حتى جعل الإسلام رباط النسب المنبت الصلة بالدين أوهى وأضعف من رباط الأخوة في الله .إن الأخوة الإسلامية ضمان اجتماعي لكل أفراده، ضمان للغني ألا يجترأ عليه فقير، وضمان للفقير ألا يحسد الغني، بل إن الإسلام بهذا الرابط يدفع الفقير إلى أن يتمنى أن يبارك الله في مال الغني؛ لأن له نصيبا في هذا المال الذي في يده {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ } {وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ }، لقد أمر الإسلام المسلم بالحرص على إخوانه والشعور بهم، ورتب على ذلك من الأحكام ما يديم هذا الرباط إلى يوم الدين، فأضحى رباط الدين يجمع بين المؤمنين كما يجمع ضوء الشمس بين المبصرين، أمرنا الحق جل شأنه في هذه الأيام المباركة أن نغني الفقير عن السؤال فروى الدارقطني وغيره عن ابن عمر قال: " قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ وَقَالَ « أَغْنُوهُمْ فِى هَذَا الْيَوْمِ »، وهذا حتى يسود جو المحبة والألفة بين المسلمين وحتى يشعر القوي بألم الضعيف، والغني بجوع الفقير، فيرحم بعضهم بعضا، ويحنو بعضهم على بعض، بل رتب الله رحمته على رحمة الناس بعضهم ببعض ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الله- رضي الله- عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)،هذا هو الرابط الذي أراد الإسلام أن يسود في المجتمع المسلم فعن أبي موسى- رضى الله-عنه قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)، ثم جعل الله عليها من الأجر ما يرغب كل محتاج إلى مثوبة الله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:( من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسرعلى معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه ) رواه مسلم، وفي سورة من سور القرآن العظيم يجعل الله -جل وعز- أحد صفات المكذبين بالدين : هؤلاء الذي لا يحضون على إطعام المساكين ، ولا يرشدون الأغنياء إليهم، ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ). فأي رباط أقوى من هذا الرباط العميق الصلة بين المسلمين بعضهم مع بعض .

7923

| 20 أغسطس 2014

كل معصية عيرت بها أخاك قبل الممات صائرة إليك

يعيش الناس حياتهم بين مقبل على الله ومعرض عنه، ولكن لا تستطيع بما تملك من أدوات الزعم بأن الأول صالح لا ذنب له، أو الأخير فاسد لا خير، فدرجات إيمان الناس تتفاوت، والدنيا دار ابتلاء، وقد يذل المستقيم ، وقد يحسن الأعوج، والواجب على أهل الصلاح عدم تتبع عورات المسلمين أو معايرتهم بها، أو جعل ما اقترفوه من معايب فاكهة للمجالس يتحدثون عنها ويستروحون بها، ومن هنا أتت هذه الحكمة الرائعة : كل معصية عيرت بها أخاك قبل الممات صائرة إليك، يقول أهل العلم: يحتمل أن يراد به: أنها صائرة إليك ولا بد أن تعملها، وهذا مأخوذ من الحديث الذي رواه الترمذي في جامعه عن النبي- صلى الله عليه وسلم- «من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله» قال الإمام أحمد في تفسير هذا الحديث: من ذنب قد تاب منه، وأيضا ففي التعيير ضرب خفي من الشماتة بالمعير، وفي الترمذي أيضا مرفوعا «لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك»، ويحتمل أن يريد: أن تعييرك لأخيك بذنبه أعظم إثما من ذنبه وأشد من معصيته، لما فيه من صولة الطاعة، وتزكية النفس، وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذنب، وأن أخاك باء به، ولعل كسرته بذنبه، وما أحدث له من الذلة والخضوع، والإزراء على نفسه، والتخلص من مرض الدعوى، والكبر والعجب، ووقوفه بين يدي الله ناكس الرأس، خاشع الطرف، منكسر القلب أنفع له، وخير من صولة طاعتك، وتكثرك بها والاعتداد بها، والمنة على الله وخلقه بها، فما أقرب هذا العاصي من رحمة الله! وما أقرب هذا المدل من مقت الله!، فذنب تذل به لديه، أحب إليه من طاعة تدل بها عليه، وإنك أن تبيت نائما وتصبح نادما، خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل، وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل، وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين، ولعل الله أسقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا هو فيك ولا تشعر، فلله في أهل طاعته ومعصيته أسرار لا يعلمها إلا هو، ولا يطالعها إلا أهل البصائر، فيعرفون منها بقدر ما تناله معارف البشر، ووراء ذلك ما لا يطلع عليه الكرام الكاتبون، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم -«إذا زنت أمة أحدكم، فليقم عليها الحد ولا يثرب» أي لا يعير، من قول يوسف - عليه السلام -لإخوته {لا تثريب عليكم اليوم} [يوسف: 92] فإن الميزان بيد الله، والحكم لله، فالسوط الذي ضرب به هذا العاصي بيد مقلب القلوب، والقصد إقامة الحد لا التعيير والتثريب، ولا يأمن كرات القدر وسطوته إلا أهل الجهل بالله، وقد قال الله- تعالى- لأعلم الخلق به، وأقربهم إليه وسيلة {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74] وقال يوسف الصديق {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33] وكانت عامة يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم- «لا، ومقلب القلوب» وقال: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن -عز وجل-، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه» ثم قال: «اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك» .

2457

| 13 أغسطس 2014

alsharq
شعاب بعل السامة

تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...

6414

| 23 فبراير 2026

alsharq
تحديات الحضانة

تُعد قضايا الأسرة من القضايا المهمة التي تحتل...

699

| 20 فبراير 2026

alsharq
زاد القلوب

كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...

681

| 20 فبراير 2026

alsharq
قفزة تاريخية في السياحة

كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...

588

| 22 فبراير 2026

alsharq
تفاصيل رمضانية

جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...

558

| 25 فبراير 2026

alsharq
سلام عليك في الغياب والحضور

لم أفهم معنى أن يكون للطفولة ظلٌّ يحرسها...

540

| 23 فبراير 2026

alsharq
الجسد تحت منطق «التكميم الرقمي»

انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...

504

| 19 فبراير 2026

alsharq
التجارب لا تُجامِل

استكمالا لما ورد في (مقالنا) الذي نُشر تحت...

501

| 24 فبراير 2026

alsharq
عندما كانوا يصومون

رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...

495

| 25 فبراير 2026

alsharq
هكذا يصنع الصيام مجتمعاً مترابطاً

لئن كان صيام رمضان فريضة دينية، إلا أن...

489

| 22 فبراير 2026

alsharq
الكلمة الطيبة عبادة

الكلمة في ميزان الإسلام ليست صوتًا يذوب في...

483

| 24 فبراير 2026

alsharq
قطر ومجلس السلام

تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...

468

| 20 فبراير 2026

أخبار محلية