رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يسمى الجسد جسدا إلا إذا كانت الروح ساكنة فيه، وكذلك العمل لا يصح إلا إذا كان الإخلاص فيه، فالأعمال التي يتقرب المسلم بها إلى الله كثيرة ومتنوعة، فهي ليست محصورة في الفرائض على فضلها وعظمها، وإنما هي شاملة مناحي الحياة كلها، فالمسلم يرجى له أن ينقل محراب مسجده إلى كونه، ليكون الكون محرابا كبيرا يحسن التعبد فيه، بيد أن هذه الأعمال المتنوعة ما هي إلا صورا أو أجسادا أي لا حياة فيها شأنها شأن الميت الذي نزعت روحه وأرواح الأعمال هو الإخلاص، لذا لا تعجب أن يعرفه بعض سلفنا بالإسلام ؛ لأن الإسلام هو الاستسلام لله وحده لا لشيء سواه.يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إخلاص العمل هو الدين لله، الذي لا يقبل الله ديناً سواه.وقال في موضع آخر: وهو خلاصة الدعوة النبوية، وقطب القرآن الذي تدور عليه رحاه، واستشهد بقول الله تبارك وتعالى: {تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:1 — 3]. أي: ألا لله العبودية والأقوال والأعمال الخالصة لوجهه.ومدار الإخلاص على النية وفعلها في العمل فعل السحر، فتعظم الصغير وتكبره، ولا عجب فالمصطفى هو القائل: (إنما الأعمال بالنيات).كم من أقوال قليلة عظمتها النية، وكم من أقوال كثيرة محق الله بركتها وعادت وبالاً على أصحابها لما خرجت لغير الله، وأريد بها غيره، فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.إخلاص العمل لله أن يأخذ هذا النور وهو يرجو رحمة الله في كل كلمة يسمعها ويكتبها ويفهمها ويخبر بها، فتكون أشجانه وأحزانه لله جل جلاله، فلا يزال بهذا الإخلاص تُحط به في صحيفة عمله الحسنات، ويُستوجب له بها عند الله رفعة الدرجات، يغدو إلى مجالس العلم فينظر الله في قلبه وهو جالس مع العلماء، ومذاكرة طلاب العلم، وهو لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فلا يزال يحبه الله ويكرمه ويرفعه ويعظم أجره ويحسن العاقبة له في العلم.ومن كمل إخلاصه لله، كان موفقا مسددا، وصار عمله زادا ينتفع به في دينه ودنياه وآخرته.وقد قال بعض السلف: العمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله، والقلب ملك والأركان جنود، والدنيا كلها ظلمات إلا موضع العلم، والعلم كله هباء إلا موضع العمل، والعمل كله هباء إلا موضع الاخلاص. فإذا أراد الله بالعبد خيراً كسر قلبه لخشيته، وبدأت تظهر امارات الإخلاص على عمله وحركاته وسكناته، ويكون أشد ما يكون حرصاً على إخفاء عمله.
1978
| 28 نوفمبر 2013
للإمام الشافعي رحمه الله قصائد شعرية تحوى حكما تربوية غالية الثمن عميقة الهدف تبين عن رجل خبر الحياة مخبرة تامة، وتفهم طبيعة النفس البشرية تمام المعرفة، ومن تلك الأبيات ما قاله يوما:احفظ لسانك أيها الإنسانلا يلدغنــك إنه ثعبــــانكم في المقابر من قتيل لسانهكانت تهاب لقاءه الشجعانهذا المهاب لم تهرم قوته ولم تلن قناته، ولكن ضعفت نفسه عن تحجيم لسانه، وهنا نستحضر قول بعض الصالحين: "لساني سبع إن أرسلته أكلني".ونظرا لخطورة اللسان وأثره السلبي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منه معاذ بن جبل في الحديث الطويل الذي خاطب فيه النبي قائلا: أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟ وقد أوصاه النبي بوصايا متعددة وحثه على أداء الفرائض، ودله على أبواب الخير، ونبهه على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، ثم ختم وصيته الجامعة بقوله: " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: قلت بلى يا رسول الله. قال: " كفَّ عليك هذا" وأشار إلى لسانه.لم يكتف النبي — صلى الله عليه وسلم — بأن يقول احفظ عليك لسانك، فقد ينسى هذه الكلمة، ولكنه استعمل وسيلة إيضاح وتثبيت للوصية، وتأكيد للموعظة.. فأشار إلى لسان نفسه وقال: كفَّ عليك هذا.. فليس هناك شيء في الأرض أحوج إلى طول سجن من اللسان — كما قال ابن مسعود — وقد اشتغل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باللسان لعلمهم خطورته، واقتلعوا جذور الآفات فيه بالمحاسبة والمراقبة، ولم يركنوا إلى فضل أعمالهم وحسن صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ناصبوه العداء، ففي مسند البزار من حديث بن أسلم عن أبيه قال: أمسك أبو بكر رضي الله عنه يوما بلسانه وقال: هذا الذي أوردني الموارد. حتى ورد أنه كان يضع فيه حصاة حتى لا يتكلم إلا بخير.وكان ابن مسعود يمسك بلسانه ويقول: " يا لسان قل خيرا تغنم، واسكت عن شر تسلم، من قبل أن تندم" وقد أخذ ذلك من الحديث الشريف" رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم" هذا هو المسلم الحق الذي يعيش بين درجة ترفع أو يسكت عن سوء فيغنم؛ لأنه ما يدري أن تورده تلك الكلمة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي — صلي الله عليه وسلم — يقول: " إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب".وفي حديث آخر: " يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً " أي سبعين عاماً.. وذلك من أجل كلمة تافهة، لا يلقي لها بالاً، ولا يعيرها التفاتاً، ولا يدرى المسكين أن هذه الكلمة هوت به إلي النار، وبئس القرار..وفي الحديث الذي رواه أبو الشيخ بإسناد حسن عن أنس مرفوعاً " عسى رجل منكم أن يتكلم بالكلمة، يضحك بها القوم، فيسقط بها أبعد من السماء! ".ومن الأشارات الهامة في ضبط اللسان ما كان يفعله بعض السلف من رياضة الصمت، حتى أثر عن لقمان الحكيم كما ذكر صاحب البداية والنهاية أنه قال: " إذا كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب".ولهذا قالوا قديما:جراحات اللسان لها التئامولا يلتأم ما جرح اللسانوقال غيره:يموت الفتى من عثرة بلسانهوليس يموت المرء من عثرة الرِّجلِفعثرته من فيه ترمي برأسهوعثرته بالرجل تشفى على مهل.
16756
| 27 نوفمبر 2013
رزقت مولودا بعد طول انتظار وكبير عناء.. رزقها الله ولدا فأرادت أن تعق عنه لتحيي السنة من جهة، وأملا أن يكون مولودها الصغير منارة يستدل به على الإسلام لكنها فوجئت كما تقول رسالتها أن أخاها الأصغر فاجأها بقوله: العقيقة ليست سنة وهي من هدي أهل الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن العقيقة قال: لا أحب العقوق". والحسن بن علي لما ولد أرادت أمه فاطمة أن تعق عنه بكبشين فقال رسول الله لا تعقي ولكن احلقي شعر رأسه فتصدقي بوزنه من الورق ثم ولد حسين بعد ذلك فصنعت مثل ذلك. وتسأل الأخت الكريمة هل هذا الكلام صحيحا، ثم رجت في خاتمة رسالتها أن نتحدث قليلا عن هذه السنة المباركة. فنقول بداية شكر الله لأختنا الكريمة حرصها على إحياء السنة من جانب، وأملها في ولدها من جانب آخر إذ الأصل أن يتمنى المرء لولده صلاح دينه ودنياه وأن يسعى جاهدا في ذلك. أما حديثها عن العقيقة ومقالة أخوها لها فتلك مشكلة ضخمة نعاني منها نحن أمة الإسلام بصفة خاصة، وهي سطحية التفكير وعدم وجود مرجعية علمية يرجع إليها في الأمور الدينية عند بعض جماهير المسلمين، فأضحى البعض يصدرون كثيرا من الأقوال دون الرجوع إلى كلام أهل العلم لتبيانها لهم، وهذا نهج مخالف للنهج الذي ربانا المصطفى عليه، روى الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حُمر النَّعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرَة (أي ناحية) إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُغْضَبًا حتى احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمِه". وهذا هو المنهج الواضحة معالمه التي يبنغى لنا السير عليه " ما جهلتم منه فردوه إلى عالمه، وحتى لا نتفرع في جزئيات لا يتحملها المقال دعونا نرجع إلى أقوال أهل العلم متلمسين طرق الهداية. أولا: جماهير أهل العلم أن العقيقة سنة مؤكدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مالك هذا الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا وقال يحيى بن سعيد الأنصاري أدركت الناس وما يدعون العقيقة عن الغلام والجارية وقال ابن المنذر وذلك أمر معمول به بالحجاز قديما وحديثا يستعمله العلماء وذكر مالك أنه الأمر الذي لا اختلاف فيه عندهم. أما ما استدل به الأخ الكريم فلا حجة فيه البتة على نحو ما يأتي: الحديث الأول هو في موطأ مالك ومسند أحمد ومصنف ابن أبي شيبة والسنن الكبرى للبيهقي والمستدرك للحاكم وغيرهم، ولو كلف الأخ نفسه فقرأه كاملا لتبين له مآل الحديث: " سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ لَا أُحِبُّ الْعُقُوقَ وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ الْاسْمَ وَقَالَ مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ َمنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ. وإذا ثبتت السنة وجب القول بها ولم يضرها من عدل عنها قال وأنكر أصحاب الرأي أن تكون العقيقة سنة وخالفوا في ذلك الأخبار الكائنة عن رسول الله وعن أصحابه وعمن روي عنه ذلك من التابعين انتهى فأما أهل الحديث قاطبة وفقهاؤهم وجمهور أهل العلم فقالوا هي من سنة رسول الله واحتجوا على ذلك بما رواه البخاري في صحيحه عن سلمان بن عمار الضبي قال قال رسول الله مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى " وعن سمرة قال قال رسول الله "كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه" رواه أهل السنن كلهم وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.. وعن عائشة قالت قال رسول الله عن الغلام "شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة" رواه الإمام أحمد والترمذي وقال حديث صحيح وفي لفظ أمرنا رسول الله أن نعق عن الجارية شاة وعن الغلام شاتين، وفي المقال القادم ان شاء الله سنذكر بعض الأحكام المتعلقة بها والله الموفق.
515
| 21 مارس 2013
إذا كنا نطمح حقيقة إلى نظرة جادة لا تعرف الحيف ولا المجاملة لإصلاح النفس، فإننا بحاجة إلى معيار نحتكم إليه ومثال بشري غير معصوم طبق طرق الإصلاح النفسي فنجا، وذلك لمعرفة القرب أو البعد من الطريق الأقوم للصلاح النفسي، لأنها معركة حقيقية بين الإنسان ونفسه الأمارة بالسوء، مطالب بأن يحملها على المطمئنة وهي تجذبه إلى ما يضاد ذلك، حتى يصير عياذا بالله يأتي الخير المحض ولا يؤجر عليه! وذلك لأنها استطاعت أن تجعل العمل محاطا بالرياء فحملت صاحبها على الإشراك مع الله عز وجل والله لا يقبل العمل الذي أريد به معه أحد، وما حديث الثلاثة الذين تسعر بهم جهنم عنا ببعيد فقد كان أحدهم عالما، والآخر جوادا كريما، والثالث مجاهدا ومع ذلك أتت النفس بتقلباتها عليه فأشرك مع الله غيره في العمل فهلك ثلاثتهم نسأل الله السلامة والعفو. وهنا يتحتم علينا البحث عن معايير محددة لمعرفة حال المرء وهل هو على طريق النجاة أم الهلكة كما قال الله "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا" وهي فيما أتصور ثلاثة معايير على ما سيأتي.. المعيار الأول: أن يكون العمل في الخفاء أفضل من العمل في العلن أو مساو له. هذا أحد المعايير الثلاثة لضبط العمل ومعرفة صحيحه من عدمه، أن ينظر المرء إلى عمله ساعة غياب نظر المخلوق هل يجد تعظيما للخالق وحرصا على الفعل أم لا، وإذا احتكمنا إلى سلف الأمة رضي الله عنهم نجد انهم كانوا من أحرص الناس على العمل الخفي هروبا من نظر المخلوق ورجاء في خلوص عملهم لله، حتى تحدثنا الآثار أن بعضهم كان إذا نشر مصحفه للذكر فدخل عليه رجل غطاه بثوبه حتى لا يراه وهو يقرأ! وأثر كذلك عن الربيع أنه ما رئي متطوعاً في مسجد قومه قط إلا مرة واحدة، كان يجعل تطوعه كله في البيت حتى لا يرى. وذكر القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر في بالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة؟! إن كان يصلي إنا لنصلي، ولئن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج فإنا لنحج؟ حتى كنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت إذ طفئ السراج فجأة، فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يبحث عن شيء لإصلاحه وإيقاده، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية وهذا الخفاء فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة. المعيار الثاني: إساءة الظن بالنفس مع الطمع في رحمة الله. كذلك من المعايير التي تخطم بها النفوس: محاسبتها وإساءة الظن بها وعدم الاغترار بما قدم بل الطمع والرجاء فيما عند الله عز وجل، خرج سيدنا عبد الله بن مسعود ذات يوم فتبعه الناس فقال لهم: "ألكم حاجة؟ قالوا: لا. ولكن أردنا أن نمشي معك؟ قال: ارجعوا فإنها ذلة للتابع، وفتنة للمتبوع، فلو تعلمون ما أعلم من نفسي لحثيتم على رأسي التراب. هذا القول يقوله عبد الله بن مسعود وهو من هو علما وإخلاصا. وكان بكر بن عبد الله المزني إذا رأى شيخاً كبيراً في السن، قال: هذا خير مني، عبَدَ الله قبلي، وإذا رأى شاباً قال: هذا خير مني ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب. المعيار الثالث: عدم الاغترار بالمدح. ومن المعايير التي يجب اتباعها عدم الاغترار بمن يمدحك، فما مدحك من مدحك إلا بما يظنه فيه من خير وأنت على يقين بما يحويه جوفك من شر أو من تقصير، والعاقل لا يدع يقين ما يعرف لظن من لا يعرف، ثم إن المادح ما مدحك إلا من ستر الله عليك، لذلك يقول ابن عطاء الله: إنما يمدحك من يمدحك لستر الله عليك فلا تشكر من مدحك ولكن اشكر من سترك، قال رجل لابن عمر: لا نزال بخير ما أبقاك لنا الله، قال: ثكلتك أمك، وما يدريك ما يغلق عليه ابن أخيك بابه. وقد أثنى شخص على الإمام أحمد فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيراً، قال: بل جزى الله الإسلام عنا خيراً، ومن أنا؟ وما أنا؟ ورأي الغم في وجهه رضي الله عنه. وقال رجل لابن عمر: يا خير الناس وابن خير الناس! فقال: ما أنا بخير الناس ولا ابن خير الناس، ولكني عبد من عباد الله أرجو الله وأخافه، والله لن تزالوا بالرجل حتى تهلكوه. بل كانوا رضي الله عنهم يجتهدون ألا يعرفهم الناس حتى لا يفضلوهم على غيرهم قال الحسن: كنت مع ابن المبارك يوماً فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس، فزحموه ودفعوه، فلما خرج لي قال: ما العيش إلا هكذا، يعني: حيث لم نعرف ونوقر.
823
| 07 ديسمبر 2012
روى الطبراني، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يوماً، وقد حضر رمضان: "أتاكم رمضان، شهر بركة، يغشاكم الله فيه، فيُنزل الرحمة، ويحطُّ الخطايا، ويستجيب الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأَرُوا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي مَن حُرم فيه رحمة الله عز وجل". في هذا الحديث يرغب النبي صلى الله عليه وسلم الأمة في استقبال هذا الشهر الكريم، بأفضل ما يكون الاستقبال، كما يستقبل الإنسان ضيفه العزيز عليه، الحبيب إليه، الغائب عنه، كذلك يستقبل المؤمن رمضان.. يستقبلون هذا الشهر المبارك كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، ورغب فيه: "شهر بركة، يغشاكم الله فيه"، أي يحوطكم برعايته وعنايته. ومن مظاهر هذه الرعاية والعناية أن الله يُنزل فيه الرحمة، ويحطُّ فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء. تنزل رحمات الله في هذا الشهر، فيَغفر الذنوب، ويكفِّر السيئات، فرصة للمسلم يتطهر فيها من أدرانه، ومن غفلات قلبه، ومن أرجاس حسِّه، ومن هواجس نفسه، ومن آثار خطاياه، طوال أحد عشر شهرا مضت عليه. هذا هو موسم المتقين، ومتجر الصالحين، وربيع المؤمنين، هذا هو الموسم، موسم تُجار الآخرة. فللدنيا تُجار، وللآخرة تُجار. يقول العلامة القرضاوي حفظه الله "تُجار الدنيا يركبون الأخطار، ويجوبون الفيافي والقفار، ويركبون الأجواء والبحار، ويواصلون سهر الليل بعناء النهار، كل ذلك في سبيل ربح مادي، قد يكون وقد لا يكون. وإذا كان هذا الربح، فقد ينتفعون به وقد لا ينتفعون... وإذا انتفعوا به حيناً، فقد يدوم لهم النفع وقد لا يدوم... وإذا دام لهم، فإنهم أنفسهم لا يدومون... فهذا هو شأن الحياة، وتلك هي سنة الله في هذه الدنيا... هب الدنيا تساق إليك عفـواً أليس مصير ذاك إلى انتقال؟ وما دنياك إلا مثل ظـــل أظلك ثـم آذن بالـــزوال". وصدق الله العظيم: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} [الحديد:20]. تُجار الدنيا يفعلون ذلك، أما تجار الآخرة فهم: {رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور:37]، إن تجارتهم ليست في اللحم، ولا في الأرز، ولا في التمر، ولا في البُر، ولا في الثياب، ولا في المتاع، إن تجارتهم إنما هي في الطاعات والقربات... أسواقهم المساجد، وفُرصهم ساعات السَّحر، وأيام رمضان ولياليه. هؤلاء هم تُجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر موسماً يُقبلون فيه على الله، يصومون فيُحسنون الصيام، ويقومون فيُحسنون القيام. لا يصومون صيام البطن والفرج فحسب، بل صيام الجوارح عن كل ما يغضب الله. ويقومون القيام، الذي تخشع فيه القلوب، وتطمئن فيه الأصلاب، وتستقر فيه الجبهات، فإنما يقبل الله الصلاة الخاشعة المطمئنة، هؤلاء هم تُجار الآخرة، الذين يجدون في هذا الشهر ربيعاً، وموسماً، ومتجراً، فيتزوَّدون منه، لقلوبهم وأرواحهم وأنفسهم، زاداً يُمدُّهم، وينفعهم لأحد عشر شهراً. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من هؤلاء، الذين قال في شأنهم في كتابه العزيز: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}.
1522
| 18 يوليو 2012
إن اعتبار الدعاة لمثل هذا الضابط يجعلهم ينظرون إلى المحكوم عليه: عالماً أو اتجاهاً فكرياً أو جماعة من زوايا متعدّدة وهي: 1 — العالم ليس معصوماً من الخطأ، وخطؤه الذى أداه إليه اجتهاده ولو كان في دقيق المسائل مغفور له إن شاء الله. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة وإن كان ذلك في المسائل العملية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة، وإن كان الله يغفر لمَن جهل تحريم الخمر؛ لكونه نشأ بأرض جهل، مع كونه لم يطلب العلم، فالفاضل المجتهد في طلب العلم بحسب ما أدركه في زمانه ومكانه، إذا كان مقصوده متابعة الرسول، صلى الله عليه وسلم، بحسب إمكانه، هو أحق أن يتقبّل الله حسناته، ويثيبه على اجتهاداته، ولا يؤاخذ بما أخطأ تحقيقاً لقوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}". 2 — تجنّب تأثيم المخالف في الفروع العلمية أو حتى بعض المسائل الأصولية، وهذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي والثوري وداود بن علي وغيرهم، لا يؤثمون مجتهداً مخطئاً في المسائل الأصولية ولا في الفرعية كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا: هذا هو القول المعروف، عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين: إنهم لا يكفّرون، ولا يفسّقون، ولا يؤثّمون أحداً من المجتهدين المخطئين لا في مسائل عملية ولا علمية، قالوا: والفرق بين مسائل الفروع والأصول إنما هو من أقوال أهل البدع: من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية، ومن سلك سبيلهم. 3 — الأخذ عن المخالف فيما أصاب فيه: فإذا ثبت أن العالم غير معصوم وأنه مأجور على اجتهاده أصاب الحق أو أخطأه، فليس هناك أي مبرّر لعدم الأخذ عنه فيما أصاب؛ لأن شهادة أهل الأهواء لا تردّ؛ إذ الثقة حاصلة بشهادتهم حصولها بشهادة أهل السنة، ومدار قبول الشهادة والرواية على الثقة بالصدق، وذلك متحقّق في أهل الأهواء تحقّقه في أهل السنة". والإمام البخاري رحمه الله لم يهجر رواية عمران بن حطان (84هـ) فقد روى عنه في موطنين من صحيحه مع أن عمران من الخوارج، وهو الذى مدح ابن ملجم قاتل سيدنا علي، وكان ابن ملجم كما يقول ابن كثير: "أكبر الدعاة إلى البدعة!" ومع ذلك لم يهجر الإمام البخاري ما صحّ عنه من علم. بل إن هجر كلّ مخالف عند التحقيق أمر متعذّر، فالخلاف حاصل في دقيق المسائل وكبيرها، ولو تُرك كلّ مخالف لاستحال أن يجد الداعية مَن يأخذ عنه، وهذا ما أنكره يحيى بن سعيد القطان (198هـ) حين ذكر له أن عبدالرحمن بن مهدي قال: أنا أترك من أهل الحديث كلّ مَن كان رأساً في البدعة فضحك يحيى بن سعيد، وقال: كيف يصنع بقتادة؟ كيف يصنع بعمر بن ذر الهمذاني؟... وعد يحيى قوماً أمسكت عن ذكرهم، ثم قال يحيى: إن ترك عبدالرحمن هذا الضرب ترك كثيراً. ويقول علي بن المديني (234هـ): "لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي - يعنى التشيّع - خربت الكتب". وعليه فإن تعميم الهجر على كلّ مخالف أمر متعذّر وهو فوق ذلك مرفوض شرعاً، وقد أنكره شيخ الإسلام حين ذكر أن: " أقواماً جعلوا ذلك عاماً، فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به، فلا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبّات، وفعلوا به محرّمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية، فلم يهجروا ما أمروا بهجره من السيئات البدعية".
1385
| 10 يوليو 2012
مر في المقال السابق: أن ظلم المخالف محرم، فإن لزوم هجره وعدم الأخذ عنه فيما أصاب فيه ليس منهجاً معتدلاً، لأن هجر المخالف ليس واجباً لمخالفته، بل تدور عليه الأحكام حسب المصالح والمفاسد، فقد يكون وصْل المخالف واجباً، إذا علم صلاحه بذلك، أو كان في الوصل دفع لمفسدة أكبر قد تنتج على إثر هجره. وقد يكون الهجر واجباً: إذا علم صلاح حاله بالهجر، أو خيف هلاك بعض المسلمين ببدعته مع وصله، فليس الخلاف في حد ذاته سبباً للهجر، بل هو وسيلة دعوية تدور حول المصلحة الشرعية. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الهَجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم؛ فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإذا كانت المصلحة في ذلك راجحة، بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان المهجور لا يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة، على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف أقواماً ويهجر آخرين". فالأصل أن يكون التعامل مع المخالف في الهجر وفق المصلحة الدعوية، والله أمر موسى وهارون بمخاطبة فرعون باللين، قال تعالى: "اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ، فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا" مع طغيان فرعون وفساده بل وكفره، والله يعلم أنه يموت على كفره، ومع ذلك يأمر موسى عليه السلام أن يكلمه باللين، فإذا كان هذا مع الكافر فكيف بمن دونه من أصحاب المخالفات من المسلمين؟!. وهجر المسلم للمسلم الأصل فيه النهي لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان: فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام" وفي رواية: "يلتقيان: فيصد هذا ويصد هذا.." وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من مآل هجر المسلم لهوى فقال: "لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات، دخل النّار". وهجر المخالف بلا قيد أو ضابط أمر مخالف لأحد مقاصد الشريعة، وهي: هداية الخلق إلى الحق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه لما بعثه إلى خيبر: "لأن يهديَ الله بكَ رجلاً واحدًا خيرٌ لك من حمر النَعم". وقد كان أهل العلم يأخذون عن أهل الأهواء ما وافقوا فيه الحق، وعقد المحدثون أبواباً سموها: صفة من تقبل روايته وما يتعلق به، ومن ذلك الرواية عن المخالفين من أهل البدع، ويرون جواز ذلك بضوابط منها: ألا يكونوا ممن يستحلون الكذب، وألا تكون في بدعتهم (مؤيدة لها)، وقد روى البخاري ومسلم عن عدد كبير رمي بالبدع. وليس هذا في فروع العلم فقط، بل أحياناً يكون الاختلاف في أمر عقدي، ولا يحمل ذلك الداعية إلى هجر المخالف فيما صح عنه، فالحكمة ضالة المؤمن، وقد ذكر ابن رجب: أن محمد بن عبد الله بن عمّار الحافظ الموصلي (795هـ) سئل عن علي بن غراب (184هـ)؟ فقال: "كان صاحب حديث بصيراً به، قيل له: أليس هو ضعيفاً؟ قال: إنه كان يتشيع، ولست بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث، بعد ألا يكون كذوباً للتشيع أو للقدَر، ولست براوٍ عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله، ولو كان أفضل من فتح، يعني الموصلي". فالمدار على أخذ ما أحسن وأصاب فيه، فما ثبت صدقه وتمكنه في علمه أخذ به.
1211
| 04 يوليو 2012
ذكرنا في المقال السابق أن الاختلاف سنة باقية فأفهام الناس متغايرة وعقولهم متباينة، وبناء عليه فإن تعامل المسلم مع أصحاب الآراء والاختلافات: مذهبية أو عقدية أمر قائم، وإذا كان من القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية: تحريم الظلم مطلقا؛ فإن من الظلم الذي نهى الإسلام عنه ظلم المخالف أو تحميله فوق قدرته لأجل الخلاف معه، أو أن يكون للشنآن موضع عند الحكم على الأغيار، قال تعالى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} يقول الإمام البغوي: "{وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ} ولا يحملنكم، {شَنَآنُ قَوْمٍ} بغض قوم، {عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} أي: على ترك العدل فيهم لعداوتهم. ثم قال: {اعْدِلُوا} يعني: في أوليائكم وأعدائكم، {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} يعني: إلى التقوى". فالعدل والقسط ميزان الحقوق عند الله متى وقعت فيه المحاباة والجور - لأي سبب أو علة من العلل - زالت الثقة من الناس، وانتشرت المفاسد، وتقطعت روابطهم الاجتماعية، وصار بأسهم بينهم شديدا، يقول العلامة رشيد رضا رحمه الله: أي ولا يكسبنكم ويحملنكم بغض قوم وعداوتهم لكم، أو بغضكم وعداوتكم لهم، على عدم العدل في أمرهم بالشهادة لهم بحقهم إذا كانوا أصحاب الحق، ومثلها هنا الحكم لهم به، فلا عذر لمؤمن في ترك العدل وعدم إيثاره على الجور والمحاباة، بل عليه جعله فوق الأهواء وحظوظ النفس، وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما، فلا يتوهمن متوهم أنه يجوز ترك العدل في الشهادة للكافر، أو الحكم له بحقه على المؤمن، ولم يكتف بالتحذير من عدم العدل مهما كان سببه والنية فيه، بل أكد أمره بقوله {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي قد فرضت عليكم العدل فرضا لا هوادة فيه، اعدلوا هو - أي العدل المفهوم من"اعدلوا" - أقرب لتقوى الله، أي لاتقاء عقابه وسخطه باتقاء معصيته، وهي الجور الذي هو من أكبر المعاصي، لما يتولد منه من المفاسد". وهذا كلام واضح في عدم الجور على المخالف عند الحكم عليه. كان السلف يرون أن ظلم المخالف بالنيل منه أو من عرضه يعد اجتراء على النار، يقول ابن دقيق العيد (702هـ): "أعراض المسلمين حفرة من النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام".
527
| 26 يونيو 2012
يطلق الإنكار في اللغة على التغيير، يقول صاحب اللسان: "النكير اسم الإنكار الذى معناه التغيير، والنكير والإنكار تغيير المنكر". والمخالف: هو المضاد في الرأي. والخلاف: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافاً. وفي المثل: إنما أنت خلاف الضبع الراكب. أي: تخالف خلاف الضبع؛ لأن الضبع إذا رأت الراكب هربت منه. وتَخَالَفَ القوم واخْتَلَفُوا: إذا ذهب كلّ واحد إلى خِلافِ ما ذهب إليه الآخر والظلم: هو التعدي عن الحق إلى الباطل وهو الجور. والهجر: ضد الوصل. والتهاجر: التقاطع. وفي الحديث: "لا هجرة بعد ثلاث" يعني فيما يكون بين المسلمين: من عتب، وموجدة، أو تقصير يقع في حقوق العشرة والصحبة". والمراد من العنوان أن الإنكار على المخالف في الدعوة إلى الله، لا ينبغي أن يحمل صاحبه على ظلم من خالفه كما لا يوجب عليه أن يهجره بسبب المخالفة، فلا تلازم بين الإنكار والهجر إلا إذا علم للهجر مصلحة دعوية تعقب الهجر، أكبر من المضرة التي تلحقه. إن الاختلاف سنة كونية قدرية باقية في الأرض بقيام أهلها، منه الممدوح ومنه المذموم والصواب والخطأ، ومنه الذى يندرج تحت اختلاف التنوع، والذى يندرج تحت اختلاف التضاد، وقد دلت الأدلة القاطعة من الكتاب والسنة على وجوده بين البشر، وأن الله قدر ذلك عليهم، قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيبين الله أن الاختلافات سوف تظل لا يقضى فيها إلى الأجل وهذا مفهوم قوله: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}. وعليه فالاختلاف أمر قائم وسيظل موجوداً قدراً. قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} أي للاختلاف خلقهم، وهذا قول الحسن في رواية، وأيضاً رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقوله: (ولذلك) الإشارة فيها إلى الاختلاف المذكور في قوله: {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}أي لرحمته خَلَقَهم. وهذا يعني أن الاختلاف أمر قدري. وعليه فالإنكار عليه وهجره أمر محكوم بضوابط شرعية لا يجوز تغافلها وهذا ما سنتعرض له في المقال القادم.
434
| 19 يونيو 2012
تحدثنا في المقالين السابقين عن خطورة التكفير والمحاذير التي وضعها الإسلام حائلا بين المسلم وتكفير إخوانه، وفي هذا المقال نقف عند ضوابط التكفير وهي ثلاثة ضوابط: الضابط الأول: أن يقصد المعيَّنُ بكلامه الكفر: فليس كل من تكلم بالكفر يكفر، حتى تقوم عليه الحجة المثبتة لكفره، ويقصده ويعينه.. يقول شيخ الإسلام: "وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال: هي كفر.. ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر، حتى يثبت في حقه شروط التكفير وتنتفي موانعه" فإذا عَنِي المسلم معنى "صحيحًا في حق الله تعالى، أو الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يكن خبيرًا بدلالة الألفاظ، فأطلق لفظًا يظنه دالا على ذلك المعنى، وكان دالا على غيره فلا يكفر، ومن كفَّر مثل هذا كان أحق بالكفر، فإنه مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وقد قال تعالى: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}. وهذه العبارة كانت مما يقصد اليهود إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ والمسلمون لم يقصدوا ذلك، فنهاهم الله تعالى عنها، ولم يكفرهم بها". فكلمة راعنا من المراعاة، أي: ارعنا سمعك، أي: فرِّغ سمعك لكل منا "وكانت هذه اللفظة سبًّا قبيحًا بلغة اليهود، قيل: كان معناها عندهم (اسمع لا سمعت) وقيل: هي من الرعونة، فكانوا إذا أرادوا إطلاق الحمق على أحد قالوا: (راعنا )؛ فنهى الله المسلمين من إطلاق هذه الكلمة، حتى لا يتخذها اليهود وسيلة لسبِّ النبي صلى الله عليه وسلم جهارًا" فظهر من ذلك أن قول الكفر أو عمل الكفر وحده لا يكفر به صاحبه حتى يعلم أنه قاصد للقول عارف بالمعنى. الضابط الثاني: قيام حجة الوحي على المخالف؛ ودليل ذلك ما أخبر الله تعالى به من أنه لا يعذب أحدًا حتى تبلغه الحجة الرسالية (الوحي)، التي من خالفها وأصرَّ على مخالفتها كفر، قال تعالى:{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}. وقد أخبر تعالى عن استحقاق أهل النار مبينا أن مرده إلى التكذيب بعد قيام الحجة عليهم قال تعالى:{تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ}. وقد وضع العلماء ضابطا ثالثا وهو انتفاء الموانع. وهذا مما سنقف عليه في المقال القادم إن شاء الله.
1203
| 05 يونيو 2012
التكفير تجريد للمسلم من حقوقه الشرعية، ولخطورته وضع الإسلام عدة محاذير تحول دون العدوان على المسلم بالتكفير ومنها: 1 — ارتداد الحكم على قائله عند عدم ثبوته: قال صلى الله عليه وسلم:"لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك"، وقال أيضا: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما". يقول ابن عبد البر: "فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم، واحتمله بقوله ذلك، وهذا غاية في التحذير من هذا القول والنهي عن أن يقال لأحدٍ من أهل القبلة: يا كافر". فالحديث سيق لزجر المسلم "أن يقول ذلك لأخيه المسلم… وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره… فمعنى الحديث: فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفَّر نفسه لكونه كفَّر من هو مثله..." وهذا تحذير كبير لمَن كفَّر مسلما بشبهة وليس كذلك. يقول ابن دقيق العيد: "هذا وعيد عظيم لمن كفَّر أحداً من المسلمين وليس كذلك". 2 — قذف المؤمن بالكفر كقتله: من المحاذير التي جعلها الإسلام حائلاً دون تكفير المسلم ما ورد من أن قذف المؤمن بالكفر كقتله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ومَن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله"، وهذا ما جعل أهل العلم يشدِّدون في التضييق على قضية التكفير؛ لأن: " الأصل في المسلم براءة ذمته من الحقوق، وبراءة جسده من القصاص والحدود والتعزيرات، وبراءته من الانتساب إلى شخصٍ معين، ومن الأقوال كلها، والأفعال بأسرها" والقول بتكفيره يسلبه من ذلك كله. 3 — التكفير حكم شرعي لا مدخل للعقل المجرد فيه: كذلك من المحاذير التي وضعها الإسلام لمنع الاجتراء على التكفير أن جعل مادته شرعية لا مدخل للعقل فيها، فلا يكفَّر إلا مَن كفَّره الله ورسوله، يقول الإمام الغزالي: الكفر حكم شرعي كالرق والحرية، ومعناه: إباحة الدم والحكم بالخلود في النار، ومدركه شرعي، فيدرك إما بنص أو قياس على منصوص". ويقول ابن الوزير (840هـ): "إن التكفير سمعي محض لا مدخل للعقل فيه". وهذا ما يجعل أهل السنة لا يبادرون بتكفير المسلم ولا مَن كفرهم ما لم تنطبق عليهم الشروط، يقول شيخ الإسلام: " أهل العلم والسنة لا يكَفِّرون مَن خالفهم، وإن كان ذلك المخالف يكفِّرهم؛ إذ الكفر حكم شرعي، فليس للإنسان أن يعاقب بمثله، كمَن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب عليه أو تزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى، وكذلك التكفير حق لله، فلا يُكفَّر إلا من كفَّره الله ورسوله". وقد قال ابن القيم (751 هـ)في نونيته: الكفر حـق الله ثم رسوله *** بالنص يثبت لا بقول فلان من كان ربُّ العالمين وعبدُه *** قد كفَّراه فذاك ذو الكفران وهكذا فالقول في هذه المسألة وغيرها من مسائل الدين مردّه إلى علم الشريعة وفقه نصوصها، ولا يجوز في ذلك كله الخوض بلا علم ولا برهان من دين الله. ومما سبق يتّضح أن الأصل في المسلم براءة الذمة، ولا يحلّ لمسلم الاعتداء عليه بدون بيّنة، ولا الحكم عليه إلا إذا تحقّقت فيه ضوابط التكفير.
4520
| 30 مايو 2012
العدل كما مرّ مبدأ إسلامي أصيل، ومنهج دعوي في التعامل الدعوي مع الناس، ذلك أن قيمة العدل في الإسلام شرعية، وهو في ذات الوقت قيمة إنسانية حضارية يدّعيها مَن يؤمن بها ويتبناها وكذلك مَن لم يعتمدها كمنهج يدّعيها كنظرية مثالية، فالعدل بصفته منطلق أصيل وخلق جميل، وله فوائده في العمل الدعوي ومن ذلك: 1 — الثقة في المدعو إليه (الدين) والإيمان الوثيق به فهو دين رباني لا يحابي أتباعه على حساب الحق، والداعية المبلغ عن الله عز وجل إذا ما التزم دعوياً بذلك؛ تحقَّق له اتباعه لدينه والتزامه بأمره وتحقَّق كذلك نجاح في دعوته، فالعدل سينعكس على الداعية في الثقة في المدعو إليه، والإيمان الوثيق بأنه دين رباني لا يحابي أتباعه ولا يجور على مَن خالفه، فإذا أحسن الداعية إظهار حقيقة العدل في الإسلام، مبينا أنه ميزان الله على الأرض، به يُؤْخَذُ للضعيف حَقُّه، ويُنْصَفُ للمظلوم ممَن ظلمه، ويُمَكَّن صاحب الحقِّ من الوصول إلى حَقِّه من أقرب الطرق وأيسرها. 2 — كسب ثقة المدعو - مسلماً كان أو غير مسلم - في الداعية، وهذا في حدِّ ذاته يعد نجاحاً في العمليلة الدعوية، ولا يخفى أن تعامُل الداعية بالعدل مع غير المسلم قد أدى بالبعض إلي الدخول في الإسلام، أشار إلى ذلك المؤرخ البريطاني: توماس ارنولد مبينا أن العدل كان أحد العوامل القوية التي جذبت الناس بقوّة نحو الإسلام. ويقول ليوبولد فايس: "إن دفع الظلم عن الناس وإقامة معالم العدل في الأرض هي الغاية النهائية التي تستهدفها رسالة الإسلام الاجتماعية. وعلى هذا المثل الأعلى للعدالة - مع المسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء - يتوقف قيام الدولة الإسلامية وسقوطها، هذه الدولة التي ليست هي في الحقيقة سوى الجهاز السياسي لتحقيق هذا المثل الأعلى، " وهذا ما دعى الأديب الألماني غوته أن يقول: "إذا كان هذا هو الإسلام، أفلا نكون جميعاً مسلمين". وهناك العديد من الشهادات التي تتبعها الدكتور عمارة ليؤكّد أن العدل يدفع الخصوم إلى التعامل بمثله أو الحيادية وهو مع كونه أصلا في التعامل مع الأغيار إلا أنه في ذات الوقت يعدّ وسيلة دعوية بارزة، وغيابه يعد مخالفة شرعية وسقطة دعوية لأن الخلل لا يتطرّق إلى الداعية فقط، بل يتطرّق النقد إلى المدعو إليه، فبعض المخالفين لا يفرقون عند الخطأ بين الداعية والمدعو إليه.
7284
| 15 مايو 2012
مساحة إعلانية
عمل الغرب جاهدًا على أن يزرع في شعوب...
9879
| 08 فبراير 2026
عند الحديث عن التفوق الرياضي، لا يمكن اختزاله...
2163
| 04 فبراير 2026
يطرح اليوم الرياضي إشكالية المفهوم قبل إشكالية الممارسة،...
1164
| 10 فبراير 2026
حين وصل الملك فريدريك الثاني الشام سنة 1228م،...
1005
| 04 فبراير 2026
امشِ في أحد أحيائنا القديمة التي بقيت على...
753
| 04 فبراير 2026
انطلاقا من حرصها على أمن واستقرار المنطقة وازدهارها،...
651
| 04 فبراير 2026
لم يكن الطوفان حدثًا عابرًا يمكن تجاوزه مع...
639
| 10 فبراير 2026
تعكس الزيارات المتبادلة بين دولة قطر والمملكة العربية...
618
| 05 فبراير 2026
يشهد الشرق الأوسط منذ سنوات طويلة حالة مزمنة...
519
| 09 فبراير 2026
لم يكن البناء الحضاري في الإسلام مشروعا سياسيا...
471
| 08 فبراير 2026
لم يعد هذا الجهاز الذي نحمله، والمسمى سابقاً...
471
| 09 فبراير 2026
«الآخرة التي يخشاها الجميع ستكون بين يديّ الله،...
417
| 05 فبراير 2026
مساحة إعلانية