رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه اللاءات العشر ليست ردود أفعال عابرة، ولا شعارات للاستهلاك الأخلاقي، بل هي فعل وعي طويل النفس، يُمارس في التفاصيل قبل القرارات الكبرى. بها يحفظ الإنسان تماسكه في عالم يطلب منك أن تُستنزف باسم اللطف، وأن تتنازل باسم المرونة، وأن تذوب باسم التكيف. هي لاءات لا تُقصي الحياة، بل تُعيد ترتيب علاقتك بها، وتُنقذك من أن تعيشها منكسرا من الداخل وأنت تبتسم للخارج. 1 ـ لا تُجامل على حساب استنزاف نفسك: لأن المجاملة حين تنفصل عن الرضا الداخلي تتحول إلى دين نفسي مؤجل، تُسدده لاحقا من طاقتك وهدوئك. العطاء بلا وعي ليس فضيلة، بل غياب حدود. وما لا يزيدك اتساعا وصدقا مع ذاتك، ينقصك ولو لبس ثوب الخلق. 2 ـ لا تُصاحب من اتخذ العجز وطنا واستأنس باليأس: فبعض العلاقات لا تُنهكك لأنك ضعيف، بل لأنها تُصر على بقائك صغيرا. حركتك تُربكه، ونموك يفضح سكونه، وثباتك يُدينه. لا يهدأ له بال إلا إذا رآك تنكمش لتُشبهه، أو تعتذر عن طموحك كي لا تُذكره بما فرط فيه. 3 ـ لا تُنفق وعيك في جدال لا يُنير، ولا تُكابر في الخطأ: فالجدال الذي لا يفتح أفقا هو استنزاف مقنع، والمكابرة ليست قوة، بل تصلب يمنع التعلم. الحقيقة لا تولد من الضجيج، بل من سكون الفهم. الصمت الواعي ليس هروبا، والاعتراف الصادق ليس هزيمة؛ كلاهما انتقال من وهم الصورة إلى صدق الذات. 4 ـ لا تُقرر وأنت منفعل: فالانفعال يُضيق زاوية الرؤية، ويُضخم اللحظة على حساب العاقبة. القرار يحتاج سعة نفس، لا سرعة رد. كثير من الندم لم يكن سببه الجهل، بل التسرع تحت ضغط شعور عابر ظُن أنه حقيقة كاملة. 5 ـ لا تُقارن نفسك بغيرك: فكل مقارنة محاكمة جائرة للاختلاف، واعتراض صامت على مسار لم يُخلق ليُشبه سواك. أنت لا ترى من حياة الآخرين إلا نتائجهم، ولا تحمل عنهم أثمانها. وكل مقارنة تُغفل السياق، تزرع سخطا لا ضرورة له، وتُشوش بوصلة الرضا. 6 ـ لا تشمت بأحد: فالشماتة جهل بديناميكية الحياة، وسوء فهم لطبيعة التقلب. من يفرح بسقوط غيره، يُوهم نفسه بأمان مؤقت، وينسى أن الأقدام نفسها التي تعثرت قد تنهض، وأن الثبات ليس وعدا دائما لأحد. 7 ـ لا تطرق بابا أُغلق في وجهك مرتين: فالكرامة ليست عنادا، بل وعي بمواضع الانسحاب. بعض الأبواب لا تُغلق لأنك غير كاف، بل لأنها ليست لك. والإصرار الأعمى على البقاء حيث لا يُرحب بك، خسارة صامتة للنفس باسم الأمل. 8 ـ لا تكشف وجعك لكل أحد: فالشكوى أمانة، وليست كل القلوب أهلا لها. بعض الناس يسمع ليُقارن، أو ليحكم، أو ليُخزن ضعفك لا ليحتويه. اختر من تُعطيه صوتك، فالكلمات التي تخرج بلا أمان تعود على صاحبها مثقلة. 9 ـ لا تطلب ما يُهينك ولو كنت محتاجا إليه: فبعض المكاسب تملأ اليد وتُفرغ الروح. وما أُخذ بذهاب العز، ذل لا جبر له. الحاجة لا تُبرر سحق الذات، والفقر العابر أهون من غنى يُشترى بفقدان الاحترام الداخلي. 10 ـ لا تُهمل هندسة ذاتك: فالسواء النفسي لا يُمنح جاهزا، ولا يأتي مصادفة. هو بناء تراكمي من الوعي، وضبط الحدود، وحسن الاختيار، ومراجعة الدوافع. أن تعرف متى تقول نعم بصدق، ومتى تقول لا بلا ذنب، هو جوهر هذا البناء. هذه اللاءات ليست قيودا للحياة، بل خرائط أمان داخلية. ليست انسحابا من العالم، بل طريقة ذكية للوجود فيه دون أن تتآكل. هي هندسة للاتزان، تحفظ الإنسان من التبدد وهو يمضي، وتمنحه السواء النفسي المنشود.
219
| 25 يناير 2026
وردت هذه الآية في سورة الطلاق، وهي سورة فريدة في بنائها ومقاصدها، نزلت في سياق أزمة محددة، لكنها تجاوزت حدود الحدث لتخاطب الإنسان في كل لحظة ضيق، وكل موقف انكسار، وكل حال يشتد فيه الكرب وتضيق فيه الرؤية. فالقرآن لا يحبس معانيه في أسباب النزول، ولا يقيّد هداياته بزمان أو واقعة، وإنما يجعل من الحدث الخاص نافذة على الحقيقة العامة. ولهذا جاءت هذه الآية لتكون رسالة مفتوحة لكل قلب مثقل، لا لمن عاش تجربة بعينها فحسب. ﴿لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾ كلمة قصيرة في ألفاظها، عظيمة في أثرها، تهزّ القلب حين يظن أن الصورة اكتملت، وأن النهاية قد كُتبت، وأن الأبواب أُغلقت بلا رجعة! تخاطب الإنسان في أضعف حالاته، حين تحاصره الوقائع، ويثقُل عليه الغد، ويغدو الألم هو الحقيقة الوحيدة التي يراها. لا تدري؛ لأن علمك محكوم باللحظة، وبما تراه العين، وبما يعتصر به القلب؛ أما ما وراء اللحظة، وما بعد الكرب، وما خلف الأبواب المغلقة، فلا يعلمه إلا الله. وهنا يتعلم القلب المؤمن درسًا جوهريًا: ألا يُصدر الأحكام النهائية، وألا يجعل الألم مقياس الحقيقة كلها. هذه الآية لا تعد بزوال البلاء في الحال، ولا تعد بتغير الواقع فورا، لكنها تمنح ما هو أعمق من الوعد المباشر؛ تمنح الأمل المفتوح، وتكسر اليقين القاتل، وتمنع اليأس من أن يتحول إلى قناعة راسخة، إنها تقول للقلب المنهك: ابذل السبب وسلّم الأمر لله، فيد الله تعمل حيث لا ترى أنت ولا تدري، والله يُدبّر من وراء ما تحسبه أنت نهاية محتومة. ومن هنا يتجلى البعد التربوي العميق في السورة؛ فهي لا تعالج الظرف الخارجي فحسب، بل تعيد تشكيل الداخل الإنساني في زمن المحنة. فالقرآن لا يربّي الإنسان على الهروب من الشدة، بل على حسن الوقوف فيها، وعلى أن يظل قلبه منضبطا وهو في قلب العاصفة. ولهذا يؤكد السياق على قيمة المعروف بوصفها قاعدة شاملة في التعامل مع كل أزمة، وكل قرار، وكل موقف يختلط فيه الألم بالغضب: ﴿فَأَمسِكُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعرُوف﴾. والمعروف هنا ليس حكما متعلقا بحال بعينها، بل مبدأ أخلاقي عام: أن لا يُدار الألم بالظلم، ولا تُتخذ القرارات تحت سلطان القسوة أو التشفي. ثم يتكرر الوعد الإلهي ليُعاد توجيه القلب إلى مصدر الطمأنينة الحقيقي: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجا﴾. فالمخرج لا يكون دائما في التخطيط ولا في كثرة الحيل، بل في بقاء القلب متصلا بالله، خاضعا لحدوده، واثقا أن الله لا يترك من احتمى به. ثم يتعمق المعنى أكثر: ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجعَل لَّهُ مِن أَمرِهِ يُسرا﴾. واليسر هنا لا يعني بالضرورة زوال الشدة، بل قد يكون سكينة تُسكب في القلب، أو نورا في البصيرة، أو قوة على الاحتمال حتى يأتي الفرج في وقته الذي يريده الله. وتبلغ السورة ذروة معناها حين تربط هذا كله بحقيقة الإيمان: ﴿ذَٰلِكَ أَمرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُٓ إِلَيكُم﴾ فما يجري في لحظات الكرب ليس عبثا، ولا تفصيلا هامشيا في حياة المؤمن، بل ميدان اختبار لصدق علاقته بالله، ثم يُختم المسار بربط السلوك في الشدة بالمصير الأبدي: ﴿وَمَن يُؤمِن بِٱللَّهِ وَيَعمَل صَٰلِحا يُدخِلهُ جَنَّٰت تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدا قَد أَحسَنَ ٱللَّهُ لَهُ رِزقا﴾.وهكذا تصبح الآية رسالة لكل مكروب، ولكل من ضاقت به السبل، ولكل من ظن أن ما يراه هو نهاية الطريق! ﴿لَا تَدرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَٰلِكَ أَمرا﴾ رسالة تقول: إن ما بعد الشدة ليس فراغا، بل مساحة يعمل فيها الله، وإن من سلّم قلبه لله في زمن الألم، لم يخذله الله، ولم يتركه وحيدًا في طرق الكرب.
258
| 18 يناير 2026
ليست الرويبضة حادثة اجتماعية عابرة، ولا زلة في مسار زمن مستقيم، بل هي مرحلة حضارية كاملة، لها شروطها وسياقها ومقدماتها. فالمجتمعات لا تسقط أخلاقيا دفعة واحدة، وإنما تتآكل من الداخل ببطء شديد، عبر مسار طويل يبدأ بإضعاف المعايير، ثم بتجريد القيم من سلطانها، ثم بنزع الهيبة عنها، ثم بتقديمها بوصفها وجهة نظر، ثم بالسخرية منها، ثم في المرحلة الأخيرة بإقصائها بوصفها تخلفا أو عبئا على التطور. وعند هذه النقطة تحديدا، يستدعى الرويبضة ليملأ الفراغ!الرويبضة لا يصعد صدفة، ولا يفرض نفسه قهرا، بل يفسح له المجال لأن الزمن في تلك اللحظة يحتاجه؛ فهو ابن عصر لا يحتمل الميزان، ولا يصبر على الحقائق الثقيلة، ولا يريد من يذكره بالحدود والواجبات، بل من يمنحه مخرجا أخلاقيا لانحداره، وتبريرا لغريزته، وتسويغا لسقوطه. الرويبضة لا يزعج الضمير، بل يسكنه، ولا يوقظ العقل، بل يخدره؛ ولهذا جاء التعبير النبوي بالغ الدقة، فلم يقل: يظهر الرويبضة، ولا يكثر الرويبضة، بل قال: وينطق فيها الرويبضة، أي يؤذن له بالكلام، ويستدعى إلى المنصة، وينتظر رأيه، ويقدم بوصفه ممثلا عن الناس، وربما ناطقا باسم الوعي الجديد. وهنا جوهر التحذير: ليس في وجود التافه، فالتفاهة وجدت في كل عصر، بل في تمكينه من الكلام في أمر العامة، أي في مصير المجتمع وقيمه وأخلاقه واتجاهاته الكبرى، لا في شأنه الخاص ولا في هامش الحياة. فحين يصبح التافه مرجعا، تختل البوصلة، لا لأنه شرير بالضرورة، بل لأنه غير مؤهل. صناعة التفاهة: حين يصبح الانحطاط وظيفة في عصرنا، لم تعد التفاهة خللا عارضا، ولا ظاهرة هامشية، بل تحولت إلى صناعة مكتملة الأركان. تنتج المقاطع بدقة، وتختار العناوين بعناية، ويصمم المحتوى ليصدم لا ليصلح، وليستفز لا ليبني، وليكسر الحواجز النفسية لا ليوقظ الضمير. يعاد تقديم العقوق أو الفاحشة أو الانحراف، لا بوصفها آفات تحتاج إلى علاج، بل بوصفها قصصا إنسانية، أو تجارب شخصية، أو واقعا لابد من تقبله. والخطر هنا لا يكمن في الفعل ذاته فقط، بل في تداوله وتكراره وتطبيعه، حتى يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية، فلا يعود القبيح قبيحا، بل مألوفا، ولا يعود المنكر منكرا، بل حرية. ومع التكرار، يتبلد الوجدان، وتعاد صياغة الذائقة، ويقاس الصواب لا بالحق، بل بعدد المشاهدات. انزواء العقلاء: حين يصير الصمت فضيلة مرة في هذا المشهد الصاخب، لا يقصى العقلاء بالقمع، ولا تكمم أفواههم بالقوة، بل يقصون بالتهميش. يغرق الضجيج صوت الحكمة، ويتهم صاحب المبدأ بالوعظ، ويوصف الثابت بالتشدد، ويسخر من العاقل لأنه لا يجيد الإثارة. فيختار كثير من أهل القيم الصمت، لا عجزا، بل اشمئزازا من سوق يقاس فيه الحق بعدد الإعجابات. غير أن هذا الصمت، على وجاهته النفسية، يترك فراغا، والفراغ لا يبقى طويلا، بل تملؤه الرويبضة. فحيث يغيب الصوت الرصين، يعلو الصوت السطحي، وحيث تنسحب المرجعية، يتصدر الجهل. انقلاب القدوة: حين يقدم السفه نموذجا المجتمع لا يعيش بلا قدوات. فإذا غابت القدوة الصالحة، صنعت قدوة زائفة. وحين يرى الجيل أن الشهرة تنال بالوقاحة، وأن الانتشار يكافأ بالعقوق، وأن السفه طريق مختصر للنجاح، فإن الرسالة التربوية تبث بلا معلم ولا منهج. وهكذا يتحول الانحراف من سلوك مرفوض إلى نموذج يحتفى به، ويصبح السفيه واجهة، لا استثناء. فإذا تصدر السفهاء، لم يعد الفساد فرديا، بل منهجيا، ولم يعد الانحراف طارئا، بل سياسة ثقافية. الرويبضة ليس أصل الداء، بل آخر أعراضه. فلا يقاوم بالسخرية، ولا بالانسحاب، بل بإعادة الاعتبار للقيمة، وبإحياء المرجعية، وبفضح التفاهة بوصفها مشروعا هادما، لا مجرد تسلية بريئة. وفي زمن يكافأ فيه السفه، يصبح الثبات على المبدأ مقاومة. وفي زمن ينطق فيه الرويبضة، يصبح العقل موقفا أخلاقيا. وسيظل أهل المبادئ غرباء، غربة حق لا غربة ضعف، وشهادة على أن القيم وإن حوربت؛ لا تموت.
297
| 11 يناير 2026
السواء النفسي ليس انفصالا عن الألم، ولا تعطيلًا للمشاعر، بل هو خضوع هذه المشاعر لمنهج أعلى، يردها إلى موضعها الصحيح. هو أن يعرف الإنسان نفسه: ضعفها وقوتها، فقرها وغناها، قابليتها للخير وانجذابها للشهوة، ثم يضع ذلك كله في ميزان العبودية. قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ فالسواء هنا ليس إلغاء للفجور الممكن، بل وعيا به، ومجاهدة له، وانتصار التقوى في نهاية المطاف. إنه سلام نابع من وضوح المعركة داخل النفس، لا من إنكار وجودها. ثانيا: ميزة السواء النفسي وآثاره 1. الطمأنينة الثابتة ليست الطمأنينة هدوء الأعصاب فحسب، بل سكون القلب إلى الله، مهما اضطربت الأمواج من حوله. قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). 2. التحرر من الاستعباد الخفي النفس غير السوية تستعبدها نظرة الناس، أو سطوة الخوف، أو لهاث المقارنة. أما النفس السوية فحررها التوحيد؛ فلا تخضع إلا لله، ولا تنحني إلا لأمره. 3. القدرة على التحمل والمواجهة السواء النفسي يمنح صاحبه قدرة على مواجهة البلاء دون انهيار، والعمل في الشدة دون يأس، لأنه يرى الأحداث من علٍ، لا من قاع اللحظة. 4. الانسجام بين الفكر والسلوك لا يعيش صاحب النفس السوية صراعا حادا بين ما يؤمن به وما يفعله؛ إذ تتوحد القناعة مع الحركة، فتغدو الأفعال ترجمانا صادقا للإيمان. ثالثا: سبيل الوصول إلى السواء النفسي 1. تصحيح العلاقة مع الله البداية من الأعلى، من تحرير التصور عن الله، واليقين بحكمته وعدله. قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فالهداية هنا هداية القلب إلى السواء عند الصدمة، وإلى التوازن عند الاضطراب. 2. معرفة النفس ومحاسبتها إن الجهل بالنفس أصل كثير من الاضطراب. والمحاسبة ليست جلدا للذات، بل وعي دائم، ومراجعة صادقة، تضع الخطأ في حجمه، وتفتح باب التوبة دون يأس. 3. تزكية النفس لا قمعها التزكية ليست خنق الرغبات، بل تهذيبها وتوجيهها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ فالسواء وليد هذا الفلاح، لا ثمرة القمع ولا الانفلات. 4. الارتباط بالغاية الكبرى حين يعيش الإنسان بلا غاية عليا، تتنازعه الأهداف الصغيرة، وتستنزفه التفاصيل. أما حين تستقر غاية العبودية في القلب، فإن كل حركة تكتسب معناها، وكل ألم يجد موضعه. 5. الصحبة الصالحة والبيئة الواعية النفس تتشكل في محيطها؛ فالصوت الذي تسمعه، والفكرة التي تتكرر أمامها، إما أن تثبتها أو تزعزعها. والبيئة الإيمانية ليست ترفا، بل ضرورة لحفظ السواء. السواء النفسي في الإسلام ليس نهاية الطريق، بل رفيقه الدائم. هو حالة يقظة لا تخدير، وثبات لا جمود، وسلام لا هروب. إنه ثمرة الإيمان حين يتحول من فكرة في الذهن إلى منهج في الحياة، وحينها فقط يسير الإنسان في هذا العالم، وقلبه مستقر في موضعه الصحيح، تحت ظلال العبودية، وفي كنف السكينة.
216
| 04 يناير 2026
ليس أثقل على القلب من هم لا يُرى، ولا أوجع على النفس من حزن صامت، يتكرر صداه في الصدر حتى يغدو كأنه جزء من نسيج الروح. الآلام الظاهرة قد يخففها البوح، أما الهم الدفين فيستنزف صاحبه على مهل، ينهش طمأنينته دون ضجيج، يأكل من قوَّته دون أن يترك أثراً يُرى. والإنسان قد ينجو من الحدث، نعم، لكنه لا ينجو دائما من أثره؛ فقد تمر الواقعة، وينقضي زمنها، ويبقى ظلها جاثما في الداخل، يرافقه في يقظته، ويزاحمه في نومه، ويطلّ عليه كلما حاول أن يفرح. ومن أعجب ما في النفس البشريَّة أنها قد تغادر الألم زمانا، ثم تعود إليه اختيارا، كأنها تستحضره بوعي أو بغير وعي، فتعيد فتح الجراح التي كادت تلتئم؛ فيتحول الماضي من ذكرى عابرة إلى عبء دائم، وتتحول الحوادث من تجارب منتهية إلى هوية نفسية مقيمة، وكأن البلاء لم يعد حدثا وقع وانقضى، بل صار تعريفا للذات، يستدعى كلما لاح أفق عافية، فيستبدل نور الحاضر بثقل الذكرى، ويقايض السلام النفسي بالاستغراق في الألم. وهنا تتجلَّى حكمة الإسلام في تحرير الإنسان من هذا الأسر الخفيّ؛ إذ لا ينكر المشاعر، ولا يطالب بإنكار الألم، لكنه يعيد ترتيب العلاقة مع الزمن والقدر؛ فالماضي ليس سجنا للنفس والقلب، وإنما ميدان اعتبار، ومحل فقه وتعلم. قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ثم أعقب ذلك مباشرة بقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ هذه الآيات لا تُقرِّر حقيقة عقدية فحسب، بل تؤسس منهجاً نفسيا متكاملا. إن العلم بأن كل ما وقع قد كتب قبل أن يوجد، وأن ما أخطأ الإنسان لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، ليس ترفاً فكريا ولا تنظيراً مجرداً، بل دواء عميق لجراح القلب. إنه قطع لدابر الأسئلة المهلكة من نوع: لماذا حدث هذا؟ ولو أني فعلت كذا لما كان كذا! تلك الأسئلة التي لا تغير واقعا، ولكنها تضاعف الألم، وتبقي النفس رهينة لحظة انتهت. والعبودية الصادقة لا تظهر عند وقوع البلاء فحسب، بل في كيفية الفهم، وفي نوع الاستجابة، وفي المسار الذي يسلكه القلب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) هنا يضع الإسلام حدا فاصلاً بين الاعتبار المشروع، والندم الممرض. الاعتبار ينمي الحكمة، أما الندم المتعلق بما لا يمكن تغييره فيغذي الحزن والهم. ولذلك كان هذا الدعاء النبوي العظيم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ) فالهم تعلق مؤلم بالمستقبل، والحزن استغراق مرهق في الماضي، وكلاهما يسرق الإنسان من لحظته الحاضرة. والاستعاذة منهما ليست مجرد كلمات تقال، بل إعلان افتقار، وتفويض، ووعي بأن القلب لا يحتمل وحده ثقل الأزمنة الثلاثة. فإذا استقر هذا المعنى في النفس، تحول الدعاء إلى منهج حياة: تحرُّر من ماض يستنزف، واطمئنان تجاه مستقبل بيد الله، وحضور واع في اللحظة الراهنة. وحينئذ يتعلم القلب أن يعيش الحاضر بسلام، لا لأنه خال من المنغصات، بل لأنه موصول بالله. فيرضى عن قضائه، ويطمئن لحكمته، ويوقن أن وراء كل منع عطاء، ووراء كل ابتلاء لطفا قد يتأخر كشفه. وبهذا الفقه، لا يعود الماضي سيفاً مسلطا على الروح، ولا يصبح المستقبل مصدرا للفزع، بل يتحولان إلى محطتي تسليم وثقة، ويستعيد القلب عافيته شيئا فشيئا، مستعينا بالله، متوكلا عليه، راضياً به رباً ومدبراً وحكيماً.
270
| 29 ديسمبر 2025
العقل التبريري آفة من آفات القلوب قبل أن يكون خللا في التفكير؛ لأنه يعطل فريضة المحاسبة، ويصادم مقصد الهداية، ويحول الخطأ من زلة تعالج إلى سلوك يشرعن. وهو في ميزان الإسلام لون من ألوان خداع النفس، التي حذر الوحي من اتباعها والانقياد لأهوائها. فالمنهج الإسلامي يقوم على وضوح الحق، وتحمل المسؤولية، وربط القول بالفعل، لا على الالتفاف حول الخطأ وتزيينه. يقول الله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ﴾ فهذه الآية تكشف جوهر العقل التبريري؛ إذ قد يملك الإنسان من الحجج ما يبرر به فعله، لكنه في قرارة نفسه يعلم موضع الحق من الباطل. ويظهر خطر هذا العقل حين يقدم تبرير الخطأ على الاعتراف به، فينقلب ميزان القيم، ويغيب معنى التوبة. وقد قرر القرآن قاعدة محكمة في هذا الباب بقوله تعالى: ﴿فلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ فالتزكية الزائفة للنفس، وتبرئة السلوك دون محاسبة، لون من ألوان الغرور الذي يمنع الإصلاح. وفي السنة النبوية يتجلى المنهج النقي في مواجهة الخطأ دون مواربة، قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ». فالخطأ في ذاته ليس موضع الإدانة المطلقة، وإنما الخطر في الإصرار عليه وتسويغه، وقطع الطريق أمام التوبة والمراجعة. وقد كان السلف الصالح أشد الناس خوفا من تبرير النفس. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا». وكانوا يرون أن محاسبة النفس شرط النجاة، وأن التساهل مع الخطأ بداية الهلاك. وقال بعض السلف: «الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُهَا لِلَّهِ، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ حَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا». وفي هذا المعنى إشارة واضحة إلى أن العقل التبريري يثقل الحساب ولا يخففه. إن العقل التبريري في المنظور الإسلامي ليس مجرد ضعف فكري، بل خلل إيماني، لأنه يعطل مقام التوبة، ويصادم معنى الصدق، ويغلق باب الإصلاح. ولهذا كان الصدق مع النفس أصل كل صلاح، وكان الاعتراف بالخطأ رفعة لا مذلة، وقوة لا ضعفا. فالطريق المستقيم لا يقبل التبرير الدائم، وإنما يقوم على وضوح الموقف، وشجاعة الاعتراف، والعزم على التصحيح. ومن لم يواجه خطأه في الدنيا بصدق، واجهه في الآخرة بحساب لا تبرير فيه، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
264
| 21 ديسمبر 2025
ليس الخطأ طارئا على الإنسان، ولا استثناء في مسيرته، بل هو جزء أصيل من تكوينه، يرافقه ما دام يمشي على الأرض بقلب يخفق وعقل يجرب. فالإنسان لا يتعلم إلا إذا تعثر، ولا ينضج إلا إذا ذاق مرارة الزلل، ولا يعرف قدر الاستقامة إلا بعد أن يبتعد عنها خطوة ثم يعود. وفي لحظة الخطأ تنكشف المعادن: معادن القلوب، وصدق النيات، وعمق الوعي. فهناك من يتخذ الخطأ ذريعة للانكسار، وهناك من يجعله سلما للارتقاء، وبين هذا وذاك تتشكل معاني القيم الحقة، حيث يكون الرجوع فضيلة، والتواضع قوة، والإصلاح طريقا مفتوحا لكل من أراد أن يسمو بنفسه قبل أن يحاكم غيره. إن الخطأ لحظة كاشفة؛ يكشف فيها الإنسان حقيقة نفسه، ويختبر فيها صدق مبادئه، وقوة أخلاقه، وعمق وعيه، ومن أحسن قراءة خطئه، حوله من عثرة إلى درجة، ومن انكسار إلى نضج، ومن تجربة مؤلمة إلى درس لا ينسى. فالخطأ في ذاته ليس النهاية، وإنما قد يكون بداية وعي جديد، إذا أحسن الإنسان الوقوف عنده وتأمله بصدق وتجرد وهذه بعض ملامح التعامل الناضج معه: 1- الاعتراف: بداية الإصلاح وجسر العودة إلى الصدق الاعتراف بالخطأ ليس ضعفا، بل شجاعة داخلية لا يملكها إلا الأقوياء. هو مواجهة صادقة مع النفس قبل مواجهة الآخرين، وقطع لطريق التبرير الذي يفسد الضمير ويميت الإحساس بالمسؤولية. من اعترف بخطئه تحرر من ثقل الإنكار، وفتح نافذة للحقيقة، وأعاد ترتيب داخله على أساس الصدق. فالإنسان حين يقر، لا يسقط هيبته، بل يستعيد إنسانيته، ويضع قدمه الأولى على طريق الإصلاح، ويبدأ رحلة تصالح مع ذاته قبل غيره. 2- الإصلاح السريع: إطفاء العواقب قبل اتساعها التأخر في تصحيح الخطأ يضاعف أثره، ويمنحه زمنا لينمو ويتشعب، وقد يحوله من زلة محدودة إلى أزمة معقدة. أما المبادرة السريعة، فهي كإطفاء شرارة قبل أن تتحول إلى حريق. الإصلاح المبكر يحاصر الضرر، ويشعر الطرف الآخر بالجدية والاحترام، ويثبت أن الخطأ لم يكن استهانة، بل غفلة عابرة. 3- الابتسامة: كلمة طيبة بغير حروف: الابتسامة ليست تصنعا ولا استخفافا، بل رسالة صامتة تحمل في طياتها الطمأنينة وحسن النية. فحين تخطئ، ثم تقبل بوجه بشوش وقلب حاضر، فإنك تهيئ المناخ للصفح، وتخفف حدة التوتر، وتفتح باب الحوار الهادئ. كثير من النفوس لا تحتاج إلى طول اعتذار بقدر حاجتها إلى دفء إنساني يشعرها بالاهتمام والتقدير. والابتسامة في موضعها قد تصلح ما لا تصلحه الجلسات والحوارات مهما بلغت دقتها. 4- الاعتذار: قوة المتواضعين ورفعة الأخلاق: الاعتذار الصادق فعل أخلاقي عميق، لا ينطق به اللسان فقط، بل تشهد له النبرة، ويصدقه السلوك. هو اعتراف بالحق، وإنصاف للآخر، وتواضع يرفع صاحبه في ميزان القلوب، فليس الاعتذار خضوعا ولا انكسارا، بل تحرر من الأنا، وكسر لحاجز العناد الذي يمنع الإصلاح. ويكفي في الاعتذار أن يكون واضحا، مباشرا، خاليا من التبرير، مشبعا بالرغبة الصادقة في جبر الخاطر ورد الاعتبار. 5- إغلاق الحديث: صيانة للمودة وحماية للصفاء إذا قبل الاعتذار، فالحكمة أن تغلق الصفحة بوعي، لا أن تطوى على مضض. إعادة فتح الحديث، أو استدعاء التفاصيل، أو التلميح المتكرر إلى الخطأ الماضي، كل ذلك يضعف الثقة ويهدد المودة، ويعيد النفوس إلى دائرة التوتر. الصفح الحقيقي لا يكتمل إلا بالنسيان النسبي، وبمنح العلاقة فرصة جديدة بعيدا عن ظلال الأمس. فالعلاقات السليمة تبنى على الاستمرار والتجاوز، لا على اجترار الأخطاء. 6- إبعاد مثيري الفتن: حماية للعلاقات من التشويه ليس كل من يستمع ناصحا، ولا كل من يعلق محبا. هناك من يتغذى على تضخيم الزلات، ونفخ الخلافات، وبث الشكوك في النفوس. وهؤلاء خطرهم خفي، إذ يفسدون القلوب باسم الحرص، والحكمة تقتضي أن تحاط العلاقات بسياج من الخصوصية، وأن يبعد عنها كل من لا يحسن إلا تأجيج النار. فصفاء القلوب لا يحتمل العبث، ولا ينمو في بيئة مسمومة. بهذا الميزان يستقيم الطريق: وعي يعترف، وضمير يصلح، وأخلاق تعتذر، وحكمة تغلق أبواب الفتن؛ فلسنا معصومين من الخطأ، لكننا مسؤولون عن كيفية الرجوع بعده. وكل رجوع صادق هو انتصار داخلي، وخطوة ثابتة نحو النضج، وسكينة تثمر سلاما مع النفس ومع الآخرين. ومن أدرك هذه الحقيقة، عاش أخف قلبا، وأصفى روحا، وأقرب إلى المعنى العميق للإنسانية.
165
| 15 ديسمبر 2025
حين يترسخ الوعي في النفس، ويستقيم ميزان العقل، ويهدأ اضطراب القلب، يبدأ الإنسان يرى عالمه الداخلي بمنظار أعمق مما كان يراه من قبل. فالمعارك التي كان يظنها بابا لإثبات الذات، تتكشف له يوما بعد يوم على حقيقتها: أبوابا تستهلك الروح، وتسرق العمر، وتبدد صفاء البصيرة. ومع نضج التجربة، يزداد إدراكه أن الوقت أعظم نعمة، وأن النفس أغلى أمانة، وأن الدخول في كل سجال ليس فضيلة، وأن ترك كثير من الخصومات رفعة لا يصل إليها إلا من تجاوز طور ردود الأفعال، وارتقى إلى مقام الوعي المؤسس على التعقل والحكمة. والآية الكريمة: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، ليست وصفا عابرا لأخلاق جماعة من الناس، بل هي رسم لصورة إنسان بلغ تمام الرشد؛ إنسان يعرف أن النزول إلى مستوى الجاهل خسارة قبل أن تكون مجادلة، وأن الرد على السفه قد يمنح لحظة انتصار، لكنه يسلب من النفس مقام الوقار. فالسلام الذي ينطقون به ليس هروبا من المواجهة، بل هو قوة في الترفع، وسيادة على النفس، وقدرة على أن يقول الإنسان لنفسه: لستُ مضطرا إلى كل ساحة دعيت إليها. وفي الحديث النبوي الشريف: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) تبرز قاعدة ذهبية تختصر نصف الحكمة. فمن ترك ما لا يعنيه، إنما تركه لأنه عرف قدر نفسه، وعرف أن الخوض في ما لا ينفع يضيع العمر بلا ثمرة، ويثقل الروح بغير سبب. فمن أراد لنفسه صفاءً، ولعمره بركة، ولذكائه نموا، ولصوته وزنا، فعليه ألا ينشغل بما لا يعيده إلى ذاته بخير أو حكمة. وهذا الترك ليس ترفا، بل ضرورة يفرضها احترام الذات. وفي هذا السياق يروي الجاحظ قصة تكاد تكون مرآة صادقة لهذا المعنى ؛ ففي البيان والتبيين أن رجلا من أهل الجدل – من أولئك الذين يتقنون إثارة الخصومات ويعشقونها – اعترض أعرابيا في الطريق وقال له: «يا أخا العرب، أتحب أن نتجادل في مسألة؟» فنظر الأعرابي إليه نظرة من فهم الدنيا أكثر مما فهمها خصمه، ثم قال: «أعلى العقل تتجادل؟» فقال الرجل: «نعم». فقال الأعرابي: «فقد كفيتك؛ لأن العقل يهدي فيما لا نفع فيه إلى السكوت، ومن طلب الجدال فقد خالفه». ثم أدار ظهره وقال جملة تستحق أن تُكتب بماء الضياء: «ما رأيت شيئا أذهب للوقار من خصومة لا تجلب نفعا». فانصرف الأعرابي بهيبة، وبقي الرجل حائرا، وقد خسر اللحظة التي كان يأمل فيها أن يلمع صيته، وربح الآخر وقارا لا يُشترى. هذه القصة ليست مجرد حكاية، بل هي فصل كامل في فن الحياة. إنها تعلمك أن الوقار لا يُصنع بالردود، وأن الحكمة لا تُولد من الانفعال، وأن العقول الكبيرة لا تركض وراء كل سجال. فليست كل معركة جديرة بالمشاركة؛ بعض المعارك مجرد ثقوب سوداء تبتلع الوقت والطاقة والسكينة. والعاقل لا يسمح لنفسه أن تُستدرج إلى ما يعلم مسبقا أنه طريق لا نهاية له. وما أكثر ما نرى في حياتنا من معارك متخفية تحت عباءة الحق، لكنها في جوهرها صراعات، ورغبات إثبات، وتنافس على الغلبة لا على الحقيقة. يدخلها الإنسان بحماسة، ثم يخرج منها منهكا، وقد فقد شيئا من رصانته، وشيئا من صفائه، وربما شيئا من احترامه لنفسه. بينما قد يغادرها آخر منذ أول لحظة، مدركا أن الهزيمة الشكلية أكرم للنفس من الانتصار الذي يشوهها. إن بعض الهزائم ليست إلا حماية من السقوط الأكبر. وبعض الانسحابات ليست إلا صعودا في سلّم النضج. فمن عرف قيمة نفسه عرف قيمة صمته، ومن عرف قدر عقله عرف قدر خصومه، ومن عرف الطريق الذي يمضي فيه لم يلتفت إلى من يلوّح له من جوانب الطريق داعيا إياه إلى معركة لا تُثمر إلا فراغا. والنفوس الكبيرة لا يجذبها الصراخ، ولا يسحرها وهج الجدل، ولا تبحث عن انتصارات فارغة. تعرف أن الكلمة العالية ليست التي تُقال بصوت مرتفع، بل التي تحمل وزنا في ميزان الحق. وتدرك أن الرد السريع ليس دليلا على القوة، وأن التجاهل ليس ضعفا، وأن الصمت قد يكون أحيانا أعظم بيان. ومن أراد أن يعيش بسلام، فليتعلم أن يحفظ قلبه من كل ما ينقص نوره. وأن يترك للخصومة طريقها دون أن يسير فيها، وأن يختار معاركه بعناية، وأن يتذكر دائما أن العمر ليس مساحة مفتوحة للمشاكسات، وأن أرباح الجدل قد تكون خسائر لروح لا تُعوّض. إن الإنسان حين يكتمل رشده يرى أن أعظم ما يمكن أن يربحه هو نفسه، وأن أسوأ ما يمكن أن يخسره هو نفسه. لذلك كان بعض الخسران شرفا، وبعض التراجع قوة، وبعض الصمت انتصارا، وبعض الهزائم قمما من المجد الإنساني. وبعد كل هذا، لا يبقى إلا أن نقول: بعض المعارك في خسرانها شرف، من عاد منتصرا من مثلها انهزما
243
| 07 ديسمبر 2025
في التراث الشعبي قصة مفادها: أن ثورا هائجا اقتحم مضارب عبس، فهدم من الخيام ما هدم، وبدّد من السكينة ما بدّد، وترك في النفوس ما يتركه كلُّ خطرٍ يأتي بلا مقدّمات، وملأ المكان هلعًا واضطرابًا! فزع الناس من فورهم وراحوا يفتّشون عن عنترة، ينتظرون منه أن يقف في وجه العاصفة كما اعتادوا أن يفعل! لكنّ الدهشة استبدّت بهم حين رأوه مختبئا في ناحية يتجنّب تلك الهجمة! قالوا له في عتابٍ ظاهر: تفرّ من الثور وأنت عنتر؟ فأجابهم بعبارة صارت مثلًا: ومن يُخبر الثور إنّي عنتر؟ لم يكن جوابا من رجل هارب، بل من إنسان يعرف أنّ الشجاعة ليست أن نقتحم الخطر لأنّ الناس تتوقّع منّا ذلك! بل أن ندرك ما يصلح أن نواجهه وما لا معنى لمواجهته. فالثور لا يفهم الأسماء، ولا تردّه ذكريات المفاخر، ولا يهاب سيرة الفرسان؛ بل هو غضب أعمى لا ينفع معه صهيل البطولة. هكذا انتهت الحكاية لكنها تركت بابًا مشرعا للتأمّل في معنى الشجاعة، وفي الحدود الدقيقة التي تفصلها عن التهوّر. الشجاعة ليست اندفاعًا يسبق التفكير، ولا صوتًا يعلو حين يخفت صوت العقل؛ بل هي بصيرة قبل أن تكون قوة، وإدراك قبل أن تكون اندفاعًا. ولذلك جاء الخطاب الإلهي موجها للإنسان أن يحفظ نفسه من حماسة تجرّه إلى مداخل الهلاك فقال:﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. أي كن سيد نفسك لا أسير رغبة في الانتصار على شيء لا يفهم معنى انتصارك! فالثور لا يفهم أنك عنتر. والغضب لا يفهم أنك حكيم. واللحظة لا تفهم أنك شجاع! وفي ميزان النبوّة تعلو الحكمة على مجرد السطوة، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ». فالشدّة ليست الحدّة، وليست الاندفاع، وليست الغلبة على الآخر. إنها الغلبة على الذات. إدارة الداخل قبل الخارج. امتلاك العاصفة التي تثور في القلب قبل امتلاك السيوف التي تتحرّك في الأيدي. حين نفهم ذلك، ندرك أن الشجاعة ليست فضيلة عضليّة، بل فضيلة عقلية، وليست مهارة ميدانية، بل موقف وجودي. الشجاعة —بمعناها العميق— هي قدرة الإنسان على أن يختار. أما التهوّر، فهو أن تُنتزع منه القدرة على الاختيار، فيتحرّك بدافع اللحظة، بدافع العيون التي تنتظر منه أن يكون شيئًا وفقط حتى وإن هلك بلا ثمن! إن صفحات التاريخ مليئة بالرجال الذين أدركوا أنّ الحرب رأيٌ قبل أن تكون سيفًا، وأن النصر يُصنع بالتدبير كما يُصنع بالشجاعة. وهذا ليست هربا منها، بل عن وعي بأن مواجهة الخطر لا قيمة لها إذا خلت من غاية، وأن الإقدام بلا بصيرة صورة أخرى للخسران. فليس كل اندفاع بطولة، ولا كل تراجع جبنًا؛ إنما البطولة أن يعرف الإنسان موضع خطاه، وأن يميّز بين معركة تستحق السعي إليها وأخرى لا تزيده إلا نزفًا بلا معنى. والخلاصة أن في حياة كل إنسان منا ثورا هائجا بشكل ما: غضب يفاجئ العقل، إهانة تستفز النفس، موقف يطالب فيه الناس صاحبه بأن يبرهن على قوته! وفي كل مرة تُرفع أمامه راية التحدّي، يقف عند الحدّ الفاصل بين الطريقين: طريق التهوّر الذي يغريه بالاندفاع، وطريق الشجاعة الحقيقية التي تبدأ بالعقل وتستقرّ بالحكمة. ولعلّ أجمل ما في تلك الحكاية أنّها تُعيد ترتيب الميزان في القلب: ليس المهم أن يعرف الآخرون أنّك عنتر، بل أن تعرف أنت متى تكون عنتر، ومتى تكون أحكم من عنتر. فالبطولة ليست إثباتًا للذات، بل حفظٌ لها. وليست صليل سيوف، بل بصيرةٌ تضع القوة في موضعها. هكذا يصبح الإنسان شجاعًا لا متهوّرًا، ثابتًا لا مندفعًا، قويًّا بحكمته قبل قوّة ساعده. وهكذا يتبيّن أنّ العقل هو القائد الحقيقيّ للقلب، وأن كل خطوة بلا وعي إنما هي (ثور) جديد يقتحم مضارب الحياة.
366
| 02 ديسمبر 2025
حين ينضج الوعي؛ يخفت الجدل، لا لأنه يفقد قيمته، بل لأن النفس تتجاوز تلك المرحلة التي كانت ترى في كل اعتراض تحدياً يجب الانتصار عليه، وفي كل اختلاف تهديداً ينبغي دفعه. ومع الزمن يبدأ الإنسان يلاحظ أن كثيراً من النقاشات التي كان يخوضها في بدايات عمره لم تكن بحثاً عن الحقيقة بقدر ما كانت محاولة لإثبات الذات، أو ردّ فعل نابع من نقص في الفهم أو التجربة. ومع تراكم الخبرة واتساع أفق النظر، يتبدّل إدراكه لطبيعة الحوار؛ فيعي أن الكلام ليس دائماً طريقاً إلى الفهم، وأن بعض المساحات في الحياة لا يفتح أبوابها إلا الصمت. يدرك أن الجدل حين يخلو من الإنصاف يتحوّل إلى حلقةٍ مفرغة، مهما بدا لامعاً وظاهره قوياً، وكلما ازداد تبصّره قلّ تعلّقه بالرغبة في التفوق اللفظي، لأن العقل حين يستقيم لا يطلب إثبات نفسه بالصوت، بل بالفعل والرؤية والسكينة. وهنا يظهر أثر النضج في أول تجلٍّ من تجليات العلاقة مع الناس: فلم تعد الآراء المخالفة تستفزّه كما كانت، ولم يعد يرى في كل اختلاف سبباً لنقاش طويل. سيدرك أن فهم الآخرين له حدود، وأن محاولات شرح كل موقف وإقناع كل عقل هي استنزاف يفتت الجهد دون جدوى، فيصبح أكثر انتقاءً للمساحات التي يستثمر فيها طاقته الذهنية والعاطفية، وأكثر بصيرة بما يستحق جهداً وما يجدر أن يترك في مكانه دون مقاومة. وسيتسع هذا الوعي ليشمل قيمة الوقت ومعنى العمر؛ فيفهم أن الساعات التي يضيّعها الإنسان دفاعاً عن فكرة لا تستحق، أو رداً على استفزاز عابر، هي اقتطاع من أيامه التي لن تُعاد، وأن النزاعات الصغيرة ليست إلا ثقوباً تنفذ منها طمأنينة القلب واستقراره؛ فيبدأ يحرص على أن يبقى مزاجه الداخلي في مأمن من العبث، وأن تبقى روحه بعيدة عن التشويش الذي تسببه المعارك الكلامية اليومية. ولا يعود يقف عند كل اعتراض، لأن الاعتراضات لا تنتهي. ولا يرد على كل استفزاز، لأن الاستفزاز جزء من طبائع البشر. ولا يسمح لصغائر الأمور أن تحجب عنه صفاءه. فيبدأ في ممارسة التغافل، لا بوصفه تنازلاً أو ضعفاً، بل باعتباره حكمة تختار المعارك التي تستحق، وتترك ما سواها يمضي دون أثر. ويبلغ هذا النضج قمته حين يتعامل الإنسان مع الصمت كقيمة عليا، يعرف أن الصمت أبلغ من القول حين يكون القول تشويشاً، وأن الإعراض عن اللغو رفعة للنفس لا يقدرها إلا من عرف ثمن سكينته. سيكتشف أن الدخول في كل نقاش ينقصه ولا يزيده، وأن كثرة الردود لا تمنح الإنسان قوة بقدر ما تعكس اضطراباً داخلياً لم يُهذّب بعد. إن السلام الداخلي الذي يناله المرء حين يشتد وعيه ليس شيئاً يستطيع الجدل منحه، ولا يقدر الانتصار اللفظي على توفيره، إنه ثمار تراكم طويل من الفهم والصبر والتجربة، تتشكل مع الأيام حتى يصبح الإنسان أكثر خفة في تعامله مع العالم، وأكثر صفاءً في رؤيته لنفسه. وهكذا يمضي صاحب الوعي في دربه، لا يحمل أثقال الخصومات، ولا يضيع أنفاسه في ملاحقة أصوات الناس، بل يحفظ صوته الداخلي من أن يبهت في ضجيج النقاشات.
597
| 23 نوفمبر 2025
ينطلق الإنسان في هذه الحياة بين شقشقات الأمل، وجراح الواقع، ونداءات الفطرة التي تناديه إلى أن ينهض، وأن يكدح؛ فلا مكان لروح خامدة تترقب المعجزات، ولا لحياة تُرجى على ضفاف الأماني الكسلى. ومن هنا يأتي كلام المتنبي منبها الغافل: لَوْلا المَشَقَّةُ سَادَ النّاسُ كُلُّهُمُ الجُودُ يُفْقِرُ وَالإقْدَامُ قَتَّالُ كلمة تُشبه قَرْعَ المطرقة فوق صخرة الوهم، لتقول للإنسان: إن الطريق ليس مفروشاً بالورود، وإن للعلاء ثمنه، وللريادة ضريبَتها. هكذا قضى الله وقدّر؛ فلا محاباة لأحد على أحد، ولا يشفع للكسول نسب ولا يرفعه تاريخ. وقد قال عبدالله بن معاوية يوقظ الهمم من سباتها: لَسْنَا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنَا يَوْماً عَلَى الأَحْسَابِ نَتَّكِلُ نَبْنِي كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا تَبْنِي وَنَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلُوا إنها دعوة واضحة أن تضاف أمجاد الحاضر إلى أمجاد الماضي، لا أن تُستنزف حياة الشعوب في التغني بما كان. يقول ابن القيم: «وقد أجمع عقلاء كل أمة، على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن من آثر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة». كلمات تشبه سراجا في ليل ثقيل، تذكر بأن لذة الإنجاز لا تنال بلا عرق، وأن راحة الجسد ليست طريق راحة الروح، وأن السائر إلى أهدافه لن يبلغ شيئاً إن حمل على كتفيه خوف العناء. ومن استوعب هذه السنن، واستيقن هذه الحقائق، سرت في كيانه روح أخرى؛ تجده يصنع نجاحه بيده، ويستخلص سعادته بعمله. لا يلتفت إلى الوراء متحسراً على زمن ولى، ولا يُلقي باللوم على الظروف، ولا يتكئ على الأعذار الواهية، ولا ينتظر طفرة تهبط عليه من السماء بلا جهد. إنه يؤمن أن الفشل طريق النجاح وأن البلاء طريق العافية وأن حياة الإنسان لا تُكتب بالحظوظ؛ بل تُخَط بمقدار ما يبذله من جهد؛ ففي قاموسه لا مكان لليأس، ولا للعجز، ولا للكسل، ولا للأماني التي لا تتكئ على عمل. وهكذا، يظل الطريق واحداً: طريق المشقة تلد الرفعة وطريق الصبر ينبت الثمار وطريق الكدح الذي يهب للإنسان معنى وجوده. فمن أراد المعالي، فعليه أن يدفع ثمنها ومن أراد الخلود في التاريخ، فليحمل مشعل الفعل، لا مرآة الذكرى.
375
| 16 نوفمبر 2025
في زوايا النفس، حيث تتناوب الهموم والظنون، وتتصاعد الأصوات الخافتة في دهاليز الفكر، يولد التفكير التضخيمي؛ ذلك النمط الذهني الذي يهوّل الأمور، ويُكبّر التفاصيل حتى تصير الجبال من الحصى، ويحول المواقف العابرة إلى معارك وجود. هو تلك العدسة المشوهة التي يضعها العقل على عينيه، فلا يرى من الواقع إلا ظلاله المقلقة، ولا يقرأ من الأحداث إلا وجوهها السوداء. إن التفكير التضخيمي ليس مجرد عادة فكرية، بل هو اضطراب في إدراك النسبة بين الشيء وقدره، وخلل في ميزان النظر إلى الوقائع. ينشأ غالبًا من بيئة نفسية يغلب عليها القلق، ومن تربية تزرع الخوف من الخطأ، أو من تجربة مؤلمة علمت الإنسان أن يتوجس من كل قادم. حينها يختلط الحذر بالهلع، ويضيع الحد بين التوقع الطبيعي والمبالغة المرضية، فيتحول الذهن إلى ساحة مفتوحة للظنون، تشتعل فيها كل فكرة صغيرة حتى تصبح نارًا تلتهم راحة القلب. ملامحه وصفاته من أبرز سمات هذا التفكير أن يعيش صاحبه في حالة ترقب دائم، كمن ينتظر مصيبة لم تقع بعد، ويقرأ في صمت الأيام إنذارًا خفيًا، وفي كل تأخر أو تغير في المألوف، دليلًا على شر قادم. يرى الغد عدوًا متربصًا، ويحمّل الحاضر ما لا يحتمل من الهواجس. يتضاعف خوفه من المستقبل لأنه فقد الثقة في المدبر سبحانه، ويفر من واقعه لأنه لا يرى فيه لطفًا ولا حكمة. هو إنسان يعيش في خيال يهدده، وفي ظلال فكرة لم تتجسد، يرى الخطر قبل أن يوجد، ويستسلم لصور وهمية من الفقد والألم. يظن أن كل نظرة تخفي نقدًا، وكل تأخير يحمل مؤامرة، وكل تجربة فاشلة نذير نهاية. فلا عجب أن يفقد طمأنينته، لأن نفسه أرهقتها صناعة العواصف من النسيم. آثاره على النفس والحياة آثار التفكير التضخيمي عميقة ومتشعبة. فهو يستنزف طاقة الإنسان النفسية قبل أن يرهق جسده. يبدد الصفاء الداخلي، ويغتال الهدوء في لحظات السكون، فيعيش صاحبه بين مطرقة الندم على الماضي وسندان الخوف من القادم. لا يهنأ بلذة الحاضر، لأن ذهنه منشغل بما لم يقع بعد، ولا يطمئن إلى قدره، لأن في داخله يقينًا خفيًا بأن الشر أقرب من الخير. ومن آثاره كذلك: اضطراب العلاقات الاجتماعية، إذ يسيء صاحبه تأويل المواقف والنوايا، فيظن بالناس السوء، ويهرب من الحوار خوفًا من المواجهة، ويفقد قدرته على اتخاذ القرار لأن الخطر في نظره يترصد كل خطوة. تتقلص دائرة حياته شيئًا فشيئًا حتى يصبح أسيرًا لفكرة واحدة، سجينا لعقله الذي لا يهدأ. العلاج والتعافي ليس علاج هذا النمط في القمع أو التجاهل، ولا في محاولات التفكير الإيجابي السطحية، بل في إعادة بناء العلاقة بين الفكر والإيمان. فالعقل إن لم يستند إلى يقين التوحيد، ضل في متاهات الخوف، وصار يضخم المجهول لأنه فقد ميزان الثقة بالله. إن أول خطوة في العلاج أن يدرك المرء أن الأمور بقدر، وأنه لا يقع في الكون شيء عبثًا، كما قال الله تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١]. بهذا اليقين، تبدأ النفس في استعادة توازنها، ويستعيد العقل قدرته على رؤية الأشياء كما هي، لا كما يخاف أن تكون. وكلما ازداد الإيمان بالقدر، تقلص الخوف من المستقبل، لأن المؤمن يعلم أن تدبير الله له أوسع من تدبيره لنفسه. ثم يأتي الجانب العملي: أن يدرب الإنسان نفسه على الوعي بالفكر حين ينشأ، فيلاحظ المبالغة دون أن ينخرط فيها، وأن يتنفس بعمق حين تهاجمه الفكرة الكارثية، وأن يذكّر نفسه بأن الخطر المتخيَّل لا يساوي جهد الخوف منه. ويمكن أن يستعين بالعلاج المعرفي السلوكي الذي يساعد على إعادة تشكيل المفاهيم، وضبط المنطق الداخلي الذي يضخم الأمور. قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، فهي الآية التي تهدم جذور التفكير التضخيمي من أعماق النفس؛ لأن فيها يقينًا بأن وراء كل أمر وجه خير وإن خفي، وأن الخوف في جوهره سوء ظن بلطف الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (رواه مسلم). فهذا الحديث يضع قاعدة ذهبية في طمأنينة النفس؛ إذ يجعل الإنسان يرى في كل قدر بابًا إلى الخير، وفي كل محنة معنى من الرحمة الإلهية، فينقلب الخوف سكينة، والقلق رضا، والاضطراب طمأنينة. إن التفكير التضخيمي ينهزم أمام الإيمان الراسخ، لأن اليقين بالله يختصر كل احتمالات الشر في جملة واحدة: “لن يصيبني إلا ما كتب الله لي”، وعندها يعود الاتزان إلى النفس، فيتوازن الإدراك، وتصفو الرؤية، ويعود الخيال إلى مجاله الجميل، مجال الإبداع لا الخوف، والتفكير لا التهويل. وهكذا يتعافى القلب حين يضعف سلطان الوهم، ويقوى سلطان الإيمان.
375
| 09 نوفمبر 2025
مساحة إعلانية
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة...
2655
| 27 فبراير 2026
رمضان في الوعي الإسلامي ليس مجرد شهر عبادة...
2145
| 25 فبراير 2026
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام...
2019
| 01 مارس 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ...
1029
| 26 فبراير 2026
رمضان يأتي ليطرح سؤالًا ثقيلًا: ماذا تبقّى منك؟...
828
| 27 فبراير 2026
جوهر رمضان هو العبادة، وتخليص النفس للطاعة، والتقرب...
789
| 25 فبراير 2026
شهدت منطقة الشرق الأوسط اندلاع حرب خطيرة بين...
678
| 02 مارس 2026
-قطر لم تسمح باستخدام أراضيهاونَأَتْ على الدوام عن...
591
| 01 مارس 2026
لم تكن المساجد في صدر الإسلام مجرد مساحةٍ...
573
| 26 فبراير 2026
انطلقت الحرب الإسرائيلية- الأمريكية على إيران والمرمى الرئيسي...
549
| 02 مارس 2026
اختلطت الأوراق بدأت عواصف الحرب تأخذ مجراها كما...
543
| 01 مارس 2026
قرأتُ منذ أيام في الصحف المحلية عنوانًا عريضًا...
525
| 26 فبراير 2026
مساحة إعلانية