رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

234

د. أحمد المحمدي

مصائد التاريخ

27 يوليو 2025 , 01:31ص

التاريخ ليس كتابًا مفتوحًا فحسب، بل هو واد كثير الشعاب، متشابكة طرقه، محفوفٌ بالمزالق والمصائد.

من دخله بلا بصيرة، خرج منه مثقَلًا بالأوهام لا بالحكمة، وبالحنين لا بالبصيرة!

ليس كلّ من قرأ التاريخ وعاه، ولا كلّ من وعاه فقهه، ولا كلّ من فقهه نجا من مصائده.

‏ومن مصائد التاريخ الكبرى:

‏1. الانبهار بالحوادث لا بالسنن

‏ينشغل الناس غالبًا بـ(ماذا حدث؟) ولا يسألون: (لماذا حدث؟) ولا (كيف يمكن أن يحدث مرة أخرى)

‏فينبهرون بانتصار القادسية، ولا يدرسون كيف صيغت النفوس قبلها!

‏يتغنون بفتح الأندلس، ولا يتأملون كيف فتحت، ولا كيف ضاعت!

‏يحيون ذكرى صلاح الدين، ولا يدرسون كيف انتصر بالأسباب قبل أن ينتصر في الميدان.

‏الحوادث دون سنن؛ تُصبح طقوسًا للتمجيد، لا دروسًا للنجاة.

‏2. تقديس الرموز دون تفكيك التجربة

‏من أخطر مصائد التاريخ أن نُجمّد العظماء في صور، ونحني لهم الرقاب، دون أن نحني العقول لتتعلّم من صنيعهم.

‏فنحوّل القادة إلى أصنام عاطفية، بدلاً من أن نصنع من تجربتهم منهاجًا للنهضة!

‏حينها يصبح التاريخ متحفا للتمجيد لا مختبرا للفهم، نمشي وراء الظلال، ونترك النور.

‏إن صلاح الدين لم يكن بطلًا لأن التاريخ قال ذلك؛بل لأنه صاغ أمةً قبل أن يفتح قلعة.

‏3. القياس السطحي بين العصور

‏من أكبر أخطاء العقل المعطوب، أن يتخيّل أنّ أمراض اليوم لا تعالج إلا بوصفات الماضي! دون فقهٍ للمتغيّرات.

‏أن يظنّ أنّ ما نفع في زمنٍ مضى، ينفع بالضرورة في زماننا، ولو تغيّرت البيئة، والعلّة، والجسد، وطبيعة التهديد!

‏نستدعي حلول القرون الفائتة لنعالج بها تعقيدات الدولة الحديثة دون فهم للمتغيرات، ونقيس حاضرنا على لحظة راشدة بغير أدواتها ولا رجالها ولا شروطها.

‏فنقع في عبث المقارنة، وسذاجة القياس، وضياع البوصلة.

‏فلا نحن استفدنا من حكمة الماضي، ولا اجتهدنا لبناء الحاضر.

‏بل بقينا أسرى زمنين: نردّد أمجاد الأول ترديد الغافلين، بلا وعي بشروطه ولا فهم لسياقه، ونخاصم الحاضر خصام العاجز، الذي لا يملك أدوات قراءته ولا جرأة إصلاحه!

‏نُسجّل إعجابنا بالماضي في مجالس التفاخر، ونُعلن عجزنا عن التعامل مع الحاضر في ساحات البناء!

‏فصرنا نُحني رؤوسنا لتاريخٍ لا نفهمه، ونرفع أصواتنا ضد واقع لا نملك له أدوات المواجهة!

‏4. الماضي كملجأ للهروب لا مرآة للمحاسبة

‏أحيانًا يتحوّل التاريخ إلى وسادة للنوم، لا منارة للصحوة.

‏نرجع إليه لا لنفهم، بل لنهرب.

‏نتفاخر بالأمجاد ونحن في الحضيض، ونتلو قصائد النصر ونحن نُهزم في كل ميدان.

‏فنصير كمن يُغني فوق الرماد، ويحسب الحكايات بعثًا جديدا!

‏هذا الهروب لا يُنتج وعيًا، بل يُكرّس العجز.

‏5. غياب القراءة الإيجابية للتاريخ

‏وهذه من أعمق المصائد التي لم يسلم منها حتى بعض العقلاء

‏أن تُختزل قراءة التاريخ في الصراع، وتُلوّن بالرأي، وتُحوّل إلى محاكمة لا مدارسة!

‏فلا ننتفع من خبرات الآخر، ولا ندرس تجارب الإصلاح، إلا إذا طابقتنا في فهم العقيدة، أو وافقتنا في الفكر!

‏فندفن مدرسة إصلاحية كاملة، لأن صاحبها خالفنا في مسألة فقهية، أو تأوّل آيةً بغير فهمنا!

‏نقصي عالمًا ربّانيًا لأنه خالفنا في موقف، أو لأنه اجتهد حيث توقّفنا!

‏وهذا خطرٌ مزدوج:

‏•فكرٌ يُعادي سنن الله حين يُقيّدها بالموافقة الحزبية

‏•وعقلٌ يُضيّع ثروة الأمة حين يُقصي أدوات الإصلاح إن جاءت من خارج “الإطار المألوف”.

‏والأصل أن التاريخ يُقرأ لاختبار أدوات الفاعلية، واستخلاص سنن التغيير، لا لمطابقة الأهواء!

‏فنأخذ من كل تجربة أدواتها الناجعة، ونضيف إليها من معارف عصرنا، ونطرح منها ما بلي وتقادم.

‏وذلك هو الفقه الحقيقي، أن نُحيي السنن وإن جاءت من خصم، وأن نُميت البدع وإن جاءت من حبيب!

‏وختاما: ليست الكارثة في أن نُخطئ، بل في أن نُكرر ذات الخطأ باسم التاريخ!

‏أن نُعيد السقوط ونحن نظن أننا نُعيد المجد.

‏أن نسقط في ذات الهاوية، ونحن نظن أننا نمشي على طريق الفاتحين.

‏ما التاريخ إلا صوت السنن، ينادي من وراء القرون:

‏افهموني… قبل أن تكتبوا عني!!

اقرأ المزيد

alsharq إنّا من المجرمين منتقمون

الإجرام في اللغة هو القيام بفعل ذنب عظيم يقع المرء عليه عن قصد. أما من الناحية القانونية، فإن... اقرأ المزيد

21

| 23 أبريل 2026

alsharq هل تصبح كرة القدم 50 دقيقة؟ أفكار جريئة من مالك نادي نابولي

لم تكن كرة القدم لعبة جامدة منذ معرفتها، بل عرفت تحولات مستمرة طالت قوانينها، إيقاعها، وحتى طريقة تقديمها... اقرأ المزيد

132

| 22 أبريل 2026

alsharq من المسؤول ؟!

أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل،... اقرأ المزيد

2154

| 22 أبريل 2026

مساحة إعلانية