رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

إبراهيم عبد المجيد

كاتب وروائي مصري

مساحة إعلانية

مقالات

390

إبراهيم عبد المجيد

أيها العالم اتركنا..

23 أبريل 2026 , 12:05ص

سؤال قد يقفز إلى الكتاب والمبدعين، حين يتقدم بهم العمر وترهقهم الأمراض. لا أنسى مشهدا لتوفيق الحكيم في بيته، أذاعه التليفزيون في أيامه الأخيرة مع المرض، وهو يتساءل ما معنى ما كتبته وما فائدته؟ أجل، فالكتابة تبحث عن الخلود لشخصيات الأعمال الفنية، ودون أن يدرك الكاتب، يتسرب معنى الخلود إلى نفسه، وينسى أن لكل ميعاد مع الرحيل عن الدنيا. أبعد دائما عني هذا السؤال، رغم ما مررت به من ألم، وأحرص على القراءة لأعيش في عالم أفضل، لكنه يقفز وأنا أرى العالم حولي، زادت فيه الحروب متجاوزة حد العبث. أتذكر رحلتي مع القراءة منذ الطفولة والصبا، التي وصلت يوما أني صرت اقرأ كتابا كل يوم أو يومين، وكنت افتخر وأسجل عناوين ما اقرأه، في أجندة ضاعت مع الزمن، ولا أنسى عام 1962 التي وصلت فيه الكتب إلى عدد أيام العام نفسه. لا زلت رغم الوهن اقرأ وإن بشكل أقل كثيرا، كتبا عظيمة أبدعها كتاب يعيشون حولنا أو رحلوا، وأحرص كثيرا أن أكتب عنها، لكن الوقت وإن كان كافيا لقراءتها، فهو لا يكفي للكتابة عنها، مما يخجلني أحيانا من أصحابها الذين أهدوها لي.

مع ما جرى في غزة من خراب، وما اتسع مع الهجوم الأمريكي الصهيوني على إيران، وتبعاته التي لا تنتهي، أصابتني "قفلة القراءة" إلى حد كبير، بعد أن اعتدنا أن نتحدث عن قفلة الكتابة. صار وقتي بين متابعة ما يحدث ويستمر، رغم أني على يقين، أنه لا أمريكا ستستطيع ان تحتل إيران، ولا إسرائيل ستحتل العالم العربي، رغم ما تفعله في لبنان، أو ما فعلته في سوريا، فلابد من يوم يعود فيه الحق لأصحابه.

عشت حروبا كثيرة منذ طفولتي، في مصر أو غيرها، أولها العدوان الثلاثي عام 1956 وأنا في العاشرة من عمري، ولا زالت هناك حروب تعبت في محاولة فهمها، مثل حرب السودان الضائعة عنا، التي تسببت في رحيل كثير من أهله. يظل دائما السؤال الغائب كيف لمن يديرون هذه الحروب، لا يدركون أن أيْ فريق يريد الانتصار، لم ينتصر وتم خراب البلاد، فيتفقون على السلام. يغيب السؤال حين أنظر إلى حروب إسرائيل، التي هي ضد أيْ سلام منذ نشأتها. أتذكر ما كتبه مفكرون في أمريكا وغيرها، عن أن الليبرالية هي آخر الزمان، بعد حروب تاريخية بين المذاهب الفكرية، اجتماعية أو دينية، وأنظر إلى ما يفعله شخص مثل ترامب، الذي ضرب بذلك كله عرض الحائط، رغم أن أكثر الأفكار عن الليبرالية جاءت من بلاده، لكنه لا يعرف منها غير توحشها، وصار يعتبر ما يفعله هو الحقيقة المطلقة، ولا رأي غير رأيه. لا أجد تفسيرا رغم أن التفسيرات كثيرة، شخصية أو سياسية، غير أنه تأثر بالدول الديكتاتورية التي يزعم أنه ضدها، وصار يرتدي ثوب الديكتاتور، ولا يبالي حتى بفشله، ولا انتفاض المجتمع الأمريكي نفسه ضده، ولا ابتعاد دول أوروبية كثيرة عنه وإدانتها له. لا يدهشني أنه لا يرى ذلك، فالديكتاتور لا يرى إلا نفسه.

أكاد أصرخ، أيها العالم اتركنا، فنحن الكتاب نعيش بين الكتب، ومن حولنا من الناس يعيشون بين انشغالاتهم في العلوم، أو بين انشغالاتهم في التخلص من أعباء الحياة. العدد الأكبر من الناس في أي مكان، يجتهدون ليكون لهم بيت، وزوجة وأسرة صغيرة، فهذا هو الوطن الذي تهدمونه.

" أيها العالم اتركنا ".. تبدو صرختي لا جدوى منها، لكني اكررها، ربما أستطيع أن افتح كتابا، ابتعد به عما حولي من خطايا وآثام.

مساحة إعلانية