رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

36

د. أحمد المحمدي

التطور الحضاري بين الفلسفة الغربية والمنهج الإسلامي

29 مارس 2026 , 03:41ص

حين يُثار الحديث عن «التطوّر» بوصفه مصطلحًا فكريًّا وحضاريًّا، فلا يجوز أن يُتناول بوصفه لفظًا بريئًا، ولا أن يُحمَّل دلالات لغويةً ساذجة، ولا أن يُستمدّ معناه من معاجم اللغة وحدها؛ لأنّ المصطلحات – بخلاف الألفاظ المجرّدة – كياناتٌ حيّة، تتشكّل في قلب الصراع الفكري، وتتحرّك في مجرى التاريخ، وتكتسب معناها من السياق الحضاري الذي وُلدت فيه واستُعملت داخله.

فمصطلح «التطوّر» لم ينشأ في البيئة العربية القديمة بصيغته الاصطلاحية المعاصرة، وإن كانت مادته اللغوية (الطور، والتحوّل، والانتقال من حال إلى حال) معروفة؛ لكنه بوصفه مفهومًا شاملًا للحياة والتاريخ والإنسان لم يتبلور إلا في السياق الفكري الحديث، حيث تحوّل من توصيف جزئيّ للحركة والتغيّر، إلى رؤية كونية كليّة، يُراد لها أن تفسّر الوجود والإنسان والحضارة تفسيرًا شاملًا.

ومن هنا، فإنّ التطوّر ليس مجرّد نموٍّ آليٍّ، ولا تغيّرٍ تراكميٍّ أعمى، ولا حركةٍ ميكانيكية تُدفَع من الخارج، بل هو – في حقيقته – سلسلة تحوّلات داخلية وخارجية متداخلة، تصيب الكائنات والأشياء والوسائل الحضارية، فتنتقل بها من مرحلةٍ إلى مرحلة، في دوراتٍ قد تصعد وقد تنحدر، وقد تبلغ الذروة ثم تنقلب، وقد تنتهي إلى الفناء أو تُفضي إلى ولادةٍ جديدة.

غير أنّ الإشكال الجوهري في مصطلح التطوّر لا يكمن في إنكار الظاهرة ذاتها؛ فالتطوّر واقعٌ مشهود في الكون والحياة والإنسان، وإنما يكمن في تحويله إلى شعارٍ أيديولوجيٍّ زئبقيّ، يُفصل عن القيم، ويُنزَع من غايته الإنسانية، ويُقدَّم باعتباره حركةً حتميةً إلى الأمام، مهما كان اتجاه هذا «الأمام»، ومهما كانت كلفته الأخلاقية والإنسانية.

لقد أُفرغ التطوّر – في كثير من الأدبيات الحديثة – من أي معيارٍ أخلاقي، وصار يُقاس بالسرعة، وبالتراكم، وبالقدرة على السيطرة، وبالتفوّق التقني، لا بعمق الإنسان ولا بسموّ القيم. وهنا تحوّل من أداةٍ للفهم إلى أسطورةٍ مهيمنة، تُبرّر الثورة على الماضي، وتُقدّس القطيعة، وتسوّغ تحطيم الثوابت باسم التقدّم.

وفي مواجهة هذا الانحراف، يقدّم التفسير الإسلامي تصوّرًا مختلفًا جذريًّا للتطوّر؛ تصوّرًا يربط الحركة بالغاية، والتغيّر بالمسؤولية، والنموّ بالميزان القيمي. فالتطوّر – في هذا الميزان – لا يكون تطوّرًا حقيقيًّا إلا إذا كان تقدّمًا نحو الأفضل، لا مجرّد انتقالٍ إلى المختلف، ولا اندفاعًا أعمى نحو الجديد.

ومن هنا يُرفض التصوّر الذي يجعل التطوّر قانونًا زمنيًّا عامًا يحكم الإنسان والحجر والحيوان على السواء؛ فالإنسان ليس كائنًا طبيعيًّا محضًا، بل كائنٌ مكلَّف، واعٍ، مسؤول، والتاريخ الإنساني ليس تتابعًا بيولوجيًّا، بل مسارًا أخلاقيًّا ومعنويًّا. ولذلك فإنّ الحديث عن «تطوّر الإنسان» لا يصحّ إذا أُريد به تغيّر جوهره، وإنما الصحيح هو الحديث عن تطوّر الحضارة في الإنسان وبالإنسان.

كما يرفض وهمَ التطوّر التلقائي، سواء أكان داخليًّا أم خارجيًّا؛ فلا أمةً تتطوّر بذاتها دون شروط، ولا حضارة تُستورد جاهزة دون أن تتحوّل إلى قشرةٍ زائفة!

فالتطوّر الحضاري الحقيقي يحتاج إلى تمهيد داخلي: في العقيدة، وفي الرؤية، وفي القيم، وفي الوعي بالتاريخ والذات، قبل أن يتحقّق في الأدوات والوسائل.

ومن هنا يتبيّن أنّ العقيدة، والتاريخ، والرؤية المستقبلية ليست عناصر منفصلة، بل هي البنية العميقة التي تقوم عليها عملية التطوّر.

فحين تنفصل العقيدة عن الحركة، يصبح التطوّر قفزًا في الفراغ.

وحين يفصم التاريخ، تتحوّل النهضة إلى مسخ مشوَّه.

 وحين تغيب الرؤية، يصير التقدّم تيهًا بلا بوصلة.

ومن ثمّ، فإنّ التطوّر – في المنظور الإسلامي – فعلٌ إنسانيٌّ أخلاقي قبل أن يكون ظاهرةً تقنية. وهو ليس حتميةً عمياء، ولا مسارًا مضمونًا، بل أمانةٌ مشروطة، تخضع لقوانين السنن، وتُحاسَب بميزان القيم. وقد يخضع له المسلم وغير المسلم على السواء؛ فمن خالف المنهج، وانفصل عن القيم، وقطع الصلة بالهداية، أصابه قانون السقوط، مهما كان اسمه أو تاريخه.

إنّ مجرّد حدوث «نموّ» أو «تغيّر» في جانب من الجوانب لا يكفي للحكم بوقوع التطوّر؛ إذ قد يتحقّق تحسّنٌ نسبيٌّ في جزئيةٍ ما، بينما تتدهور جوانب أخرى أكثر خطورة وأعمق أثرًا.

 ولذلك لا بدّ من مقياس شامل، يوازن بين خطّ التطوّر وخطّ التخلّف، ويمنع إصدار أحكامٍ نهائية متسرّعة حول «الحصيلة الأخيرة» بالنسبة للإنسان.

مساحة إعلانية