رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عبدالله العمادي

د. عـبــدالله العـمـادي

 

مساحة إعلانية

مقالات

321

د. عبدالله العمادي

إنّا من المجرمين منتقمون

23 أبريل 2026 , 12:05ص

الإجرام في اللغة هو القيام بفعل ذنب عظيم يقع المرء عليه عن قصد. أما من الناحية القانونية، فإن استخدام مصطلح الجريمة، يأتي لوصف فعل مدان قانونياً. ويُستخدم مصطلح مجرم لوصف شخص مرتبط بجريمة. فحين يتورط أشخاص مثلاً في جريمة ما، أو يرتبطون بها، يُشار إليهم بأنهم مجرمون. ولست هناك للحديث عن مسألة قانونية، فهذا مجال له أهله وناسه، لكنها مقدمة مقتضبة رأيت ضرورة البدء بها قبل أن ندخل صلب الموضوع.

فعل الإجرام الذي لا يزال يُرتكب في عالم البشر منذ قديم الزمن، قد يتم ارتكابه في حقّ الله تعالى، مثلما في حق البشر أيضاً. فأما المرتكبُ في حق الله تعالى، يأتي الشرك به سبحانه كأبرز الأمثلة، بل هو أعظم درجات الجريمة في هذه الحياة الدنيا. ويمكن في السياق نفسه اعتبار ترك المأمورات، أو الفرائض الأساسية في ديننا كالصلاة والزكاة وغيرها من الفرائض عن قصد وتعمّد، جريمة في حق الله تعالى.

أما الجرائم في حقّ الناس فهي كثيرة ومتنوعة، أعظمها جريمة قتل الأنفس بدون وجه حق، ثم غيرها من جرائم في حقوق العباد والبلاد، كالسرقات والإفساد في الأرض بأشكاله المتنوعة..

الشاهد من هذا الحديث، أنّ البشرية ابتُليت منذ جريمة ابني آدم، قابيل وهابيل حتى يوم الناس هذا، ببدعة أو جريمة الشرك بالله وبطرق متنوعة. كانت قديماً على شكل التقرب إلى أصنام وأوثان وأجرام سماوية وعبادتها، وأدنى تلك الأشكال كان اتباع الشيطان وخطواته.

أما اليوم فإنّ فعل الشرك مستمر عند نسبة كبيرة من البشر، وإنْ بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، دون أدنى اتعاظ وتفكر لما جرى للمشركين على مدار التاريخ.. منها شرك أكبر يُخرج من الملة، كعبادة القبور، والاستغاثة بالأموات، وتحكيم القوانين الوضعية، وشركٌ أصغر قد يؤدي الاستمرار عليه إلى الشرك الأكبر، كالرياء، والحلف بغير الله، وتعليق التمائم وغيرها كثير، بالإضافة إلى شرك المحبة والغلو في تعظيم وتقديس الناس، بالإضافة إلى الإلحاد والعلمانية التي تقصي الدين عن الحياة وإدارة شؤونها تماماً.

يمكن القول إذن بأنّ الجريمة الأشد في عالم جرائم البشر، هي الشرك بالله دون أدنى ريب، والذي لا يوجد أي مبرر، أو حجة لإنسان ما تمنحه حق ارتكاب مثل هذا الفعل الشنيع. وجزء منه، التعرض للناصحين والواعظين بسوء، بل وربما ارتكاب جرائم بحقهم كالاعتداء البدني الذي يصل إلى حد القتل. إضافة إلى قيام المشرك بممارسة فعل اللامبالاة، أو فعل العناد ضد كل النصائح والارشادات التي تبين له سوء فعله، وعدم الاتعاظ مما يحل به من ابتلاءات ومحن وشدائد آنية في حياته الدنيوية، التي تأتي ربما كنوع من عقوبة تحذيرية عاجلة، أو أن المشرك لا يبالي بما يسمى بالاستدراج الإلهي له، عبر سعادة دنيوية يجدها ويعيشها بتفاصيلها، من مال وبنين، وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك من متع الدنيا الفانية، حتى يعتقد المشرك بعد حين من الدهر، وهو على تلكم الحالة، أنه مَرْضيٌ عنه عند الخالق جل وعلا، وإلا فما معنى كل هذه السعادة التي يعيشها ؟!

لا أحد أظلم وأزيد تعدياً - كما جاء في تفسير القرآن لابن سعدي - ممن ذُكّر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته وتكميل نعمته على أيدي رسله. تأمره وتذكره بمصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها، ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال (إنّا من المجرمين منتقمون). فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

مساحة إعلانية