رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

339

د. أحمد المحمدي

﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾

06 يوليو 2025 , 07:00ص

 

‏آية تواجه انحراف الإنسان، وتكشف ستار الوهم الذي يغطيه الكذب والافتراء، وتفضح أولئك الذين بدل أن يُسلموا ويشكروا، جعلوا من التكذيب بابًا للرزق، ومن الجحود مطيةً للعيش.

‏هي ليست جملة عابرة، بل هي صفعة علوية لأولئك الذين يجعلون من الكذب صناعة، ومن الافتراء تجارة، ومن الباطل طريقًا إلى القوت والشهرة، ممن امتلأ بهم هذا العصر الذي خفت فيه صوت الوحي، وارتفع فيه نعيق المزيفين!

‏يخرج أحدهم على الناس، فيكذب على الله ورسوله، يتقوّل على الدين، يهوّن من الوحي، ويسخر من الصلاة، ويصف المؤمنين بأنهم أسرى التراث، ويحسب أن الكلمة تُقال بلا حساب، وأن الضحك المأجور يُغني عن عذاب الآخرة.

‏ثم يأتي من يعتذر له: إنه يبحث عن رزق!

‏وكأن الرزق لا يُنال إلا بالتطاول على الحق!

‏وكأن الكذب صار طريقًا شرعيًّا إلى القوت!

‏وهنا تتجلّى خطورة الكلمة.

‏فالكلمة ليست مجرد لفظ، بل قنبلة تُلقى في قلوب الناس، إما أن تفتحها للنور، أو تُقفلها في الظلمات.

‏والكلمة، كما قد تهدي، فإنها قد تضلّ، وقد تهوي بصاحبها في النار سبعين خريفا:

‏«إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأسًا، يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» ‏وهكذا يكون التكذيب بالوحي بابًا للرزق عند التافهين، الممسوخين، الذين حوّلوا الكلمة من أمانةٍ إلى بضاعة، ومن دعوة إلى سلعة، ومن نورٍ إلى وسيلة للظهور!

‏ثم يأتي القرآن فيكشف ذلك الوجه البشع للإنسان حين يُبدّل الفطرة، ويُحرف اللسان، ويجعل من النعمة كفرًا بها، ومن الرزق سبيلاً إلى النكران،

‏والأمر لا يقتصر على هؤلاء الذين ينكرون نعمة الغيث أو يُرجعونها إلى النجوم، بل إن الآية تتسع لتشمل صنفًا جديدًا في هذا الزمان، ‏صنفًا لبس عباءة الشهرة، وركب موجة الإعلام، وسوّق للرذيلة تحت لافتة “الترفيه”، وجعل الكذب سلّمًا للانتشار، وجعل من الفضائح تجارةً تدرّ الأرباح!

‏هؤلاء الذين يُسمّون اليوم “مشاهير”، وما هم في حقيقتهم إلا أبواق الكذب الحديث، يُنفقونه كما تُنفق النقود، ويعيشون على فتات الخداع، ويصطنعون المواقف والقصص لجذب الأنظار، وجمع المتابعين، ورفع الأرقام.

‏يختلق أحدهم مشهدًا تافهًا: طلاق، خيانة، شتيمة، دموع، عراك، تمثيل مفضوح! ‏ ثم ينشره على الناس وكأنه “واقع” يُبكى له! ‏وهو في قلبه يعلم أنه كذبٌ محض، وتمثيلٌ وضيع، لكنّه يدرّ المال، ويكسب الجمهور.

‏وربما يُخرجون مقاطع فيها “تمثيل للرذيلة”:

‏انكشاف أخلاقي، ميوعة في الكلام، إيحاءات فاجرة، ألفاظ ساقطة، بحجة “كسر التابو”، و”التجديد”، و”حرية التعبير”!

‏فأي حرية هذه؟ وأي توعية؟! ‏بل هو استثمار في فساد الذوق، وتسويق للميوعة، وتخريب للمروءة!

‏وما أقبح أن يكون كل ذلك باتفاق بين رجل وامرأة، كلاهما لا يعرف من الدين إلا الاسم، ولا من الحياء إلا القناع، يتواطآن على خداع الناس، ثم يقولان: “إنها مشاهد من الواقع”!

‏وهنا تعود الآية من جديد لتجلجل في أذن الزمان: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾

‏فيا من جعلت الكذب مهنتك، والضلال مورد رزقك، والشهرة على أنقاض الفضيلة سبيلك؛ ‏تب إلى الله قبل أن تختم صحيفتك بهذا الكذب، وارجع إلى مولاك قبل أن تُسأل: ‏﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾

‏ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾

‏فكل كلمة، محسوبة، ‏وكل كذبة، مكتوبة

‏وكل فتنة نشرتها، مردودة إليك

‏﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

مساحة إعلانية