رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

1353

م. حسن الراشد

الكفالات البنكية... حماية ضرورية أم عبء؟

04 نوفمبر 2025 , 03:00ص

تُعدّ الكفالات البنكية بمختلف أنواعها مثل ضمان العطاء (Tender Bond)، وضمان الأداء (Performance Bond)، وضمان الدفعة المقدَّمة (Advance Payment Guarantee)، وضمان الصيانة (Maintenance Guarantee)، والضمان الختامي (Retention Guarantee) أدوات مالية أساسية لتعزيز الثقة بين أطراف التعاقد. وقد كانت هذه الأدوات ضرورية خلال المرحلة السابقة، ولا سيّما أثناء تنفيذ مشاريع كأس العالم 2022، لضمان الانضباط والجودة والالتزام بالمواصفات الزمنية والفنية المحددة. إلا أنّ الاستمرار في تطبيقها بصيغتها التقليدية في المرحلة الحالية أصبح يشكّل عبئًا متزايدًا على الشركات المحلية والقطاع الخاص، خصوصًا في ظل تباطؤ حركة المشاريع، وتراجع السيولة، وصعوبة الحصول على التمويل. فاشتراط تغطيات نقدية تتراوح بين 5% و10% من قيمة العقود يؤدي إلى تجميد مبالغ ضخمة تحدّ من قدرة القطاع الخاص على النمو والتوسع، وتزيد من اعتماده على القروض والتكاليف التمويلية الإضافية التي لا يستفيد منها في النهاية إلا المموّل. ومع تشديد شروط هذه الكفالات وغياب البدائل المرنة، ظهرت آثار سلبية واضحة على بيئة الأعمال، إذ ساهم هذا الواقع في ارتفاع النزاعات القضائية بين الشركات والجهات المالكة أو البنوك نتيجة تعثّر البعض في سداد التزاماتهم أو تجديد ضماناتهم البنكية، مما يؤدي في كثير من الحالات إلى سحب الضمان وتكبيد الشركات خسائر فادحة قد تدفعها نحو الخروج التدريجي من السوق أو حتى الإفلاس. وتُعدّ نزاعات الكفالات البنكية من أبرز القضايا المتداولة ضمن المنازعات التجارية في المحاكم القطرية، نظرًا لارتباطها الوثيق بعقود المقاولات والمناقصات العامة وما يترتب عليها من التزامات مالية كبيرة بين القطاعين العام والخاص. ولا تقتصر هذه الآثار على الشركات وحدها، بل تمتد لتطال سمعة السوق واستقراره، وتضعف الثقة المتبادلة بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يتعارض مع أهداف التنمية المستدامة والاستقرار الاقتصادي الوطني.

من هذا المنطلق، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة هيكلة منظومة الكفالات البنكية بما ينسجم مع أهداف التنويع الاقتصادي وتمكين القطاع الخاص. فبدلاً من النهج الصارم التقليدي، يمكن تبنّي حلول واقعية أكثر توازناً، من أبرزها:

١-إلغاء ضمان العطاء (Tender Bond) واستبداله بخطاب تعهّد (Undertaking Letter) للشركات ذات السجل الموثوق والسمعة الجيدة.

٢-تطبيق الضمانات المتدرجة (Gradual Guarantees) التي ترتبط بمراحل التنفيذ الفعلية بما يخفّف الضغط على السيولة مع تحديد سقف زمني واضح لتحريرها.

٣-اعتماد نظام تصنيف ائتماني للشركات يمنح الملتزمة منها تخفيضًا في نسب الضمان أو إعفاءً جزئيًا وفق معايير أداء وسجل مالي معتمد.

٤-إلغاء اشتراط الخطاب البنكي في أوامر الشراء الخاصة بمواد البناء ومواد الخام والمعدات وقطع الغيار التي يتم فيها تأجيل الدفع إلى ما بعد التوريد الفعلي للبضاعة أو الخدمة، إذ تكون المخاطر محدودة ويمكن استبدال الضمان بتوثيق تعاقدي واضح ومُلزم.

٥-تأجيل الموعد الزمني لتقديم الخطاب البنكي بحيث لا يُطلب فور توقيع العقد وإنما بعد مرحلة بدء التنفيذ الفعلي، مما يخفف الضغط النقدي والتمويلي على الموردين والمقاولين ويعزز قدرتهم على الاستمرار.

٦-إنشاء صندوق ضمان وطني لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحفيزها على المنافسة، على أن يُدار بالشراكة بين بنك قطر للتنمية والبنوك المحلية.

٧-تفعيل الضمانات المشروطة أو استبدالها ببوالص تأمين متخصصة تُستخدم فقط في حالات الإخلال الجوهري بالعقد.

وفي هذا السياق، يمكن لبنك قطر للتنمية أن يؤدي دورًا محوريًا في تفعيل فكرة صندوق الضمان الوطني بالنظر إلى خبرته وبرامجه السابقة في مجال الضمانات، مثل البرنامج الوطني للضمانات أثناء الجائحة وبرنامج الضمان الجزئي للاستثمار، في حين تقع على البنوك المحلية مسؤولية كبيرة لتحديث سياساتها وتبنّي أدوات تمويل وضمان أكثر مرونة وعدالة تراعي خصوصية السوق القطري، خاصة مع دخول منافسة البنوك الأجنبية التي تقدم تسهيلات أكبر وأكثر جاذبية. فتمكين القطاع الخاص لا يتحقق فقط عبر تخفيف الأعباء المالية، بل من خلال بناء منظومة ثقة متبادلة توازن بين حماية المشتري ودعم المنفّذ الوطني.

وفي المقابل، يتحمل القطاع الخاص نفسه مسؤولية جوهرية في هذا المسار، إذ إن كثيرًا من تعثراته تعود إلى ضعف الحوكمة وسوء الإدارة والقرارات الارتجالية غير المبنية على رؤية استراتيجية واضحة، ما يفرض عليه تحسين هياكله الإدارية وسجلاته المالية ورفع مستوى الشفافية لتعزيز الثقة مع الجهات الممولة والمشترية، وتجنّب المجازفة بالدخول في مشاريع تفوق قدراته الإدارية أو المالية. فإصلاح المنظومة لا يكتمل دون نضج داخلي في إدارة المخاطر والمحاسبة الذاتية داخل القطاع الخاص.

ختامًا، فإن إصلاح منظومة الكفالات البنكية لا يُعدّ مجرد إجراء مالي، بل هو خطوة استراتيجية لتحويل العلاقة بين جميع الأطراف من علاقة تبعية إلى شراكة تنموية متوازنة تقوم على الثقة والمساءلة المتبادلة، وتضع تمكين القطاع الخاص الكفء في صميم رؤية قطر الوطنية 2030 نحو اقتصاد متنوع ومستدام.

اقرأ المزيد

alsharq تجليات الروح بين الباراسيكولوجي وعمق الإيمان

الوقوف على حدود الوعي البشري وسبر أغواره ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو رحلة استقصائية في جوهر الكينونة... اقرأ المزيد

60

| 17 يونيو 2026

alsharq الدبلوماسية القطرية الامتياز الأول

تقوم دولة قطر، بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، بدور محوري... اقرأ المزيد

39

| 17 يونيو 2026

alsharq خرافة التنوير الأوروبي!

أخطر فكرة في حكاية ما يسمى مسيرة الفكر الغربي كانت وما تزال هي فكرة "الانبعاث الذاتي" للتنوير. لماذا؟... اقرأ المزيد

42

| 17 يونيو 2026

مساحة إعلانية