رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سياسة بايدن الخارجية.. إنجازات وإخفاقات وتحديات

إبان حملته الانتخابية في 2020، تمحور خطاب بايدن في السياسة الخارجية على مجموعة ركائز أساسية، كان أبرزها التصدي للتحدي الصيني، وعودة القيم الأمريكية في السياسة الخارجية (الترويج للديمقراطية)، وترميم العلاقات مع الحلفاء التقليديين، ومواجهة الإرهاب. نجح بايدن بصورة ملفتة خلال العام الأول من ولايته في ملف ترميم العلاقات مع الحلفاء، ومع حلف الناتو. حيث نجح في إقناع الحلفاء في توسيع الشراكات وإقامة تحالفات جديدة في سياق سياسة التحالفات التي ينتهجها، وتحت شعار «تحالف الديمقراطيات». وفي سياق هذا الشعار المتواري تحت سياسة نشر الديمقراطية، قلص بايدن من اتصالاته مع الدول التي يصنفها بغير الديمقراطية خاصة في المنطقة. وعلى مستوى التصدي للنفوذ الصيني، يمكن القول، إن بايدن نجح نسبيا في جذب خصوم الصين إلى المدار الأمريكي، وتأسيس تحالفات جديدة في المحيط الهادئ كتحالف «أوكوس» النووي. فضلا عن إقناع بعض الدول الغربية في تضييق فجوة العلاقات مع الصين خاصة فيما يتعلق بالشراكة عبر مبادرة «الحزام والطريق». وعلى مستوى ملفين رئيسيين لبايدن وهما مواجهة الإرهاب وملف البرنامج النووي الإيراني، فقد بدا الإخفاق الرهيب لبايدن في معالجتهما، حيث الهرولة من أفغانستان وتركها تماما لحكم طالبان. وكذلك، تعثر مفاوضات عودة الاتفاق النووي. ويتبدى مما سبق، أن جل تركيز بايدن كان على التهديد الصيني، وأن باقي الملفات الأخرى تخدم هذا الغرض بصورة أو بأخرى. وهو ما يفسر إلى حد بعيد نجاح بايدن في التصدي للتهديد الصيني، وإخفاقه الشديد في الكثير من الملفات بعد عام 2021. ويعد عاما 2022 و2023، الأكثر تحدياً لبايدن، حيث الحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب الإسرائيلية على غزة. واللتين على إثرهما، قد أربكتا توجهات بايدن في السياسة الخارجية، وكشفتا النقاب عن النوايا الحقيقية للسياسة الأمريكية، وعدد من التحديات العسيرة. تباينت الآراء بشدة في مسألة تقييم فعالية الدور الأمريكي في التصدي للغزو الروسي لأوكرانيا. إذ يرى البعض أن دور واشنطن كان ضعيفا للغاية، حيث لم تتدخل عسكريا عبر الناتو للتصدي للغزو أو إجبار بوتين على التراجع. بينما يخالف البعض الآخر ذلك، بالقول إن الغزو أعاد التركيز الأمريكي على أوروبا بحسبانه الضامن الرئيسي لأمن أوروبا، كما قادت أوروبا فعليا على المستوى الاقتصادي لمواجهة روسيا، ودعم أوكرانيا عسكريا. وفوق كل ذلك، ساهم الغزو وبقيادة واشنطن في ترميم الخلافات داخل حلف الناتو. ومع ذلك، لإجراء تقدير موضوعي لذلك، ينبغي تفحص عدة معطيات أخرى ناجمة عن الغزو، ومن أهمها، إعادة التفكير الأوروبي في الاستقلالية الدفاعية، ففي أعقاب الغزو صدق المجلس الأوروبي على ما يسمى «البوصلة الإستراتيجية» التي أشارت بوضوح إلى ضرورة اعتماد الأوروبيين على أنفسهم في مسألة الدفاع والأمن في أوقات الضرورة بعيدا عن مساندة الناتو والولايات المتحدة. وفي نفس الإطار، نجد أن ألمانيا قد رصدت ميزانية ضخمة لإعادة تسليح نفسها، وامتدت تداعيات الغزو إلى اليابان التي حذت حذو ألمانيا. وتشي خطوات الأوروبيين وحلفاء واشنطن التاريخيين كاليابان التي تعتمد كليا على واشنطن لحماية نفسها، تشي باتساع هوة عدم الثقة في واشنطن بشأن الحماية لاسيما التصدي للتهديد النووي لروسيا. إذ في خضم تغول التوسع الروسي في أوكرانيا، صرح بايدن صراحة أن واشنطن ستتدخل عسكريا إذا هاجمت الصين تايوان، رغم أن الصين نووية وأشد قوة عسكريا بأشواط من موسكو. حرب إسرائيل على غزة، تعد من أكبر التحديات الكبرى التي تواجه بايدن. فعلى إثر الدعم المطلق لواشنطن لجرائم إسرائيل في غزة، تدهورت صورة الولايات المتحدة في العالم بصورة كبيرة، كما مثَّل ذلك مقتلا رهيبا لأجندة بايدن المزعومة لنشر الديمقراطية، التي تستخدم أيضا للضغط على الصين وتشويه صورتها الدولية. والحرب أيضا تمثل تحديا كبيرا لبايدن فيما يتعلق بالتركيز العسكري لواشنطن في المنطقة، ودعم أوكرانيا، ومواجهة التحدي الصيني، ومسار المواجهة مع إيران. فالتركيز العسكري المفرط لواشنطن في المنطقة، سيؤثر حتما على الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وهو ما بدأ يتبلور بالفعل، حيث ألغى الكونجرس مساعدات إضافية لأوكرانيا كانت مقررة ضمن مشروع الإنفاق الدفاعي الجديد. وعلى نحو آخر، سيقلص هذا التركيز مسألة مواجهة الصين في المحيط الهادئ، ودعم حلف الناتو، وصفقة الاتفاق النووي مع إيران. مما سبق، يتكشف لنا أن هاجس وهم بايدن الأساسي في السياسة الخارجية هو التصدي للصعود الصيني. ولاستمرار نجاحه النسبي في ذلك، يجب أن يتغلب على عدة تحديات رئيسية، برزت بجلاء عبر تعاطيه مع حرب غزة. وأهمها، التوقف عن الدعم المطلق لإسرائيل والتخفيف من التركيز العسكري في المنطقة، إعادة التركيز بشكل أكبر على الحلفاء الرئيسيين وإعطاؤهم المزيد من الضمانات والمشاركات العسكرية الفعالة، الاستمرار في دعم أوكرانيا عسكريا، التركيز على قضية التغير المناخي وانتزاع دور الريادة فيه للتخفيف من الإخفاق المذهل في ملف نشر الديمقراطية، والتصدي بحسم للاستفزازات النووية لكوريا الشمالية.

1197

| 01 يناير 2024

هل سيؤدي طوفان الأقصى إلى إعادة ضبط العلاقات الأمريكية الإسرائيلية؟

الحماية المطلقة للولايات المتحدة لإسرائيل مسألة محسومة، وأسبابها المتعددة قُتلت بحثا ويعلمها حتى غير المتبحرين في العلاقات الدولية، ويأتي على رأسها هيمنة اليهود على مفاصل السياسة والمال والإعلام داخل الولايات المتحدة، فضلا عن اعتبارات دينية وتاريخية. وبدا ذلك بوضوح شديد في دفع إدارة بايدن بكل ثقلها بصورة غير مسبوقة لحماية إسرائيل عقب عملية طوفان الأقصى لأنها شعرت أن وجود إسرائيل ذاته قد أمسى في تهديد خطير. وذلك من قبيل إرسال أكبر حاملة طائرات، ودعم عسكري ومالي. وسياسي أيضا من قبيل عرقلة قرارات مجلس الأمن القاضية بوقف العمليات على غزة، وتأييد حق إسرائيل المطلق في الدفاع عن النفس ضد ما أسمته هجمات حماس الإرهابية. لكن من يتابع حراك الدبلوماسية الأمريكية على مدار شهر تقريبا وحتى كتابة هذه السطور، يلحظ ثبات الدعم الأمريكي لإسرائيل في حربها على قطاع غزة، لكن مع بروز توترات على السطح- ربما غير مسبوقة - بين واشنطن وتل أبيب. إذ من الملفت في صدد ذلك، أن واشنطن عبر كبار مسؤوليها أكدت على مسألة رفض تهجير أهالي قطاع غزة. بل والأغرب من ذلك، أدان مسؤولو الإدارة الأمريكية حتى بايدن استمرار قتل المدنيين في غزة. وأفادت تسريبات متعددة، أن ثمة خلافا كبيرا بين إدارة بايدن وإسرائيل حول إدارة وأهداف العمليات الإسرائيلية في غزة، بما في ذلك الهدنة بين حماس وإسرائيل. ونظير ذلك، نرى أن إسرائيل خاصة عبر رئيس وزرائها نتنياهو يبدو أنه يقصد إحراج واشنطن وتحدي إرادتها. إذ عادة ما يخرج بتصريحات معاكسة تماما لتحذيرات واشنطن، من قبيل التأكيد على استمرار العمليات العسكرية في غزة لشهور حتى القضاء على حماس، بينما- كما أفادت التسريبات وتلميحات بعض مسؤولي الإدارة الأمريكية - تسعى واشنطن إلى إبرام اتفاق لتبادل الرهائن مقابل وقف العمليات تماماً. كما يتبين من العمليات الوحشية لإسرائيل على أهالي القطاع نوايا إسرائيل المستميتة للدفع بسيناريو التهجير، وهو ما تعارضه واشنطن تماماً. ويعزو الكثير من المحللين سبب التوتر بين واشنطن وتل أبيب حول غزة إلى تأثير غزة على الانتخابات الرئاسية لبايدن، وإحراج إسرائيل لواشنطن أمام العالم، أو أسباب أخرى. وإن كانت تلك الأسباب وجيهة بالطبع لاسيما انتخابات بايدن القوية أمام غريمه ترامب، حيث أصبحت غزة رقما صعبا في حسم هذه الانتخابات. ومع ذلك، فسياق العلاقات الأمريكية الإسرائيلية يجب أن ينظر إليه عبر منظور أوسع. التوترات الناشئة عن طوفان الأقصى وحرب غزة بين واشنطن وتل أبيب، والتي تتصاعد يوميا بصورة غير مسبوقة، تعد في حقيقة الأمر كاشفة لمتغيرات وتحديات أكبر ستدفع العلاقات- بلا أدنى شك - بين البلدين إلى إعادة صياغة تكون أكثر انضباطاً وتكون واشنطن لها اليد العليا في صياغتها وإدارتها. الولايات المتحدة القوى العظمى في العالم، لا يقع على عاتقها عبء الحماية الأبدية لإسرائيل وفقط، بل لديها مصالح وحسابات إستراتيجية في المنطقة والعالم شديدة الحيوية والتعقيد. الاهتمام الأمريكي في المنطقة متراجع بصورة واضحة قرابة العقد نظير التركيز التام على المحيط الهادئ حيث الصعود الصيني التحدي الخطير لواشنطن، بل إن سبب بقاء القوات الأمريكية في المنطقة في ظل تراجع الاهتمام يعزى إلى بقاء مستوى الردع المطلوب لحماية أمن إسرائيل. لكن عندما تدفع تصرفات إسرائيل الهوجاء واشنطن إلى إعادة التركيز التام لها في المنطقة على حساب الصين، وروسيا وأوكرانيا في المرتبة الثانية. هنا لابد أن يعلو صوت المصلحة الإستراتيجية لواشنطن على صوت إسرائيل. وما أدل على ذلك، من رفض الجمهوريين في الكونجرس الأمريكي إعطاء مساعدات مالية إضافية لإسرائيل. بل برزت أصوات سياسية وأكاديمية لامعة في واشنطن تطالب واشنطن بوقف الدعم المطلق لإسرائيل. عملية طوفان الأقصى والحرب العدوانية على غزة، من المؤكد نبهت واشنطن أنها لن تؤدي إلى إغراقها في المنطقة وحسب، بل من الممكن أن تورطها في حرب إقليمية ستقضي على ما تبقى من مقومات قوة للولايات المتحدة. لذا، نتفق مع الآراء التي تجادل أن واشنطن قد أرسلت أكبر حاملة طائرات لها في المتوسط لمنع حرب إقليمية، أو كما يجادل البعض لحماية إسرائيل من نفسها. وللتأكيد على ذلك، هذا التشديد الأمريكي المستمر على خيار العودة للتفاوض في إطار حل الدولتين. ونقدر أن هذا ما تسعى إليه واشنطن بقوة إنهاء الحرب في غزة والتركيز الكبير على الحل التفاوضي. وفي خضم ذلك، يبرز من جديد ملف التطبيع وملف التسوية مع إيران، بغرض الهدف النهائي وهو ضمان استقرار المنطقة وأمن إسرائيل وتركيز أقل في المنطقة. وعلى هذا المنوال، فمن المؤكد أن واشنطن خلال الأعوام القليلة القادمة، ستمارس جميع أساليب الضغط على إسرائيل لضمان حليف مطيع، بل والأهم من ذلك، عرقلة تشكيل حكومة إسرائيلية يتحكم فيها يمين متطرف سينهي وجود إسرائيل. ولعل هناك متغير آخر لا ينتبه إليه الكثيرون، والمتعلق بالتحول الكبير في التركيبة الاجتماعية داخل الولايات المتحدة نتيجة لموجات الهجرة. حيث غدا تتشكل لوبيات من أعراق متعددة بما في ذلك من الجاليات المسلمة، كما غدا اليسار الأمريكي في اتساع نوعي. ولعل تتوحد تلك اللوبيات على مناصرة القضية الفلسطينية ورفض الاحتلال الصهيوني، وهو ما تكشف بوضوح من المظاهرات العارمة داخل الولايات المتحدة المناهضة لمجازر غزة. وهذا بالقطع سيكون عاملا مؤثرا على قرار واشنطن بشأن الدعم المطلق لإسرائيل، ولعل بايدن يضع في حساباته هذا العامل حيث يميل ملايين المهاجرين والأقليات إلى الحزب الديمقراطي. ملخص البيان، الحماية الأبدية لواشنطن لإسرائيل لن تنتهي، لكنها من المؤكد على إثر طوفان الأقصى ستتخذ نمطاً أكثر انضباطاً وصرامة، بحيث يكون المتحكم والموجه الرئيسي لإسرائيل هو واشنطن.

1263

| 24 ديسمبر 2023

ارتدادات غزة على أوروبا

وصف الحرب الوحشية الحالية على قطاع غزة باعتبارها من أهم الأحداث الفارقة في تاريخ المنطقة والعالم، وصف لا يشوبه أية تهويل. فانعكاسات وارتدادات الحرب والتي بدأت تتضح جليا على المشهدين الإقليمي والدولي، تعد انعكاسات في غاية التأثير والخطورة. والواقع الأوروبي برمته طفت فيه هذه التداعيات على السطح بسرعة البرق. المشهد السياسي الأوروبي يمكن تقسيمه إلى أربع قوى مؤثرة، النخب الحاكمة، النخب المعارضة، الاتحاد الأوروبي ومؤسساته، والرأي العام الأوروبي وله تأثير ضاغط على القرار السياسي الأوروبي لا يستهان به. من خبرة التعاطي الأوروبي برمته مع المنطقة العربية والإقليمية طيلة العقود الماضية، بما في ذلك الموقف من إسرائيل وسياستها وحروبها على القطاع منذ 2008؛ كان أميل لتأييد إسرائيل وسياستها العنصرية والوحشية، حتى الرأي العام الأوروبي لم يكن يشغل باله كثيراً لما يجرى في المنطقة، جنبا إلى جنب مع انحياز إسرائيل، ونظرة سلبية لجنوب المتوسط والعرب والمسلمين غدتها وسائل الإعلام الجبارة الغربية المعادية للمسلمين. ارتدادات حرب غزة المدعومة بتصرفات إسرائيل الجنونية الوحشية على القطاع، قد طالت القوى الأربع المؤثرة في المشهد الأوروبي بصورة عنيفة غير مسبوقة. الموقف الأوروبي تجاه طوفان الأقصى وحرب غزة في البداية، لاسيما على المستوى النخبوي والمؤسسي، لم ينحرف على الموقف التقليدي المعتاد، وذلك من حيث إدانة حركة حماس ووصمها بالإرهابية، وتأييد حق إسرائيل المشروع في الدفاع عن النفس ردا على أعمال حماس الإرهابية. لكن ما لبث أن تغير هذا الموقف بشكل دراماتيكي نتيجة للعنف المفرط من قبل إسرائيل على القطاع، بل وتبعه انقسام حاد وتبدل للمواقف من جانب أطراف منحازة بصورة تامة لإسرائيل. إذ سرعان ما انقلب موقف الاتحاد الأوروبي الذى يجسده المجلس الأوروبي، من تأييد تام لإسرائيل، إلى الدعوة إلى وقف النار والإسراع في إدخال المساعدات الإنسانية للقطاع. والأخيرة على وجه الخصوص، قد أثارت خلافات حادة داخل مجلس الاتحاد الأوروبي بين مؤيد ومعارض. وفى خضم ذلك، تبدلت مواقف داعمة لإسرائيل، كفرنسا وهولندا وإيرلندا وبلجيكا، من تأييد خفيف أو لنقل حياد سلبى لإسرائيل، إلى الدعوة ونشاط دبلوماسي مكثف لوقف إطلاق النار، حيث تقدموا بمشروع قرار في مجلس الأمن لوقف إطلاق النار، لم يمرر، بفيتو أمريكي إنجليزي، ورفض من قبل دول أوروبية كالمجر والتشيك والنمسا. وهنا نلحظ بشدة، واحدة من أخطر وأهم ارتدادات حرب غزة على المستوى المؤسسي والنخبوي الأوروبي. فتبدل المواقف الداعمة تاريخيا لإسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وما استتبعه من انقسام حاد يقوض من فاعلية وتضامن الاتحاد الأوروبي برمته؛ إنما ينبع من حسابات واعتبارات واقعية برجماتية شديدة المنطقة. إذ بخلاف إحراج أعمال إسرائيل الوحشية التي خلفت ما يناهز 14 ألف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى وتدمير 60 % من القطاع تلك النخب أمام العالم وشعوبها؛ نرى أنها قد استوعبت تماما خطأ الانحياز المطلق الفادح لإسرائيل على حساب القضية الفلسطينية. والذى سيفضى إلى سقوط المنطقة في فوضى عارمة قد تمتد لعقود، وربما حرب إقليمية واسعة ستدمر المنطقة، وتنامى موجات الإرهاب والتطرف والهجرة إلى شمال المتوسط. واستنادا إلى ذلك، غدت تمثل غزة وفي إطار الأوسع القضية الفلسطينية، أحد أهم المحددات المؤثرة في القرار السياسي الأوروبي من الآن فصاعداً، حيث سنشهد المزيد من تبديل المواقف، والمزيد من الانقسامات، والمزيد من الارتدادات داخل التيارات الواحدة بما في ذلك تيارات اليمين المتطرف المنحازة بشكل مطلق لإسرائيل. ونجادل أن ذلك في المجمل سيكون إيجابيا على القضية الفلسطينية حيث سيتشكل تيار قوى داخل أوروبا ضاغط باتجاه حل جذري للقضية الفلسطينية. ولعل من أبرز الارتدادات لحرب غزة على المستوى النخبوي الحاكم والمعارض وعلى المستوى الشعبي أيضا، كان قد تجلى في صحوة اليسار الأوروبي وانتفاضته ضد إسرائيل. اليسار الأوروبي تقليديا منقسم بشان تأييد إسرائيل، علاوة على ضعف حضوره وتأثيره على المشهد الأوروبي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، مقابل صعود مكتسح لليمين المتطرف الأوروبي منذ 2008. ومنحت حرب غزة لليسار الأوروبي مساحة واسعة لإعادة التموضوع بقوة من جديد في المشهد السياسي الأوروبي، مدعوماً بتنامى التعاطف الشعبي الأوروبي الواسع مع غزة، ونبذه لسياسات وضربات إسرائيل الوحشية المناهضة للقانون الدولي والقيم الليبرالية الراسخة في وجدان الأوروبيين. ففي خضم الانقسام الأوروبي الحاد حول الإجراءات الملائمة والمتوازنة حول غزة دون الحيلولة لتوجيه اتهامات مباشرة لإسرائيل. حادت إسبانيا بقيادة رئيس وزرائها الاشتراكي «بيدرو سانشيز» عن هذا التوازن الأوروبي الباهت، حيث أدان سانشيز غارات إسرائيل على القطاع باعتبارها جرائم حرب تماما كالتي تقترف منة قبل روسيا في أوكرانيا. بل والأخطر من ذلك، قد طالب الأوروبيين بالاعتراف بدولة فلسطينية كاملة السيادة وأعلن عن نيته عمل ذلك من جانب واحد. إسبانيا بقيادة الاشتراكيين، ويناصرها قطاع واسع من الأحزاب الاشتراكية الأوروبية لاسيما في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وبلجيكا وغيرها، قد غدت عنصرا ضاغطا بشدة على القرار السياسي الأوروبي بشأن غزة والقضية الفلسطينية برمتها وتخفيض حدة الانحياز لإسرائيل. وأخيراً، نختم بالارتداد الملفت وهو على المستوى الرأي العام الأوروبي. دمر الغباء الإسرائيلي ما بناه لسنين عبر آلة الدعاية الجبارة من صور لنفسه كمستضعف ديمقراطي مسالم يعيش وسط محيط ديكتاتوري إرهابي كاره لإسرائيل. فمشاهد القتلى والتدمير الوحشية التي تنقلها للعالم على مدار الساعة قنوات مرموقة مثل قناة الجزيرة، قد حركت مشاعر قطاعات عريضة من الأوروبيين الميالين نحو اليمين، تجاه التعاطف مع الفلسطينيين، وكشف زيف أكاذيب الصهيونية. وعلى إثر ذلك، غدا أيضا الرأي العام الأوروبي قوة ضاغطة لا يستهان بها على صانع القرار الأوروبي والنخب الأوروبية بشأن موقفه تجاه المنطقة وإسرائيل والقضية الفلسطينية.

1317

| 11 ديسمبر 2023

مستقبل حل الدولتين

يعد حل الدولتين للقضية الفلسطينية المرتكز الرئيسي شبه المتفق عليه من جميع الأطراف المضطلعة بالقضية الفلسطينية منذ اتفاق أوسلو عام 1993. وطوال تلك السنوات الممتدة منذ أوسلو، استمر حل الدولتين المرتكز الرئيسي لزحزحة القضية أو إحياء عملية السلام، دون تقدم فعلى ملموس بسبب التعنت والتعسف الإسرائيلي على الأراضي المحتلة التي تعرقل بدء مباحثات جادة لحل القضية الفلسطينية. ولا يخفى على أحد أن اليمين الإسرائيلي الحاكم في إسرائيل منذ عقدين غير مؤمن بمسألة حل الدولتين، وأبلغ دليل على ذلك، هو سياسة التهويد والاستيطان المتوسعة التي ينتهجها على أراضى 67. إذ يقبل بها شكلياً بسبب الضغوط لاسيما من قبل داعمه الرئيسي الولايات المتحدة، وأيضا كوسيلة للمناورة وكسب الوقت. في خضم اشتداد الوضع المأسوي في غزة إثر الهجمات الوحشية لإسرائيل على القطاع، والذى على إثره أيضا، عاود الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية. بدأ الحديث بقوة لاسيما من قبل الولايات المتحدة حول مسألة إحياء مباحثات السلام في سياق حل الدولتين. ونرى أن الأطراف الدولية المختلفة وبخاصة الولايات المتحدة الراعي الرئيسي لعملية السلام في المنطقة، جادة تماماً في الدفع بعملية السلام قدماً حال انتهى الصراع في غزة، بسبب تيقنها بعد طوفان الأقصى، أن لا سبيل لحماية أمن إسرائيل، وعدم انزلاق المنطقة في دوامة من عدم الاستقرار، وإضعاف المقاومة الإسلامية، وسحب البساط من حماس، وتخفيف عبء التركيز الأمريكي في المنطقة. إلا عبر الدفع بإحياء المباحثات في إطار حل الدولتين. وليس بالضرورة أن تحل جميع القضايا العالقة في إطار حل الدولتين دفعة واحدة أو تحل بشكل نهائي، فقط المطلوب الآن البدء في المباحثات، والضغط على إسرائيل لتقديم بعض التنازلات البسيطة مثل إيقاف الاستيطان، أو التعهد بعدم العودة لاحتلال قطاع غزة، أو منح السلطة الفلسطينية بعضا من السيادة والصلاحيات الواسعة في الأراضي المحتلة ولو بشكل مؤقت. مع التسليم أن حل الدولتين سيكون هو مرمى التركيز الأساسي لأية مباحثات متوقعة لحقبة ما بعد غزة. بيد أن حرب غزة قد فرضت ثلاثة معطيات جديدة، من شأنها التأثير كليا على مستقبل حل الدولتين. المعطى الأول، السابق الذكر، إجماع خارجي بقيادة واشنطن على ضرورة إحياء المباحثات في سياق حل الدولتين، وذلك لأجل تجميد الصراع أو إدارته كما كان في السابق عبر جولات مباحثات عدة لن تفضي إلى شيء على الأغلب. المعطى الثاني، تنامٍ في قوة المقاومة، والرأي العام الداخلي الفلسطيني، الذى، لاسيما الأول، قد يتزعزع عن موقفه الجامد ويقبل بحل الدولتين، بشرط السيادة الكاملة للفلسطينيين على القدس الشرقية والمسجد الأقصى، وعودة جميع الأراضي المحتلة عام 97 بالطبع، والإفراج عن جميع الأسرى، وعودة المهجرين... إلخ. لكن الأهم والحاسم للمقاومة هي السرعة والجدية في التنفيذ؛ أي عدم الوقوع في فخ المماطلة والتسويف والالتفاف الإسرائيلي السابق. المعطى الثالث، وهو الفيصل في الأمر، التراجع الكبير في قوة اليمين الإسرائيلي الرافض لحل الدولتين. لكن تبقى إشكالية أخرى، أن أحزاب الوسط واليسار التي من المرجح أن تشكل المشهد السياسي في مرحلة ما بعد غزة والمؤيدة لحل الدولتين. أصبحت تخشى ومعها قطاع عريض من اليهود من منح الفلسطينيين دولة ولو منقوصة السيادة بعد طوفان الأقصى. وذلك لاعتبارات عدة أفصح عنها بعض السياسيين والأكاديميين اليهود، ومن بينها، أن دولة فلسطينية في ظل قوة وشعبية حماس وحركات المقاومة، ستزيد من التهديد الوجودي لإسرائيل، كما ستمدد من نفوذ إيران وحركات المقاومة داخل فلسطين. مختصر ما قاله هؤلاء الساسة، مفاده أن دولة فلسطينية ذات سيادة لن ينهى العداء والخطر على إسرائيل. فضلا عن ذلك، لا يمكن تجاهل قوة اليمين بأطيافه المختلفة داخل إسرائيل الذى سيعارض بشدة من الأساس أية تنازلات لاسيما فيما يتعلق بالقدس. وهذا ما سوف تأخذه حكومات الوسط واليسار على عاتقها بشدة حيال عمليات السلام المرتقبة. ويمكن أن يستدل مما سبق، بالرغم من أن مسألة حل الدولتين ستكون المنطلق الرئيسي لمرحلة ما بعد غزة، بدعم وقيادة أمريكية. ومع ذلك، فقواعد اللعبة وإدارة الصراع في سياق حل الدولتين ستتغير تماماً. فحقبة الجمود وإدارة الصراع لأجل غير مسمى قد ولت بلا رجعة في تقديرناً. إذن نحن أمام مقاومة قوية مدعومة شعبياً لن ترضى إلا بحل شامل للقضية في إطار حل الدولتين، ولن تقبل بمسألة الجمود. وحكومات ورأى عام إسرائيلي رافض أو متوجس تماماً لمسألة دولة فلسطينية ذات سيادة ولو منقوصة. وموقف دولي بقيادة واشنطن يسعى على أقل تقدير إلى تجميد الصراع مع منح الفلسطينيين بعض الحقوق البسيطة. وعليه أيضا، فإزاء هذا المشهد المعقد بشأن حل الدولتين، فعلى الأرجح ستتبدى المواقف على حقيقتها لا سيما من جانب إسرائيل، وتعلن صراحة الرفض التام لدولة فلسطينية. وهنا لا يمكن إلقاء أية لوم على المقاومة القوية والتي بفضلها تم إحياء الزخم والانتباه الدولي للقضية الفلسطينية من جديد بعد ركود وصل إلى القاع لمدة عقد.

1170

| 04 ديسمبر 2023

طوفان الأقصى والداخل الإسرائيلي

ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله، عملية طوفان الأقصى المجيدة حدث فارق في تاريخ المنطقة بل ربما العالم، مثله مثل حرب الخليج الثانية والحرب الأمريكية على العراق 2003. إذ سيكون لطوفان الأقصى تداعيات هائلة على مستويات متعددة، بدأ يظهر بعضها الآن، كما ستغير الكثير من المعادلات والتوازنات في المنطقة وخارجها. وليس من قبيل المبالغة القول إن طوفان الأقصى هي الحدث الأبرز في تاريخ إسرائيل التي ستزلزل داخلها برمته، حيث سنشهد داخلا إسرائيليا مغايرا تماما على كافة الأصعدة خلال العقد القادم. خلال العقدين الماضيين، ارتسم الداخل الإسرائيلي بوضوح على كافة مستوياته. فعلى المستوى السياسي غلبة واضحة ليمين الوسط المتحالف مع اليمين المتطرف بقيادة الليكود. وعلى الصعيد الاجتماعي، مجتمع قوامه من المهاجرين ربعهم تقريبا علمانيون، والباقي مع اليهود الأصليين يمينيو النزعة لكن بدرجات متفاوتة. أما على المستوى الاقتصادي، اقتصاد كبير ومتطور خاصة على الصعيد التكنولوجي، لكنه ليس بحجم وقوة اقتصادات الدول الكبرى والصاعدة والمتوسطة كالولايات المتحدة والصين وفرنسا على سبيل المثال. وأخيرا، المستوى العسكري، جيش يمتلك أحدث الأسلحة المتطورة خاصة الأمريكية، فضلا عن السلاح النووي، لكن لا يمكن وصفه بالجيش العظيم أو جيش القوة الكبرى على غرار الجيش الأمريكي ولا حتى التركي. لافتقاره لعدة مقومات رئيسية كالقوة البشرية والعمق الاستراتيجي، فإسرائيل قد هزمت في جميع المعارك التي خاضتها منذ 1973. الشاهد في الأمر أن إسرائيل خلال العقدين الماضيين بقيادة اليمين بصفة عامة، قد ازدهر اقتصادها بشكل كبير، ونجحت في جلب الآلاف من يهود الشتات إلى إسرائيل خاصة من شرق أوروبا وروسيا، وطورت من إمكانات جيشها. حتى ترسخت قناعة أسطورية أن أمن وسلامة إسرائيل في أمان تام، وأن جيش إسرائيل لا يقهر، وهذا أمر لا غنى عنه لضمان بقاء يهود الشتات في الداخل، وجلب المزيد لاسيما يهود الولايات المتحدة لنجاح دولة إسرائيل العظمى وموازنة التسارع الكبير في زيادة أعداد الفلسطينيين. تلقت إسرائيل في 7 أكتوبر وذلك بحسب اليهود أنفسهم أكبر هزيمة مذلة غير متوقعة في تاريخها، فهي الحدث الفارق كما أسلفنا في تاريخ إسرائيل، وأبرز ما كشفته طوفان الأقصى على الإطلاق هو الأسطورة الوهمية لجيش إسرائيل الذي لا يقهر، ونظرية الردع الإسرائيلي الجبارة. وعلى أثر ذلك، فالانعكاس الأول المباشر الذي لا جدال فيه لطوفان الأقصى هو فقدان الداخل الإسرائيلي للثقة التامة في اليمين القابض على زمام السلطة لعقدين، مقابل صعود ملحوظ في الثقة والشعبية لأحزاب اليسار والوسط وربما الأحزاب العلمانية. والحقيقة شعبية اليمين في إسرائيل لاسيما حزب الليكود بقيادة نتنياهو تشهد شعبيتها بعضا من التآكل النسبي منذ 2006، إثر حرب إسرائيل مع حزب الله، وزيادة الكتلة التصويتية الشعبية للعلمانيين واليسار، وضم حكومات اليمين أحزاب أقلية شديدة التطرف كحزب شاس، التي تذهب في التطرف إلى حد تحريم ممارسة المهام العسكرية في المناسبات. حيث يحملها البعض في إسرائيل هزيمة طوفان الأقصى بسبب تراخي الجنود اليهود في مهامهم يوم 7 أكتوبر عيد «سمحات توراة» اليهودي. وتراجع شعبية اليمين المتطرف، لا بد أن يتبعه تغيير تام في طبيعة النظام الانتخابي في إسرائيل، الذي يعد من نقاط الضعف الرئيسية لإسرائيل. فالنظام الانتخابي في إسرائيل لا يتيح بسهولة أن يشكل حزب بمفرده الحكومة، فمنذ الثمانينيات لم يتمكن حزب بمفرده من تشكيل الحكومة، فعادة ما يتحالف الحزب الحائز على أغلبية مع أحزاب صغيرة-وعادة المتطرفة- ليتمكن من تشكيل الحكومة، وبالتبعية، تتبع الحكومات الإسرائيلية سياسات شديدة التطرف حيال الصراع العربي الإسرائيلي لإرضاء الأحزاب المتطرفة المتحالفة معها. وانحسار اليمين في إسرائيل، لا يعني نهايته تماما، فإسرائيل دولة دينية بالأساس، والسلطة الدينية والحاخامات لهم سلطة وقوة دينية وروحية ومعنوية على النظام السياسي والشعب الإسرائيلي، علاوة على أن اليهود المتطرفين لهم قوة لا يستهان بها في إسرائيل لاسيما على المستوى الاقتصادي، ولا ننسى أيضا أن الشعب اليهودي ذاته يميني النزعة يؤمن بدولة إسرائيل الكبرى، ورافض لحل الدولتين، لكنه مجرد فاقد الثقة في حكومة يمينية وليست سياسات يمينية. إذن، نحن سنكون إزاء مشهد متناحر داخل إسرائيل، غلبة حكومية مرتقبة لليسار والوسط، تصارع ضد يمين سيزيد تطرفا إثر هزيمة طوفان الأقصى، مما سيفضي بالطبع إلى تعزيز الضعف والانقسام داخل إسرائيل. وعلى مستوى آخر، ستعمق طوفان الأقصى من أزمة الهجرة والاقتصاد في إسرائيل، ولعل ذلك أكثر ما تخشاه إسرائيل، هدم طوفان الأقصى ليهود الداخل والخارج مرتكز الأمن والرخاء الذي توفره إسرائيل لشعبها، ومن ثم، لم يعد يهود الداخل من المهاجرين يشعرون بالأمن مهما عملت إسرائيل من تدابير، فيهود الداخل يشعرون في داخلهم بأن العداء لإسرائيل يتزايد وقوة المقاومة تتزايد، وبالتالي، من المؤكد أن وتيرة الهروب من إسرائيل ستتزايد خلال الفترة القادمة، والعكس صحيح بالنسبة لوتيرة الهجرة إلى إسرائيل. طوفان الأقصى ستجعل إسرائيل تنفق على التدابير الأمنية والعسكرية بجنون رهيب، وهذا بالطبع سيكبد الخزينة الإسرائيلية مبالغ طائلة، ومن ثم، سينعكس ذلك على قوة الاقتصاد الإسرائيلي، حيث ستعتريه الهشاشة بشكل كبير، وستكون تداعيات ذلك خطيرة على كافة المستويات، كالاستقرار الحكومي والاجتماعي، وملف الهجرة.. وغيرها. تداعيات طوفان الأقصى على الداخل الإسرائيلي لا تحصى، لكن يمكن إيجاز أبرزها في تزايد الصراع الداخلي بين المتطرفين والعلمانيين، تقويض خطط الهجرة، ضعف كبير مرتقب للاقتصاد الإسرائيلي، تنامي عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.

993

| 27 نوفمبر 2023

لماذا تصدرت قطر جهود الوساطة في غزة؟

بعد ما يقرب من أسبوعين من عملية طوفان الأقصى المجيدة، بدأت تتداول أخبار وتسريبات أغلبها أمريكي عن وساطة قطرية في غزة. ولم تمر أيام معدودة حتى تكشف عن وساطة قطرية قوية في غزة يقودها أمير البلاد « سمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني «. وحتى كتابة هذه السطور، تتصدر قطر جهود الوساطة في غزة سواء منفردة في بعض المسائل كوقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر رفع، والرفض التام لتهجير أهالي القطاع إلى الجنوب، أو بشكل مشترك مع بعض الأشقاء لاسيما في ملف الأسرى، حيث توجت هذه الجهود بإفراج حركة المقاومة حماس عن بعض الأسرى من الأطفال والنساء الطاعنات في السن. ويبدو جليا أن الآمال العربية والغربية معلقة بشدة على الوساطة القطرية لوقف نزيف الدماء في غزه، والتوصل إلى تسوية بين حماس وإسرائيل منطلقها الرئيسي تبادل الأسرى. قد غدا من المألوف في المنطقة خلال السنوات الخمس الماضية، أنه بمجرد اندلاع أزمة عنيفة تتجه الأنظار العربية والعالمية إلى قطر بحسبانها الوسيط الأمثل المرتقب للتدخل في حل الأزمة. ومن ثم، فليس من المستغرب أن تتصدر قطر الوساطة في غزة حالياً. وعلة ذلك أسباب متعددة، لعل أبرزها، مركزية الوساطة في السياسة الخارجية القطرية، إذ تعد الوساطة أبرز أدوات القوة الناعمة لقطر. وأيضا، خبرة قطر العميقة التي تناهز العقد ونصف العقد في الوساطة، إذ لعبت قطر دور الوسيط الناجح في جل صراعات المنطقة منذ عام 2006. فالوساطة القطرية قد تمكنت في حل أزمة دارفور، والصراع في لبنان، والخلاف بين جيبوتي وإريتريا، وإنهاء أكبر حرب في المنطقة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان أفغانستان. وخلال تلك الخبرة الطويلة للوساطة القطرية، وهو العنصر الأهم الذى يعول عليه الغرب تحديدا لإنهاء الصراع في غزة، أثبتت قطر أنها وسيط محايد، يتمتع بعلاقات وثيقة مع كل الأطراف، لديه الصبر على حل الصراعات الشديدة التعقيد كالصراع في دارفور، قادر على طرح الحلول والمبادرات البناءة، ساعي إلى السلام والاستقرار في المنطقة، وقادر أيضا على فرض النفوذ البناء لتسيير المحادثات الشائكة. وعلى أساس ذلك، نرى أن تهافت الغرب وتحديدا الولايات المتحدة إلى قطر للعب دور وساطة رئيسي فعال في غزة، يكمن في قناعته التامة بان قطر هي الوسيط الأمثل حاليا لإنهاء هذا الصراع. تدعم قطر وبشكل صريح وعلني حركات المقاومة المناضلة، ولا تتوانى مطلقا عن نبذ ومحاربة الإرهاب والجماعات التكفيرية. فقطر كانت من طليعة الدول المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة داعش في سوريا والعراق، وكانت شريكا رئيسيا مع الولايات المتحدة في محاربة الإرهاب، وتنبذ قوانينها ومناهجها التعليمية جميع الأفكار المتطرفة البعيد عن تعاليم الإسلام الحنيفة. وبالعودة إلى الوساطة القطرية، فعلاقات قطر المتميزة مع حماس، قد أهلتها أولا إلى أن تكون شريكا موثوقا يقبل به حماس، وثانياً أن تكون وسيطا قادرا على التأثير البناء على حماس للتوصل إلى حل لإنهاء الأزمة. وبما أن الحرب في غزة متداخل فيها اطراف وأبعاد إقليمية، لاسيما إيران وحلفائها في المنطقة. فعلاقات قطر المتميزة مع إيران ووكلائها، تجعلها في الوضع الأمثل كوسيط قادر على التأثير على إيران ووكلائها، والحيلولة دون اتساع رقعة الحرب في غزة إلى حرب إقليمية ستضع استقرارا المنطقة برمته على أهبة الريح. وهذا ناهيك بالطبع عن علاقات قطر المتميزة مع الولايات المتحدة وأوروبا المتورطين في الحرب في غزة بصورة واسعة. ومن ثم قدرة قطر على التأثير البناء على الموقف الغربي برمته للضغط على إسرائيل، ويبدو أن بعض الدول الأوروبية قد بدأت في إحداث تغيير جزئي في موقفها الداعم لإسرائيل. حيث بدأت تتعالى أصوات تدين مجازر إسرائيل الوحشية في غزة، وتطالب بسرعة إيجاد حل للأزمة. الوساطة القطرية في غزة ليست سهلة، إذ ربما تعد من أصعب الوساطات التي ستخوضها قطر في تاريخها. فالصراع بين إسرائيل وحماس يبدو حتى الآن صراعا صفريا على الأقل من جانب إسرائيل التي تريد الإفراج عن جميع الأسرى، والقضاء التام على حماس. لكن يبدو أن هناك بارقة أمل قد تبدت من تصريحات بعض الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة ويدور مفادها حول ضرورة التفاوض أو الحل السياسي وإدانة التهجير القسري لأهالي غزة، والتحذير من مغبة انفلات الوضع في غزة، وانتقال الأزمة إلى مربع صراع إقليمى واسع، فضلا عن التحذير الذى يبديه بعض الأكاديميين والخبراء الإسرائيليين من الخطورة البالغة من استمرار الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي والوضع الداخلي برمته لاسيما تفاقم أزمة هجرة يهود الداخل إلى الغرب. واستنادا إلى ذلك، تتأتى أهمية الوساطة القطرية مدفوعة بدعم غربي كبير خاصة خلال الفترة القادمة، لتكثيف الجهود الدبلوماسية استنادا إلى خبرة وعلاقات قطر الواسعة من أجل التوصل إلى تسوية في غزة لابديل عنها من أجل أمن واستقرار الوضع الإقليمي برمته.

3387

| 21 نوفمبر 2023

شهر على عدوان غزة.. التقييم والسيناريوهات

يدخل العدوان الصهيوني الوحشي المتواصل على قطاع غزة شهره الثاني، والذي خلف قرابة العشرة آلاف شهيد أغلبهم من النساء والأطفال، ومئات الآلاف من المصابين، وتدمير هائل في البنى التحتية لغزة، والتسبب في أزمة إنسانية غير مسبوقة في القطاع، قد تفضي إلى قتل الآلاف حال استمرارها. بعد شهر من العدوان المتواصل شديد الوحشية على غزة، فإن أول سؤال بديهي يجب طرحه هو ماذا تريد إسرائيل من وراء ذلك، وهل حققت شيئا مما تريده؟ يتبدى من التصرفات الجنونية لإسرائيل على القطاع، فضلا عن التصريحات الغريبة والمتضاربة لقادة إسرائيل. هناك حالة من التخبط في تحديد الأهداف أو لنقل الأولويات مترافقة مع حالة من الانتقام العشوائي رداً على أكبر هزيمة في تاريخ إسرائيل. إذ ان إسرائيل تارة تعلن عن غزو بري شامل لم يتم حتى الآن، وتارة تعلن عن استمرار العمليات حتى يتم تحرير الرهائن، وتارة أخرى تقول ان العمليات ستستمر حتى يتم القضاء على حماس، ومن ناحية أخرى تقوم بإرسال تحذيرات ومناشدات لأهالي غزة للزحف إلى الجنوب. وسبب هذا التخبط الإسرائيلي يرجع بالأساس إلى صعوبة تحقيق أي هدف رئيسي والتكلفة الباهظة لتحقيقه أيضا. فالغزو البري صعب للغاية وتكلفته الاقتصادية والبشرية والسياسية عالية، ومسألة ترحيل سكان القطاع إلى الجنوب، حتى يتم غزو بري امن للقضاء على حماس، أو ضرب شمال القطاع بالقنابل والأسلحة الثقيلة، يبدو خيارا مستحيلا. ونجزم أن سيناريو ترحيل سكان القطاع إلى الجنوب هو الخيار شبه المتاح أو المتفق عليه في إسرائيل حتى الوقت الراهن رغم الصعوبة البالغة، وما من تفسير مقنع للكم الهائل من الضربات الوحشية ضد سكان القطاع إلا محاولة بائسة لترحيل سكان القطاع إلى الجنوب. نخلص مما سبق أن إسرائيل لم تحقق أي هدف رئيسي خلال هذا الشهر من القصف الوحشي غير المسبوق على القطاع. بل على العكس من ذلك، فإسرائيل تجني يوميا خسائر فادحة في الاقتصاد تقدر بنحو مليار شيكل، والمزيد من الضغوط والعداء العالمي الرسمي والشعبي. وإزاء ذلك أيضا فنحن أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية في غزة، قد يبدو من الصعب جدا ترجيح احدها: الأول-استمرار العمليات أو الغارات الإسرائيلية على القطاع لكن بوتيرة أقل وحشية وبشكل انتقائي، أملا في إجبار حماس على تحرير الرهائن كهدف أول، ثم إجبارها على الخروج من غزة وتنصيب حكومة جديدة في القطاع. وقد تفكر إسرائيل هذا السيناريو خلال الأسابيع القادمة بعد تيقنها من صعوبة الغزو البري. الثاني- استمرار العمليات الوحشية لأسابيع قليلة أملا في نزوح المزيد من أهالي غزة إلى الجنوب، ثم يعقبها غزو بري شامل يفضي إلى حرب طويلة الأمد مع حركة حماس. يمكن أن نطلق على هذا السيناريو سيناريو «الحرب المفتوحة» على مستوى الجبهات والوقت. إذ سيفضي حتما إلى تدخل أطراف خارجية في الصراع لاسيما حركات المقاومة مساندة لحماس. علاوة على أن هزيمة حماس في القطاع ليس بالأمر السهل. وعلى نحو عام، غالبا ما تنهزم الجيوش النظامية في حروبها ضد الحركات والجماعات شبه النظامية أو ما يطلق عليها حروب الشوارع والعصابات. الثالث- وهو سيناريو صعب التحقيق لكنه ممكن، ويتمحور في عقد صفقة لتبادل الرهائن بين حماس وإسرائيل مع توافر ضمانات بهدنة طويلة الأمد. ومن الوارد أن تجبر إسرائيل على هذا السيناريو -الشديد المرارة لها- إذا ضغطت الأطراف الحليفة على إسرائيل لعقد الصفقة لاسيما الولايات المتحدة، مع تزايد نزيف الخسائر في الاقتصاد الإسرائيلي مع الاستمرار في العمليات العسكرية دون جدوى، علاوة على تزايد الضغوط الداخلية داخل إسرائيل. من الواضح حتى من البداية أن خيارات إسرائيل صعبة ومحدودة، فإسرائيل أمام أكبر تحد في تاريخها ردا على أكبر هزيمة في تاريخها. فأي سيناريو من السيناريوهات السابقة حتى الثالث تكلفته باهظة جدا على إسرائيل. فإذا أجبرت على عقد صفقة مع حماس، سيعني ذلك لإسرائيل انتصار المقاومة وتشجيع باقي حركات المقاومة في المنطقة على ضرب إسرائيل. فضلا عن ضعف المصداقية الداخلية في مشروع دولة إسرائيل ذاتها، فالمجتمع الإسرائيلي مجتمع مهاجرين وجله يحمل جنسيات أخرى، ويعيش في إسرائيل بشكل شبه مؤقت استنادا على أمرين الأمن والرفاهية. وعلى هذا الأساس، نميل نسبيا إلى ترجيح السيناريو الثاني. إذ بعد طوفان الأقصى يرى قادة إسرائيل أن إسرائيل في حالة صراع للبقاء على كافة المستويات، ويدعمها القوى العظمى في العالم الولايات المتحدة وعدد من القوى الدولية الكبرى كإنجلترا وفرنسا.

1290

| 12 نوفمبر 2023

المكاسب الصينية الروسية من طوفان الأقصى

على الرغم من أن عملية طوفان الأقصى والمأساة الجارية الآن في غزة والتي دخلت فعليا إلى حالة الحرب، تشكل تحديا خطيرا لأطراف كثيرة حتى الداعمة لإسرائيل خاصة الولايات المتحدة، إلى جانب كل الدول المجاورة لإسرائيل مثل مصر والأردن. وبعض الشيء تمثل تحديا لإيران ولعدد من دول الخليج. لكن مع ذلك، ثمة بعض الأطراف الخارجية تستفيد وستستفيد الكثير جدا من تلك العملية، ويأتي على رأس هذه الأطراف كل من الصين وروسيا. اتبعت كل من بكين وموسكو السياسة التقليدية المتوازنة المعتادة من كليهما تجاه طوفان الأقصى، وذلك من قبيل الدعوة لوقف إطلاق النار، العودة إلى طاولة المفاوضات، دعم الجهود الإنسانية في غزة، التشديد على حل الدولتين. إذ من غير المتصور والمتوقع أيضا أن تقوم الدولتان بتوجيه إدانة قوية لإسرائيل، وذلك في سياق السياسة المتوازنة التي يتبعانها في المنطقة، إلى جانب بعض الاعتبارات المصلحية الأخرى. ومع ذلك، فالميزة الرئيسية لتلك السياسة المتوازنة تكمن في عدم اعتبارهما لحركة حماس وغيرها من حركات المقاومة جماعات إرهابية. تتلاقى المكاسب الصينية الروسية الناجمة عن الطوفان إلى حد بعيد. ونقطة التلاقي الأساسية تكمن بصورة كبيرة في العامل الأمريكي المتورط بدعمه التام لإسرائيل. من واقع الوجود الأمريكي القوى في المنطقة منذ حرب الخليج الثانية، ثم حروبها الطويلة في أفغانستان والعراق. تيقنت كل من روسيا والصين، خاصة الأخيرة، أن تورط واشنطن في المنطقة يساهم مساهمة قوية في تمكين صعودهما في آسيا، بمجرد انطلاق شرارة طوفان الأقصى، أعلنت إدارة بايدن على الفور إرسال أكبر حاملة طائرات إلى شرق المتوسط، ثم أعلنت عن إرسال حاملة أخرى. ويعنى ذلك، أن واشنطن قد أدركت تماما أن إسرائيل في خضم خوض حرب إقليمية واسعة تتجاوز غزة، ومن المحتمل أن تنجر واشنطن فيها. ويمكن القول، إنه من الواضح جلياً أن عملية طوفان الأقصى ستدوم طويلا وستكون لها العديد من التداعيات الإقليمية. فمن الواضح أن إسرائيل لن تتخلى عن مسعى القضاء على حماس، أو على أقل تقدير طرد حماس من القطاع وتنصيب حكومة جديدة هناك مع سيطرة عسكرية خفيفة على القطاع. ويشى ذلك بعودة قوية للتورط الأمريكي في المنطقة سيدوم بعض السنوات، وبالنسبة للصين وروسيا تخفيف التركيز الأمريكي على آسيا. وبالنسبة لروسيا تحديدا، تقليص الدعم الأمريكي-الغربي لأوكرانيا خاصة العسكري مقابل تحويل كامل الدعم لإسرائيل التي تعد ولاية أمريكية. طوفان الأقصى أيضا أحرج واشنطن بشكل كبير جدا، إذ أظهرت سياسة الكيل بمكيالين لواشنطن فيما يتعلق بحقوق الإنسان، ففي الوقت الذى لا تتوقف فيه عن إدانة الصين بشأن الانتهاكات المرتكبة بحق الأقلية الإيغورية المسلمة، وإدانة موسكو عن جرائم الحرب في أوكرانيا؛ تتغاضى عن جرائم الحرب الرهيبة التي تقترفها إسرائيل في غزة، وكان قد تجلى ذلك في حادثة قصف كنيسة المعمدانيين في غزة. ويعنى ذلك، أن طوفان الأقصى ستجبر واشنطن التوقف عن توجيه إدانات مستمرة لكل من بكين وموسكو فيما يتعلق بملف حقوق الإنسان. علاوة على، تقويض القوة الناعمة لواشنطن في العالم والمنطقة، مقابل تعزيز القوة الناعمة لهما خاصة في المنطقة.

2193

| 07 نوفمبر 2023

زلزال الأقصى المدوي ..العبر والتداعيات

ما حدث في صباح يوم السابع من أكتوبر، مفاجأة مدوية لم يكن يتوقعها أحد على الإطلاق حتى أكثر الناس تفاؤلاً. والمفاجأة لا تكمن في هجوم المقاومة المسلحة حماس في حد ذاته، إذ هذا كان متوقعا من حركة مقاومة تقاوم احتلالا غاشما.. بل في طبيعة وتكتيك وحجم وتداعيات الهجوم. فعملية طوفان الأقصى هي بحق زلزال مدو لإسرائيل. فحماس تلك المنظمة العسكرية التي لا تمتلك أعداد وقدرات القوات النظامية، قد باغتت إسرائيل صباح يوم السابع من أكتوبر براً وبحراً وجواً، ونجحت في اختراق حدود إسرائيل، وقهر القبة الحديدية، والتغلغل إلى المستوطنات في غلاف غزة وأسر أكثر من 100 إسرائيلي بينهم مجندون، وقتل ما يناهز 3 آلاف. وبالتالي، في تقديرنا، تعد عملية طوفان الأقصى أقسى هزيمة لإسرائيل في تاريخها. إذ تختلف عملية طوفان الأقصى عن جميع الحروب النظامية وغير النظامية مع إسرائيل. في نجاح منظمة وليس جيشا نظاميا، من اختراق إسرائيل بسهولة، وأسر عدد كبير من الإسرائيليين بسهولة أيضا، فضلا عن عدد القتلى الذي يقارب عدد قتلى إسرائيل في حروبها مع منظمات المقاومة منذ التسعينيات. ولعل أهم من هذا وذاك، أن طوفان الأقصى، قد حطم أساطير متوترة عن إسرائيل، طالما روجت لها إسرائيل في سياق حربها النفسية مع العرب، وللأسف قد صدقناها. حيث حطمت أسطورة حدود إسرائيل المنيعة التي لا يمكن اختراقها المجهزة بأخطر تقنيات الرصد والمراقبة، وأسطورة الجيش الذي لا يمكن أن يقهر من منظمة غير نظامية، وأسطورة القبة الحديدية التي من المستحيل أن تسمح بمرور صاروخ عابر للقارات وليس صاروخا متوسط المدى بالمساس بتل أبيب، حيث أمطرت صواريخ حماس تل أبيب ومعظم مدن إسرائيل بعشرات الصواريخ. وأخيراً، أسطورة العبقرية والنفاذ الخارقة للاستخبارات الإسرائيلية. ومن البديهي بعد استعراض العبر، طرح السؤال الرئيسي، ما هي دوافع حماس من العملية؟ قد كتب سيل من التحليلات والآراء حول دوافع حماس من العملية. ومع احترامنا الشديد لتلك الآراء، التي بعض منها وجيه. نرى أن دوافع حماس لا تحتاج إلى بحث معمق لسبر أغوار تخمينات وتكهنات تخرج الأصل عن سياقه. حماس حركة مقاومة ضد كيان احتلال ولها ثوابت وأهداف رئيسية وراسخة. وبالتالي فالعملية في حد ذاتها غير مفاجئة، بل المفاجأة هي التطور الكبير النوعي في تكتيك وأسلوب حماس العسكري. ومن الآراء التي نقدرها، شعور حماس ومعها جميع حركات المقاومة أن وضع القضية يزداد سوءاً بالتوازي مع تصاعد قوة اليمين المتطرف في إسرائيل، تحريك قضية الأسرى، وتقويض موجة التطبيع المتصاعدة في المنطقة. التداعيات : بالنظر أن عملية طوفان الأقصى، عملية استثنائية للغاية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، أو إسرائيل، أو المقاومة الفلسطينية...قل ما شئت. فإن تداعياتها أيضا ستكون استثنائية ومتعددة. وثمة بعض التداعيات المؤكدة وأخرى محتملة بنسبة كبيرة. التداعيات المؤكدة، ونذكر أهمها: - طوفان داخلي مواز داخل إسرائيل يطال كافة المستويات، لاسيما السياسية والعسكرية. فمن المؤكد بعد أن هز طوفان الأقصى كرامة ومصداقية وصورة إسرائيل السياسية والعسكرية، أن تقوم إسرائيل بمراجعة شاملة على مستوى التخطيط العسكري سيشمل محاسبة النخب العسكرية الحالية حسابا عسيرا، والإطاحة بهم، والدفع بنخب جديدة. وعلى المستوى السياسي، فقدان ائتلافات اليمين التي تحكم إسرائيل لعقود المصداقية الشعبية، وعلى الأرجح القضاء على أسطورة نتنياهو للأبد. - عودة الزخم الإقليمي والدولي بالقضية الفلسطينية. وتعد تلك المسالة-في تقديرنا- أبرز إيجابيات طوفان الأقصى على الإطلاق. منذ اندلاع ما تسمى انتفاضات الربيع العربي في 2011، تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية على الأجندتين الإقليمية والدولية إلى مستوى متدن للغاية. وفي خضم موجات التطبيع في المنطقة، تعمق هذا التراجع، حتى بدا أن القضية الفلسطينية لم تعد قضية العرب الأولى. لاسيما في ظل أحاديث وتسريبات عن تسوية هزيلة للغاية للقضية مقابل التطبيع. والمفارقة التي سنشهدها خلال الأسابيع القادمة الناجمة عن طوفان الأقصى، هو التصعيد المتطرف العنيف من إسرائيل ضد قطاع غزة جنبا إلى جنب مع تسابق المساعي والمبادرات لاسيما من جانب الغرب للتهدئة وعودة المسار التفاوضي والسياسي أو السلمي. فالعقلاء لاسيما من أصدقاء إسرائيل، باتوا على قناعة راسخة أن النهج العنيف والتهميش المطلق للقضية، واستمرار انتهاك حقوق الفلسطينيين ومقدساتهم؛ لن يجعل إسرائيل في مأمن، ويجب أن يعاد المسار التفاوضي من جديد وبشكل أكثر جدية مما سبق. - تقويض مساعي إسرائيل في استقطاب يهود الشتات إلى إسرائيل، بل ستشهد إسرائيل موجة هروب لآلاف اليهود الذين يحملون جنسيات أخرى. - تقويض موجة التطبيع في المنطقة، فبعد طوفان الأقصى من الصعب أن يسير التطبيع بنفس الوتيرة السريعة السابقة.

1533

| 12 أكتوبر 2023

الصين والقيادة الدولية الحميدة

قبل أيام، أصدرت الصين وثيقة بيضاء مهمة شديدة الأهمية تحت مسمى «المصير المشترك للمجتمع العالمي: أعمال واقتراحات الصين». استعرضت فيها رؤية الصين لبناء عالم أفضل في ظل القيادة الصينية، وليس الهيمنة الصينية. إذ انصب تركيز الوثيقة على رفض الصين لفكرة أو مصطلح «الهيمنة»، التي وصفتها -طبقا للوثيقة- بكونها مرادفا لاحتكار القوة المطلقة والتسيد على الآخرين، وعقلية المباراة الصفرية، والتوسع عبر القوة العسكرية. مقابل ذلك، استعرضت الوثيقة نهج القيادة الدولية الحميدة أو الرشيدة للصين، المستند الى طرح الصين نفسها للعالم كصانع للتنمية المفيدة لنفسها وللآخرين، والعمل على تعزيز فرص متساوية للنمو والازدهار للجميع في ظل نظام معولم. وهذا في حد ذاته سيساهم في توطيد السلام والاستقرار في العالم، ويقضى على عقلية المباراة الصفرية والصراعات الجيوسياسية. تحدثنا كتب تاريخ العلاقات الدولية عن أنماط متعددة من الهيمنة العالمية. فهناك النمط الشائع «الهيمنة العسكرية الواقعية» التي تفرض فيها القوة المهيمنة هيمنتها على العالم بالقوة العسكرية والأساليب القسرية كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وهناك نمط «الهيمنة الليبرالية» وفيها تسعى القوة المهيمنة على فرض هيمنتها عبر نموذج وأدوات ومؤسسات اقتصادية عالمية، وتعد الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة نموذجا لتلك الهيمنة وذلك من خلال فرض النظام النيوليبرالى العالمي وهيمنة الدولار ومؤسسات بريتونوودز (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي). وهناك نمط فريد وهو الذى تتبعه الصين حاليا وهو «الهيمنة الجرامشية، أو المقبولة». وهذا النمط أقرب للقيادة عنه كونه هيمنة. إذ يستند هذا النمط الى طرح القوة الساعية للقيادة العالمية نموذجا وأدوات ومبادرات تنموية وحضارية واقتصادية تتسم بقدر كبير من المعقولية والرشادة والعدالة، وهو ما يدفع الدول إلى الانضمام إليها طواعية وليس جبراً لشعورهم أنها تحقق مصالحهم وتعظم مكاسبهم وتحافظ على أمنهم وسيادتهم. أو عبارة أخرى، يتنامى شعورهم أن مصلحتهم متوافقة مع مصلحة القوة القائدة الحميدة. والسؤال المثار الآن، لماذا تتعمد الصين تبنى هذا النموذج للهيمنة؟ وإلى أي مدى نجحت في تطبيقه؟ وتتعمد الصين اتباعه لثلاثة أسباب رئيسية واحدة منها ذكرتها صراحة في الوثيقة، وهى إدراك الصين الحكيم لدروس التاريخ حيث انتهى مصير القوة الساعية إلى الهيمنة عبر الإكراه العسكري للانتحار مثل الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية، كما أن استدامة هذه الهيمنة مستحيل بسبب القوة المضادة التي ستنشأ للقضاء عليها. والثاني هي تقاليد وثقافة وتاريخ الصين السلمية المعادية لمسالة فرض الهيمنة جبراً. فالصين كانت إمبراطورية في القرون الوسطى عبر نشر ثقافتها وتأثير طريق الحرير القديم. وأخيرا، هو امتلاك الصين لمخزون من الخبرات والتجارب والأدوات القديمة والحديثة التي تمنحها المقدرة على إنجاح خططها للقيادة الدولية الحميدة. إذ غدت الصين في غضون عقدين قوة اقتصادية تنموية جبارة، مما أهلها بان تكون نموذجا فريدا للنمو والتنمية-ليس غربيا- يحتذى به في العالم. وأصدرت الصين الوثيقة، وهى متسلحة بنجاحها الواسع خلال عقد في جذب معظم دول العالم في الفلك الصيني طواعية. فمبادرة الحزام والطريق التي تعد اهم مبادرة صينية لتعزيز القيادة الدولية الحميدة للصين، يبلغ عدد أعضائها حاليا نحو 150 دولة. فمن خلال المبادرة، ازدهرت اقتصادات العديد من أعضائها، وساهمت الصين في تطوير البنى التحتية للكثير من الدول، لاسيما لدول مجلس التعاون الخليجي. كما استحوذت دول المبادرة على احدث التكنولوجيا الصينية كشبكة جى 5. وهناك أيضا تجمع البريكس الذى تقوده الصين، حيث يتوسع باطراد فمؤخرا انضمت إليه خمس دول من بينهم ثلاث عربية، كما يتلقى التجمع طلبات للانضمام من عشرات الدول. وناهيك عن ذلك، ففي ظل القيادة الحميدة للصين، تطرح الصين نفسها كمبادر لحل التحديات العالمية الخطيرة وعلى رأسها قضية التغير المناخي. ففي إطار مبادرة الحزام والطريق، تدعم الصين معظم المشروعات الخضراء. كما تطرح الصين نفسها كوسيط عالمي صانع للسلام، إذ قدمت العديد من المقترحات لإصلاح الأمم المتحدة. كما نجحت وساطتها في تطبيع العلاقات بين إيران والسعودية. والحديث عن منجزات القيادة العالمية الحميدة للصين يحتاج إلى عشرات الكتب في حقيقة الأمر. لكن الشاهد في الأمر، أن الصين قد بات قائدا عالميا حميدا وبمحض رغبة وإرادة معظم دول العالم، التي تنضم إلى مبادرات ومشروعات الصين طواعية لشعورها بانها الوسيلة الأمثل لتحقيق مصالحها وتعظيمها. وهذا في حد ذاته سيساهم في استدامة القيادة الدولية للصين ربما لقرون، وانتقال النظام الدولي إلى القيادة الصينية المطلقة أو التعددية القطبية بشكل سلس وليس عنيفا كالعادة، لأن أصدقاء وحلفاء خصوم الصين الرئيسيين وعلى رأسهم الولايات المتحدة، هم أيضا باتوا يدورن في فلك القيادةالحميدةللصين.

2463

| 03 أكتوبر 2023

الاحتجاجات الغاضبة ومستقبل نظام الأسد

مع عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، والتي سبقتها حالة من الهدوء الداخلي، وسيطرة هشة للنظام السوري على بعض المناطق بدعم روسي إيراني. قد جزم الكثيرون أن ملف الأزمة السورية قد طوي بلا رجعة، وأن نظام الأسد باق في السلطة إلى الأبد. ولم يمر شهران على عودة سوريا للجامعة، حتى تفاجأ الجميع بعودة الحالة الثورية السورية عبر احتجاجات غاضبة مستمرة حتى الآن شملت بعض المناطق كدرعا ودير الزور، وبعضها مناطق موالية تاريخيا لنظام الأسد كالسويداء، وآخذة في الاتساع، وتتوحد على شعار «إسقاط النظام». اندلعت الاحتجاجات الأخيرة على إثر رفع الدعم عن المحروقات، وزيادات وصلت إلى الضعف على بعض السلع على رأسها الخبز. ومع ذلك، تعكس الاحتجاجات الأخيرة حالة غضب عالية من الشعب السوري ضد نظام الأسد متراكمة منذ 2011. يحكم نظام الأسد سوريا بلا أدنى شرعية حرفيا، بعدما تسببت سياسة الأرض المحروقة التي أتبعها لإخماد الثورية الشعبية، فيما يقرب من 4 ملايين قتيل، وملايين من الجرحى، والآلاف المعتقلين، وما يناهز 7 ملايين نازح. علاوة على فقدان سيطرة النظام على ثلثي سوريا. بالإضافة إلى اقتصاد منهار تماما وعملة متهاوية وبنية تحتية مدمرة. وبالتالي، ليس من المستغرب أن تتعاود الحالة الثورية في سوريا ضد نظام فاقد تماما لأي شرعية. بعبارة أخرى، من الصعب أن يتقبل الشعب السوري وجود نظام الأسد في السلطة بعد هذا الدمار الوحشي الذي سببه، ويحكم بدعم مباشر خارجي. ولعل ذلك ما أثبتته الاحتجاجات الأخيرة. فلا شك أن الاقتصاد السوري المنهار هو القشة التي قصمت ظهر البعير، وسيسرع في تآكل ما تبقى من النظام من جانب بعض المؤيدين له، وهو ما وضح من احتجاجات بعض القبائل والمناطق المؤيدة تقليديا للأسد. لكن نلاحظ من واقع الاحتجاجات أنه تم رفع علم الثورة السورية أمام الحشود الأمنية الحكومية، كما أن المحتجين حتى من الموالين، يرفعون شعار رحيل النظام، وإجراء إصلاحات سياسية واسعة، والإفراج عن المعتقلين. إذن نحن أمام بوادر ثورة أخرى أسوة بثورة 2011، مبعثها هو شعور السوريين بانسداد أية أمل في حل اقتصادي شامل من جانب النظام للوضع الاقتصادي المتردي يخفف عن السوريين معاناتهم الاقتصادية البائسة، ويمحو ولو جزئيا تراكم الغضب من النظام. وفيما يبدو أن لدى السوريين شعورا قويا بأن جميع الإجراءات التي اتخذها النظام خلال الفترة الماضية، لم تؤت ثمارها، ولن تؤتي. وعلى رأسها عودة سوريا لجامعة الدول العربية. إذ كان متوقعا أن يصاحب هذه الخطوة انتعاش في حجم التجارة السورية مع العرب، تنعكس إيجابا على الاقتصاد السوري الذي يواجه مستويات غير مسبوقة من الركود والفساد. فضلا عن ذلك، يواجه النظام حاليا بعض التحديات المؤثرة بصورة كبيرة على بقائه، ولعل أهمها صعوبة الاعتماد على الدعم الروسي والإيراني العسكري والاقتصادي كما في السابق. فالاقتصاد الإيراني يعاني بشدة، علاوة على سعي إيران لتخفيف دعمها الخارجي للموالين في تقاربها مع السعودية. وروسيا منشغلة في مستنقع أوكرانيا وإعادة ترتيب جماعة فاجنر التي تعتمد عليها في مهامها الخارجية. ويواجه النظام تحديا آخر تزامن مع الاحتجاجات وهو تفاقم الصراعات الداخلية المسلحة خاصة بين القبائل العربية وقوات قسد الكردية المدعومة من أمريكا والمسيطرة على الشمال السوري الغني بالموارد. ومن شأن تلك الصراعات توسيع نفوذ تلك القبائل والجماعات على حساب النظام، مما يفاقم من أزمة السيطرة الفعلية للأسد على سوريا وشرعيته. خلاصة القول، يحكم نظام الأسد بدون شرعية حقيقية ويواجه بتحديا اقتصاديا عسيرا للغاية، وهو ما عكسته الاحتجاجات الأخيرة. إذ رغم أن مبعثها الرئيسي هو الاقتصاد المتهرئ، إلا أنها قد عبرت عن حالة الغضب المتراكم منذ 2011. وبالتالي، تعد تلك الاحتجاجات أيضا مؤشرا قويا على أن نظام الأسد من الصعب أن يستمر في السلطة لفترة طويلة، إذ هي مؤشر قوي أيضا على أفق ثورة قوية قادمة قريبا أعنف من ثورة 2011.

873

| 19 سبتمبر 2023

تحديات البريكس العظمى

تأسست مجموعة البريكس سنة 2009 وكان إعلان تأسيسها من قبل مؤسسيها الأربع آنذاك «الصين، الهند، روسيا، البرازيل» واضحاً تماماً وهو تأسيس نظام دولي متعدد وكسر الهيمنة الأحادية الأمريكية على النظام السياسي والاقتصادي العالمي من أجل تحقيق قدر أعلى من العدالة والتوازن في العالم. وفى القمة الأخيرة للمجموعة أغسطس 2023 التي انعقدت في جنوب أفريقيا، تم الإعلان عن الحدث الأهم منذ تأسيس المجموعة وهو ضم خمسة أعضاء جدد وهى «السعودية، إثيوبيا، مصر، الأرجنتين، الإمارات، إيران». وبهذا الضم أصبحت المجموعة أكبر تجمع اقتصادي عالمي معبر عن الكتلة الجنوبية أو الشرقية في النظام الدولي. عند الحديث عن البريكس ومستقبلها، واجب الإشارة إلى أمر هام رئيسي يمثل المنطلق الرئيسي لتحديات البريكس، ويكمن في ضرورة التمييز ما بين أهداف الصين على حده من البريكس، وما بين أهداف باقي أعضائها بما في ذلك المنضمون حديثا. وبلا أية مواربة تتحد كل أعضاء البريكس على ضرورة تأسيس نظام دولي متعدد يكسر الهيمنة الغربية على العالم، بل إن كينونة الأعضاء الخمس المنضمين حديثا للمجموعة تعكس بجلاء رؤيتهم الثاقبة بشأن التغيرات الكبرى التي تحدث في العالم لاسيما التراجع الملفت للقوة الأمريكية والصعود الكبير للقوة الآسيوية. بينما تتمايز أهداف الصين من البريكس، حيث تعول الصين على المجموعة كأداة رئيسية لمجابهة الولايات المتحدة، وتعزيز موقعها كقائد للنظام العالمي الجديد. لذا، تعد الصين أكثر أعضاء المجموعة تحمساً لضم أعضاء جدد، لتشكيل جبهة موسعة مجابهة لتحالفات واشنطن الدولية، فالأعضاء الخمس الجدد للمجموعة كان بعضهم محل اعتراض من جانب الهند والبرازيل، وتم ضمهم بفضل ضغوط صينية. وتأسيسا على ذلك، يمكن التمييز بين تحديين رئيسين يواجهان مستقبل البريكس. الأول هو قدرة البريكس على التحول إلى أداة صينية لمجابهة الولايات المتحدة في ظل القيادة الصينية الفعلية للمجموعة. تتفق أعضاء المجموعة على أهمية كسر الهيمنة الأمريكية المطلقة والتوجه نحو التعددية، لكنها بلا أدنى شك غير راغبة في تحويل المجموعة إلى أداة صينية بالوكالة لمحاربة واشنطن. وقد سبق وألمح بعض قادة البريكس لذلك. لكن الأهم، أن اثنين من أهم قادة المجموعة (الهند والبرازيل) هم حلفاء وثيقون لواشنطن، هذا بخلاف بعض الأعضاء الجدد. ولكى تتحول المجموعة إلى أداة صينية تماما، وهو سيناريو مستبعد، يجب أن تتغلب على بعض التحديات، أهمها على الإطلاق إخضاع الهند للهيمنة الصينية. إذ يعد الصراع الهندي الصيني العتيد واحدا من أكبر تحديات البريكس عموما. ومن المفارقات الغريبة جدا في العلاقات الدولية أن يجتمع في تحالف قوتين متنافستين شبه متكافئتين يجمع بينهما عدد لا يحصى من التناقضات والخلافات. وهذا الصراع لا يحول فقط دون هيمنة صينية مطلقة على المجموعة، بل يهدد استمرار وتوسع المجموعة أيضا. وإلى جانب ذلك، فمن الصعب أيضا إخضاع البرازيل وعدد من أعضاء المجموعة للهيمنة الصينية التامة، أو الضغط على توجهاتهم وسياستهم باتجاه المدار الصيني أو إحداث تنافر مع واشنطن. أما التحدي الثاني وهو الأهم، فيكمن في قدرة البريكس على كسر الهيمنة الغربية لاسيما الاقتصادية في النظام الدولي. وحقيقة الأمر أن وجود البريكس سيما بعد عملية توسعه الأخيرة سيحدث قدر كبير من التوازن، ويحد نوعا ما الهيمنة الغربية. ومع ذلك، أمام البريكس الكثير من التحديات والعقبات السياسية والاقتصادية لكسر الهيمنة الغربية تماما. فلكى يتحول إلى تكتل صلب بإمكانه تحدى المؤسسات الغربية، يحتاج البريكس إلى توافق تام بين أعضائه، لاسيما فيما يتعلق بالمصالح الاقتصادية. لكن بخلاف تضارب المصالح والرؤى والتوجهات بين أعضائه، ترتبط بعض دول البريكس ارتباطا وثيقا بالغرب ومؤسساته، ويصعب عليها فك هذا الارتباط. فالاتحاد الأوروبي أكبر تجمع مؤسسي في العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كان قوام تأسيسه الرئيسي الهوية الدينية المشتركة وتوحد الرؤى والمصالح السياسية والاقتصادية بين أعضائه. علاوة على ذلك، لا تتمتع دول البريكس عدا دول قليلة على رأسها الصين، بالقوة الاقتصادية الكافية لدفع التجمع خطوات أوسع لتحدى المؤسسات الغربية. فدول البريكس لاسيما بعض المنضمة حديثاً، والعديد الراغب في الانضمام، تهرول تجاه البريكس أملا في تحسين وضعها الاقتصادي المنهار خاصة عبر الاستحواذ على أكبر قدر من القروض. حيث تهرول في الجانب المقابل الغربي في الوقت عينه لنفس الغرض. والضربة القاضية للهيمنة الغربية تتأتى أو تتلخص في القدرة على كسر هيمنة الدولار الأمريكي، إذ اكثر من 80% من التجارة والتسويات الدولية مقيمة بالدولار. فضلا عن أن استمرار هيمنة الدولار هو السند الرئيسي لاستمرار الهيمنة الأمريكية. وتتحدث دول البريكس عن عزمها تأسيس عملة موحدة، ووفقا لتقديرات أكبر المراكز الاقتصادية في العالم، يعد هذا المسعى ضربا من المستحيل. فتأسيس عملة موحدة عملية غاية التعقيد، ويجب أن يسبقها سلسلة من العمليات والإجراءات الاقتصادية الطويلة والمعقدة أيضا. فالاتحاد الأوروبي قد أسس عملته الموحدة بعض قرابة 3 عقود من تأسيس الاتحاد، ولم تنضم لها عدة اقتصادات قوية أوروبية. وحالة البريكس أشد تعقيدا من حالة الاتحاد الأوروبي، وذلك من حيث اختلالات هيكلية اقتصادية واسعة بين أعضائه، خلافات سياسية ومصلحية عميقة. ملخص القول، يعد البريكس خطوة متقدمة على صعيد منظومة التحالفات الدولية من شأنها تسهيل التعاملات التجارية بين أعضائه، وبشكل أكثر وضوحا سوق واسع يخدم الصين في المقام الأول. ومن شأنه أيضا الحد نسبيا من الهيمنة الغربية. ومع ذلك، لايزال أمامه الكثير من التحديات العسيرة لكسر الهينة الغربية التامة وترسيخ نظام دولى تعددي حقيقي.

960

| 12 سبتمبر 2023

alsharq
مواطن ومقيم

من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...

1521

| 11 مارس 2026

alsharq
«التقاعد المرن».. حين تكون الحكمة أغلى من «تاريخ الميلاد»

حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...

1272

| 11 مارس 2026

alsharq
العقل العربي والخليج.. بين عقدة العداء لأمريكا وغياب قراءة الواقع

أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...

1098

| 11 مارس 2026

alsharq
الخليج محمي

وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...

969

| 10 مارس 2026

alsharq
من سينهي الحرب؟                

سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا...

933

| 16 مارس 2026

alsharq
مضيق هرمز والغاز الطبيعي وأهمية البدائل

لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...

813

| 14 مارس 2026

alsharq
فلنرحم الوطن.. ولننصف المواطن والمقيم

عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...

792

| 12 مارس 2026

alsharq
لا ناقة ولا جمل.. لماذا يدفعون الخليج إلى الحرب؟

«هذه حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل»،...

735

| 15 مارس 2026

alsharq
الرفاه الوظيفي خط الدفاع الأول في الأزمات

في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...

726

| 12 مارس 2026

alsharq
حين تشتد الأزمات.. يبقى التعليم رسالة أمل

التعليم لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل...

720

| 15 مارس 2026

alsharq
اقتصادات الظرف الراهن

نشيد أولاً بجهود الدولة بمختلف مؤسساتها وإداراتها في...

672

| 14 مارس 2026

alsharq
إعادة ضبط البوصلة

ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...

666

| 13 مارس 2026

أخبار محلية