رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
بعد مرور قرابة العام والنصف على الاجتياح الروسي لأوكرانيا، لا تزال مسألة فعالية العقوبات الغربية على روسيا مثار تباين واسع. فتلك العقوبات الشديدة والشاملة التي فرضها الغرب- والتي ربما قد راهن على ردع روسيا لإنهاء هذا الغزو سريعا - لم تؤتِ ثمارها بعد.
ناهيك عن ذلك، تتضارب التحليلات والتوقعات بشأن مدى تأثير تلك العقوبات على الاقتصاد الروسي، وجدوى استمرارها، وكذلك تأثيرها المستقبلي على نظام بوتين والحرب بصفة عامة.
نالت مسألة العقوبات الاقتصادية الدولية خلال العقدين الماضيين مساحة واسعة من الاهتمام الأكاديمي، وتنوعت المقاربات التحليلية لدراسة هذه الظاهرة مستندة على سوابق متعددة للعقوبات الغربية تحديدا ومنها التي فرضت على جنوب أفريقيا، وكوبا، وكوريا الشمالية والعراق، وإيران. وتشابهت مستخلصات تلك المقاربات إلى حد بعيد بشأن مدى الفعالية الحقيقية لظاهرة العقوبات، والتي ستساعدنا إلى حد بعيد في فك لغز فعالية العقوبات الغربية على روسيا.
المستخلص أو الحقيقة الأولى والرئيسية التي خلصت إليها تلك المقاربات كان مفادها «صعوبة تحقيق العقوبات أهدافها المتوخاة بصورة فورية في أغلب الأحيان». وهل يعني ذلك أن خيار العقوبات خيار فاشل دائما؟ ليس ذلك بالضبط، بل كل ما في الأمر أن الرهان عليها لتحقيق أهداف سريعة أو فورية وحاسمة رهان غير صائب غالبا.
ويعزى ذلك إلى أسباب متعددة ومنها مهارة وقدرة النظام المستهدف بالعقوبات على الالتفاف والتحايل عليها بدعم الحلفاء، صلابة الاقتصاد المستهدف، عدم اكتراث النظام المستهدف بالتأثيرات الشديدة الناجمة على شعبه ما دامت لم تشكل تلك العقوبات تهديداً شديدا على شرعية نظامه، وأخيراً البعد الإنساني المرعى عند تفعيل العقوبات حيث غالبا ما يُتوخى تحقيق التوازن ما بين معاقبة واستهداف النظام وأفراده في حد ذاته، وما بين عدم تشديد العقوبات لدرجة معينة تتسبب في كارثة إنسانية كمنع تصدير بعض المنتجات الغذائية الرئيسية. ويعد بعد التوازن من أكبر أسباب فشل العقوبات في تحقيق أهدافها المرجوة بصورة فورية أو عدم الوصول إليها نهائيا، لاسيما التخلص من نظام شديد القمع والانغلاق والعدوانية كنظام كوريا الشمالية، ونظام صدام حسين في التسعينيات.
وبإسقاط هذه الأسباب على نظام بوتين لا نحتاج إلى عصف ذهني شديد وبيانات وتخمينات مرهقة لاستبيان فشل رهان العقوبات الغربية في إيقاف عمليات روسيا العسكرية في أوكرانيا الممتدة منذ أكثر من عام بشكل فوري وحاسم. فرض الغرب على روسيا قائمة عقوبات متنوعة شملت حظر استيراد النفط والغاز، وتصدير المنتجات التكنولوجية، وتجميد أرصدة بنكية، ووقف التعامل المصرفي على نظام سويفت. ورغم تضرر الاقتصاد الروسي بالطبع، إلا أنه لم يتأثر بالدرجة التي كان يتوقعها الغرب. إذ يكفي القول في ذلك إن روسيا لا تزال تصدر النفط والغاز - المصدر الرئيسي لدخلها القومي - إلى حلفائها من أكبر المشترين خاصة الصين والهند، وبكميات كبيرة. خلاصة الأمر في تلك النقطة، أن رهان الغرب على العقوبات لإنهاء الحرب لن يتحقق غالبا في المدى القريب.
وهذا يدفعنا إلى المستخلص الثاني العاكس للأول ومفاده «نجاعة العقوبات في تحقيق أهدافها أو بعض منها، أو إحداث تحرك أو تحول إيجابي في الأزمة على المدى البعيد وبشكل متدرج». استنادا إلى سوابق العقوبات الغربية، نجد أنها قد ساهمت بفضل وطأتها واستمرارها في إحداث اختراق ملموس لأزمات كبيرة لكن على المدى البعيد. فالعقوبات الأمريكية المستمرة لسنوات على إيران- على سبيل المثال - كانت من أهم أسباب دفع النظام الإيراني لإبرام الاتفاق النووي مع إدارة أوباما. وكانت كوريا الشمالية قوب قوسين من إبرام اتفاق مع إدارة ترامب للتخلي عن برنامجها النووي بفضل وطأة العقوبات. فمهما كانت صلابة النظام الاقتصادي المستهدف من العقوبات، ومهارة نظامه وشبكة تحالفاته التي تمكنه من التحايل عليها، فلن يستطيع اقتصاد هذا النظام الصمود والرسوخ بنفس الوتيرة على المدى الطويل في نظام دولي معولم وتحديات اقتصادية وأمنية وبيئية متلاحقة تضرب العالم بوتيرة مستمرة. ومن ثم، سيتفاجأ هذا النظام بين ليلة وضحاها أن شرعيته وبقاءه قد بات على المحك بفضل الاحتجاجات المستمرة، والتذمر العام حتى بين نختبه الحاكمة. وبالتالي، سيضطر غالبا إلى إحداث تحول كبير تجاه الأزمة المسببة للعقوبات لضمان بقائه في السلطة. أو قد تؤدي الاحتجاجات المستمرة وحالة التذمر العام إلى ثورة أو انقلاب عسكري لإنهاء هذا النظام.
ولعل ذلك أيضا ما يراهن عليه مسؤولون وأكاديميون غربيون كثر. ويستشهدون في ذلك بظهور بوادر على التصدع البطيء التدريجي لنظام بوتين بفضل العقوبات. والتي منها بيانات من جهات مرقومة تشير إلى ركود نوعي في الاقتصاد الروسي، وحالة من الاستياء لدى الشعب الروسي من استمرار الحرب، وتململ بعض الحلفاء كالصين من استمرار الحرب، واستيراد النظام لأسلحة ليست بعالية الكفاءة من حلفائه لسد عجز فجوة التسليح. وأخيراً، تمرد قوات فاجنر الأخير العاكس لارتباك واضح وربما تذمر في أوساط النخبة العسكرية الروسية.
إذن نخلص مما سبق بشأن فعالية العقوبات الغربية على روسيا، هو عدم نجاحها المطلق في إيقاف استمرار العمليات العسكرية لروسيا في أوكرانيا على المدى القريب، بل ستستمر تلك العمليات وبقوة على الأقل أكثر من عام إضافي. مقابل ذلك، هو نجاحها المؤكد في إحداث حلحلة في تلك الأزمة أو الحرب على المدى البعيد- وقد ظهرت بعض بوادر ذلك بالفعل - حال استمرارها بنفس القوة التضامنية الغربية. وهنا يجب أن نشير أن استمرار وطأة العقوبات الغربية على روسيا قد يدفع إلى السيناريو الأكثر كارثية وهو لجوء روسيا إلى السلاح النووي، وليس الحلحلة الإيجابية. لكن فيما يبدو لا خيار أمام الغرب إلا الاستمرار في العقوبات وبقوة كما كانت خياره الرئيسي إزاء روسيا النووية.
أهمية تنمية وإدارة الموارد البشرية
تُعد الموارد البشرية الركيزة الأساسية لنجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها، إذ إن العنصر البشري هو المحرك الرئيس للإنتاج والتطوير... اقرأ المزيد
123
| 05 يونيو 2026
رمز QR.. مسح سريع وخسارة كبيرة
أصبح رمز الاستجابة السريعة (QR) جزءًا من تفاصيل يومنا؛ نمسحه لقراءة قائمة طعام، أو لدفع رسوم موقف سيارة،... اقرأ المزيد
144
| 05 يونيو 2026
كيف نردع المتنمرين ؟
إن التنمر ينتشر غالبا بين الأطفال والمراهقين، سواء في المدرسة أو بين أبناء الأقارب أو غيرهم، وذلك يرجع... اقرأ المزيد
102
| 05 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
6987
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2799
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2538
| 02 يونيو 2026