رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أشك لحظة في قدرة منظومة مجلس التعاون الخليجي على مغادرة منطقة الأزمة التي اشتعلت بين قطر من ناحية والسعودية والإمارات والبحرين من ناحية أخرى. مما أسفر عن قيام الدول الثلاث بسحب سفرائها من الدوحة والدخول في منطقة المصالحة واستعادة الروح الخليجية العفية والموحدة والقادرة على مجابهة التحديات سواء من الداخل أو من الخارج. وهنا أستعيد مقولة الصديق الكبير عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام السابق لمجلس التعاون والتي كان يكررها تقريبا في كل حوار أجريه معه وهي أن "المجلس ولد ليبقى".لم أتوصل إلى هذه الخلاصة من زاوية عاطفية فياضة أو من خلال قراءة عن بعد للمنطقة. وإنما استندت في ذلك إلى معايشتي لقضايا وتطورات منظومة المجلس لفترة تقترب من العشرين عاما. أثناء فترة عملي بالدوحة زرت خلالها كل عواصم المجلس أكثر من مرة مشاركا في مؤتمرات مؤسسة القمة الخليجية التي كان القادة حريصين على عقدها في مواعيدها - في شهر ديسمبر من كل عام وبدون تلكؤ. بل وأضافوا إليها قمة تشاورية في منتصف المسافة بين القمتين الرسميتين – في شهر مايو- فضلا عن لقاءات متنوعة ومتعددة مع الأمناء العامين لمجلس التعاون. وإن كنت لم أحظ بلقاء الأمين العام الحالي الدكتور عبد اللطيف الزياني بسبب عودتي إلى القاهرة قبل نحو ست سنوات. غير أنني مع ذلك أتابع نشاطه المحمود ومحاولاته الدؤوبة للقيام بواجباته خاصة في ظل تحولات تشهدها المنطقة العربية والخليجية في آن.لقد عكس الاجتماع الأخير الذي عقد مساء الخميس الماضي على مستوى وزراء خارجية دول المجلس بالقاعدة الجوية بالرياض. قدرة المنظومة على تجاوز ما جرى قبل فترة مما فجر خلافا علنيا هو الأول من نوعه على مدى زمني يزيد على ثلاثة وثلاثين عاما منذ انبثاق المجلس في الخامس والعشرين من مايو من العام 1981 بمدينة أبو ظبي. وهو ما تجلى في الاتفاق على تبني الآليات التي تكفل السير في إطار جماعي ولئلا تؤثر سياسات أي من دول المجلس على مصالح وأمن واستقرار دوله ودون المساس بسيادة أي من دوله. وذلك انطلاقا مما يربط دول منظومة التعاون الخليجي من الوشائج والروابط التاريخية والمصير الواحد، والحرص على دفع المسيرة لها وذلك بعد إجراء مراجعة شاملة للإجراءات المعمول بها فيما يتعلق بإقرار السياسات الخارجية والأمنية. وبعيدا عن الاجتهادات التي طالت هذه الآليات التي لم يحددها البيان الرسمي الذي صدر عن الوزاري الخليجي بالرياض مساء الخميس الفائت فإنه يمكن القول إن ثمة عوامل عدة أدت إلى استعادة التوافق بين دول المجلس الست في مقدمتها: أولا: في مقابل الجهود المقدرة التي بذلتها القيادة الكويتية التي وعدت خلال ترؤسها للقمة العربية التي عقدت يومي 25 و26 مارس الماضي ببذل أقصى الجهد لتقنية الأجواء بين دول المجلس. فإن كلا من الدول الأربع: قطر والسعودية والإمارات والبحرين لم تبد اعتراضا مع طروحات ومقترحات الشيخ صبا ح الأحمد الصباح أمير الكويت الذي راهن على ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الخليجية التي تقوم على الاتصالات المباشرة والوضوح وتجنب المناورات. أو ما يطلق عليه في التعبيرات الدارجة اللف والدوران متكئا في ذلك على صداقات وتفاهمات شخصية مع كل قادة دول المجلس الآخرين الذين يثقون في تراكم خبراته بأوضاع وملفات المنطقة. فضلا عن ميزات نسبية يمتلكها في مقدمتها بالطبع ترؤسه للدورة الحالية لكل من قمة مجلس التعاون التي عقدت بالكويت في ديسمبر المنصرم والقمة العربية التي عقدت في مارس الفائت ثانيا: إن المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربية فرضت على قادة دول المجلس بالذات. المضي قدما باتجاه بلورة صيغة أكثر فعالية من التنسيق والتكامل والتعاضد على كافة الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية. وهو ما دفع بعد قراءة متأنية لكل ما جرى من أطراف الأزمة إلى ضرورة تبنى خيار تجاوز الأزمة وردم أي هوة يمكن أن تقود إلى الإخلال بالبنية التحتية والمؤسساتية لمنظومة مجلس التعاون. والتي نجحت على مدى أكثر من ثلاثة عقود في وضع أساسات قوية لتكتل إقليمي قوي وهو بحاجة إلى المزيد من الخطوات حتى تكتمل ملامح هذا التكتل ليصبح رقما مهما في المعادلة الأمنية الإقليمية التي تقبض عليها بقوة حتى الآن عوامل إقليمية ودولية.ثالثا: إن دول مجلس التعاون الخليجي تدرك أنه ليس أمامها خيارات وبدائل متعددة سوى الاستمرار في متوالية البناء والإضافة. التي تشهد كل عام تحولات نوعية قربتها إلى الصيغة الحلم والتي تتمثل في الاتحاد الأوربي. ومن ثم فإن الإبقاء على أي مساحات خلاف أو توتر من شأنه أن يقود المنظومة برمتها إلى الانهيار. وهو ما لا تسمح به ضمائر القادة والنخب السياسية مهما كان حجم الخلافات والتي ثبت عمليا أنها لا تمتلك ترف الاستمرار في هذه الخلافات ومن ثم عادت بوتيرة متسارعة إلى المربع الأول المتمثل في استعادة منظومة المجلس لروحها التي صاغها الآباء في مطلع ثمانينات القرن الفائت بهدف أن تشكل قيمة مضافة للأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة والتي تعد من أشد مناطق العالم حساسية. فضلا عن تمتعها بأهمية إستراتيجية استثنائية لدى القوى الكبرى وهو ما دعا أغلبها إلى توقيع اتفاقيات دفاعية مع دول المجلس تلزمها بحماية أمنها واستقرارها. وإن كانت ثمة أصوات ارتفعت في الآونة الأخيرة تدعو إلى الاعتماد على القدرات الذاتية لدول المنطقة وهو أمر ينبغي الولوج إليه خاصة بعد التحولات الواضحة في مواقف الولايات المتحدة وبعض القوى الكبرى خاصة بعد اتفاق إيران مع مجموعة 5 (زائد 1) قبل أكثر من أربعة أشهر والذي أثار شكوك وعلامات استفهام السعودية وبعض دول المنطقة مما دفع الرئيس الأمريكي باراك أوباما لزيارة الرياض مؤخرا لتطمين القيادة السعودية وغيرها من دول المنطقة.رابعا: إنني على يقين أن اتفاق الخميس الفائت سيلقى بظلاله الإيجابية على العلاقات القطرية المصرية. والتي شهدت بعد ثورة الثلاثين من يونيو الماضى بعضا من التباينات والتناقضات أسهمت الحملات المتبادلة بين الوسائط الإعلامية في البلدين في صب المزيد من النيران على متنها. ويقينى أن القيادة القطرية لن تدفع بالأمور إلى التفاقم مع مصر المحروسة وذلك اقتناعا منها بأهمية المحافظة علي استقرارها وأمنها ومقومات بقائها كقوة إقليمية تشكل عمقا استراتيجيا لأمن الخليج ومن ضمنه قطر واسترجع هنا مقولة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والتي نقلها عنه الكاتب والمفكر الكبير محمد حسنين هيكل في حديثه لفضائية السي بي سي مساء الخميس الماضي ومؤداها" ليس بوسع أحد أن يفتح فمه إذا كانت مصر هي مصر" واللافت أن الاتفاق القطري الخليجي قد حظي بترحيب مصر والتي أعلنت وزارة خارجيتها على لسان المتحدث الرسمي باسمها السفير بدر عبدالعاطي تأييدها لأي جهود من شأنها تحقيق الوفاق العربي مؤكداً أهمية أن يقوم ذلك علي أسس سليمة تضمن الاحترام الكامل لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة عربية.
767
| 21 أبريل 2014
تحظى انتخابات الرئاسة في الجزائر التي ستجري يوم الخميس المقبل باهتمام إقليمي ودولي استثنائي وذلك بحسبانها أحده من أهم التطورات في المنطقة العربية تحديدا في المغرب العربي والتي تشكل فيها رقما شديد الأهمية لعوامل تتعلق بدورها التاريخي وثورتها التي شكلت أنموذجا في الإقتداء والتطبيق وقدرتها علي النهوض من كبوات عدة واجهتها في مقدمتها الإرهاب الأسود الذي أفضى إلى مقتل البرنامج المفضل أكثر من 50 ألف شخص - وفق التقديرات الرسمية - بينما التقديرات الأخرى تشير ألي مقتل البرنامج المفضل أكثر من مائة ألف إلى جانب ما اتسمت بة دبلوماسيتها من حيوية خلال العقود الماضية جعلها قادرة على لعب دور إقليمي ديناميكي خاصة على صعيد التعاطي مع بعض الأزمات في المنطقة إضافة ويمكن وضعيتها المهمة في إستراتيجية محاربة الإرهاب الإقليمي بالذات في منطقه الساحل وقد برزت تجليات هذا الاهتمام في المتابعة الملحة من قبل وسائط الإعلام العربية والدولية والتي بدأت ترصد كل مؤشراتها وتطوراتها في الداخل خاصة مواقف المرشحين الذين خاضوا - وما زالوا - منافسة شرسة فيما بينهم وبالذات مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يتصدر المشهد الانتخابي الذي باعتباره الرئيس القادم يتمتع بتأييد والذي ومساندة قوى سياسية مهمة ذات بعد تاريخي وأهمها حزب جبهة التحرير الوطني الذي كان يقود الكفاح تحت الاستعمار الفرنسي ثم حكم البلاد محققا تحولات سياسية نوعية واقتصادية واجتماعية حتى وإن كانت ثمة خلافات بشأن دوره كما يتجسد هذا الاهتمام في ميسور هناك العديد من المنظمات الإقليمية والدولية قررت متابعه مضت هذه الانتخابات للتيقن من شفافيتها ونزاهتها في ظل حرص واضح على الدفع بمحددات الديمقراطية لتكون هي الفيصل في منطقه والإطار عانت طويلا من غيابها ومن أهم مضت هذه المنظمات الجامعة العربية ومنظمة التعاون رقم الإسلامي والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي فضلا عن الأمم المتحدة وهو ما يوفر نوعا من الاطمئنان على مسار العملية الانتخابية التي تشكك في نتائجها دوائر وقوي محلية حتى قبل ميسور تنطلق ويمكن في هذا السياق اعتبار زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى ثم كيري وزير الخارجية الأمريكي للجزائر قبل فترة من إجراء الانتخابات تجسيدا لهذا الاهتمام الإقليمي والدولي على الرغم من معارضة قوى ميسور هاتين الزيارتين رأت أنهما تمثلان دعما للرئيس بوتفليقة في مواجهة منافسيه وكانت المرشحة اليسارية "لويزة حنون" من أشد المنتقدين لهاتين الزيارتين وبشكل خاص زيارة كيري حيث وصفتها بـ "الصفقة" الخفية مع النظام الحالي لغض الطرف عن التجاوزات التي تحصل في الانتخابات الرئاسية مشيرة إلى ميسور مضت هذه الصفقة، pursuant تقديرها تأتي في مقابل التنازل عن الكثير من الأمور بما فيها قاعدة 49-51 في المائة التي تمنح الغالبية للجانب الجزائري في أي مشروع مع الأجانب، إضافة على السماح للشركات الأمريكية المستثمرة في الجزائر بتحويل أرباحها بالعملة الصعبة القمة الخارج. لكن عبد العزيز الشريف الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الجزائرية فند هذه الانتقادات موضحا ميسور زيارة كيري تندرج ضمن الحوار الاستراتيجي بين البلدي والذي ركز علي تفعيل ميادين التعاون رقم الثنائي لاسيَّما التعاون رقم في المجالات الاقتصادية والسياسية وتطوير الاستثمار فضلا عن تبادل الرؤى بشأن والتنسيق قضايا عدة على المستويين الإقليمي والدولي والعلاقات الجزائرية الأمريكية المتينة جدا في مجال محاربة الإرهاب وهى كانت مقررة في ديسمبر الماضي لكنها تأجلت بسبب تطورات الملف النووي الإيراني. ولاشك ميسور الدوائر الإقليمية والدولية تتطلع إلي ميسور تشكل انتخابات الرئاسة منعطفا مهما علي طريق توفير المزيد من الاستقرار للجزائر الدولة الكبرى في منطقه الاتحاد المغربي والذي سينعكس بدوره علي الإقليم والذي يواجه بدوره تحديات واسعة وبالذات على صعيد مكافحة الإرهاب وهو ملف بات يحظى بتركيز مختلف القوى للتعامل الفعال معه مع اتساع نشاط ما يسمى بتنظيم القاعدة في المغرب العربي والذي يتحالف مع قوى وجماعات مسلحة في غير بلد مغاربي وهو ما يتطلب تهيئة الظروف التي من كل شأنها ميسور تؤسس لمستقبل واعد لشعوب المنطقة التي عانت ولا تزال تعاني من ظروف معيشية صعبة قاسية ومحن وذلك بدوره في حاجة إلى تفاصيل العقار كاملة بناء إستراتيجية مبنية بالدرجة الأولى مسؤولية دول المنطقة علي مدعومة بالمساعدة اللازمة من قبل الشركاء الدوليين وليس بوسع كاتب السطور مضت هذه ميسور يظهر تحيزاته لمرشح بعينه في انتخابات الجزائر فذلك يتعارض مع الموضوعية ولكن في إطار التقديرات الذاتية فإن بوتفليقة يمثل في المرحلة الراهنة شخصا مقبولا إقليميا ودوليا وذلك استنادا إلى ما تحقق خلال فترات رئاسته الثلاث وفي المقدمة واستعاده منه الاستقرار الأمن بصوره غير مسبوقة مما أسهم في إجهاض الأنشطة الإرهابية وإجراء مصالحة وطنية أسهمت في تمتين النسيج الاجتماعي على الرغم من بعض التحفظات من وجود هذا الطرف اقتراحات لذاك محليا وهو ما سيستوجب منه في حال فوزه بفترة رئاسية رابعة ميسور يعمل على تعميق حاله المصالحة الوطنية ومعالجة تداعيات الحرب علي الإرهاب وفتح البلاد أمام فضاءات البرنامج المفضل أكثر ديمقراطية تعلى من قيمة المواطنة والوطن وتسهم في حل المشكلات التي تعاني منها بعض الشرائح الاجتماعية من تهميش وربما إقصاء على حد تعبيرها كما نجح بوتفليقة في إعادة الجزائر كرقم فاعل في محيطها الإقليمي والدولي بزيارات لعدد هائل من الدول الإفريقية والآسيوية والأوروبية وبدأ فترة مسؤوليته برئاسة منظمة الوحدة الإفريقية التي لعب خلالها دورا حاسما في ومهما إقرار الهدنة ثم الاتفاق بين إثيوبيا وإريتريا واستطاع تفعيل مبادرات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي مع والتفاوض منظمة التجارة العالمية أملا في اتفاق نهائي يمكن إعلانه قبل نهاية العام ولا شك ميسور المنطقة العربية والاتحاد المغاربي في حاجة إلى الجزائر القوية المستقرة التي يحكمها رئيس يتسم بخبرة سياسية تراكمية مما يرفع من كفاءة أدائها السياسي حتى يكون بمقدورها الإسهام في التعاطي في إيجاد الحلول للعديد من المشكلات التي تنغص شعوب المنطقة وفي مقدمتها مشكلة الصحراء الغربية من شأنها والتي ميسور تقود الاتحاد المغاربي منطقه بالذات إلي التماسك والاستعداد لبناء منظومة إقليمية نموذجية لفضلا عن الحاجة الشديدة للدور القومي للجزائر والذي كان متوهجا خلال فترة تولي حقيبة وزاره الخارجية بوتفليقة حيث أسهم في التوسط في العديد من الأزمات الإقليمية الساخنة والأهم من ذلك ميسور حكومة بوتفليقة دفعت الأمور باتجاه إعادة تدوير عجلة التنمية الاقتصادية على نحو إيجابي القمة حد ما ووضح ذلك في الزيارات المتتالية لوفود من المستثمرين ورجال الأعمال وإن كانت هناك بعض المعضلات هناك المتمثلة في انتشار البطالة معدلات التضخم وارتفاع ووجود نوع من الفجوة الطبقية التي تحتاج خلال الفترة المقبلة إلى خطة إستراتيجية شاملة تعمل على تقليص الأعباء الاقتصادية التي يتحملها المواطن البسيط.
391
| 14 أبريل 2014
لاشك أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن يواجه خيارات صعبة في المرحلة الراهنة بعد جولات من التفاوض المباشر مع الجانب الصهيوني برعاية وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ستنتهي وفق السقف الزمني المحدد لها بتسعة أشهر في التاسع والعشرين من شهر أبريل الحالي ولم تفض إلى نتائج محددة وواضحة حسبما كان مأمولا منها بل اتسعت مساحات التعقيد فيها لاسيَّما في ضوء الشروط التي تصر عليها حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية التي تجيد العزف على وتر إهدار الوقت للمحافظة على الوضع القائم والذي يتقاطع مع الأهداف الفلسطينية والعربية في بناء سلام عادل وشامل يستعيد الحقوق ويلغي آثار الاحتلال الصهيوني التي تزيد على 65 عاما. والخيارات الصعبة التي يجب أن يواجهها أبو مازن لا تخرج عن مسارين إما الاستمرار في المفاوضات وتمديد سقفها الزمني دون الحصول على تعهدات جادة من قبل الراعي الأمريكي الذي يساوي للأسف بين الضحية والجلاد بعدما ألقى كيري مؤخرا باللوم على ما اعتبره خطوات أحادية من الجانبين الفلسطيني والصهيوني دون أن يدرك - أو هو يدرك ويتعامى عن الحقائق- أن ثمة شعبا محتلة أرضه ومغتصبة حقوقه الطبيعية ومنتهكة حرماته هو الشعب الفلسطيني يتطلع تحت قيادة يمكن وصفها بالمعتدلة وترفض عسكرة المقاومة للوصول إلى اتفاق سلام ينهي النزاع ويبني دولته مثله مثل أي شعب آخر في المعمورة .هذا أولا أما المسار الثاني فيتمثل في تبني منهجية التشدد التي قد يضطر إلى الموافقة في إطاره على العسكرة التي يخشاها أبو مازن في مواجهة قوة احتلال غاشمة تستمرئ استخدام القوة المفرطة وترفض كل الطروحات الصهيونية المدعومة أمريكيا وهو ما يدخله في نفس الخانة التي دخلها الزعيم الراحل ياسر عرفات عندما رفض في آخر لحظة في العام 2000 الشروط الصهيونية والأمريكية في مفاوضات كامب ديفيد برعاية الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون والتي كانت تتعلق أساسا بتقديم تنازلات عن السيادة الفلسطينية على المسجد الأقصى. قد يرى البعض وكاتب هذه السطور منهم أن هناك أوراق قوة بوسع أبو مازن أن يستخدمها بعيدا عن منهج تقديم تنازلات أو التشدد . وقد بدأ بالفعل في توظيفها عندما أعلن قبل أيام قراره بالتوجه إلى الانضمام إلى 15 منظمة واتفاقية دولية ردا على خطوة الكيان الصهيوني بالتنصل من إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين ولاشك أنه – أي أبو مازن – يحتاج إلى الإسناد العربي لتعزيز إستراتيجيته في التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة ومن هنا طلب يوم الأربعاء الماضي من الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية الدعوة إلى عقد اجتماع طارئ لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية والذي سيلتئم بعد غد الأربعاء. وفي هذا السياق فقد سألت السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد للجامعة لشؤون فلسطين والأراضي المحتلة عن أهمية هذا الاجتماع فقال لي إن (أبو مازن) أمام وزراء الخارجية العرب كل الحقائق المتعلق بمجريات المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي وبالذات على فيما يتعلق بالضغوط التي تمارس على الجانب الفلسطيني والتي تهدف إلى إجباره على تقديم تنازلات والقبول بالتصورات الإسرائيلية لقضايا الحل النهائي فضلا عن التهديدات التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون ردا على خطوته بالتوجه إلى 15 منظمة واتفاقية دولية ردا على رفض تل أبيب إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين وفقا للاتفاق الموقع في هذا الشأن. كما سيطلع أبو مازن على الجهود التي بذلها خلال الفترة الماضية منذ بدء المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي والذي قابلها بفرض شروط متعسفة من قبيل ضرورة اعتراف الجانب الفلسطيني بيهودية دولة إسرائيل والاستمرار في بناء الوحدات الاستيطانية وكان آخرها الموافقة على بناء 708 وحدات في القدس المحتلة. وقلت للسفير صبيح: لكن الدعوة لهذا الاجتماع الوزاري الطارئ تأتي في أعقاب فترة قصيرة من انعقاد القمة العربية الخامسة والعشرين بالكويت يومي 25 و26 مارس الماضي فلفت نظري إلى أن التعنت الإسرائيلي بلغ مداه وهو ما يستوجب موقفا عربيا قويا إلى جانب القيادة الفلسطينية لاسيَّما بعد أن أعلنت تل أبيب تنصلها من إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى الفلسطينيين بعد أن أطلقت من قبل سراح ثلاث دفعات رغم أن هذه الخطوة ليست مرتبطة بمسار المفاوضات التي تجري برعاية أمريكية أو بمسألة الاستيطان مشيراً إلى أن إطلاق سراح هؤلاء الأسرى والذين يبلغ عددهم 104 أسرى قابعين في سجون إسرائيل في فترة ما قبل التوصل إلى اتفاق أوسلو في عام 1993 مقابل امتناع القيادة الفلسطينية عن التوجه إلى انضمام دولة فلسطين إلى المنظمات والاتفاقيات التابعة للأمم المتحدة والتي يبلغ عددها 63 منظمة واتفاقية. ولاشك – الكلام للسفير صبيح - أن الجميع فوجئ بما في ذلك جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الذي يرعى المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي برفض تل أبيب الإفراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وهو ما دعا الرئيس أبو مازن إلى إعلان قرار القيادة الفلسطينية الأسبوع الماضي بالانضمام إلى 15 منظمة واتفاقية دولية وذلك تفنيدا لوعد التزم به أمام الشعب الفلسطيني والقيادات العربية والتي أعلنت تأييدها لهذه الخطوة. ومن ثم فإن طلب أبو مازن عقد الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب يأتي في أعقاب وقوع الكثير من الانتهاكات الإسرائيلية والتي تمثلت في زيادة وتيرة الاستيطان في الأراضي المحتلة خاصة في القدس المحتلة بشكل شديد الخطورة وعلى نحو لا يمكن السكوت عنه فضلا عن استمرارها في أعمال القتل بدم بارد للشباب الفلسطيني بدم بارد سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة وهو ما أدى إلى استشهاد نحو 20 شابا فلسطينيا قتلوا عمدا بدم بارد فضلا عن احتجاز المئات كرهائن والقيام باعتقالات عشوائية تحت مزاعم عديدة وهو ما يعني أنها لم توفر أي إمكانية لأجواء مواتية ومناسبة لإطلاق عملية سلام حقيقية. ويقول الأمين العام المساعد للجامعة العربية إن أبو مازن سيحيط وزراء الخارجية العربية بكل هذه الحقائق ليحصل على مواقف عربية قوية تساند توجهاته وتعزز قراراته بما يسهم في الوصول إلى الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف. وسألته عما إذا كانت الدول العربية جاهزة لتقديم هذه الدعم والإسناد خاصة في ظل انشغال بعضها بمشكلاتها الداخلية فعبر صبيح لي عن قناعته بأنه عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الأراضي الفلسطينية المحتلة فإن الدول العربية لن تتردد في تقديم كل ما يلزم للمحافظة على الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني مشيراً في هذا السياق إلى قرار القمة العربية الأخيرة الذي أكد الرفض القاطع للاعتراف بيهودية دولة إسرائيل وهو ما شكل أرضية مهمة يستند إليه الرئيس أبو مازن في المفاوضات مع تل أبيب.لكنه شدد في الوقت نفسه- وهو ما اتفق معه بشأنه تماما -على أهمية مسارعة الدول العربية بتقديم الدعم المالي للسلطة الفلسطينية حتى يكون بمقدورها مواجهة التهديدات الإسرائيلية الأخيرة والتي تمثلت في القيام بضم أراض من الضفة الغربية ورفض تسليم السلطة أموال الضرائب التي تستحقها وغيرها من التهديدات التي تلقتها السلطة في الآونة الأخيرة ولكن أبو مازن مطالب –الكلام لكاتب هذه السطور – إلى جانب حرصه على توفير ظهير عربي بأن يسعى بقوة خلال الفترة المقبلة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وفي مقدمة ذلك إنجاز المصالحة الفلسطينية على قاعدة تقود إلى تبني إستراتيجية وطنية لإنهاء النزاع مع الكيان الصهيوني بمشاركة مختلف الفصائل الوطنية والإسلامية وفي مقدمتها حماس التي تدير قطاع غزة على نحو يحشد له كل المقومات الوطنية -من بينها المقاومة السلمية - التي تؤهله لامتلاك أوراق قوية في التعاطي مع أسوأ أشكال الاحتلال في التاريخ.
524
| 07 أبريل 2014
"كانت قمة ناجحة بكل المقاييس" بهذا الوصف أعطى الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية توصيفه للقمة العربية الخامسة والعشرين التي عقدت بالكويت يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين. وحسب معرفتي بخصائصه الشخصية والتي تنزع دوما إلى انتهاج الموضوعية والشفافية في الحكم على الأمور وذلك بحكم تخصصه في القانون وبالذات القانون الدولي وعمله لفترة قاضيا بمحكمة العدل الدولية فالمرء لا يمكنه أن يشكك في هذا التوصيف لاسيَّما أنني كنت مع غيري من عشرات الإعلاميين والصحفيين – شاهدا على صدقية هذا التوصيف. صحيح أن سقف التوقعات من قمة الكويت كان مرتفعا خاصة على صعيد إتمام المصالحات العربية في ظل سلسلة من التصريحات التي ركزت على أنها– أي القمة – سوف تلعب دورا بقيادة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بتنقية الأجواء العربية المتوترة والمحتقنة في ضوء ما بدا من خلافات وانفجار أزمات في الأشهر الأخيرة لعل أبرزها أزمة قطر مع كل من السعودية والإمارات والبحرين على خلفية سحب سفرائهم من الدوحة فضلا عن الأزمة بين مصر وقطر والأزمة بين السعودية والعراق.وهو ما جعلني أوجه سؤالا صريحا للنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الصباح حول ما تحقق في القمة على صعيد المصالحات العربية في ظل تفاقم الخلافات بين بعض الدول وهو ما كان موضع قلق وحزن عبر عنه أمير الكويت رئيس القمة في الكلمة التي ألقاها في جلستها الافتتاحية فجاءت إجابته مؤكدة على ما يلي:*إن أهم ما تحقق على هذا الصعيد هو توفير أرضية مشتركة فيما بين الدول العربية لمواجهة مختلف التحديات والخلافات والمخاطر التي تواجهها في هذه المرحلة الدقيقة والحرجة بما يسهم في تحقيق تطلعات الشعوب العربية. * إن كل خطابات القادة في القمة - بما في ذلك خطاب أمير الكويت في افتتاح القمة -اتسمت بالمصارحة والوضوح فيما يتعلق بالخلافات التي طرأت على بعض الدول العربية في الآونة الأخيرة وقال إنهم ركزوا على ضرورة مواجهتها والحد منها وهو ما تم الاتفاق عليه خلال اللقاءات المكثفة التي جرت فيما بينهم على مدى أيام القمة حرصا منهم على استثمار وجودهم في إطار القمة للعمل على تجاوز كل هذه التحديات ومعالجة الخلافات والمشكلات والخلافات بعد أن تم مناقشتها بصراحة سواء في الجلسات المغلقة أو اللقاءات الثنائية التي جمعت بينهم خاصة أنها تنطوي بالضرورة على تداعيات سلبية على النظام الإقليمي العربي.*إن القادة أبدوا إصرارا عربيا حقيقيا على تخطي الصعوبات وتجاوز التحديات التي تواجه المنطقة العربية وفي الوقت نفسه حرصا على تعزيز منظومة العمل العربي المشترك على نحو يعزز التضامن العربي وهو الشعار الذي أطلق على قمة الكويت.ووفق دبلوماسيين فإن أمير الكويت والذي يرأس القمتين العربية والخليجية في دورتهما الحالية سيتحرك وفقا لخارطة طريق تم التوافق عليها في اجتماعات مغلقة مع بعض القادة والمسؤولين العرب ستقود إلى تفاهمات وإيجاد آليات أكثر ديناميكية وتتجاوز ما كان يطبق في السنوات الأخيرة لتنقية الأجواء وتحقيق المصالحة بين أطراف الأزمات الراهنة عبر الاستمرار في الحوار بين العواصم الضالعة في هذه الأزمات أو الدعوة إلى عقد قمم مصغرة أو استثنائية للدفع باتجاه المصالحات التي رؤى أن التعاطي معها في قمة الكويت كان من شأنه أن يدفع إلى المزيد من الاحتقان في العلاقات العربية العربية لاسيَّما أن كل أطراف الأزمات جاء إلى القمة حاملا مواقفه دون أن يبدي أي نزوع إلى تغييرها على الأقل في الوقت الراهن.ولم يكن الدكتور نبيل العربي بمنأى عن هذا الملف فقد لعب دورا في الدفع باتجاه فتح أوراقه صفحاته وكان هو أول من أعلن قبل أكثر من شهر عن حرص القمة على تنقية الأجواء لاسيَّما بعد أن اجتمع مع الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير الكويت في زيارته على رأس وفد من الأمانة العامة للجامعة لوضع الترتيبات والاستعدادات الخاصة بالتحضير لها ولكنه يدرك أن إحداث اختراق حقيقي للأزمات الراهنة لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها وهو ما أكده في المؤتمر الصحفي المشترك مع الشيخ صباح الخالد الصباح عقب اختتام القمة مقدرا الجهود الجبارة التي قام وسيقوم بها أمير الكويت في هذا الاتجاه. وشكلت أزمة المقعد السوري في القمة وفي الجامعة العربية واحدة من تجليات تباين المواقف العربية في قمة الكويت ووفقا لمتابعتي فقد شهدت نقاشات واسعة وتناقضات حادة وبالذات خلال الاجتماع التحضيري لوزراء الخارجية يوم الأحد قبل الماضي ولم يتمكن الاجتماع من بلورة قرار نهائي بشأنها ويمكن القول إنه استسلم إن جاز التعبير لما تم التوافق عليه بالقاهرة بأن يظل مقعد سوريا شاغرا في القمة على أن يسمح لرئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية بإلقاء كلمة في الجلسة الافتتاحية على أن يكون جلوسه ضمن المقاعد المخصصة لضيوف القمة سواء من خارج الإقليم العربي أومن خارجه وكانت هناك ثلاث دول - العراق والجزائر ولبنان – الأكثر رفضا لمنح الائتلاف المقعد بينما أبدت مصر تحفظا اتساقا مع ميثاق الجامعة العربية الذي يتطلب شروطا تقنية لمن ينضم إلى الجامعة أهمها وجود أرض وسيادة وشعب وهو ما اتفق فيه الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية.ومع هذا المكسب للمعارضة السورية فإنها لم تحصل على ما كانت تتطلع إليه بشكل أساسي ويتمثل في تزويدها بالأسلحة والعتاد العسكري لتحقق التوازن على الأرض مع النظام حتى يتجاوب مع طروحات الحل السياسي وقد سألت أحمد الجربا رئيس الائتلاف حول تقييمه للمواقف العربية وعما إذا كانت قد تراجعت في دعمها للثوار والمعارضة السورية سواء لوجستيا أو إنسانيا وبالذات على صعيد تزويدها بالأٍسلحة النوعية فلفت إلى أن الدعم العربي كان في بدايته محدودا مقرا بتراجع هذا الدعم في المرحلة الراهنة موضحا أن استمرار المعارضة والثوار حتى الآن وتحقيق تحولات نوعية في الآونة الأخيرة يعكس روح الشعب السوري وإصراره على التحرر من نظام استمر عقودا طويلة في استغلاله وقهره وقمعه وهو ما يؤكد أن هذا الشعب حسم أمره ولن يقبل بنظام فاسد ومستبد رغم كل التضحيات.
485
| 31 مارس 2014
يبدو لي أن القمة العربية الخامسة والعشرين التي ستحتضنها الكويت غدا الثلاثاء ستكون أومن الضروري أن تكون قمة اختراق وجع أو بالأحرى أوجاع الأمة التي تكابد الانقسام بين بعض من دولها وتعيش طائفة أخرى من دولها حالات ولادة سياسية جديدة مصحوبة بآلام شديدة وعنف طائفي ومذهبي وعرقي وخفوت لصوت الأمن لصالح الفوضى بكل تجلياتها وغياب القانون بل وغياب مؤسسات الدولة التي تكاد تنهار مع علو قامة الجماعات والعناصر المسلحة والخارجة عن القانون فضلا عن استمرار معاناة الشعب الفلسطيني الذي ما زال راسخا تحت قبضة أسوأ احتلال في التاريخ يقوم ليس على اغتصاب الأرض والحقوق وإنما على محاولة تغييب الهوية الحضارية له وطمس أشواقه في التحرر وامتلاك ناصية إرادته والإبقاء عليه مفتتا بين الضفة والقطاع.ربما أحمل القمة ورئاستها فوق طاقتها. فهذه الأوجاع ليست وليدة اللحظة لكنها حصيلة تراكمات سنوات قريبة وبعيدة والمفارقة أن النخب السياسية الحاكمة أوقل بعضها مع جزء لايستهان من الشعوب يتحمل مسؤولية تفاقمها وانتشارها في الجسد العربي على نحو جعله من الهشاشة بمكان ولديه قابلية للسقوط في التبعية لقوى بالخارج أو بالإقليم. ومع ذلك فإن ثمة مراهنة على هذه القمة وعلى رئيسها الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير الكويت تحديدا لوضع سياقات عملية وواقعية للتعاطي بفاعلية مع هذه الأوجاع بما يقود- ولو عبر مدى زمني قد يطول - إلى احتوائها وهنا تكمن الحاجة إلى الأمل والذي خفت صوته في الأعوام الأخيرة من فرض انتشارها وسطوتها وفي تقديري فإن ترتيب البيت العربي من الداخل بات فريضة واجبة على قمة الكويت وذلك بعد أن اتسع هامش الأزمات والخلافات والتباينات في الرؤي والتوجهات والنظرة إلى الآخر العربي باعتباره خصما لدودا وليس بحسبانه شقيقا وهو ما يدخلها دائرة التعقيد ومن ثم فإن المهمة الأولى لهذه القمة تكمن في فتح نوافذ الحوار الصريح والجاد والشفاف بين أطراف الأزمات العربية الراهنة وفي مقدمتها الأزمة بين قطر ومصر والأزمة بين قطر وثلاث من شقيقاتها بمنظومة مجلس التعاون الخليجي ثم الأزمة بين المملكة العربية السعودية والعراق وهناك أزمة أخرى قائمة بين كل من المغرب والجزائر والتي ليس لدى مبرر لعدم التعاطي العربي معها لإنهائها رغم مضى سنوات طويلة عليها وأدت إلى حد كبير لوقف تفعيل الاتحاد المغاربي. إن البيت العربي الداخلي والذي يبدو ممزقا بل ومترهلا – إن شئنا الدقة – لا يتعين تركه على هذا النحو وإلا نكون قد ارتكبنا جرما لا يغتفر وسيحاسبنا التاريخ عليه كما حاسب وما زال يحاسب حكام وملوك الأندلس الذين أدت خلافاتهم البينية وصراعاتهم على السلطة إلى ضياعها من حظيرة العروبة والإسلام وهزيمة أهم تجربة حضارية قامت على أرض غير عربية كان يمكن لو استمرت بأبعادها السياسية والعلمية والثقافية والتي مازالت تجلياتها قائمة في غرناطة وأشبيلية وغيرها من المدن الإسبانية أن تقينا شرور الغرب ومفاسد سياساته ومشروعاته الاستعمارية التي كابدنا تداعياتها السلبية في القرنين التاسع عشر والعشرين الفائتين. والوجع الآخر الذي يستحق وقفة حقيقية وجادة من قادة الأمة يتطلب من القادة العرب لمواجهة نتائجه الشديدة الخطورة بلورة مشروع عربي سياسي واقتصادي ومالي لتقديم العون والإسناد لدول ثورات الربيع العربي التي ما فتئت تواجه معضلات غياب هيبة الدولة ومؤسساتها وانتشار الفوضى الأمنية وتصاعد أزماتها الاقتصادية حتى لا تسقط في فخ الدولة الفاشلة وهي نتيجة حتمية إن لم يسارع العرب القادرون بضخ استثمارات كافية لهذه الدول حتى تتمكن من الشروع في مشروعات تنموية قصيرة وبعيدة الأمد يكون بمقدورها استيعاب أرقام البطالة الهائلة خاصة لدى الشباب الذي لعب الدور الرئيسي في التغيير الذي جرى وإن لم يكن مستعدا لتحمل استحقاقاته فترك الأمور لشخصيات وفئات وتنظيمات نجحت في سرقة الثورات ودفعها إلى مآلات لا تحقق أشواق الشعوب بقدر ما تمكنها من الهيمنة على مفاصل السلطة لصالح مشروعاتها الضيقة الأفق التي تتعامل مع الأوطان باستهانة بينما تعلى من قيمة التنظيم والفئة والشخص خصما من رصيد من الوطن. ولاشك أن هذه الأوجاع لم تعد مقتصرة على دول الربيع فحسب ولكنها امتدت قبل سنوات إلى الكثير من الدول وفي مقدمتها الصومال الممزق الأوصال بين دويلات وأقاليم والسودان الذي تمزق بالفعل إلى دولتين قبل سنتين ويعانى حاليا من محاولات إضافية لتقسيمه فيما تبقى له من أقاليم خاصة دارفور وجنوب كردفان وربما الشرق والعراق الذي يكاد يسقط في رحى حرب أهلية وطائفية ومذهبية بالطبع أمام القمة الوجعان الرئيسان وهما فلسطين وسوريا واللتين تحولتا إلى جرح دام في جسد الأمة التي لم تعد قادرة عبر نظامها الأقليمي المتمثل في الجامعة العربية على وقف نزيف القتل المفرط التي تمارسه دولة الاحتلال الصهويني ضد الشعب الفسلطيني وكان آخر مظاهرة المجزرة التي نفذتها في مخيم جنين بالضفة الغربية يوم السبت الفائت كما تمارسه سلطة مستبدة قمعية قاهرة في دمشق ضد الشعب السوري الذي استشهد منه أكثرمن140 ألف شخص غير عشرات الألوف من الجرحى ونحو 7 مليون لاجئ بالخارج ونازح بالداخل لقد سكت الضمير الدولي عن هذين الوجعين وتوقف العرب أنفسهم عن القيام بدورهم الفاعل للوقوف إلى جانب الشعبين وذلك من فرط حالة الانقسام والاستقطاب الحاد الذي تعيشه أغلب النظم العربية والتي تحاول أن تنكفئ إلى الداخل مما أدى إلى ضمور شعورها القومي ومن ثم فإن قمة الكويت مطالبة بقوة بأن تعيد الاعتبار إلى الدور العربي الذي من شأنه أن يشكل حائط صد لصالح الشعبين الفلسطيني والسوري.
689
| 24 مارس 2014
واحد من أهم بنود القمة العربية الدورية التي ستحتضنها الكويت يومي 25 و26 مارس الجاري يتعلق بملف تطوير هيكلية وأداء الجامعة العربية وذلك في ضوء تقرير شامل أعدته الأمانة العامة للجامعة بناء على المناقشات المستفيضة التي أجراها مجلس الجامعة على مستوى المندوبين الدائمين خلال الفترة التي أعقبت القمة العربية التي عقدت بالعاصمة – الدوحة – في شهر مارس المنصرم بعد إقرارها لتقرير اللجنة المستقلة التي شكلها الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة في شهر سبتمبر 2011 برئاسة الأخضر الإبراهيمي وزير الخارجية الجزائري الأسبق وذلك قبل أن يكلف بمهمة المبعوث الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا وعضوية عدد من كبار السياسيين والخبراء العرب ممّن لهم خبرة طويلة ورؤية، ومن بينهم الصديق عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي وعقدت بالفعل سلسلة من الاجتماعات على مدى عام وثلاثة أشهر. ولاشك أن الجامعة العربية في حاجة ماسة لإعادة الهيكلة، ليس على الصعيد الإداري فحسب، وإنما على الصعيد السياسي، حتى تمتلك الكفاءة والفعالة المطلوبة في منظمة إقليمية بحجمها لتكون قادرة على إحداث مقاربات جوهرية في التعامل مع المشكلات والأزمات الإقليمية عوضا عن أن تكون مجرد سكرتارية مركزية للنظم العربية تأتمر بأوامرها ولا يكون بمقدورها تجاوزها أو الخروج عنها. وفي غير لقاء خاص جمعني بالدكتور نبيل العربي الأمين العام أبلغني أنه منحاز بقوة لخيار تطوير الجامعة العربية باعتباره ضرورة وذلك حتى يكون بوسعها امتلاك المزيد من الفعالية في التعاطي مع المتغيرات التي نجمت عن ثورات الربيع العربي، وقد سألته بوضوح: ما منظورك لإعادة هيكلة وتطوير الجامعة العربية؟ فأجابني قائلا: على وجه الإجمال فإن المفهوم الذي يحكمني في التعامل مع هذا الملف يتمثل في ضرورة تمكين الجامعة العربية من مواكبة التحولات والتطورات التي يشهدها العالم الآن، خصوصاً في ظل التغييرات المتسارعة في العالم العربي، وأنا أنظر - وفق التشبيه الشعبي - إلى ميثاق الجامعة باعتباره سيارة موديل عام 1945، وبالتالي لن يكون بمقدورها أن تتحرك في شوارع 2014. فذلك معاكس لحقائق الأمور. ورغم أن الدكتور العربي لم يشأ أن يكشف عن ملامح التوجهات المستقبلية لتطوير وتفعيل أداء الجامعة، إلا أنني أدركت أنه يسعى من وراء هذه العملية إلى تلمس حاجات وضرورات موضوعية باتت تفرض تغيير الآليات التي تحكم حركة وفعل ومنظور الجامعة العربية حتى تقترب من ملامسة أشواق الشعوب، ولا تظل كامنة في خندق الحكومات فقط. وفي تقديري فإن انبثاق ثورات الربيع العربي فرض تطورات ومعادلات جديدة على المنطقة بأكملها تستدعي ضرورة إعادة هيكلة الجامعة لتواكب المتغيرات الجديدة، وتصل إلى مصاف المنظمات الدولية الفاعلة الأخرى في حل القضايا التي تطرح عليها. ولكن الأمين العام للجامعة العربية يرى أنه لا يمكن أن يتم التطوير بقفزة واحدة تستهدف معالجة كل النقائص وإنشاء منظومة مثالية صالحة لكل زمان وفي كل مكان. وإنما يجب أن يكون عملية متواصلة تتسم بالواقعية والطموح وتقوم على رؤية جديدة للجامعة، ودورها وأهدافها وميثاقها وأجهزتها الرئيسية، مع الأخذ في الاعتبار بالتطورات التي لحقت بالنظامين الإقليمي والدولي جنبا إلى جنب. وحسب منظوره فإنه لن يكتب النجاح لأي محاولة لإصلاح الجامعة العربية ما لم يتم تعزيز الإرادة السياسية اللازمة للقيام بعمل عربي مشترك حقيقي وما لم يتم النهوض بالتعاون بين الدول العربية على نحو يضمن حماية مصالحها وتدعيم قدراتها على التعامل مع التحديات التي تواجهها، مشيراً إلى أنه يجب أن يكون ترتيب الأولويات على نحو يساعد الدول الأعضاء على الوفاء بالتزاماتهم، بالإضافة إلى إصلاح هياكل الجامعة العربية نفسها كي تتمكن من الاضطلاع بمهامها على الوجه الأمثل وأن تكتسب ثقة الحكومات والمجتمعات العربية وتسعى نحو مزيد من التواصل مع تطلعات الشعوب العربية. وبالطبع فإن تحقيق الطموح المشترك للجامعة العربية – الكلام ما زال للدكتور العربي - يتطلب إصلاحات أكثر عمقاً من أجل تمكين الجامعة من الاضطلاع بدور فعّال في مجالات عديدة قد يكون أهمها حفظ سلامة واستقرار البلدان العربية، وحماية حقوق المواطن العربي وتكوين تكتل اقتصادي عربي حقيقي، بما في ذلك إقامة مشروعات عملاقة مشتركة. وفي رأيه فإن تجربة الأعوام الثلاثة المنصرمة أوضحت الحاجة لتطوير قدرة الجامعة لتتمكن من مساعدة الدول الأعضاء التي تتعرض لتحديات داخلية كبرى على التجاوب مع تلك التحدّيات دون تعريض أمن وسلامة شعوبها واستقلالها للخطر إذا اضطرت الجامعة - تحت ضغط الظروف - للتعامل مع تحديات لم تكن متأهبة لها، وبذلت في سبيل ذلك أقصى ما استطاعته من جهد والحكمة تقتضي الاستفادة من دروس هذه الخبرة، وإعداد الجامعة مسبقاً كي تكون جاهزة للتعامل مع هذه التحدّيات حين تطرأ، بل وكي تكون قادرة على مساعدة الدول الأعضاء على تفادي الوقوع في مثل هذه الأزمات والتعامل المبكر معها بما يجنبها شرور الفتنة والاقتتال. وفي السياق ذاته سألت الدكتور فاضل محمد جواد الأمين العام المساعد للجامعة للشؤون السياسية والذي تولى منصبه قبل أشهر، عن القيمة المضافة التي يمكن أن يسهم بها من خلال موقعه الجديد في أداء الجامعة العربية، فعقب قائلا: لا أود أن أتدخل في هذه المسألة، لكني كعربي أرى أن أداء الجامعة العربية في حاجة إلى إعادة نظر، خاصة فيما يتعلق بهيكلية تمثيل الدول العربية بها أو كيفية اتخاذ القرارات والصلاحيات الممنوحة لها على نحو يسمح بأن تتحول إلى جامعة حقيقية تصل إلى مستوى الاتحاد الأوروبي وبالذات في المجال الاقتصادي والذي ينبغي أن يحظى بالأولوية. فإذا تمكنا من توحيد الدول العربية اقتصاديا فسيصب ذلك إيجابيا على الصعيد السياسي، ولاشك أن أي تعديل في هذا الاتجاه سيكون في صالح الأمة العربية. ويضيف: بالتأكيد فإن مسألة التصويت في حاجة إلى إعادة نظر على نحو يسمح للجامعة بأن تتخذ قراراتها وتحقق أهدافها من دون أن يكون فيتو على إرادتها وذلك يستوجب أن ينظر إليه بشكل عملي ومنطقي، بحيث لا يكون الإجماع هو الخيار الوحيد في التصويت، وإن كانت هناك مسائل في حاجة إلى التصويت بالأغلبية.
452
| 17 مارس 2014
ما يحدث في بر ليبيا خطير ويوشك أن يودي بالدولة إلى حالة من السيولة السياسية والأمنية والاقتصادية وهو ما يستوجب تحركا عربيا فاعلا ونشطا ويتسم بالشمول فضلا عن الجدية لمحاصرة هذه الحالة والوقوف إلى جانب السلطات الرسمية التي تكابد لفرض حضورها المؤثر والنافذ في المشهد الداخلي خصما من رصيد الجماعات والميليشيات المسلحة التي تتحرك من دون ضابط أو رادع لتحقيق مصالح فئوية أو جهوية أو قبلية وهو أمر لا يتسق مع أشواق الليبيين الذين ثاروا قبل ثلاث سنوات ضد حكم العقيد معمر القذافي الذي أمضى حوالي 42 عاما متكئا على ممارسات شاذة من القهر والاستبدادوالقارئ للواقع الليبي الراهن يرصد جملة من التداعيات الشديدة السلبية وفي مقدمتها أن الحالة الأمنية بلغت حالة متردية وبالغة السوء وقد يكون وراء ذلك ما يوصف بفلول نظام القذافي الذين يسعون للانتقام من الوضع الجديد الذي نشأ بعد الثورة لكن النخبة السياسية الجديدة أسهمت بشكل أو بآخر في تعميق هذا التردي لأنها انشغلت بتناقضاتها ومواقفها الحزبية الضيقة الأفق ولم تعر الاهتمام الحقيقي لأحوال الوطن وفي تقديري أنه كان من الضرورة بمكان أن تسارع هذه النخبة إلى بناء مؤسسة أمنية قوية تكون قادرة على ردع من يتجاوز الحدود وذلك كان يستوجب ضم العناصر المسلحة بعد سقوط النظام مباشرة إلى المؤسسة العسكرية أو المؤسسة الأمنية عبر استخدام منهجية الجزرة والعصا م الاستعانة بدور القبائل والتي تمارس تأثيرا واسعا في بلد مثل ليبيا لإقناع هؤلاء الشباب الثائرين والذين كانوا يظهرون انبهارهم بحملهم الأسلحة فوق أكتافهم ويتحركون بها في حرية مطلقة في الشوارع.ولعل من أخطر ظواهر حالة السيولة الأمنية في ليبيا هو سيطرة بعض الجماعات المسلحة على حقول نفط بل وصل الأمر إلى إشراف واحدة منها على تصدير كميات من هذا النفط من خلال الاستعانة بناقلات البترول مساء أمس وهو ما يعني تحديا سافرا لسلطة الدولة وجرأة على حقوقها السيادية.ومن مظاهر هذا التردي أيضا انتشار الأعمال الإرهابية والخطف والمتاجرة في الأسلحة التي تم الحصول عليها من مخازن نظام القذافي على نحو شكل – ومازال - خطرا على بعض دول الجوار ومن بينها مصر وتونس وربما أطراف أخرى وهو ما استدعى عقد مؤتمر بالقاهرة لضبط الحدود مع ليبيا قريبا.وبلغ الأمر ذروته عندما هاجم مسلحون مقر المؤتمر الوطني الليبي الذي يشكل أعلى سلطة في البلاد قبل أيام ونتج عنه إصابة عدد من أعضائه وهو ما اعتبر اعتداء صارخا على الحصانة البرلمانية التي يتمتع بها هؤلاء الأعضاء فضلا عن انتهاك قاعدة احترامهم ومن قبل تعرض رئيس الوزراء الليبي على زيدان لعملية اختطاف استمرت عدة ساعات وهو ما أعطى إشارات سلبية على الدور المتنامي للجماعات المسلحة والذي بات يستوجب الوقوف ضده بكل حزم حماية لمحددات الدولة الليبية. وقد سألت السفير الليبي بالقاهرة محمد فايز جبريل عن تفسيره لما تشهده بلاده من حالة سيولة فعلق قائلا: إن ليبيا تعيش تداعيات ما بعد حكم القذافي الذي استمر أربعة عقود كان فيها هو الدولة والقانون وغيب خلالها فكرة الدولة الوطنية وأطلق على ليبيا مسمى الجماهيرية وفق منهج شيطاني والأسوأ فيه هو أن فكرة الدولة أهدرت تماما في عهده وتلاشت من الأجيال الأربعة التي عاشت هذا العهد الذي امتد إلى أربعين عاما متعاقبة. ومن ثم فإن التحدي الأكبر الذي يواجه السلطة الحالية هو كيفية إعادة بناء الدولة الليبية الوطنية والتي لم يحمها من السقوط والتلاشي التام سوى الأعراف والتقاليد والتي حافظت في الوقت نفسه على حرمة الدم الليبي حتى هذه الساعة. كما حافظت على التوافق الوطني الذي ما زال متماسكا على الرغم مما يبدو على السطح من سلوكيات وتصرفات خاصة من قبل الميليشيات العسكرية.وثمة رؤية لتحسين الأوضاع في بر ليبيا طرحها الدكتور نبيل العربي الأمين العام للجامعة العربية خلال مشاركته في المؤتمر الثاني لدعم ليبيا والذي عقد بالعاصمة الإيطالية يوم الخميس الماضى وتضمنت ما يلي:أولا: إن المنظمات الإقليمية والدولية فضلا عن الدول الصديقة المعنية بمستقبل ليبيا مطالبة بتكثيف جهودها لخلق آليات عمل فعالة وجدية لتنسيق مساعيها المشتركة لدعم خيارات الشعب الليبي وما يحدده من أولويات، وبما يخدم مصالحه الوطنية العليا أولا وأخيرا ويحفظ لليبيا أمنها واستقرارها ووحدة أراضيها وشعبها، فمستقبل ليبيا هو مسؤولية ليبية أولا وأخيرا، ولكن الأطراف الخارجية عليها توفير الدعم والمساندة وحماية ليبيا من التدخلات الأجنبية وصراع المصالح والأجندات المتضاربة.ثانياً: من الأهمية بمكان اعتماد مقاربة شاملة في معالجة مختلف الملفات المتعلقة بالتحديات الراهنة، فلا يمكن معالجة الملف الأمني، أو القضاء على الإرهاب وضبط التهريب عبر الحدود، أو جمع السلاح المنتشر في جميع أنحاء ليبيا ووضعه تحت سلطة الدولة أو استيعاب الثوار والمليشيات، دون التوصل إلى مصالحة وطنية شاملة ذات مصداقية، ودون تحقيق التوافق المطلوب بين الليبيين حول مختلف الخيارات المطروحة لمستقبل ليبيا السياسي دون أي إقصاء، لأن جميع تلك القضايا هي سياسية بالأصل، والأمر نفسه ينطبق على عملية بناء المؤسسات الدستورية والوطنية الحديثة، وإصلاح الأجهزة الأمنية وتحقيق العدالة الانتقالية وما إلى ذلك من تحديات أخرى.ثالثا: إن الجامعة العربية حريصة على مواصلة التشاور مع الحكومة الليبية لدراسة ما يمكن تقديمه من أجل توفير الدعم لمسار التحول الديمقراطي في ليبيا، وذلك بالشراكة التامة مع الأمم المتحدة مختلف الدول والأطراف المعنية والتعاون مع مختلف الأطراف لإقرار آليات عمل محددة لتنسيق جهود الشراكة العربية والدولية ومتابعة تنفيذها بما يخدم المصالح العليا للشعب الليبي وبناء القدرات لدولة ليبيا الحديثة.
690
| 10 مارس 2014
أزعم أنني على دراية ولو محدودة بالشأن الخليجي بحكم عملي في العاصمة القطرية – الدوحة- لفترة تقترب من العشرين عاما وزياراتي المتعددة لكل دول منظومة مجلس التعاون وقيامي بمتابعة أغلب الاجتماعات في تلك الفترة سواء على مستوى القمة أو الوزراء بمختلف تخصصاتهم وذلك يدفعني إلى القول بأن هذه المنظومة باتت في حاجة إلى التحول الجذري من حالة "التعاون" السائدة منذ نحو ثلاثة وثلاثين عاما عندما انطلقت بمدينة أبو ظبي في الخامس والعشرين من مايو1981 إلى الصيغة المنطقية التي تستحقها المتمثلة في "الاتحاد" وصولا إلى الحلم الأكبر وهو قيام دولة خليجية موحدة تفرض حضورها الإقليمي والدولي وتشكل قيمة مضافة للنظام الإقليمي العربي بل قد تدفعه إلى الدخول في مرحلة الوحدة الشاملة التي يحلم بها الشعب العربي منذ تقسيم المنطقة العربية إلى كيانات وأقطار- وفقا لاتفاقية سايكس بيكو في العام 1916 -تتباين في حجمها الجغرافي وكثافتها السكانية والأخطر أن القوتين اللتين أشرفتا على هذا التقسيم وهما بريطانيا وفرنسا رسمتا الحدود فيما بين هذه الأقطار على نحو يجعلها قابلة للاشتعال في أي وقت الأمر الذي ما زالت تكابده المنطقة وأسهم في قيام حروب بين الأشقاء. وما دفعني للكتابة عن هذا الملف هو مشاركتي في ندوة عقدت بالقاهرة يوم الخميس الماضي بالتنسيق بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ومركز الخليج للأبحاث خصصت على مدى اثنتي عشرة ساعة لمناقشته وفقا لمنهجية العلمية والأكاديمية بمشاركة أكثر من 40 مفكرا من مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والميزة النسبية التي اتسمت بها هذه الندوة تكمن في أنها تجنبت المجاملات وتبنت خطابا ينهض على الشفافية والمصارحة والموضوعية لأن الأمر يتصل بخيار مصيري يتعلق بمنطقة هي واحدة من أهم مناطق العالم حيوية وامتلاكا للأبعاد الإستراتيجية ومن خلال متابعتي لمختلف المداخلات والمساهمات الفكرية لمعالجة هذه القضية بوسعي التأكيد أن الدخول في مرحلة الاتحاد لا يمكن اعتباره ترفا وإنما فريضة واجبة يتعين المضي باتجاهها بكل قوة وحرص على النجاح والتبلور في الواقع الخليجي حتى وإن بدا ثمة تحفظ هنا أو تردد هناك وذلك للمعطيات التالية: أولا: إن دول مجلس التعاون بلغت مرحلة متقدمة من النضج واكتمال تجربة التنسيق والتكامل رغم بعض الاختلالات والمعوقات في بعض المجالات وذلك من طبائع الأمور ولا يشكل مصدرا للخوف أو الهواجس وبوسعي الإشارة إلى أن الأجيال الجديدة في المنطقة أضحت تتطلع إلى بروز الكيان الاتحادي الخليجي بحسبانه سيشكل رافدا لفتح نوافد التنقل دون معوقات سواء للبشر أو رؤوس الأموال أو الخبرات أو حتى الأحلام وألفت في هذا السياق إلى تجربة الدكتور عبدالله باعبود العماني الجنسية والذي يرأس برنامج دراسات الخليج بجامعة قطر والتي استعرضها ربما ضاحكا أو باكيا أو بمزيج من الضحك والبكاء معا فقد قرر التوجه من بلاده إلى الدوحة بسيارته الخاصة وعندما توقف عند المنفذ الحدودي الذي سيدخل منه إلى الأراضي السعودية مرورا إلى الدوحة سأله مسؤول المنفذ عن وثيقة التأمين الخاصة بالسيارة فأبلغه أنه يحمل وثيقة التأمين التي تصدر باسم مجلس التعاون والتي من المفترض أن تسمح له بالمرور والتحرك في أي دولة من دوله الست . بيد أن هذا المسؤول أصر على أن يستخرج وثيقة تأمين سعودية فالتعليمات لديه واضحة في هذا الشأن. ثانيا: إن المنطقة في ضوء ما تواجهه البلدان العربية خاصة الكبرى والتي باتت مشغولة بهمومها وقضاياها الداخلية لاسيَّما بعد اندلاع ثورات الربيع العربي والتي كانت دول منظومة مجلس التعاون أو أغلبها لاعبا رئيسيا فيها تتطلع إلى أن تشكل كيانا واحدا حتى وإن أخذ في المرحلة الأولى الصيغة الكونفيدرالية التي تسمح باستمرار كل دولة في ممارسة سيادتها الوطنية مع ترك السياسة الخارجية وشؤون الدفاع والاقتصاد والطاقة للسلطة المركزية فذلك من شأنه أن يعظم المكانة والدور ويتحول الاتحاد الخليجي إلى رقم مهم في المعادلة الإقليمية والدولية وفي الوقت ذاته يمتلك درجة استقلالية أكثر على صعيد اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بالشؤون الدفاعية والعسكرية والأمن الإقليمي من دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على العامل الدولي الذي مازال يمارس نفوذه بحكم غياب هذه الدرجة بل إنه سيكون أكثر قدرة على التعاطي بفعالية مع فوائض أعضائه المالية لإنفاقها في الداخل أو في محيطه العربي أو حتى الإسلامي دون أن تتكدس في بنوك ومصارف الغرب الذي يتحكم فيها بشكل أو بآخر. ثالثا: لا أظن أن مخاوف من قبيل رغبة المملكة العربية السعودية التي تبنى عاهلها الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدعوة إلى قيام هذا الاتحاد للهيمنة على الدول الأخرى في حال قيام الاتحاد الخليجي لها موقع من الإعراب فوفقا لما ذكره لي الدكتور ظافر العجمي رئيس مجموعة مراقبة الخليج بمركز الدراسات والأبحاث الكويتي فإن المملكة بمقدورها أن تمارس الهيمنة حتى من دون إقامة هذا الاتحاد ويضيف: هذه مسألة افتراضية ولا تبدو واقعية في ظل الممارسات التي كانت سائدة على مدى العقود الثلاثة الماضية والتي لم يثبت خلالها أي نزوع لهيمنة الرياض على دول إقليم الخليج ولم تطرح من الدول الأعضاء بالقوة التي طرحت بها مسألة المساس بالسيادة الوطنية أو العبء الاقتصادي الذي يمكن أن يضيفه التحول من التعاون إلى الاتحاد. رابعا: إن دول منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية أثبتت خلال العقود الثلاثة الأخيرة قدرتها على تعزيز الاستقرار لشعوبها رغم عمق التحديات الأمنية والإستراتيجية وشكلت عنصرا داعما لكافة الأشقاء العرب ومن ثم - الكلام للسفير ناصر كامل مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية -فإن الارتقاء بها إلى صيغة الاتحاد على نحو يعزز من فعالية آلياتها التنسيقية والتكاملية سيمثل بدوره تعزيزا وتقوية لمنظومة العمل العربي المشترك والتضامن العربي.
715
| 02 مارس 2014
من الضرورة بمكان التذكير بأهمية الفعل الثقافي في المشهد العربي العام والذين بات محكوما بمحددات سياسية تكاد تفرغه من مضمونه خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي فجرت طاقات الشعوب باتجاه إحداث تغيير حقيقي وجوهري على نحو يعيد رسم خارطة الحياة ويكرس الديمقراطية والتعددية والمواطنة والكرامة والعدالة الاجتماعية والمعضلة في هذا السياق تكمن في غياب هذا الفعل من فرط هيمنة الحدث السياسي والذي بلغ مداه في اجتذاب المواطن العربي لاسيَّما مع تركيز كافة وسائط الإعلام عليه بينما لا تشغل الحركة الثقافية الا بمساحات محدودةورغم أن ثلاث عواصم عربية اختيرت خلال الأعوام الثلاث المنصرمة كعواصم للثقافة العربية بدء من الدوحة مرورا بالمنامة وصولا إلى بغداد التي أكتب منها هذا المقال مشاركا مع غيرى من الإعلاميين والصحافيين العرب في متابعة اختتام فعالياتها كعاصمة للثقافة العربية مساء أمس الأول -السبت - فإنه يمكن القول بتجرد وموضوعية أن هذه الفعاليات لم تفض إلى تقليص مساحة ما هو سياسي لصالح ما هو ثقافي وإن نجحت في محاولة تقديم بعض من أنماط الثقافة والفنون من بلدان عربية مختلفة للمواطن العربى في الدولة التي تحتضن هذه الفعاليات وشكلت في الوقت نفسه نافذة لمناقشة التحديات الثقافية الوطنية والقومية إلى حد ما وهو ما يجعلني أطالب بتعديل صيغة هذه الفعاليات لتكون أقرب إلى المواطن بدلا من تركيزها على النخب والتي هي على دراية بمضمون الفعل الثقافي أما المواطن فتركيزه هو دوما على البحث عن لقمة الخبز وتلبية احتياجات الأسرة اليومية وبالكاد يفكر في تلبية احتياجاتها الثقافية وعلى وجه التحديد شراء الكتب والمجلات المتخصصة وهو أمر بات من مستبعدا من ميزانية أي أسرة التي تخضع لابتزاز دائم من التضخم وارتفاع الأسعار في متوالية مرعبة.وفي ضوء ما تابعته في بغداد أود الإشارة إلى جملة من الملاحظات والمشاهدات على النحو التالي: أولا: لقد ركزت وزارة الثقافة أغلب الفعاليات على العاصمة – بغداد- وذلك ناتج بكل تأكيد عن الأوضاع الأمنية المضطربة ولكن رغم ذلك فإن ثمة مردودا إيجابيا لهذه الفعاليات تمثل في أنه حشد العراقيين بمختلف مكوناتهم في متابعتها والذوبان فيها وتجاسروا على مواجه ما يسمونه في العراق الإرهاب والذي لايكاد يفارق العاصمة وغيرها من مدن بلاد الرافدين وهو ما يجعلني أقول أن بغداد هزمت الموت بالثقافة وتلك في تقديري نتيجة بالغة الأهمية بصرف النظر عن سلبية هنا أو هناك.ثانيا: إن فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية حظيت باهتمام بالغ على المستوى الرسمي متجليا ذلك في تخصيص حوالي نصف مليار دولار لإنفاقها عليها وإن كان البعض- منهم الفنان التشكيلي العراقي فاضل عبد الحكيم يرى أنه تم صرف هذه الأموال الطائلة دون تخطيط مسبق لمشاريع ومبادرات ثقافية. ثانيا: لم تتمكن هذه الفعاليات من إنقاذ الوضع الثقافي في العراق من الركود الذي يعيشه وذلك وفقا لرؤية الروائي العراقي حميد الربيعي، بل كرست ابتعاد الثقافة الرسمية عن المثقفين وعن الشارع والحراك الثقافي مشيراً إلى أن طبيعتها تقوم بالأساس على إيصال المنجز الثقافي العربي إلى بغداد ونشر الإبداعات الثقافية العراقية عربيا، ولكن الذي حدث أن لا أحد من المثقفين العرب ازداد اطلاعا على الثقافة العراقية بالإضافة إلى أن المثقف العراقي الحقيقي ظل مغيبا عن الفعاليات لكن المخرج المسرحي عماد محمد يختلف مع هذا الطرح ملفتا إلى أن هذه الفعاليات أفضت إلى حراك واضح في الثقافة العراقية خاصة فيما يتعلق بالمسرح والموسيقى، وأتاحت بلاشك فرصة مهمة للفنانين لاستثماره بإنتاج أعمال جيدة مشيراً بشكل خاص إلى أن مهرجان بغداد للمسرح العربي الأول كان الأهم ضمن هذه الفعاليات وحقق نجاحا متميزا من خلال مشاركة الفنانين العرب البارزين في بغداد في ظل الأوضاع التي يعيشها البلد مبينا أن بغداد كانت تستحق أكثر بكثير من الذي قدم خاصة أنها موطن الثقافة العربية ومع ذلك أنتقد ما وصفه بغياب الاستراتيجيات والتخطيط العلمي والفني مما جعل العشوائية والفوضى تتحكم بما قدم خلال هذه المناسبة، كما وجه انتقاداته لبعض الفنانين والمثقفين العراقيين الذين راحوا يهرولون وراء المنافع الشخصية على حد قوله وهو ما اعتبره المعضلة الأهم.ثالثا: وفي المقابل فإن المنظور الرسمي للفعاليات يرى أنها كانت إيجابية وفق ما أعلنه مهند الدليمي وكيل وزارة الثقافة العراقية والذي تحمل مسؤولية الإشراف على ختامها بسبب انشغال الدكتور سعد الدليمي وزير الثقافة والذي يحمل في الوقت ذاته حقيبة الدفاع بمتابعة الأوضاع العسكرية في منطقة الأنبار المشتعلة فقد تحدث عن احتضان بغداد لعام كامل من الفعاليات الثقافية التي أحيتها فرق فنية من جميع الدول العربية، وأسعدت العراق وشعبه معتبرا أن المشاركة العربية الفعالة من خلال إحياء أسابيع ثقافية مميزة أعادت العراق إلى حضن أشقائه العرب بعد سنوات من البعد فرضتها ظروف الحرب، مضيفا: لقد تحدينا - عبر فعاليات بغداد عاصمة للثقافة العربية خلال العام 2013 - الإرهاب بالفن والثقافة والأدب. وفيما يتعلق بالانتقادات للإنفاق المالي يبين مهند الدليمي أن مجلس الوزراء العراقي خصص ميزانية مالية للفعاليات بلغت 500 مليون دولار، واستفادت منها كافة الفروع الأدبية والفنية وأحدثت حراكا مهما، والذي ولد بدوره جدية في الاستمرار في دعم قطاع الثقافة، مبينا أن وزارة الثقافة تجري الآن تطوير البنى التحتية للثقافة العراقية من خلال بناء دار أوبرا ومسارح مشيراً إلى أن وزارة الثقافة أقامت خلال فعاليات المهرجان أكثر من 114 معرضا تشكيليا، مما انعكس بشكل إيجابي على الحركة الثقافية وبالخصوص التشكيلية وأدى إلى تناقل الأفكار بين جيلي الرواد والشباب ; كما قامت الوزارة بطباعة أكثر من 600 كتاب خلال عام 2013 بواقع ألفي نسخة للعنوان الواحد، في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العراق كما تم استضافة الآلاف من الشخصيات الثقافية والإبداعية والفنية العربية والعالمية خلال هذا العام وتحركت الوزارة بفعالية لتوفير أفضل الظروف والمقومات لإنجاح الفعاليات ولكن كل شياطين الأرض تحالفت – الكلام لمهند – ضد بغداد لعزلها عن محيطها العربي لكنهم عجزوا عن ذلك بجدارة فبغداد لم ولن ينتهي بريقها وبهاؤها الحضاري والثقافي والإبداعي ورغم أن قدر العراقيين أن ينزفوا ويقاسوا الا أنهم في النهاية ينتصرون وسيهزمون الإرهاب الذي هو في نزعه الأخير. ويرى مهند أن حجم الخراب الثقافي الذي شهده العراق بعد عام 2003 كان كبيرا، ومن ثَمَّ فإن أي جهد للتخلص منه لا تظهر نتائجه بسرعة، مؤكداً أن الخلافات السياسية التي شهدتها بلاد الرافدين خلال الأربع سنوات الماضية انعكست دون شك على المنجز الثقافي وعلى أداء على وزارة الثقافة
528
| 24 فبراير 2014
رغم التئام جولتي تفاوض بين وفدي النظام السوري والمعارضة ضمن مؤتمر جنيف 2 الذي انطلق في الثاني والعشرين من يناير الماضي فإن ما أفضتا إليه هو خيبة الأمل ليس للمشاركين فيه وإنما للشعب السوري الذي يدفع كلفة ثورته التي انبثقت قبل ثلاث سنوات تقريبا ضد استبداد نظام يتسم بالقدرة على توليد القهر وإعادة إنتاج أساليب الحكم التي تقوم على الديكتاتورية الفظة ورفض تفتيح ورود حدائق الحرية والهيمنة على كل مفاصل الوطن ومكامن السلطة والثروة فيه ومنحها للمرتبطين به من أفراد أسرة الرئيس وعناصره الأمنية سواء في المؤسسة العسكرية أو مؤسسة الأمن والاستخبارات فضلا عن رموز الحزب الحاكم الأوحد وطبقة رجال الأعمال التي ترتبط مصالحها باستمرار النظام بآلياته ولعل الأخضر الإبراهيمي المبعوث الخاص للأمم المتحدة والجامعة العربية لسوريا قد التقط هذه الحقيقة فسارع في مؤتمره الصحفي بنهاية الجولة الثانية ظهر يوم السبت الماضي إلى تقديم الاعتذار والأسف للشعب السوري عما وصفه بعدم قدرة "جنيف 2" على إحراز تقدم يصب باتجاه الآمال الضخمة والخروج من الكابوس الرهيب الذي يعيشه وفق تعبير الإبراهيمي نفسه والسؤال المحوري هو من يتحمل مسؤولية إخفاق هاتين الجولتين؟ من خلال قراءة ما ورد في تصريحات الإبراهيمي في المؤتمر الصحفي نفسه يمكن تلمس الطرف المسؤول والذي يتمثل أساسا في وفد النظام الذي أبدى قدرا كبيرا من التعنت في رفضه لكل الطروحات التي تقود إلى منطقة وسط بين مواقفه من ناحية ومواقف المعارضة فهو يقول إن التعثر الذي شهدته مفاوضات جنيف نتج عن تمسك الوفد الحكومة بمناقشة مكافحة الإرهاب قبل الانتقال إلى مناقشة أى قضية أخرى رغم أن هذا البند لم يرد ذكره في بيان "جنيف 1" الذي صدر عن اجتماعات القوى الكبرى والقوى الإقليمية المعنية بالأزمة في الثلاثين من يونيو 2012 ويشكل الإطار الحاكم لـ"جنيف 2". كما رفض الوفد الحكومي مناقشة تشكيل البند الخاص بتشكيل هيئة الحكم الانتقالية والتي نص عليها "جنيف 1" والتي قدم وفد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وثيقة مفصلة حول تشكيلها وصلاحيتها والخطوات التفصيلية التي ستتبعها لإعادة الأمن للشعب السوري وبناء مؤسسات الدولة وإصلاح الجيش والمدهش أن الوفد نفسه رفض مقترحا من الإبراهيمي بتخصيص يوم لمناقشة وقف العنف ومكافحة الإرهاب وآخر لمناقشة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي وهو اقتراح يتسم بالعملية والتوازن وفق قواعد التفاوض المعروفة في القانون الدولي لكن النظام يرفضه لأنه سيدفعه دفعا للبحث في محاولة تغيير بنية النظام السياسي من خلال مناقشة آليات تشكيل هيئة الحكم الانتقالية بصلاحيات كاملة سينجم عنها إعادة ترتيب وضع السلطة، والتحضير لكتابة دستور جديد وانتخابات رئاسية وبرلمانية بعد أن يكون قد جرى وقف الصراع المسلح وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين والبدء بإعادة الإعمار وهى كلها عناصر تخصم من رصيد بقاء الأسد الذي ما زال يتطلع إلى الاستمرار في السلطة على جماجم الشعب عبر إعلانه الاستعداد للترشح للانتخابات الرئاسية التي من المقرر أن تنظم هذا العام وهو ما يتقاطع مع رفض شعبي واسع. وحتى أكون منصفا فإن بعض دوائر المعارضة التي أخرجت من اللعبة لن تقبل بهذه العناصر التي تجردها من مقومات قوة تمتلكها على الأرض خاصة الأصولية والتي كشف النقاب عن ارتباط بعضها بنظام الأسد وفق ما ذكره الجيش السوري الحر وتحديدا ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية للعراق والشام والمعروف بـ"داعش" والذي قاتلته تنظيمات إسلامية وعسكرية أخرى لكنه يتسم بنوع من التماسك وهو ما يفسر هذا الارتباط المريب بالنظام. ولا يخرج تفسير هذه المواقف المتعنتة للوفد الحكومي في جنيف 2 عن أنه كان معبأ بتعليمات بشار الأسد وأركان حكمه خاصة على المستوى الأمني والاستخباراتي والتي لا يمكنه تجاوزها أو القفز عليها. وتهدف بلا شك إلى إجهاض المؤتمر وهو ما تحقق بالفعل بعد جولتين شهدتا تناقضات وتباينات واضحة بين طرفي الأزمة على نحو ينبئ بأن سير الأمور خلال الجولة الثالثة وربما الرابعة والخامسة والسادسة حتى العاشرة لن تفضي إلا إلى المزيد من الإخفاق مادام النظام متمسكا بمنهجية إهدار الزمن والتي يجيدها مثل غيره من النظم الاستبدادية متكئا في ذلك على دعم لوجستي سياسىي وعسكري واقتصادي من روسيا الاتحادية وإيران وحزب الله وميليشيا شيعية عراقية الأمر الذي مكنه في الأشهر الثلاث الأخيرة من تحقيق بعض الاختراقات العسكرية في جبهات القتال مع كتائب الثوار مستغلا في الوقت نفسه الصراعات بين الفئات المقاتلة خاصة تلك التي تنتمي إلى فصائل إسلاموية تمتد جذورها إلى تنظيمات إقليمية ودولية تتسم بالتطرف وتوصف بالإرهاب. والمؤسف أن النظام لم يكف خلال أيام التفاوض عن توجيه آلته الحربية خاصة الطائرات المحملة بالبراميل المتفجرة إلى المناطق والمدن الخاضعة لسيطرة الثوار فيتلقاها المدنيون بأجسادهم ومنازلهم فتباد وقد قتل أكثر من خمسة آلاف شخص منذ انطلاق جنيف 2 مما رفع أعداد القتلى ضحايا استخدام النظام للقوة المفرطة إلى 140 ألف شخص مع تزايد في أعداد اللاجئين بالخارج والنازحين في الداخل والذين يبلغ إجمالي أعدادهم أكثر من سبعة ملايين وفق إحصاءات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية كما أن النظام لم يستجب إلا بصورة طفيفة لإدخال المساعدات الإنسانية وفك الحصار عن المناطق المحاصرة خاصة في حمص ووصلت به القسوة المفرطة إلى حد استجواب النازحين الذين كانوا يخرجون تحت رعاية الأمم المتحدة وهو أمر يتناقض مع القانون الدولي الإنساني الذي ربما لم يقرأه الأسد أو الدوائر المحيطة به. وبالطبع فإن المطلوب وبالذات من القوى الدولية صاحبة التأثير المباشر في الأزمة وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية أن تجريا تقييما موضوعيا ومنصفا لما جرى من وقائع جنيف 2 حتى الآن ويتجاوزا المصالح الضيقة التي تحيط بمواقفهما حتى الآن وينظرا إلى مكابدات شعب ومعاناة وطن وذلك يستوجب تحركا فاعلا من قبل الجامعة العربية وأمينها العام الدكتور نبيل العربي الذي يولى الأزمة اهتماما خاصا منذ توليه منصبه في يوليو2011 وفي هذا السياق أعلن عقب اتصال الإبراهيمي به هاتفيا – بعد ظهر أمس الأول - والذي أبلغه فيه بتعثر الجولة الثانية أنه سيتم اللجوء إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن لبحث الاتخاذ الخطوات التي من شأنها أن تدفع بالأمور إلى مقاربة الحل السياسي وفق محددات جنيف 1 حتى لا تخرج الأزمة السورية عن السيطرة ومن ثم تدخل المنطقة كلها في جحيم سيكون من الصعب كبح جماحه في ظل اختلاط الأوراق وتداخل المصالح الإقليمية والدولية المتصارعة والتي تسعى كل منها إلى الحصول على قطعة من الكعكة السورية التي تبدت مفاصلها واضحة للعيان ولم يتبق سوى تفتيتها. السطر الأخير: أغزلك حقلا من قمح نسيجا من فرح براءة تسكن أشواقي رحلة لقوس قزح أسافر اليك مدفوعا من نبض لا يتوقف ففيك العصافير ترسم إشعاعها وتطل عليك النوارس من سواحل الأفق كوني لقلبي متكئا
914
| 17 فبراير 2014
مشتعلا قلبي أكتب، لا تكف نبضاته عن إرسال دويها إلى باقي أنحاء الجسد، تكاد البحار تفقد نوارسها والجبال تتيبس ثم تتفتت، والرؤوس متجهة إلى لا شيء، هل هي المحروسة التي أعشق؟أم وطن تسيل الدماء منه وفيه ويرسل عشرات الأرواح كل يوم إلى دار البقاء؟من يوقظ الفتنة؟ أليس ثمة رشيد يبعث بعين العقل كي تميز السلوك والأقوال والأفعال. دماء من تراق في الصباحات الأولى من اليوم ثم تتمدد حتى المساءات؟ ثمة حب مفقود ومودة مسافرة ورحمة غائبة أو مغيبة قسرا، ثم أبواب للحلم أغلقت. لم تعد مدن المحروسة قادرة على استيعاب الخلاف، فسرعان ما تفرز الدماء عنوانا يتجه إليه الفرقاء، فيتوقفون بمحطته، تتوزع الدماء على القبائل، لا تعرف من القاتل ومن المقتول، كلاهما من الوطن نفسه ومن رائحة التاريخ نفسها.أصرخ في الطرقات والشوارع والميادين المغلقة والمفتوحة: أين أهل المحروسة التي أعشق؟ أين الصباحات التي يتبادلون فيها مفردات المحبة التي تشي بالرغبة القوية في معانقة الحياة والقدرة على تجاوز مكابداتها اليومية؟.غابت الابتسامات الطالعة من أعماق الأفئدة ومن غيابات جب الروح ومن أصلاب الرجال ومن أرحام النسوة، مرسومة على قسمات وجوه الصبايا والورود التي تعلن عن اشتهائها لشروق الشمس وحثها على إرسال الدفء وغسيل ما تبقى من عتمة الليل وإنهاك الوجع الذي فرض سطوته في الظلام.انتابت القسمات التي اعتادت الاستقواء على الألم ملامح غريبة تخاصم الفجر وانبثاق الندى على أوراق النباتات والأشجار.بات النهر حزينا، أطالع وجهه كل صباح فأشعر أنه فقد بهاءه القديم، موجه ساكن، ألوان قوس قزح التي كانت تنام على صفحته تحولت إلى لا شيء، إلى لا لون، دهستها حالة السكون، أغرقتها في أعماق النهر، لم يعد يكشف عن أسراره أو يعزف ألحان الصباح والمساء المدهشة التي كان يرقص على تنويعاتها أهل المحروسة. باتوا أسرى للأنغام الراكدة التي تخرج بين الحين والآخر تصيب البشر بالصمت والبقاء خارج دوائر البهجة التي كان يرسمها النهر على مدى التاريخ، النيل حزين لأن الدماء صارت أكثر تدفقا وأكثر حضورا من مياهه التي هي عنوان الحياة في المحروسة، سألته ذات مرة فأجابني النيل والوجع مرسوم بشواطئه: كنت أسهم في ارتواء الحقول والحدائق فتفرغ الناس لسكب الدماء فيها لم يعد لمائي وزن ولا لسواحلي قيمة ولا لموجي حضور.تركت النيل، سألت الحقول فأجابتني: إنها لعنة الدم حلت على أوراق النباتات التي أحرص على اخضرارها، وسألت الحدائق فجاءت إجابتها لتستقر في قلبي وجعا وفي وجهي ألما: لم تعد ورودي مطلوبة للعشاق أو المحبين أو منفذا للهدايا، لكنها أضحت مطلوبة لهدرها من قبل حاملي السلاح والمولوتوف والمتفجرات والسيارات المفخخة وراكبي الدراجات البخارية، يطلقون قنابلهم وعبواتهم الناسفة فتقتل البشر وتدمر الأماكن والمنشآت.سألت الوجوه، فلم يجبني أصحابها، فقد غدت دونما ملامح والألسنة سكنت خانة الصمت والأفواه مغلقة والآذان غير قادرة على أن تنصت للحق وللحقيقة ولأصوات الوطن والعيون أصابها رزاز الغازات المسيلة للدموع ودخان القنابل ورائحة الرصاص. بكيت في صمت، الوطن ليس هو الوطن والنيل استباحته العناكب، والأشجار التهمتها الوحوش المدمرة، والحدائق اندثرت والكواكب انتثرت والمحروسة يكاد أهلها يئدونها بأيديهم تصرخ فيهم لكنهم فقدوا القدرة على الاستجابة السريعة، الغسق هو الجدار العازل بين الحقيقة والوهم. صم بكم عمي، من يغتالون المحروسة، من يصبون الزيت على نيرانها المشتعلة لكي لا تتوقف، غلت أيدي من يقذف بالدماء في وجوه البشر، فتسرق أرواح الأبرياء وتصيب الحنايا بالوجع الأبدي الذي لا ينتهي. أتساءل: أي قلب يحمله ذلك الذي يتوجه بقنابله وعبواته الناسفة ورصاصه ليدمر قطعة من الوطن أو يقتل بشرا، هل ثمة جهاد هنا؟ الجهاد الحقيقي هناك خلف الحدود الشرقية، حيث الكيان العدواني الاستيطاني.من يبرر ألوان القتل؟ أي دين يبيحها؟ أتساءل مرة أخرى: تاريخ المحروسة مضت عليه سبعة آلاف عام، فهل شهدت خلالها مثلما تشهده الآن. تزاحمني الدماء وآخرها التي سكبت فوق الكوبري العلوي القريب من منزلي بالجيزة، بناتي أصابهن الرعب عندما استيقظن صباح الجمعة الفائتة على صوت دوي انفجار هائل وقبلها بأسبوعين استمعنا لدوي أكثر ضخامة وكان على بعد منا ربما بعشرة كيلو مترات والذي أصاب مديرية أمن العاصمة، فمزق واجهتها وبعضا من أجزاء مبناها، كما أوشك على تدمير متحف الفن الإسلامي. هي أشياء لا تشترى على حد تعبير شاعرنا الجنوبي أمل دنقل، لكنها تنبع من الروح وعندما تغادر روح الوطن الجسد فما الذي بوسعه أن يفعله جسد مهشم، مجهض الأحلام التي يغتالها الدم الذي يتدفق في أرضها.هل تستحق المحروسة رائحة الدم ورائحة الموت التي تفرض حضورها في أيامها ومواسمها وحاراتها وطرقاتها وجسورها ومنازل ساكنيها؟لا بالتأكيد، فهي وطن ليس مثل الأوطان الأخرى، هي مختلقة مغايرة روحها وجوهرها وعبق تاريخها وعمقها الحضاري استثناء في المعمورة، اسألوا القرآن عنها وكذلك الإنجيل وكذلك التوراة، هي قدس أقداس الأوطان وسر بهجة التاريخ عندما يتعانق مع الجغرافيا، هي حبلى دوما بالحكايات والانتصارات والانكسارات، بيد أنها قادرة على تغيير مسارها إلى الوجهة الأخرى، وجهة الفوز كانت وما زالت وستبقى ومن يسعى إلى الإضرار بها تصيبه اللعنة الأبدية فيسقط في براثن النسيان وغيابات جب التاريخ. أمتطي عشق المحروسة رغم أنها تؤلمني من فرط الفوضى التي يئن جسدها منها وهي فوضى مقصودة حتى يتوارى جوهرها. كما تؤلمني بعنت طرقاتها التي باتت مصدرا لعبث مروري غير مسبوق ودونما مثيل. هي في حاجة - المحروسة - إلى استعادة فعل المحبة بين ساكنيها من دون إقصاء على أرضية ترفض سكب الدماء، هي في حاجة إلى أن يحبها بنوها، يعشقوها يرسموها، ليس على قسمات الوجوه فحسب وإنما يحولونها إلى نبض لأفئدتهم ونسائم لصدورهم وحدائق تنسمته بها عيونهم، فمتى يا رب يفعلون؟ أنقذهم قبل أن تتفاقم لغة الدم.السطر الأخير: قلبي ليس من ذهب هو فيض مشاعر متكئا على حدائق العشق ترى لو أنني مسافر إليك أين ستكون إقامتي؟ في المسافة بين العينين أم في مساحات الشهد عند النهر النائي أو لدى نوارس البحرصحفي عربي من مصر
730
| 10 فبراير 2014
كانت الأحلام عالية السقف في مؤتمر جنيف 2 والذي انطلقت أعماله في الثاني والعشرين من يناير المنصرم. خاصة الأطراف الإقليمية والدولية التي سعت إلى التئامه وحشدت الجهود ومارست الضغوط على طرفي الأزمة السورية للمشاركة فيه. مستخدمة منهجية العصا والجزرة وبالذات الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية واللتين تبدوان وكأنهما استعادا حالة القطبية الثنائية التي كانت تحكم العالم بمشاركتهما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط الاتحاد السوفيتي الذي ورثته حكومة روسيا.بيد أن وقائع الأيام العشرة الأولى التي جسدت المرحلة الأولى عكست حالة مغايرة تماما لسقف التوقعات. وبدا الأمر من قبل النظام والمعارضة السورية وكأنه مجرد ناد للتنفيس عن المواقف التي تختزنها القلوب والأفئدة. وإن كنت لا أضع المعارضة في نفس الخندق الذي يقيم فيه النظام وإلا أكون قد ساويت بين الجلاد والقاتل والضحية والمقتول وهو مالا يتسق مع الحد الأدنى من القواعد الأخلاقية في التعامل مع ثورة شعب سعى إلى تحقيق أشواقه الكبرى في دولة مدنية ديمقراطية تعددية تقوم على المواطنة والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية. وهي المبادئ نفسها التي تحركت من أجلها شعوب مصر وتونس واليمن ولبيبا في ثوراتها المدهشة التي أسقطت نظما شديدة في استبدادها قاسية في جبروتها وتفتقر لكل أسباب استمرارها. إن أهم نتيجة حققتها المرحلة الأولى من جنيف 2 تتمثل في أنها كسرت الحاجز النفسي بين طرفي الأزمة والتعبير ذكره لي السفير أحمد بن حلي نائب الأمين العام للجامعة العربية عندما سألته عن تقويمه لهذه المرحلة ودون ذلك لم يحقق المؤتمر أي مقاربة حقيقية باتجاه ما يتجاوب مع نصوص وثيقة مؤتمر جنيف 1 الذي عقد في نهاية يونيو من العام 2012. وهي النصوص التي توافق عليها الكبار خاصة واشنطن وموسكو وباريس ولندن وبعض الأطراف الإقليمية مثل تركيا ومصر وقطر وغيرها لتشكل الأساس والجوهر الذي يتعين أن تمضي المفاوضات بين ممثلي النظام السوري والمعارضة باتجاهه وهو ما لم يتحقق حتى ولو من باب الإشارات. فقد أغلق ممثلو النظام الذين كانوا يمارسون نوعا فجا من الاستعلاء على ممثلي المعارضة سواء في الغرف المغلقة أو في التصريحات العلنية الباب أمام أهم بند في وثيقة جنيف 1 والتي تتعلق بتشكيل هيئة حكم انتقالية من الطرفين تكون لها صلاحيات واسعة. بما في ذلك على القوات المسلحة وقوات الأمن وأجهزة الاستخبارات وهي أدوات أي سلطة قوية تكون مهمتها الإشراف على المرحلة الانتقالية التي يعد خلالها دستور جديد للبلاد وتمهد لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية. وأظن أن وراء هذا الرفض الواضح والذي عبر عنه غير مرة وليد المعلم وزير خارجية النظام السوري وبثينة شعبان مستشارة الرئيس السوري. تعليمات مشددة من قبل بشار نفسه والذي يعلم يقينا أن تطبيق هذا البند على أرض الواقع لا يعني شيئا سوى إزاحته من عرشه الذي يتربع عليه منذ مطلع الألفية الجديدة. وريثا لوالده حافظ الأسد وذلك يعني بوضوح أن كل القابضين على النظام سيتساقطون ويفقدون مزايا التزاوج بين السلطة والمال الغارقين فيها على نحو أخطبوطي لا يسمح لأي طرف أو شخص آخر بالاقتراب منه ودون ذلك الموت.وعندما المتابعة الأخيرة لتصريحات وليد المعلم في اليوم الأخير من الجولة الأولى من جنيف 2 – الجمعة الفائتة – يمكن رصد صدى هذه المواقف المتشددة وهواجس رموز النظام. فقد هدد بعدم العودة مجددا إلى المشاركة في الجولة الثانية التي ستنطلق في العاشر من الشهر الجاري ووجه الاتهامات لوفد المعارضة واعتبره غير ناضج سياسيا. دون أن يشير إلى تصلب مواقف ممثلي نظامه والتي أدت إلى حالة مراوحة المكان في الأزمة السورية.والمدهش أنه في الوقت الذي انطلقت فيه مفاوضات جنيف 2 ظل الجيش الحكومي لم يتوقف عن توجيه ضرباته ونيران أسلحته ضد المناطق التي حررها الثوار مواصلا استخدام البراميل المتفجرة. مما أدى إلى مقتل أكثر من 500 شخص خلال الجولة الأولى من المفاوضات فهل يتسق ذلك مع جوهر القواعد الأخلاقية التي تحتم تجميد الأعمال العسكرية على نحو يعطي الأولوية للحوار السياسي الذي تحتضنه جنيف ؟بالتأكيد لا وهو ما يؤشر إلى أن نظام بشار مازال مصرا على منهجية الحل العسكري والأمني. مستعينا في ذلك بمليشيات حزب الله اللبناني الذي كنت أظنه حزبا يتعالى على الطائفية ويوفر طاقة مقاتليه لمواجهات قادمة مع العدو الحقيقي للأمة وهو الكيان الصهيوني غير أن الأشهر الفائتة أثبتت أنه مجرد حزب طائفي. ويبدو أنه تجاوز البعد المقاوم الذي كان يميزه وحظي استنادا إليه على غطاء شعبي عربي فضلا عن الاستعانة بمليشيات شيعية عراقية ويمنية. إلى جانب الدعم اللوجستي سواء بالسلاح والخبراء من قبل الحرس الثوري في إيران أي أنه دفع بالأزمة إلى دائرة طائفية. بحيث يبدو الأمر وكأنه صراع بين منتمين إلى المذهب الشيعي وخصومهم من المنتمين إلى المذهب السني. وهي أطروحة تصب في خانة أعداء الأمة وألقت بظلالها بكثافة على أزمات أخرى في المنطقة العربية.وثمة فشل آخر لمؤتمر جنيف 2 في مرحلته الأولى يتصل بالعجز عن إجبار النظام لفك حصاره عن المناطق المتضررة والمنكوبة بضرباته وبراميله الحارقة . خاصة في حمص وحلب رغم التوافق الذي جرى في أروقة جنيف 2 بشأن ذلك. وهو ما يؤكد أن نظام بشار يتسم بالقسوة المفرطة وهو ما يتناقض مع زعمه اتكاءه دوما على الشعب السوري. بينما هو يمارس في الواقع كل ما من شأنه أن يسهم في توسيع أفق المعاناة والمكابدة لهذا الشعب الذي خرج الملايين منه باحثين عن ملجأ سواء في داخل البلاد أو إلى دول العالم. وجعل من شعب معروف عنه عشقه للحياة لا يجد البعض منه لقمة الخبز أو حبة الدواء أو غطاء بسيط ليقيه من برد قارس في زمهرير الشتاء فمات العشرات في المنافي خلال موجة الصقيع التي طالت المنطقة في شهر ديسمبر المنصرم.لست من دعاة الحل العسكري القائم على الاستعانة بالتدخل الخارجي لهذه الأزمة. ولكن يبدو أن بشار الأسد بات يشعر أنه خرج من دائرة التهديدات بتوجيه ضربات موجعة لأركان نظامه. خاصة آلته الحربية التي وظفها بدرجة عالية من الكفاءة في قتل شعبه ومحاصرة مدن وطنه. ظنا منه أنه بذلك سيخمد واحدة من أهم ثورات العرب ولكنه بالتأكيد هو مخطئ تماما في تقديراته ومعادلاته التي يدير من خلالها الأزمة. والبديل المنطقي للتدخل العسكري الأجنبي يتمثل في توفير الدعم اللوجستي بكميات وفيرة ونوعية متقدمة وفتاكة للثوار القادرين على هزيمة النظام إن توافر لهم هذا الدعم خاصة من الأشقاء العرب. أو أن يرحل بشار هو وزبانية نظامه لبناء سوريا الجديدة الخالية من استبداد وقمع وقهر امتد طويلا، آن له أن يخفت ويتلاشى أو يذهب إلى الجحيم.فلننتظر الجولة الثانية والتي لا يبدو لدى أي قدر من التفاؤل باتجاه تحقيق اختراقات جوهرية في مواقف نظام بشار المتعجرف والمتغطرس والعدواني.
482
| 03 فبراير 2014
مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة...
1503
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ...
792
| 24 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية...
741
| 31 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد...
669
| 26 مايو 2026
في كل عيد تبدو الحياة وكأنها تتفق فجأة...
660
| 27 مايو 2026
وقفت قطر مع العراق مواقف الأخوة العربية الصادقة...
657
| 26 مايو 2026
ودعت قطر أمس ببالغ الحزن والأسى والرضا بقضاء...
648
| 30 مايو 2026
لماذا يقبل الناس على مثقف أدنى من مثقف...
630
| 26 مايو 2026
كثيرون ينتظرون أن تبدأ حياتهم المهنية بفرصة جاهزة...
618
| 25 مايو 2026
في عالم تتزايد فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة...
591
| 26 مايو 2026
يعكس الاتصال الهاتفي بين حضرة صاحب السمو الشيخ...
588
| 27 مايو 2026
حياتنا في مساحاتها الواسعة تحتاج لمن يحفزها ويبعث...
576
| 28 مايو 2026
مساحة إعلانية