رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم أشك لحظة في قدرة منظومة مجلس التعاون الخليجي على مغادرة منطقة الأزمة التي اشتعلت بين قطر من ناحية والسعودية والإمارات والبحرين من ناحية أخرى. مما أسفر عن قيام الدول الثلاث بسحب سفرائها من الدوحة والدخول في منطقة المصالحة واستعادة الروح الخليجية العفية والموحدة والقادرة على مجابهة التحديات سواء من الداخل أو من الخارج. وهنا أستعيد مقولة الصديق الكبير عبد الرحمن بن حمد العطية الأمين العام السابق لمجلس التعاون والتي كان يكررها تقريبا في كل حوار أجريه معه وهي أن "المجلس ولد ليبقى".
لم أتوصل إلى هذه الخلاصة من زاوية عاطفية فياضة أو من خلال قراءة عن بعد للمنطقة. وإنما استندت في ذلك إلى معايشتي لقضايا وتطورات منظومة المجلس لفترة تقترب من العشرين عاما. أثناء فترة عملي بالدوحة زرت خلالها كل عواصم المجلس أكثر من مرة مشاركا في مؤتمرات مؤسسة القمة الخليجية التي كان القادة حريصين على عقدها في مواعيدها - في شهر ديسمبر من كل عام وبدون تلكؤ. بل وأضافوا إليها قمة تشاورية في منتصف المسافة بين القمتين الرسميتين – في شهر مايو- فضلا عن لقاءات متنوعة ومتعددة مع الأمناء العامين لمجلس التعاون. وإن كنت لم أحظ بلقاء الأمين العام الحالي الدكتور عبد اللطيف الزياني بسبب عودتي إلى القاهرة قبل نحو ست سنوات. غير أنني مع ذلك أتابع نشاطه المحمود ومحاولاته الدؤوبة للقيام بواجباته خاصة في ظل تحولات تشهدها المنطقة العربية والخليجية في آن.
لقد عكس الاجتماع الأخير الذي عقد مساء الخميس الماضي على مستوى وزراء خارجية دول المجلس بالقاعدة الجوية بالرياض. قدرة المنظومة على تجاوز ما جرى قبل فترة مما فجر خلافا علنيا هو الأول من نوعه على مدى زمني يزيد على ثلاثة وثلاثين عاما منذ انبثاق المجلس في الخامس والعشرين من مايو من العام 1981 بمدينة أبو ظبي. وهو ما تجلى في الاتفاق على تبني الآليات التي تكفل السير في إطار جماعي ولئلا تؤثر سياسات أي من دول المجلس على مصالح وأمن واستقرار دوله ودون المساس بسيادة أي من دوله. وذلك انطلاقا مما يربط دول منظومة التعاون الخليجي من الوشائج والروابط التاريخية والمصير الواحد، والحرص على دفع المسيرة لها وذلك بعد إجراء مراجعة شاملة للإجراءات المعمول بها فيما يتعلق بإقرار السياسات الخارجية والأمنية.
وبعيدا عن الاجتهادات التي طالت هذه الآليات التي لم يحددها البيان الرسمي الذي صدر عن الوزاري الخليجي بالرياض مساء الخميس الفائت فإنه يمكن القول إن ثمة عوامل عدة أدت إلى استعادة التوافق بين دول المجلس الست في مقدمتها:
أولا: في مقابل الجهود المقدرة التي بذلتها القيادة الكويتية التي وعدت خلال ترؤسها للقمة العربية التي عقدت يومي 25 و26 مارس الماضي ببذل أقصى الجهد لتقنية الأجواء بين دول المجلس. فإن كلا من الدول الأربع: قطر والسعودية والإمارات والبحرين لم تبد اعتراضا مع طروحات ومقترحات الشيخ صبا ح الأحمد الصباح أمير الكويت الذي راهن على ما يمكن وصفه بالدبلوماسية الخليجية التي تقوم على الاتصالات المباشرة والوضوح وتجنب المناورات. أو ما يطلق عليه في التعبيرات الدارجة اللف والدوران متكئا في ذلك على صداقات وتفاهمات شخصية مع كل قادة دول المجلس الآخرين الذين يثقون في تراكم خبراته بأوضاع وملفات المنطقة. فضلا عن ميزات نسبية يمتلكها في مقدمتها بالطبع ترؤسه للدورة الحالية لكل من قمة مجلس التعاون التي عقدت بالكويت في ديسمبر المنصرم والقمة العربية التي عقدت في مارس الفائت
ثانيا: إن المتغيرات التي تشهدها المنطقة العربية منذ اندلاع ثورات الربيع العربية فرضت على قادة دول المجلس بالذات. المضي قدما باتجاه بلورة صيغة أكثر فعالية من التنسيق والتكامل والتعاضد على كافة الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية. وهو ما دفع بعد قراءة متأنية لكل ما جرى من أطراف الأزمة إلى ضرورة تبنى خيار تجاوز الأزمة وردم أي هوة يمكن أن تقود إلى الإخلال بالبنية التحتية والمؤسساتية لمنظومة مجلس التعاون. والتي نجحت على مدى أكثر من ثلاثة عقود في وضع أساسات قوية لتكتل إقليمي قوي وهو بحاجة إلى المزيد من الخطوات حتى تكتمل ملامح هذا التكتل ليصبح رقما مهما في المعادلة الأمنية الإقليمية التي تقبض عليها بقوة حتى الآن عوامل إقليمية ودولية.
ثالثا: إن دول مجلس التعاون الخليجي تدرك أنه ليس أمامها خيارات وبدائل متعددة سوى الاستمرار في متوالية البناء والإضافة. التي تشهد كل عام تحولات نوعية قربتها إلى الصيغة الحلم والتي تتمثل في الاتحاد الأوربي. ومن ثم فإن الإبقاء على أي مساحات خلاف أو توتر من شأنه أن يقود المنظومة برمتها إلى الانهيار. وهو ما لا تسمح به ضمائر القادة والنخب السياسية مهما كان حجم الخلافات والتي ثبت عمليا أنها لا تمتلك ترف الاستمرار في هذه الخلافات ومن ثم عادت بوتيرة متسارعة إلى المربع الأول المتمثل في استعادة منظومة المجلس لروحها التي صاغها الآباء في مطلع ثمانينات القرن الفائت بهدف أن تشكل قيمة مضافة للأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة والتي تعد من أشد مناطق العالم حساسية. فضلا عن تمتعها بأهمية إستراتيجية استثنائية لدى القوى الكبرى وهو ما دعا أغلبها إلى توقيع اتفاقيات دفاعية مع دول المجلس تلزمها بحماية أمنها واستقرارها. وإن كانت ثمة أصوات ارتفعت في الآونة الأخيرة تدعو إلى الاعتماد على القدرات الذاتية لدول المنطقة وهو أمر ينبغي الولوج إليه خاصة بعد التحولات الواضحة في مواقف الولايات المتحدة وبعض القوى الكبرى خاصة بعد اتفاق إيران مع مجموعة 5 (زائد 1) قبل أكثر من أربعة أشهر والذي أثار شكوك وعلامات استفهام السعودية وبعض دول المنطقة مما دفع الرئيس الأمريكي باراك أوباما لزيارة الرياض مؤخرا لتطمين القيادة السعودية وغيرها من دول المنطقة.
رابعا: إنني على يقين أن اتفاق الخميس الفائت سيلقى بظلاله الإيجابية على العلاقات القطرية المصرية. والتي شهدت بعد ثورة الثلاثين من يونيو الماضى بعضا من التباينات والتناقضات أسهمت الحملات المتبادلة بين الوسائط الإعلامية في البلدين في صب المزيد من النيران على متنها. ويقينى أن القيادة القطرية لن تدفع بالأمور إلى التفاقم مع مصر المحروسة وذلك اقتناعا منها بأهمية المحافظة علي استقرارها وأمنها ومقومات بقائها كقوة إقليمية تشكل عمقا استراتيجيا لأمن الخليج ومن ضمنه قطر واسترجع هنا مقولة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والتي نقلها عنه الكاتب والمفكر الكبير محمد حسنين هيكل في حديثه لفضائية السي بي سي مساء الخميس الماضي ومؤداها" ليس بوسع أحد أن يفتح فمه إذا كانت مصر هي مصر" واللافت أن الاتفاق القطري الخليجي قد حظي بترحيب مصر والتي أعلنت وزارة خارجيتها على لسان المتحدث الرسمي باسمها السفير بدر عبدالعاطي تأييدها لأي جهود من شأنها تحقيق الوفاق العربي مؤكداً أهمية أن يقوم ذلك علي أسس سليمة تضمن الاحترام الكامل لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة عربية.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4431
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2649
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2295
| 02 يونيو 2026