رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

981

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

كل شيء سيمر

30 سبتمبر 2026 , 12:10ص

كل شيء سيمر، قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكنها من أكثر الحقائق التي ننساها ونحن في قلب الأحداث، فنحن نمنح بعض الأشياء حجمًا أكبر من حقيقتها لأنها تحدث أمامنا الآن، ونظن أحيانًا أن ما نعيشه اليوم سيبقى كما هو إلى الأبد.

الغضب سيمر، والخلاف سيمر، والحزن سيمر، والفرح سيمر، المنصب سيمر، والسلطة ستنتقل، والوجوه ستتغير، والأيام التي نظن أنها لن تنتهي ستصبح يومًا جزءًا من الذاكرة، لكن الإنسان، وهو يعيش اللحظة، لا يرى ذلك كله، يرى فقط ما أمامه.

ولهذا قد يخسر صديقًا بسبب موقف عابر، وقد يقطع علاقة بسبب خلاف كان يمكن أن ينتهي بكلمة، وقد يخوض معركة لا تستحق، ثم يكتشف بعد سنوات أن المعركة انتهت، وأن الذين خسرهم فيها كانوا أهم من الانتصار نفسه.

وقد يجلس أحدهم على مقعد يظنه دائمًا، فينسى أن المقاعد لا تحتفظ بأصحابها، وأن الكرسي الذي يرفع الإنسان اليوم قد يرفع غيره غدًا، وليست المشكلة أن الأشياء تمر، فهذه سنة الحياة، المشكلة أننا أحيانًا نتصرف وكأنها لن تمر، نغضب وكأن الغضب سيبقى، ونختلف وكأن الخلاف أبدي، ونتمسك بما في أيدينا وكأنه لن ينتقل إلى غيرنا.

والحكمة ليست في ألا نحزن، ولا في ألا نغضب، ولا في ألا نتألم، الحكمة أن نعرف حجم الشيء في عمرنا، فلا نعطي لحظة عابرة سلطة على سنوات كاملة من حياتنا، فبعض الخلافات لا تحتاج إلى انتصار، وبعض المعارك لا تحتاج إلى أن نخوضها، وبعض الأشياء لا تستحق أن نخسر من أجلها ما هو أثمن منها.

والأصعب من أن نخسر شيئًا هو أن نكتشف بعد أن يمر أننا خسرنا من أجله شيئًا لا يمكن استعادته: وقتًا، أو علاقة، أو راحة بال، أو جزءًا من أنفسنا، فالزمن لا يعيد إلينا الأيام التي أنفقناها في خصومة، ولا الساعات التي أضعناها في إثبات ما لم يكن يحتاج إلى إثبات، ولهذا فإن بعض الانتصارات تكون مكلفة إلى درجة تجعل الإنسان يتمنى لو أنه لم ينتصر.

وإذا كان كل شيء سيمر، فهناك سؤال آخر يستحق أن نتوقف عنده: ماذا سيبقى بعد أن يمر كل شيء؟ قد ينسى الناس سبب الخلاف، لكنهم لن ينسوا كيف اختلفت معهم، وقد ينسون المنصب، لكنهم سيتذكرون كيف استخدمت سلطتك، وقد ينسون القرار، لكنهم سيتذكرون إن كنت عادلًا حين اتخذته.

وقد تنتهي مسؤوليتك، لكن الأثر الذي تركته في الناس قد يبقى بعد أن يغادر اسمك المكان، لهذا، ربما لا ينبغي أن ننشغل كثيرًا بما سيمر، بقدر ما ينبغي أن ننتبه إلى ما نتركه ونحن نمضي.

كل شيء سيمر... فلا تجعل ما سيمر يأخذ منك ما لا يعود.

مساحة إعلانية