رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أزعم أنني على دراية ولو محدودة بالشأن الخليجي بحكم عملي في العاصمة القطرية – الدوحة- لفترة تقترب من العشرين عاما وزياراتي المتعددة لكل دول منظومة مجلس التعاون وقيامي بمتابعة أغلب الاجتماعات في تلك الفترة سواء على مستوى القمة أو الوزراء بمختلف تخصصاتهم وذلك يدفعني إلى القول بأن هذه المنظومة باتت في حاجة إلى التحول الجذري من حالة "التعاون" السائدة منذ نحو ثلاثة وثلاثين عاما عندما انطلقت بمدينة أبو ظبي في الخامس والعشرين من مايو1981 إلى الصيغة المنطقية التي تستحقها المتمثلة في "الاتحاد" وصولا إلى الحلم الأكبر وهو قيام دولة خليجية موحدة تفرض حضورها الإقليمي والدولي وتشكل قيمة مضافة للنظام الإقليمي العربي بل قد تدفعه إلى الدخول في مرحلة الوحدة الشاملة التي يحلم بها الشعب العربي منذ تقسيم المنطقة العربية إلى كيانات وأقطار- وفقا لاتفاقية سايكس بيكو في العام 1916 -تتباين في حجمها الجغرافي وكثافتها السكانية والأخطر أن القوتين اللتين أشرفتا على هذا التقسيم وهما بريطانيا وفرنسا رسمتا الحدود فيما بين هذه الأقطار على نحو يجعلها قابلة للاشتعال في أي وقت الأمر الذي ما زالت تكابده المنطقة وأسهم في قيام حروب بين الأشقاء.
وما دفعني للكتابة عن هذا الملف هو مشاركتي في ندوة عقدت بالقاهرة يوم الخميس الماضي بالتنسيق بين مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية ومركز الخليج للأبحاث خصصت على مدى اثنتي عشرة ساعة لمناقشته وفقا لمنهجية العلمية والأكاديمية بمشاركة أكثر من 40 مفكرا من مصر ودول مجلس التعاون الخليجي والميزة النسبية التي اتسمت بها هذه الندوة تكمن في أنها تجنبت المجاملات وتبنت خطابا ينهض على الشفافية والمصارحة والموضوعية لأن الأمر يتصل بخيار مصيري يتعلق بمنطقة هي واحدة من أهم مناطق العالم حيوية وامتلاكا للأبعاد الإستراتيجية
ومن خلال متابعتي لمختلف المداخلات والمساهمات الفكرية لمعالجة هذه القضية بوسعي التأكيد أن الدخول في مرحلة الاتحاد لا يمكن اعتباره ترفا وإنما فريضة واجبة يتعين المضي باتجاهها بكل قوة وحرص على النجاح والتبلور في الواقع الخليجي حتى وإن بدا ثمة تحفظ هنا أو تردد هناك وذلك للمعطيات التالية:
أولا: إن دول مجلس التعاون بلغت مرحلة متقدمة من النضج واكتمال تجربة التنسيق والتكامل رغم بعض الاختلالات والمعوقات في بعض المجالات وذلك من طبائع الأمور ولا يشكل مصدرا للخوف أو الهواجس وبوسعي الإشارة إلى أن الأجيال الجديدة في المنطقة أضحت تتطلع إلى بروز الكيان الاتحادي الخليجي بحسبانه سيشكل رافدا لفتح نوافد التنقل دون معوقات سواء للبشر أو رؤوس الأموال أو الخبرات أو حتى الأحلام وألفت في هذا السياق إلى تجربة الدكتور عبدالله باعبود العماني الجنسية والذي يرأس برنامج دراسات الخليج بجامعة قطر والتي استعرضها ربما ضاحكا أو باكيا أو بمزيج من الضحك والبكاء معا فقد قرر التوجه من بلاده إلى الدوحة بسيارته الخاصة وعندما توقف عند المنفذ الحدودي الذي سيدخل منه إلى الأراضي السعودية مرورا إلى الدوحة سأله مسؤول المنفذ عن وثيقة التأمين الخاصة بالسيارة فأبلغه أنه يحمل وثيقة التأمين التي تصدر باسم مجلس التعاون والتي من المفترض أن تسمح له بالمرور والتحرك في أي دولة من دوله الست . بيد أن هذا المسؤول أصر على أن يستخرج وثيقة تأمين سعودية فالتعليمات لديه واضحة في هذا الشأن.
ثانيا: إن المنطقة في ضوء ما تواجهه البلدان العربية خاصة الكبرى والتي باتت مشغولة بهمومها وقضاياها الداخلية لاسيَّما بعد اندلاع ثورات الربيع العربي والتي كانت دول منظومة مجلس التعاون أو أغلبها لاعبا رئيسيا فيها تتطلع إلى أن تشكل كيانا واحدا حتى وإن أخذ في المرحلة الأولى الصيغة الكونفيدرالية التي تسمح باستمرار كل دولة في ممارسة سيادتها الوطنية مع ترك السياسة الخارجية وشؤون الدفاع والاقتصاد والطاقة للسلطة المركزية فذلك من شأنه أن يعظم المكانة والدور ويتحول الاتحاد الخليجي إلى رقم مهم في المعادلة الإقليمية والدولية وفي الوقت ذاته يمتلك درجة استقلالية أكثر على صعيد اتخاذ القرارات المهمة المتعلقة بالشؤون الدفاعية والعسكرية والأمن الإقليمي من دون الحاجة إلى الاعتماد الكلي على العامل الدولي الذي مازال يمارس نفوذه بحكم غياب هذه الدرجة بل إنه سيكون أكثر قدرة على التعاطي بفعالية مع فوائض أعضائه المالية لإنفاقها في الداخل أو في محيطه العربي أو حتى الإسلامي دون أن تتكدس في بنوك ومصارف الغرب الذي يتحكم فيها بشكل أو بآخر.
ثالثا: لا أظن أن مخاوف من قبيل رغبة المملكة العربية السعودية التي تبنى عاهلها الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدعوة إلى قيام هذا الاتحاد للهيمنة على الدول الأخرى في حال قيام الاتحاد الخليجي لها موقع من الإعراب فوفقا لما ذكره لي الدكتور ظافر العجمي رئيس مجموعة مراقبة الخليج بمركز الدراسات والأبحاث الكويتي فإن المملكة بمقدورها أن تمارس الهيمنة حتى من دون إقامة هذا الاتحاد ويضيف: هذه مسألة افتراضية ولا تبدو واقعية في ظل الممارسات التي كانت سائدة على مدى العقود الثلاثة الماضية والتي لم يثبت خلالها أي نزوع لهيمنة الرياض على دول إقليم الخليج ولم تطرح من الدول الأعضاء بالقوة التي طرحت بها مسألة المساس بالسيادة الوطنية أو العبء الاقتصادي الذي يمكن أن يضيفه التحول من التعاون إلى الاتحاد.
رابعا: إن دول منظومة مجلس التعاون لدول الخليج العربية أثبتت خلال العقود الثلاثة الأخيرة قدرتها على تعزيز الاستقرار لشعوبها رغم عمق التحديات الأمنية والإستراتيجية وشكلت عنصرا داعما لكافة الأشقاء العرب ومن ثم - الكلام للسفير ناصر كامل مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون العربية -فإن الارتقاء بها إلى صيغة الاتحاد على نحو يعزز من فعالية آلياتها التنسيقية والتكاملية سيمثل بدوره تعزيزا وتقوية لمنظومة العمل العربي المشترك والتضامن العربي.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
114
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
75
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
114
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4575
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2655
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2295
| 02 يونيو 2026